تقلبات «الهدنة» تزيد الضغوط على معبر «رفح»

مقترح إسرائيلي لاستخدام «كرم أبو سالم» بديلاً

معبر رفح بين مصر وقطاع غزة (أ.ف.ب)
معبر رفح بين مصر وقطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

تقلبات «الهدنة» تزيد الضغوط على معبر «رفح»

معبر رفح بين مصر وقطاع غزة (أ.ف.ب)
معبر رفح بين مصر وقطاع غزة (أ.ف.ب)

تحول معبر رفح إلى بند حاضر دائماً في سجال سياسي يتعلق بواقع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، أو فيما يتعلق بترتيبات ما بات يُعرف بـ«اليوم التالي» بعد انتهاء الحرب في قطاع غزة، إضافة إلى تأثر الحركة من وإلى المعبر بتقلبات «الهدنة» في القطاع الفلسطيني.

وتطلق إسرائيل من حين إلى آخر تسريبات بشأن مستقبل التعامل مع الجانب الفلسطيني من المعبر، كان أحدثها ما أوردته تقارير إعلامية إسرائيلية بشأن دراسة الحكومة في تل أبيب مقترحاً يقضي بنقل موقع المعبر إلى منطقة «كرم أبو سالم» التي تمثل «مثلثاً» حدودياً بين مصر وقطاع غزة وإسرائيل.

وكشفت «القناة 13» في هيئة البث الإسرائيلية، السبت، عن رغبة حكومة بنيامين نتنياهو «في نقل موقع معبر رفح ليكون قريباً من معبر كرم أبو سالم»، ومن ثم تستعيد إسرائيل سيطرتها الأمنية على المعبر والتي كانت قد تخلت عنها عام 2005 بموجب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، والذي شمل أيضا انسحاباً من «محور فيلادلفيا» بالكامل.

وزعمت القناة أن إسرائيل تبحث حالياً مع مصر إمكانية نقل معبر رفح إلى منطقة معبر «كرم أبو سالم» المخصص للنقل التجاري، اعتقاداً بأن هذا الأمر سيتفادى حدوث نزاع بين إسرائيل ومصر حول قضية المعبر ومحور فيلادلفيا، بينما ستتمكن إسرائيل من إجراء تفتيش أمني، وفرض رقابة على حركة المرور من المعبر الذي تسيطر عليه حالياً حركة «حماس». وأضافت أن المصريين «لم يُبدوا استجابة بعد»، لكن الولايات المتحدة «متحمسة للفكرة».

وسبق أن نفى مصدر أمني رفيع المستوى في مصر لقناة «القاهرة الإخبارية»، الخميس، وجود أي ترتيبات أمنية جديدة بشأن محور صلاح الدين «فيلادلفيا». كما نفى المصدر ما جرى تداوله حول اقتراب التوصل مع إسرائيل لاتفاق حول رفح ومحور «فيلادلفيا» أو تركيب أية وسائل تكنولوجية جديدة بالمحور. ونفى وجود أي ترتيبات أمنية جديدة بشأن فيلادلفيا.

نازحون فلسطينيون من شمال غزة بالقرب من الجدار الفاصل بين مصر والقطاع (وكالة الأنباء الألمانية)

ورغم ذلك لا يتوقف حديث المسؤولين الإسرائيليين عما يمكن فعله للسيطرة على حدود القطاع، وإنهاء سيطرة حركة «حماس» على معبر رفح، إذ سبق أن أعلن نتنياهو في أكثر من مناسبة منذ بدء الحرب على قطاع غزة رغبة إسرائيل في السيطرة على محور صلاح الدين، والمعروف أيضاً باسم محور فيلادلفيا والذي يقع فيه معبر رفح البري، وهو ما رفضه الجانب المصري بقوة.

ويقع محور فيلادلفيا على امتداد 14 كيلومتراً عند الحدود بين غزة ومصر، ويُصنَّف منطقة عازلة بموجب معاهدة كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل عام 1979.

شريان حياة

ومنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، تحول معبر رفح إلى «شريان حياة» لدخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، في ظل قرار إسرائيل إغلاق جميع معابرها مع غزة، والتي يبلغ عددها 6 معابر، وإعلان مسؤولين إسرائيليين رفضاً حاسماً لدخول أي مساعدات عبر أراضيهم.

وخصصت مصر معبر رفح، وهو بالأساس مجهز لعبور الأفراد بين الجانبين المصري والفلسطيني إلى وسيلة لتمرير المساعدات الإغاثية واستقبال الجرحى والمصابين والحالات الإنسانية وخروج الأجانب من قطاع غزة.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الشهر الماضي، إن معبر رفح بين مصر وقطاع غزة مفتوح 24 ساعة طوال أيام الأسبوع، لكن الإجراءات التي تتخذها إسرائيل للسماح بدخول المساعدات تعرقل العملية، وأضاف أن هذا جزء من كيفية ممارسة الضغط بخصوص مسألة إطلاق سراح الرهائن.

حديث الرئيس المصري جاء في سياق الرد المصري على ما وصفته القاهرة بأنه «مزاعم وأكاذيب» من جانب فريق الدفاع الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، والتي زعموا خلال الجلسة الثانية للمحكمة بأن القاهرة هي المسؤولة عن منع دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى قطاع غزة من الجانب المصري لمعبر رفح.

وقال رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية ضياء رشوان إن تهافت وكذب الادعاءات الإسرائيلية يتضحان من أن كل المسؤولين الإسرائيليين، أكدوا عشرات المرات في تصريحات علنية منذ بدء العدوان على غزة، أنهم لن يسمحوا بدخول المساعدات لقطاع غزة خصوصاً الوقود، لأن هذا جزء من الحرب التي تشنها إسرائيل على القطاع.

ومع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية في قطاع غزة، واقترابها من منطقة رفح الحدودية، ازدادت حدة التصريحات الإسرائيلية بشأن مستقبل المنطقة الحدودية، بما فيها معبر رفح، الذي استُخدم منفذاً لخروج المحتجزين في قطاع غزة خلال الهدنة الوحيدة التي جرى التوصل إليها إلى الآن في قطاع غزة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بوساطة مصرية وقطرية وأميركية.

استهلاك محلي

ويصف السفير محمد العرابي وزير الخارجية المصري الأسبق، ورئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية التسريبات الإسرائيلية والتصريحات التي تصدر من حين إلى آخر من جانب مسؤولين حكوميين في تل أبيب بأنها «لا تعدو أن تكون تصريحات للاستهلاك المحلي»، مشيراً إلى أن الأمر «أكبر كثيراً من أن يتحكم فيه قرار إسرائيلي منفرد».

وأضاف العرابي لـ«الشرق الأوسط» ترتيبات القضايا الحدودية «محكومة باتفاقات دولية وتفاهمات بين دول عدة»، وبالتالي فإن الأحاديث الإسرائيلية عن تغيير هذا الواقع من جانب واحد «أمر خطير وغير مقبول»، لكنه أشار إلى أن إسرائيل تحولت إلى «دولة بها رؤوس عدة»، وهناك مجموعة قيادات في الحكم، وكل منها يطرح أفكاراً، ويدعو إليها سعياً لتحقيق مصالحه، عادّاً ذلك «في منتهى الخطورة».

وحول الموقف المصري من تلك الدعاوى الإسرائيلية، أشار وزير الخارجية المصري الأسبق، إلى أن مصر دولة مسؤولة، ولديها رؤية واضحة في إدارة سياستها الخارجية، وحماية متطلبات أمنها القومي، وهي «قادرة على التصدي لأي محاولات للمساس بهذا الأمن».

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت قد قال، الخميس، خلال اجتماع مع جنود شاركوا في العمليات العسكرية في خان يونس إن القوات الإسرائيلية ستصل إلى مدينة رفح «للقضاء على نشطاء حركة (حماس) هناك».

ورفح إحدى المناطق القليلة التي لم يقتحمها الجيش الإسرائيلي في الحرب المستمرة منذ 4 أشهر، وتحدث مسؤولون إسرائيليون مراراً عن الحاجة إلى تدمير ما يقولون إنه «أنفاق تُستخدم لتهريب الأسلحة إلى كل أنحاء قطاع غزة».

قافلة مساعدات مصرية تغادر معبر رفح بعد توصيل الإغاثات للقطاع (الهلال الأحمر المصري)

وقال تلفزيون «آي 24 نيوز» الإسرائيلي، يوم الجمعة، إن غالانت يروج لبناء جدار تحت الأرض على طول محور فيلادلفيا، بهدف «القضاء على الأنفاق».

وكان المتحدث باسم حركة «فتح» عبد الفتاح دولة قد ذكر في بيان، السبت، أن ما يجري من مخطط ضد رفح «بالغ الخطورة». وأضاف دولة أن «إسرائيل تخطط لتغيير مكان معبر رفح، وهذا يشير لاستهداف قادم لرفح، والمضي في مخطط التهجير».

وتابع قائلاً: «أهداف الاحتلال غير المعلنة أشد خطورة مما يظهر في العلن، فالعدوان المتواصل على قطاع غزة يسعى لسيطرة كاملة على القطاع عبر فصله، وإقامة منطقة عازلة على طول القطاع، والسيطرة على محور صلاح الدين (فيلادلفيا)».

بينما حذر المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك من خطورة التصريحات الإسرائيلية بشأن عملية عسكرية وشيكة في رفح. وقال تورك على منصة «إكس» إن هذه التصريحات «تدق ناقوس الخطر بشأن وقوع أعداد كبيرة من الضحايا، ومزيد من النزوح لأكثر من 1.5 مليون فلسطيني أمرهم الجيش الإسرائيلي بالتوجه إلى رفح سابقاً».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.