أمن الحدود والإرهاب في اجتماعات وزيرَي داخلية تونس والجزائر

قرارات أمنية وسياسية تهم سكان المحافظات الحدودية

وزيرا الداخلية التونسي كمال الفقي والجزائري إبراهيم مراد بعد اجتماعات أمنية مشتركة (الموقع الرسمي لوزارة الداخلية التونسية)
وزيرا الداخلية التونسي كمال الفقي والجزائري إبراهيم مراد بعد اجتماعات أمنية مشتركة (الموقع الرسمي لوزارة الداخلية التونسية)
TT

أمن الحدود والإرهاب في اجتماعات وزيرَي داخلية تونس والجزائر

وزيرا الداخلية التونسي كمال الفقي والجزائري إبراهيم مراد بعد اجتماعات أمنية مشتركة (الموقع الرسمي لوزارة الداخلية التونسية)
وزيرا الداخلية التونسي كمال الفقي والجزائري إبراهيم مراد بعد اجتماعات أمنية مشتركة (الموقع الرسمي لوزارة الداخلية التونسية)

​أسفرت اجتماعات أمنية تونسية جزائرية رفيعة المستوى ترأسها وزيرا داخلية البلدين، الاثنين والثلاثاء، عن اتفاق على تطوير التنسيق الأمني في مجالات الوقاية من الإرهاب والتهريب والهجرة غير القانونية، والقضاء على أسبابها العميقة، وبينها المشكلات التنموية في المحافظات الحدودية الفقيرة.

وزيرا داخلية تونس والجزائر في مؤسسة إصدار جوازات السفر وبطاقات الهوية البيومترية (الموقع الرسمي لوزارة الداخلية التونسية)

ونوه وزير الداخلية التونسي كمال الفقي ونظيره الجزائري إبراهيم مراد، خلال اجتماعات عمل أمنية، حضرها مسؤولون أمنيون والولاة ورؤساء المحافظات الحدودية في البلدين بـ«نجاعة الشراكة بين تونس والجزائر في مجالات الأمن، ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، والتهريب والهجرة غير القانونية».

لقاء مع رئيس الحكومة

وأعرب رئيس الحكومة الجزائرية نذير العرباوي خلال استقباله، الثلاثاء، وزير الداخلية التونسي، بحضور نظيره الجزائري، عن دعم سلطات بلاده للتنسيق الأمني في أعلى مستوى مع تونس، في مجالات الوقاية من الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة والهجرة غير القانونية.

كما رحب بالتوصيات الصادرة عن «الدورة الأولى للجنة الثنائية لتنمية وترقية المناطق الحدودية المشتركة «التي حضرتها كوادر أمنية وإدارية وسياسية رفيعة المستوى من البلدين».

وزيرا داخلية تونس والجزائر يعرضان لرئيس الحكومة الجزائرية نذير العرباوي نتائج الاجتماع الأمني الثنائي المشترك (الموقع الرسمي لوزارة الداخلية التونسية)

وحسب بلاغ رسمي، فقد نوه رئيس الحكومة الجزائرية ووزيرا الداخلية التونسي والجزائري بالمناسبة، بـ«مخرجات الدورة الأولى لهذه الآلية الثنائية»، مع التأكيد على الحرص المشترك لتنفيذ مخرجاتها، وترقية مستوى التعاون الثنائي؛ لا سيما في المناطق الحدودية المشتركة، لإرساء شراكة فاعلة ودائمة بين البلدين، فضلاً عن تعزيز التعاون الأمني الثنائي، خدمة للمصلحة المشتركة، وفق الرؤية المشتركة لقائدي البلدين.

الإرهاب والجوازات والحدود

وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن وزير الداخلية التونسي كمال الفقي، كان مصحوباً بعدد من كوادر الأمن التونسي، بينهم بالخصوص المدير العام لشرطة الحدود والأجانب، والمدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون الدولي في وزارة الداخلية، وسفير تونس لدى الجزائر.

وقد عقدت بالمناسبة جلسات عمل أمنية وسياسية مختصة، استعداداً لاعتماد تونس جوزات السفر وبطاقات الهوية الرقمية الجديدة «البيومترية». وزار الوفد الأمني التونسي مديرية السندات والوثائق المؤمَّنة التابعة لوزارة الداخلية الجزائرية، والتي تعنى بملف جواز السفر البيومتري، وبطاقة التعريف البيومترية، ورخص السياقة البيومترية.

كما أعلن عن اتفاق تونسي جزائري على «تبادل الخبرات والتعاون الثنائي، في المجال التقني والتكنولوجي وميدان الرقمنة ووثائق السفر والهويات البيومترية».

المتفجرات والمعادن والبصمات

من جهة أخرى، كشفت وزارة الداخلية التونسية أن وزيري داخلية البلدين والوفدين المرافقين لهما، بحثا بالمناسبة توظيف التكنولوجيات الأمنية الحديثة في مجالات مكافحة الجرائم الخطيرة والتفجيرات والعنف، بما في ذلك عبر الاستفادة من الطرق العصرية للكشف عن البصمات.

وقد زار الوفدان الأمنيان بالمناسبة، المعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام للدرك الوطني بالجزائر.

وأعلن أن الهدف هو مساعدة فرق التحقيقات الأمنية المختصة «في تقديم الأدلة العلمية والفنية من خلال التكنولوجيات الحديثة، والخبرات في كثير من المجالات، على غرار مخابر التحليل الباليستي والمتفجرات والكشف عن المعادن والتعرف على البصمات».

وفي السياق نفسه زار الوفدان «مركز القيادة والسيطرة التابع لأمن ولاية الجزائر» بهدف تحقيق «مزيد من التعاون الأمني بين البلدين».

مشاورات أمنية على أعلى مستوى

في سياق متصل، عُقدت جلسة عمل ثنائية بين وزير الداخلية التونسي كمال الفقي ونظيره الجزائري إبراهيم مراد، حضرها مسؤولون أمنيون وسياسيون كبار من الجانبين.

وأعلن عقب الاجتماعات أن «الدورة الأولى للجنة الثنائية لتنمية وترقية المناطق الحدودية التونسية الجزائرية» أوصت بالارتقاء بالتعاون الأمني والتنموي والسياسي «إلى مستوى تطلعات رئيسي جمهوريتي البلدين والشعبين الشقيقين».

وكانت من أبرز نتائج الاجتماعات التي حضرها عدد من الولاة والمحافظين، العمل على القضاء على الأسباب العميقة للإرهاب والهجرة غير النظامية «عبر إنجاز مشاريع تنموية بالولايات الحدودية، ودعم التعاون الأمني، وتسهيل عبور المواطنين التونسيين والجزائريين في الاتجاهين».

وسبق للرئيسين قيس سعيد وعبد المجيد تبون أن بحثا العام الماضي ملفات أمنية مماثلة، من بينها صعوبات تنقل السياح ورؤوس الأموال والسلع بين البلدين، وأصدرا أوامر بإيجاد حلول للمشكلات المستحدثة.

تعاون استراتيجي

وصدرت على هامش هذه الاجتماعات الأمنية السياسية الأولى من نوعها، بمشاركة كل الولاة والمحافظين في المناطق الحدودية، دعوات لـ«تعاون استراتيجي أمني تنموي اقتصادي سياسي» بين تونس والجزائر.

وتزامنت هذه الاجتماعات مع مشاورات تونسية جزائرية جرت في روما، بين الرئيس التونسي قيس سعيد ووزير خارجيته نبيل عمار من جهة، ووزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف من جهة أخرى، على هامش مشاركتهم في قمة الشراكة بين إيطاليا ودول أفريقيا، التي دعت إليها رئيسة الحكومة الإيطالية، وتعهدت برصد موازنة تفوق 5.5 مليار يورو، لدعم التنمية في الدول الأفريقية، والتنسيق الأمني مع دولها، للقضاء على الهجرة غير النظامية.

ومن المتوقع أن يشارك وزيرا داخلية تونس والجزائر وعدد من كبار المسؤولين في البلدين يوم الثامن من شهر فبراير (شباط) القادم، في التظاهرات السنوية التي تقام في مدينة «ساقية سيدي يوسف» التونسية الحدودية مع الجزائر التي قصفتها قوات الاحتلال الفرنسي في مثل هذا اليوم من عام 1958، احتجاجاً على استضافة تونس للمقاتلين الوطنيين الجزائريين وقياداتهم السياسية.


مقالات ذات صلة

الاستخبارات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في «داعش»

المشرق العربي عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)

الاستخبارات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في «داعش»

أعلنت الاستخبارات السورية، السبت، إلقاء القبض على قيادي بارز في تنظيم «داعش» الإرهابي، وفق ما أفاد مصدر بجهاز الاستخبارات العامة وكالة الأنباء السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)

تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

خلَّف الإفراج عن المبشر الأميركي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزاً لدى جماعة تابعة لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، جدلاً حاداً في ليبيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس التركي خلال الاحتفال بمرور 25 عاماً على تأسيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في أنقرة ليل الجمعة (الرئاسة التركية)

الرئيس التركي يُلمّح للترشّح لولاية جديدة

لمَّح الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى خوض انتخابات الرئاسة المقررة في عام 2028 والاستمرار في النشاط السياسي لسنوات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا قرار تمديد المنطقة الحدودية العازلة جاء لدواعٍ أمنية (أ.ف.ب)

تونس تمدّد المنطقة الحدودية العازلة لدواعٍ أمنية

أعلنت تونس التمديد في قرار الإعلان عن منطقة عازلة جنوب البلاد، وهو قرار ساري منذ عام 2013 لدواعٍ أمنية.

«الشرق الأوسط» (تونس)

«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

«نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)
«نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)
TT

«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

«نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)
«نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)

يضطر أحمد، الصيدلي المصري المتخرج حديثاً، للاستعانة بزملائه الأقدم في قراءة بعض «الروشتات» الطبية التي كتبها طبيب أطفال تقع عيادته بالقرب من الصيدلية، نظراً لـ«عدم وضوح الخط» في أحيان كثيرة.

يقول أحمد الذي بدأ العمل في الصيدلية قبل بضعة أسابيع، إن الأمر كان يرهقه في البداية، قبل أن يستطيع تدريجياً معرفة أسماء الأدوية التي يكتبها الطبيب «بخط يده».

لم يكن أحمد حالة فريدة؛ فقد تصدرت مثل هذه المواقف الاهتمام في مصر بعد صرف دواء لطفلة عن طريق الخطأ، بسبب عدم استطاعة الصيدلي التمييز بين الدواء الموصوف وآخر لمعالجة الصرع، ما تسبب في نقل الطفلة للمستشفى ودخولها غرفة الرعاية المركزة.

وطالبت «نقابة صيادلة القاهرة» في مخاطبة رسمية، نهاية الأسبوع الماضي، وزير الصحة خالد عبد الغفار بـ«إلزام الأطباء والمنشآت الصحية كتابة الوصفات الطبية بالاسم العلمي للدواء بدلاً من الاسم التجاري، والبدء في تطبيق القرار على المضادات الحيوية كمرحلة أولى، مع المطالبة بتعميم نظام الروشتة الإلكترونية المطبوعة بدلاً من الكتابة اليدوية».

ويتجاوز عدد الصيدليات في مصر 71 ألف صيدلية، وفق إحصائيات «هيئة الدواء» الصادرة العام الماضي.

ويقول رئيس لجنة تصنيع الدواء بنقابة الصيادلة، محفوظ رمزي، لـ«الشرق الأوسط»، إن واقعة حصول الطفلة على دواء بالخطأ «أعادت فتح الملف الذي لا يتطلب تكلفة مالية كبيرة للتطبيق».

وأضاف: «الروشتة الإلكترونية جزء من منظومة التأمين الصحي الشامل الجاري تعميمها؛ لكن في المقابل يمكن للأطباء في عياداتهم الخاصة طباعة الروشتات عبر الحاسب الآلي، مكتوباً بها الاسم العلمي أو الدواء بشكل واضح».

واستطرد: «الصيدلي لم يدرس في الكلية لمدة 6 سنوات من أجل التعامل مع خطوط باليد غير واضحة. ما تطالب به النقابة قابل للتنفيذ على أرض الواقع، دون تحمل أي أعباء مالية».

صيادلة يشتكون عند صرف الأدوية من عدم وضوح الخط المكتوبة به الوصفة الطبية (رويترز)

لكن إليزابيث شاكر، عضو «لجنة الصحة» بمجلس النواب، تؤكد أن التطبيق العملي للروشتة الإلكترونية على أرض الواقع قد يستغرق سنوات، وتشير إلى عدم جاهزية بعض العيادات بأجهزة الحاسب الآلي والطابعات؛ خصوصاً خارج نطاق القاهرة، بالإضافة إلى أن إلزام الطبيب كتابة روشتة إلكترونية سيجعل الصيدلي ملزماً بصرف الدواء دون اللجوء إلى البدائل المتاحة التي تحتوي على المادة الفعالة نفسها.

وتضيف قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة كتابة اسم المادة الفعالة هي أكثر فائدة للمريض؛ لكنها ستواجه مشكلة في عدد ليس بالقليل من الصيدليات التي لا يوجد فيها صيادلة، ويعمل فيها مساعدون لم يدرسوا الصيدلة بالمخالفة للقانون».

وتؤكد أن الأمر بحاجة إلى معالجة متكاملة عبر منظومة متكاملة، وليس بتحركات فردية.

ويشترط قانون مزاولة مهنة الصيدلة أن يكون صاحب ترخيص الصيدلية حاصلاً على بكالوريوس الصيدلة، كما يشترط القانون وجود صيدلي مرخَّص طوال ساعات العمل، على أن يكون مسؤولاً عن صرف الدواء والتعامل مع العملاء.

ويقول رمزي: «وجود الصيدلي أثناء العمل أمر يجب ألا يكون محل اعتراض؛ لكن في المقابل يجب التعامل مع الصيدلي بوصفه شريكاً في المنظومة الطبية ومحاولة تسهيل عمله، وهو ما يمكن تحقيقه عبر كتابة الروشتات الطبية بخط واضح».


موريتانيا: جدل سياسي بعد تقرير حكومي حول «الفساد»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)
TT

موريتانيا: جدل سياسي بعد تقرير حكومي حول «الفساد»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)

يحتدم الجدل السياسي في موريتانيا بعدما أعلنت المفتشية العامة للدولة، في مطلع الأسبوع، تقريراً يكشف اختلالات مالية في عدد من القطاعات الحكومية تبلغ قيمتها نحو 60 مليون دولار، بينما تباينت ردود الفعل بين المعارضة والموالاة.

ويرصد التقرير عمليات التفتيش خلال عامي 2024 و2025، وجاء بعد أشهر من الترقب والانتظار، وفي وقت تعلن السلطات رفع مستوى الحرب على الفساد.

وانطلقت الانتقادات بعد صدور التقرير يوم السبت، إذ كشف عمليات فساد بلغت قيمتها 2.3 مليار أوقية موريتانية جديدة (57.5 مليون دولار)، دون أن يتضمن اسم أي شخصية متورطة في هذا الفساد، أو اسم أي شركة أو جهة معينة.

وفيما اعتُبر حجب الأسماء نوعاً من «التستر على المفسدين»، قالت السلطات إنه يأتي في إطار «حماية البيانات الشخصية».

انتقادات المعارضة

وقال حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، إن على السلطات أن تبتعد عن «سياسة التعمية والتستر على الضالعين في عمليات الفساد، أياً كانت مواقعهم أو مناصبهم».

وأضاف أنه يجب على الحكومة نشر جميع نتائج متابعة المتورطين، وأنه «لا حصانة لفاسد مهما كان موقعه أو نفوذه».

وقال: «لقد آن الأوان أن يفهم الجميع أن المال العام ليس غنيمة، وأن مقدرات الشعب ليست مجالاً للمحاباة والتلاعب؛ فحماية المال العام ليست مطلب المعارضة وحسب، بل حق لكل مواطن موريتاني، وواجب على كل مسؤول حكومي».

ورفض الحزب أن تتحول تقارير الرقابة «إلى وثائق تُحفظ في الأدراج، أو مجرد توصيات تنضاف إلى ما سبقها من أرقام في تقارير سنوية مماثلة»، داعياً إلى «تنفيذ توصيات أجهزة الرقابة كاملة وبآجال محددة، ووجود إرادة حقيقية لمكافحة الفساد، وإحداث إصلاح جذري لمنظومة الصفقات العمومية وإغلاق منافذ التلاعب بها».

وقال النائب المعارض محمد الأمين ولد سيدي مولود إن تقرير المفتشية العامة للدولة كشف اختلالات مالية كبيرة، ولكن «قتلته الحكومة قبل أن يصدر، وذلك عبر حجب أسماء الضالعين في الاختلالات التي تطرق لها التقرير، وكذا المؤسسات التي جرت فيها تلك الخروقات».

وأضاف في تصريح صحافي: «ورغم أهمية نشر التقرير وجهود المفتشية المطورة نظرياً، فقد تم انتزاع لب التقرير منه».

وتابع: «التستر على المفسدين هو الذي جعل النظام يمكن أن يسند إليهم مسؤوليات في المستقبل، بعد أن تم حجبهم عن الرأي العام»؛ مشيراً إلى أن المبالغ التي تم الكشف عن التلاعب فيها كانت ضخمة، وكان يمكن أن تغطي تكاليف بناء مستشفيات أو مؤسسات تعليمية، وكذا صيانة الطرق أو تمويل مشروعات شبابية.

اختلالات أم اختلاسات؟

من جهة أخرى، قال زين العابدين ولد المنير، رئيس الفريق البرلماني لحزب «الإنصاف» الحاكم، إن نشر التقرير في حد ذاته «محطة مهمة في مسار تعزيز الشفافية وتطوير منظومة الرقابة»، مؤكداً أن الدولة التي تنشر تقرير جهازها الرقابي، بما يتضمنه من ملاحظات ونقائص ومعالجات، «تؤكد أن الرقابة ليست شأناً إدارياً مغلقاً، وإنما جزء من منظومة الحكامة التي يحق للمواطن أن يعرف نتائجها».

وأضاف أن هناك من يحاول مغالطة الرأي العام من خلال الإيحاء بأن الاختلالات المالية التي تحدث عنها التقرير هي عملية «اختلاس»، مشيراً إلى أن ذلك «ليس مجرد تفصيل لغوي... لأن هذه الاختلالات قد تختلف في طبيعتها وطريقة معالجتها، ولا يجوز تحويلها كلها إلى خانة واحدة بعنوان الاختلاس».

وأكد أن الإحالة إلى القضاء لا تعني بأي حال من الأحوال ثبوت الاختلاس، ولا تعني صدور حكم قضائي، وإنما تعني أن الملف وصل إلى الجهة القضائية المختصة لتتولى ما يدخل في نطاق اختصاصها، مشيراً إلى أن «الإحالة إلى القضاء ليست إدانة، والأثر المالي للملف القضائي ليس بالضرورة مبلغ اختلاس».

وأيَّد رئيس الفريق البرلماني لحزب «الإنصاف» قرار عدم نشر الأسماء في إطار ما قالت المفتشية إنه «حماية البيانات الشخصية».

وسبق أن قال الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إنه يرفض أن تتحوَّل الحرب على الفساد إلى تصفية حسابات شخصية وإضرار بسمعة شخصيات ما تزال محل شبهة، ولم يُدِنها القضاء.


مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

«فض رابعة»... صراع يتجدد سنوياً على صياغة رواية أحداث شهدتها القاهرة قبل نحو 13 عاماً، وتسرد أحداثاً من وجهتي نظر مختلفتين في الرؤى والتوجه.

ومع ذكرى فضّ التجمع الموالي للرئيس الأسبق الراحل محمد مرسي في «ميدان رابعة» بشرق القاهرة، دخل محسوبون على «تنظيم الإخوان»، الذي تصنّفه مصر «إرهابياً»، ومؤيدون للدولة، في تلاسن لم يتوقف خلال الأيام الماضية على منصات التواصل الاجتماعي وعبر وسائل إعلام مختلفة، في محاولة من كل طرف لإثبات روايته.

وقع الفضّ يوم 14 أغسطس (آب) 2013 بعدما طالبت السلطات مراراً المشاركين في التجمع بإنهائه، مؤكدة أنهم كانوا مسلحين.

«مظلومية»

مناصرو «الفض» عدُّوه تعزيزاً لسلطة الدولة في حفظ الاستقرار والسلم الأهلي، فيما زعم معارضون ومحسوبون على «تنظيم الإخوان» أنه كان «سلمياً» ونشروا صوراً لقتلى قالوا إنهم من المعتصمين.

ويرى خبير في شؤون الإسلام السياسي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن الحديث عن «فض رابعة» يعدّ بمثابة صراع يتجدد سنوياً مع ذكراه، على صياغة الرواية واللعب على ذاكرة المصريين، حيث يصرّ «تنظيم الإخوان» على رفع راية «المظلومية» لكسب أي تعاطف، مشدداً على أهمية تركيز الدولة على دحض هذه الرواية التي يركز عليها التنظيم من أجل البقاء.

صراع روايات

وبين عشرات التغريدات المؤيدة لرواية الدولة في فضّ اعتصام مسلح، قال الكاتب والباحث ماهر فرغلي، الذي أعدّ وثائقياً عن الفضّ، عبر منصة «إكس»، إن معارضي الفض «خططوا جيداً في صناعة مظلومية تاريخية، تساهم في بقاء التنظيم لأطول فترة ممكنة، وتعيد فتح بؤر للصراع مع الدولة بالكامل».

منظر عام لميدان رابعة شرق القاهرة (رويترز)

وكتب الإعلامي المصري أحمد موسى: «لن ننسي جرائمهم وغدرهم وخيانتهم، ولن نتركهم يزوِّرون التاريخ ونحن كنا جميعاً شهوداً على جرمهم وخيانتهم»، مؤكداً «أنهم استهدفوا الدولة وكانوا يريدون تقسيم مصر، والإصرار على تحويل اعتصام رابعة مركز عمليات مسلحاً، ونقل شحنات أسلحة داخله واستخدام عناصرهم قنابل مفخخة».

بالمقابل، حرص أنصار «اعتصام رابعة» الذي يعدّونه «سلمياً» أن ينشروا صوراً لقتلى، ويذكروا أن ما حدث «ضد القانون».

رفض شعبي

أما الخبير في شؤون الجماعات المسلحة والإسلام السياسي، أحمد بان، فيرى أن الهدف الأساسي من اعتصام رابعة كان يرمي في جوهره إلى «إعادة تعويم التنظيم في الضمير الجمعي للمصريين».

وأضاف أن التنظيم «راهن في ذلك على الحسّ العاطفي للشعب المصري، ومحاولة دفع الناس لنسيان جرائم الجماعة، سواء تلك التي ارتكبتها إبان فترة حكمها أو ما قبل ذلك». ورأى أنه كان هناك سعي متعمد من الجماعة لخلق جدار تختبئ خلفه، في محاولة للهروب من فكرة المساءلة التاريخية والسياسية.

وبحسب بان، فإن «السؤال الكبير الذي كان يطرح نفسه في أحداث رابعة هو: أين كنا؟ وكيف أصبحنا؟ حيث كانت الجماعة في سدة الحكم لأكبر دولة عربية، ثم انتهى بها الأمر إلى الرفض الشعبي الواسع عبر حراك جماهيري كبير، وتعاون واضح بين مؤسسات الدولة والشارع المصري، وهو ما أدى في النهاية إلى لفظ هذا التنظيم ومشروعه التخريبي».

وشدّد بان على «حاجة الدولة المصرية الماسّة إلى توثيق كافة التفاصيل المحيطة بهذه المحاولة التي استهدفت إقامة بؤرة بديلة للدولة داخل رابعة»، مؤكداً أن «ما تم طرحه ونشره حتى الآن أقل مما ينبغي أن يعرفه الشارع المصري عن حقيقة هذه المحاولة التي قادها التنظيم».