الحرب في السودان تدخل مرحلة «جز الرؤوس»

الجيش يحقق و«الدعم السريع» يصفها بـ«جريمة إرهابية تُذكر بعمليات داعش»

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وسط قواته في شرق البلاد (أرشيفية - سونا)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وسط قواته في شرق البلاد (أرشيفية - سونا)
TT

الحرب في السودان تدخل مرحلة «جز الرؤوس»

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وسط قواته في شرق البلاد (أرشيفية - سونا)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وسط قواته في شرق البلاد (أرشيفية - سونا)

نشر أفراد من الجيش السوداني مقطع فيديو مروِّعاً وهم يحملون رؤوساً مقطوعة قالوا إنها لمسلَّحين من قوات «الدعم السريع»، في حين ذهبت جهات داخلية إلى اتهام «ميليشيا الإخوان المسلمين» التي تُقاتل إلى جانب الجيش، وحلفائها من المجموعات المتطرفة في تنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، بالوقوف خلف هذه الحوادث البشعة.

وتزيد هذه الواقعة المخاوف، داخلياً وإقليمياً ودولياً، من أن تؤدي الفوضى والاضطراب الأمني إلى تشجيع الجماعات الإسلامية والإرهابية على نقل نشاطها إلى السودان.

وأظهر مقطع الفيديو، المتداول بكثافة منذ ليل الخميس على منصات التواصل الاجتماعي، أفراداً من الجيش يُلوّحون بأسلحة بيضاء، ويعترفون بعملية الذبح، ويتوعدون بأن هذا سيكون تعاملهم مع قوات «الدعم السريع». وأعادت المشاهد الصادمة إلى الأذهان طريقة تنظيم «داعش» وهو يُوثّق قطع رؤوس عشرات الرهائن والضحايا والجنود ذبحاً، وينشرها في وسائل إعلامه إبان وجوده في الرقة بسوريا.

قادة عسكريون خلال تجمع مؤيد للجيش في القضارف بشرق السودان في 16 يناير الماضي (أ.ف.ب)

الجيش يحقق

من جانبه، قال الجيش السوداني إنه بدأ التحقيق في الأمر، وسيحاسب المتورطين إذا أثبتت نتائج التحقيق أنهم يتبعون قواته، في حين وصفت قوات «الدعم السريع» ذبح الأشخاص الثلاثة بأنه «سلوك إجراميّ متطرف من ميليشيا البرهان وكتائب النظام البائد»، وجرى على أساس عِرقي وجِهوي.

وقال المتحدث الرسمي للجيش السوداني نبيل عبد الله، في تعميم صحافي، يوم الجمعة: «إن القوات المسلّحة تتقيّد بقوانين وأعراف الحرب وقواعد السلوك أثناء العمليات الحربية بعدم مجاراة الميليشيا الإرهابية (يقصد الدعم السريع) في انتهاكاتها المستمرة منذ بدء الحرب». بدورها، قالت قوات «الدعم السريع»: «طالعنا مقاطع الفيديوهات التي بثّتها ميليشيا البرهان وكتائب النظام البائد الإرهابية، بذبح ثلاثة أشخاص على أساس عِرقي وجِهوي، والتمثيل بجثثهم في مشهدٍ يشبه السلوك الإجرامي لهذه المجموعات المتطرفة وينافي الأخلاق والدين والقوانين».

وأدانت قوات «الدعم السريع»، في بيان للمتحدث الرسمي باسمها، الفاتح قرشي، ما وصفته بـ«الجريمة البشعة»، مطالِبة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بإدانة هذه الانتهاكات الفظيعة بحق الشعب السوداني. وقال قرشي: «إن أشاوس الدعم السريع يحتجزون عشرات الآلاف من ميليشيا البرهان، ولن ينجرُّوا وراء هذا السلوك غير الإنساني والانتقاص من حقوق الأسرى بطرفنا».

جنود ومجندون في الجيش السوداني خلال دورية بمدينة القضارف في 14 يناير (أ.ف.ب)

اتهامات لـ«كتائب الإسلاميين»

ولا تُخفي القوى السياسية السودانية صراحةً اتهام كتائب الإسلاميين «ميليشيات إخوانية»، التي تُقاتل في صفوف الجيش السوداني ضد قوات «الدعم السريع»، بالضلوع في الحادثة باستخدام نمط الجماعات المتطرفة، مثل «داعش». وعقب اندلاع الحرب في السودان بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، منتصف أبريل (نيسان) من العام الماضي، أعلنت مجموعات تابعة للإسلاميين، ومنها «كتيبة البراء والبنيان المرصوص»، حشد أتباعها للقتال إلى جانب الجيش. وانضمّ إلى هذه الكتائب المئات من «قوات الدفاع الشعبي»، وهي أيضاً فصيل عسكري أسّسته «الحركة الإسلامية» من المنتمين لها عقائدياً، للحرب ضد قوات «الحركة الشعبية» في جنوب السودان قبل انفصاله عن الشمال.

الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير (أرشيفية - أ.ف.ب)

«الحرية والتغيير» تتهم حزب البشير

من جانبها، قالت «قوى الحرية والتغيير»، وهي أكبر تحالف مدني في البلاد: «تابعنا فيديو يُظهر منسوبين للقوات المسلّحة يحملون رأسَي اثنين من القتلى بعد فصلهما عن جسديهما»، مضيفة أن «ما جرى بثُّه صادم ومروٍّع وسلوك إرهابي يتسق مع ممارسات حزب النظام المعزول (الذي كان يترأسه عمر البشير وحزبه الإسلامي)، صاحب الجرائم والسحل الإرهابي الطويل وحلفائه من المجموعات المتطرفة».

وذكرت «قوى الحرية والتغيير»، في بيان، أن هذا الجُرم يستوجب محاكمة كل المشاركين فيه باعتبارهم مجرمي حرب، وأن غض الطرف عنه يضع كل القادة المباشرين والمسؤولين، مشاركين في هذا الجرم بتهمة التقصير وعدم اتخاذ أي إجراءات ضد مرتكبيه. ودعت «قوى الحرية والتغيير» إلى إنهاء الحرب فوراً للحيلولة دون انجرافها إلى حرب أهلية، وتطورها باستقطاب مقاتلين إرهابيين لتطبيق أساليبهم الإجرامية في نحر الأعناق، كما حدث في سوريا وليبيا وعدد من الدول التي عانت الاضطرابات وتضرّر منها الجوار الإقليمي والمجتمع الدولي.

آثار مواجهات الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)

«إفلاس أخلاقي»

وكتب القيادي في «قوى الحرية والتغيير»، ياسر عرمان، على منصة «إكس»، معلِّقاً إن استعراض رؤوس ضحايا الحرب، عسكريين أو مدنيين، «إفلاس أخلاقي وسياسي وديني»، مشيراً إلى أن «فلول النظام المعزول يريدون تحويلها إلى حرب إثنية، بعد أن رفض الشعب حربهم باسم الكرامة». وأضاف: «علينا رفض هذا السلوك الإجرامي، وسيعاقَب مَن قام به عاجلاً أم آجلاً». وتابع: «الأنكى أنهم يأخذون صورهم بلباس القوات المسلّحة، وهي مَكيدة من الفلول (أنصار نظام البشير) وقادتهم الذين يسيئون للجيش ودمّروا المؤسسات الأمنية وأفسدوها، ويريدون إحداث فتنة باسمها ولبسها، لكن الشعب لن يقبل مكائدهم، والسودان للسودانيين جميعاً».

من جهة ثانية، قال وزير شؤون مجلس الوزراء السابق في الحكومة المدنية المُقالة، خالد عمر يوسف، على موقع «فيسبوك»، إن التسجيلات المصوَّرة التي انتشرت لأفراد من القوات المسلَّحة وهم يتفاخرون بجز رؤوس بشرية، تكشف عن انحطاط أخلاقي وسلوك إرهابي لا يمت للإنسانية بصلة». وأضاف أن «هذه الجريمة تنقل الحرب إلى بُعد آخر لا يمكن احتواؤه».

دمار سببته الاشتباكات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في إقليم دارفور (أرشيفية - أ.ف.ب)

رابطة محامي دارفور

بدورها، قالت «رابطة محامي دارفور» إن قوات الجيش السوداني ذبحت اثنين من الأسرى وقطعت رأسيهما ومثّلت بهما، «وسط أهازيج الجنود وفرحهم». وأضافت، في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، «أن هذا المنظر القبيح يوضح للرأى العام المحلي والإقليمي والدولي مدى فظاعة وعنف عقيدة الجيش وحلفائه من الإسلاميين الملالي وتوابعهم».

وقالت الرابطة: «ندين هذا المشهد البشِع ونحقق، مع زملائنا من القانونيين والمهتمين بالقانون الدولي وحقوق الإنسان ولجنة الصليب الأحمر الدولي، في الفيديو بالغ القسوة». وتزداد المخاوف، داخلياً وإقليمياً ودولياً، من أن تؤدي الفوضى والاضطراب الأمني إلى تشجيع الجماعات الإسلامية الإرهابية على نقل نشاطها إلى السودان.


مقالات ذات صلة

مقتل 10 أشخاص وتدمير 20 شاحنة جراء استهداف القوافل الإنسانية بالسودان

شمال افريقيا من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

مقتل 10 أشخاص وتدمير 20 شاحنة جراء استهداف القوافل الإنسانية بالسودان

الانتهاكات في السودان «ليست عشوائية، بل نمط متكرر ومنهجي يقوض قواعد القانون الدولي الإنساني، ويحد من فاعلية الاستجابة الإنسانية...».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

على نحو مفاجئ، بحث صلاح النمروش رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية المؤقتة مع مدير الاستخبارات العسكرية بالجيش السوداني الفريق محمد علي صبير سبل التعاون العسكري.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

هز انفجار عنيف وسط العاصمة الخرطوم، ارتجت له حوائط المنازل في عدد من أحياء المدينة، وسُمع صوته المرعب في مناطق بعيدة، بينما تباينت المعلومات حول تحديد نوعه.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيّرة

السعودية تدين استهداف مستشفى الجبلين في السودان

أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إدانة المملكة واستنكارها استهداف «قوات الدعم السريع» لمستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض في السودان، مما أسفر عن سقوط…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا عناصر تابعون لـ«الدعم السريع» (فيسبوك)

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

لماذا تتجاهل «الوحدة» الليبية التحقيق في حادث الناقلة الروسية؟

ناقلة الغاز الروسية المتضررة قرب الساحل الليبي في مارس الماضي (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية المتضررة قرب الساحل الليبي في مارس الماضي (بلدية زوارة الليبية)
TT

لماذا تتجاهل «الوحدة» الليبية التحقيق في حادث الناقلة الروسية؟

ناقلة الغاز الروسية المتضررة قرب الساحل الليبي في مارس الماضي (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية المتضررة قرب الساحل الليبي في مارس الماضي (بلدية زوارة الليبية)

أثار تجاهل حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة التحقيق في حادث ناقلة الغاز الروسية قبالة الساحل الليبي تساؤلات قانونية وسياسية كثيرة، لا سيما عقب مطالبة لجنة برلمانية بفتح تحقيق في الواقعة.

ولم تُعلن الحكومة مباشرة أي إجراءات للتحقيق في الحادث، الذي تعرّضت فيه الناقلة «أركتيك ميتاغاز» لانفجارات أعقبها حريق، داخل نطاق المياه الواقعة بين ليبيا ومالطا، وفق ما أفادت به مصلحة الموانئ والنقل البحري في الرابع من مارس (آذار) الماضي.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

وكانت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب قد دعت في 23 مارس الماضي، إلى إجراء تحقيق شامل، بالتعاون مع الجهات الدولية، واصفة الحادث بأنه «انتهاك صارخ للأمن القومي الليبي»، مع نفيها في الوقت ذاته «مزاعم تنفيذ الهجوم انطلاقاً من الأراضي الليبية».

وتزامنت الدعوة البرلمانية وقتها مع مسارعة السلطات الروسية، ممثلة في وزارة النقل ووزير الخارجية سيرغي لافروف، إلى اتهام أوكرانيا بـ«استهداف الناقلة الروسية بمسيّرات بحرية أوكرانية».

قانونياً، يرى الدبلوماسي وأستاذ القانون الدولي، محمد الزبيدي، أن «الوضع القانوني للحكومة في غرب ليبيا لا يتيح فتح تحقيق جنائي، نظراً لأن موقع الحادث يقع على بُعد 130 ميلاً بحرياً من الساحل الليبي، حسب الإعلان الرسمي، بما يجعل الناقلة خارج نطاق المياه الإقليمية، ومن ثم ينتفي خضوعها للولاية الجنائية الليبية».

ويرى الزبيدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «وقوع الحادث ضمن منطقة البحث والإنقاذ لا يترتب عليه أي اختصاص قضائي»، وقال إن «الاختصاص الأصيل في التحقيق يظل منعقداً لدولة العَلم، وهي روسيا، وفقاً للمبادئ التي ترعاها المنظمة البحرية الدولية، مع إمكانية انخراط أطراف أخرى، إذا ثبت أن الحادث ناجم عن فعل عدائي منظم».

وأشار الزبيدي في المقابل إلى أنه «يجوز للسلطات الليبية فتح تحقيق، لكن في إطار اختصاصات مكمّلة، مثل حماية مصالحها أو أمنها البيئي في المنطقة الاقتصادية الخاصة الليبية».

الباعور وزير الخارجية الليبي والسفير الروسي أيدار أغانين في لقاء بطرابلس مارس الماضي (وزارة الخارجية)

ورغم ذلك، فإن تساؤلات غربية بقيت قائمة بشأن المسؤولية عن ادعاءات استهداف ناقلة الغاز الروسية بـ«مسيّرة»، خصوصاً في ضوء تقرير بثته «إذاعة فرنسا الدولية» مؤخراً، قال إن «الهجوم تم بزورق مسيّر أوكراني الصنع»، واستند إلى ما قالت إنه «وجود عسكري لكييف في غرب ليبيا».

عسكرياً، لا تبدو الرواية التي ساقها التقرير الفرنسي منطقية من منظور الخبير العسكري، العميد عادل عبد الكافي، الذي لا يرى أي «ولاية عملياتية عسكرية لليبيا تخول لها التدخل في التحقيقات، في ضوء سيناريوهات الحادث»، واستبعد ما تحدث عنه التقرير الفرنسي عن «وجود مسيّرات وخبراء أوكرانيين في ليبيا».

ومن بين هذه السيناريوهات، التي يراها عبد الكافي «احتمال استهداف المسيّرات الأوكرانية للناقلة من على بُعد، يُقدّر بنحو 2000 كيلومتر، وهو مدى تصل إليه تلك المسيّرات، ووجود دعم تقني واستخباراتي غربي لكييف، بما يدحض فرضية استهدافها من الأراضي الليبية»، وفق رؤيته.

كما لم يستبعد سيناريو آخر، وهو استخدام منصة إطلاق بحرية لمتابعة تحركات الناقلات الروسية، خصوصاً ما يُعرف بـ«أسطول الظل»، لا سيما وأن هذه الواقعة ليست سابقة من نوعها، مستشهداً بحادثة استهداف ناقلة نفط روسية مماثلة في البحر المتوسط والبحر الأسود، ما يعكس وفق تقديره «نمطاً متكرراً من الاستهداف في مسارح بحرية مختلفة».

والملاحظ أيضاً أن حادث استهداف ناقلة الغاز الروسية قرب الساحل الليبي لم يكن معزولاً، إذ أعقبه هجوم آخر استهدف ناقلة نفط في البحر الأسود، كانت تركيا قد أعلنت عنه في 26 مارس الماضي، بما يعزز مؤشرات تصاعد وتيرة الاستهداف في مسارح بحرية متعددة.

يُشار إلى أنه لا تزال مهمة السيطرة على الناقلة الروسية «عسيرة»، مع إعلان السلطات في غرب ليبيا في وقت سابق هذا الشهر أنها «أصبحت خارج السيطرة عقب انقطاع أسلاك الجر نتيجة سوء الأحوال الجوية»، فيما أعلن «الجيش الوطني» في شرق البلاد (الثلاثاء) أن «أركتيك ميتاغاز» باتت على بُعد نحو 70 ميلاً بحرياً شمال غربي بنغازي.


بعد قرار حظر أعمال الرعاية المنزلية... ما أبرز قطاعات عمل المصريات بالخارج؟

وزير الخارجية المصري يلتقي بمصريات من أبناء الجالية في نيويورك العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي بمصريات من أبناء الجالية في نيويورك العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

بعد قرار حظر أعمال الرعاية المنزلية... ما أبرز قطاعات عمل المصريات بالخارج؟

وزير الخارجية المصري يلتقي بمصريات من أبناء الجالية في نيويورك العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي بمصريات من أبناء الجالية في نيويورك العام الماضي (الخارجية المصرية)

قبل أيام، حظرت وزارة العمل المصرية سفر الفتيات والسيدات للعمل في عدة مجالات بالخارج؛ مثل تنظيف المنازل، والتمريض المنزلي، والعمل في تقديم المأكولات والمشروبات بالمطاعم والمقاهي، ما أثار جدلاً بين من يرى في القرار «حمايةً وصوناً»، ومن يظن أنه «يُضيّق» فرص عمل ربما تحسن من وضعهن الاقتصادي.

وبين هذا وذاك، هناك من لا يرى أن القرار يعكس تغيراً جوهرياً في خريطة عمل المصريات في الخارج، التي يتصدرها القطاع الطبي؛ بداية من العمل ممرضات أو طبيبات أو متخصصات تخاطب، بحسب محمد عبد الرؤوف، مدير عام شركة «السلسبيل» لإلحاق العمالة المصرية بالخارج.

وعن طبيعة الأعمال الأخرى التي تعمل بها عادة المصريات في الخارج، قال عبد الرؤوف لـ«الشرق الأوسط»: «مجال التدريس يأتي في مرحلة تالية بعد المجال الطبي، ثم تأتي الوظائف الأخرى مثل العمل في المقاهي أو المنازل»، وهي وظائف لا تعمل شركته على إلحاق المصريات بها.

ولا توجد إحصائية رسمية لأعداد المصريات العاملات في الخارج، غير أن مدير شركة «السلسبيل» قدرهن بنحو 10 في المائة فقط من إجمالي عدد المصريين بالخارج، الذي يُقدر بنحو 11.8 مليون نسمة، وفق آخر إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في عام 2022.

سيدات من محافظة دمياط مشاركات في ورشتي عمل لصناعة الحلي والجلود (المجلس القومي للمرأة)

وأثنى عبد الرؤوف على القرار الحكومي، عادَّاً إياه «حماية للمصريات اللاتي يتعرضن أحياناً للاستغلال».

أما الشابة العشرينية شهد محمد، فقد تحفظت على القرار وطالبت بتعديله، مشيرة إلى أنه يؤثر على بعض العاملات في قطاع المطاعم. وقالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها سافرت قبل سنوات للعمل في إحدى الدول الخليجية بعدما دفعت مبلغاً لشركة إلحاق عمالة، وإنها عملت في مطعم يحمل علامة تجارية عالمية شهيرة، بما يتناسب مع دراستها للسياحة والفنادق. ولفتت إلى أنها كانت بحاجة لهذا العمل نظراً لمرض والدها وحاجته لعمليات جراحية، خصوصاً أن ليس لها أشقاء ذكور.

«إخلاء طرف»

قبل 6 سنوات، غادرت الشابة مريم الروبي مدينة الإسكندرية بشمال مصر، إلى دولة خليجية للعمل بتأشيرة «عاملة نظافة» باعتبارها «الأقل تكلفة»، غير أنها عملت فعلياً مساعدة مدير مطعم، ثم بعد سنوات انتقلت للعمل في شركة إلكترونيات بالدولة نفسها، وهو المجال الذي «نادراً ما تعمل فيه مصرية بالخليج»، بحسب حديثها.

ويؤرخ الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي، لظاهرة سفر المصريات للعمل، فيقول إنها كانت مرحلة لاحقة لعمل المصريين الذكور في الخارج والتي كانت في بداية السبعينات، وتنوعت آنذاك بحسب طبيعة كل مجتمع؛ ففي الخليج مثلاً كانت العمالة المصرية في مهن مثل التدريس والطب، وفي بلدان أخرى كانت عمالة بمجالات كالزراعة أو البناء في العراق وليبيا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في نهاية السبعينات، وخلال الثمانينات والتسعينات وحتى الآن، ظهر استيراد العمالة المنزلية من عدة دول خليجية، سواء العمالة الآسيوية أو المصرية، وبالتزامن سافرت معلمات وطبيبات للعمل هناك؛ غير أن استقدام الذكور كان دائماً متاحاً على نحو أكبر وأوسع مقارنة بالإناث».

واعتبر فوزي أن سفر المصريات للعمل في الخارج، خصوصاً في الوظائف التي لا تحتاج إلى شهادات بعينها، يرتبط بتردي أوضاعهن الاقتصادية واضطرارهن للسفر. أما القرار الحكومي الأخير فهو من وجهة نظره «محاولة رسمية لإخلاء طرف الحكومة لما قد تتعرض له هذه العمالة في الخارج، دون بحث عن حلول عملية لهن».

ويتفق معه أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، قائلاً إن القرار «خطوة تنظيمية تهدف للحماية، لكنه يثير تساؤلات حول التوازن بين الكرامة وتوفير الفرص الاقتصادية البديلة محلياً، خصوصاً مع وجود أكبر نسبة بطالة للنساء في العالم بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

وتبلغ نسبة البطالة بين النساء في مصر نحو 18 في المائة حتى عام 2024، وفق البنك الدولي.

وقال صادق لـ«الشرق الأوسط»: «القرار الأخير لا يعيق عمل المرأة المصرية بالخارج بشكل عام؛ بل يقتصر على المهن غير الملائمة؛ وما زال العمل مسموحاً به في المهن التخصصية مثل الطب والتمريض غير المنزلي والهندسة والتدريس والوظائف المكتبية في شركات، غير أن الحل الأمثل يكون في تحسين الوضع الاقتصادي داخل مصر وتوفير فرص آمنة حقيقية للجميع».

المجلس القومي للمرأة بمصر ينظم تدريباً لريادة الأعمال للسيدات ضمن برنامج «رابحة» (المجلس)

عمل غير رسمي

وإلى جانب طرق السفر التقليدية للعمل بالخارج من حيث الحصول على تأشيرة بذلك، تعتمد مصريات على العمل بطرق غير رسمية، مثل اللحاق بالزوج المقيم في الخارج باستخدام تأشيرة زيارة أو إقامة، ثم العمل في تلك الدولة.

ومن هؤلاء الطبيبة البيطرية سامية (اسم مستعار) التي كانت تعمل في إحدى شركات الأدوية بمصر قبل التحاقها للعمل في الشركة نفسها بدولة خليجية، وذلك بعدما لحقت بزوجها الذي كان يعمل صيدلياً بتلك الدولة.

ولم يستمر عمل الطبيبة البيطرية في الشركة إلا لبضعة شهور، فقد انتقل زوجها لمدينة أخرى، وانتقلت هي للعمل في التدريس بإحدى الأكاديميات التي تقوم على تدريس المنهج المصري لأبناء الجالية ممن يمتحنون في السفارة.

ومن ظواهر العمل غير الرسمي التي انتشرت أيضاً في الفترة الأخيرة، العمل من المنزل في مجال إعداد مأكولات مصرية للمغتربين، أو في مشاريع صغيرة ليبع الملابس والأدوات المنزلية، بالإضافة إلى عمل البعض بمجال التجميل.

وتقول لمياء (اسم مستعار) لـ«الشرق الأوسط»: «بعد فترة من اللحاق بزوجي الذي يعمل في الخليج، شعرت بالملل من البقاء دون عمل أو أصدقاء أو معارف، فأنشأت (غروب فيسبوك) وجربت عرض ملابس من براند شهير على صديقاتي في مصر».

وكانت لمياء تعمل في مصر بالمجال البحثي.

في أوروبا

تختلف أوضاع المصريات نسبياً في أوروبا، من حيث طبيعة الفئات اللاتي يقصدنها، ومن ثم الوظائف التي يعملن بها.

يقول أحمد لملوم، وهو صحافي مصري ومقيم في ألمانيا منذ 10 أعوام، إن وجود المصريات بالقارة الأوروبية يرتبط في الأساس إما بالدراسة والعمل خلال فترتها في أي أعمال حتى لو هامشية، لتحسين الأوضاع المعيشية، وإما بالسفر بغرض العمل من البداية، الذي عادة ما يرتبط بالمجالات الطبية والتكنولوجية.

ويلفت لملوم في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى التوسع في استقدام مصريات للعمل بألمانيا في مجال تكنولوجيا المعلومات.

ويتابع: «جانب آخر من المصريات رائدات أعمال»، مشيراً إلى أن معظم هؤلاء يوجد في الولايات المتحدة وكندا وبعض الدول الأوروبية.


ساركوزي يؤكد لمحكمة الاستئناف «براءته» في قضية التمويل الليبي

ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الإليزيه في ديسمبر 2007 (أ.ب)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الإليزيه في ديسمبر 2007 (أ.ب)
TT

ساركوزي يؤكد لمحكمة الاستئناف «براءته» في قضية التمويل الليبي

ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الإليزيه في ديسمبر 2007 (أ.ب)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الإليزيه في ديسمبر 2007 (أ.ب)

ردّ الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، في مستهلّ استجوابه، الثلاثاء، أمام محكمة الاستئناف في باريس، على «معاناة» عائلات ضحايا تفجير طائرة «دي سي-10»، التابعة لشركة «يوتا» الفرنسية، بتأكيده ما وصفها بـ«حقيقة» براءته في قضية التمويل الليبي لحملته الرئاسية عام 2007. مشدداً على أن حملته الرئاسية عام 2007 لم تتلقَّ سنتيماً واحداً من ليبيا.

نيكولا ساركوزي وزوجته كارلا خلال مغادرتهما قاعة المحكمة (أ.ب)

وحسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية، فقد بقي ساركوزي مُقلّاً في الكلام منذ بدء نظر محكمة الاستئناف في قضيته منتصف مارس (آذار) الماضي، خلافاً لما كان عليه سلوكه خلال محاكمته في الدرجة الأولى. لكن في بداية استجواب الرئيس السابق، الذي قد يستغرق أربعة أيام، طلب منه رئيس المحكمة التعليق على إفادات عدد من أقارب ضحايا تفجير طائرة «دي سي-10»، الذين رووا للمحكمة كيف جرى «سحق» أصواتهم أمام «صوت من يملكون إمكانية الوصول إلى الميكروفونات»، مندّدين بـ«الإنكار» و«الكذب» من جانب المتهمين.

ووفق لائحة الاتهام، فقد جرت لقاءات في نهاية عام 2005 بين اثنين من المقرّبين من نيكولا ساركوزي وعبد الله السنوسي، مدير الاستخبارات الليبية، المحكوم عليه بالسجن مدى الحياة غيابياً في فرنسا، لدوره في الاعتداء على طائرة «دي سي-10» التابعة لشركة «يوتا» الفرنسية عام 1989، والذي أودى بـ170 شخصاً بينهم 54 فرنسياً.

وقال ساركوزي: «لو كنت مكان المدعين الشخصيين لكان لديَّ الغضب نفسه، والحزن إياه». مبرزاً أنه «من المستحيل تقديم رد يرقى إلى مستوى المعاناة»، التي عبَّر عنها هؤلاء.

وأضاف بحضور زوجته كارلا بروني-ساركوزي: «لا يمكن الرد على معاناة لا توصف إلا بالحقيقة، ولكن لا يمكن معالجة معاناة بظلم: أنا بريء».

وتابع الرئيس السابق قائلاً: «الحقيقة هي أن لا سنتيم واحداً من المال الليبي في حملتي، والحقيقة هي أنني لم أتصرف مطلقاً لمصلحة السنوسي»، الذي كان يسعى إلى نيل عفو أو عفو عام بعد إدانته، مذكّراً بدوره الأساسي في تشكيل تحالف دولي أسهم في إسقاط نظام معمر القذافي في ليبيا عام 2011.

ساركوزي شدد لهيئة المحكمة على عدم تلقيه «سنتيماً واحداً من ليبيا» (أ.ف.ب)

كانت محكمة الجنايات قد برّأت ساركوزي خلال محاكمته في الدرجة الأولى من ثلاث من التهم الأربع، التي حوكم بسببها، لكنها أدانته بتشكيل «عصابة إجرامية»، وقضت بحبسه خمس سنوات مع النفاذ. وأمضى ساركوزي بالفعل نحو 20 يوماً في السجن قبل الإفراج عنه بشرط وضعه تحت الرقابة القضائية.

وخلص القضاة إلى أن التمويل الليبي لحملة 2007 الانتخابية لم يثبت بالدليل القاطع، على الرغم من حوالات مالية موثّقة بقيمة 6.5 مليون يورو من ليبيا في يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2006، معتبرين أن لا دليل على أن هذه الأموال انتهى بها المطاف في صناديق الحملة الانتخابية لساركوزي.

وطعن ساركوزي (71 عاماً) على الحكم بسجنه خمسة أعوام، الذي أصدرته محكمة فرنسية في سبتمبر (أيلول) الماضي بتهمة «التآمر الإجرامي»، والتورط في مخطط للحصول على أموال من نظام معمر القذافي، مقابل منحه امتيازات سياسية ودبلوماسية. نافياً هذه الاتهامات باستمرار، ومعتبراً أنها ذات دوافع سياسية بحتة.

ومن المقرر أن تقوم محاكمة الاستئناف، التي بدأت الشهر الماضي وتستمر 12 أسبوعاً، بإعادة فحص جميع الأدلة والشهادات المتعلقة به وبعشرة متهمين آخرين، بينهم ثلاثة وزراء سابقون.