ماذا يعني نقل مقار الوزارات المصرية إلى العاصمة الإدارية الجديدة؟

الحكومة تخطط للاستثمار في مبانيها القديمة بالقاهرة

السيسي يشهد افتتاح عدد من الإنشاءات في العاصمة الجديدة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
السيسي يشهد افتتاح عدد من الإنشاءات في العاصمة الجديدة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
TT

ماذا يعني نقل مقار الوزارات المصرية إلى العاصمة الإدارية الجديدة؟

السيسي يشهد افتتاح عدد من الإنشاءات في العاصمة الجديدة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
السيسي يشهد افتتاح عدد من الإنشاءات في العاصمة الجديدة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

اتخذت مصر خطوات تنفيذية لنقل وزارتها بشكل نهائي إلى العاصمة الإدارية الجديدة، تمهيداً لجعلها مقراً سياسياً وإدارياً للدولة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مصير المقرات الحكومية التاريخية بوسط القاهرة، وما إذا كان نقلها سيلقي بظلاله على الهوية البصرية والثقافية للعاصمة المصرية.

وقبل أيام، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قراراً جمهورياً بإزالة صفة «النفع العام» عن أراضي ومباني 13 وزارة، ونقل ملكيتها لصالح «صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية»، تمهيداً لطرح تلك المباني للاستثمار.

ويعد «صندوق مصر السيادي»، هو «الذراع الاستثمارية للدولة المصرية»، ويستهدف «تعظيم العائد من أصول الدولة والحفاظ عليها للأجيال المقبلة»، وفق وزيرة التخطيط المصرية الدكتورة هالة السعيد، في تصريحات أمام مجلس النواب المصري (البرلمان) مطلع العام الحالي.

الحكومة المصرية أثناء الاحتفال بتسليم أول 3 أبراج إدارية ضمن منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية (رئاسة الوزراء)

قائمة المباني الحكومية

وضمت قائمة المباني الحكومية التي شملها القرار، رقم 13 لسنة 2024، وزارات الخارجية، والعدل، والمالية، والتربية والتعليم، والصحة والسكان، والتنمية المحلية، والنقل، والسياحة والآثار، والإنتاج الحربي، والتموين، والتضامن الاجتماعي، والإسكان، ومبنى تابعاً لوزارة الصناعة. ويشير القرار إلى «استمرار شغل الوزارات المذكورة للمباني بالمجان، لحين انتقالها نهائياً إلى العاصمة الإدارية الجديدة، أو إيجاد مقار بديلة لمبانيها الحالية».

وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها نقل ملكية مبانٍ حكومية لـ«الصندوق»، حيث سبق نقل ملكية أراضي ومباني مجمَّع التحرير والحزب الوطني المنحل ومبنى وزارة الداخلية القديم بوسط القاهرة أيضاً.

وترتبط المقرات المنتقلة إلى «الصندوق السيادي»، أخيراً، بالذاكرة الشعبية للمصريين، حيث تحولت مع مرور الزمن إلى رموز للحكم والسلطة، درجت على لسان العامة في أحاديثهم اليومية. وهو ما يجعل نقلها بمثابة «صدمة ثقافية» لدى البعض ممن ارتبطت هذه الأماكن بذكرياتهم اليومية، على حد تعبير أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة المصرية - اليابانية الدكتور سعيد صادق.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (يسار) يشاهد أحدث مشاريع العاصمة الجديدة (رئاسة الوزراء)

المدن لها روح

وقال صادق، لـ«الشرق الأوسط»: «إن المدن لها روح، حتى إن مناطقها تسمى أحياءً لأنها تكتسب سماتها ممن يعيشون بها»، لافتاً إلى «ارتباط كثير من المباني القديمة وسط القاهرة بالذاكرة الشعبية للمصريين مثل مبنى مجمع التحرير، الذي كان مقراً لإنجاز المعاملات الحكومية، وتحول مع الوقت إلى البيروقراطية، وكلمة (لاظوغلي) التي باتت ترمز إلى وزارة الداخلية لأن الحي كان مقراً للوزارة لعقود، وغيرها».

وأضاف صادق: «ربما تتغير أنشطة المباني لكن كثيراً من المصريين سيبقون على مسمياتها القديمة لعقود، فتاريخ المدن لا يتغير بين يوم وليلة، ويحتاج لعقود حتى يتأقلم الناس». وأشار إلى أن «العاصمة الإدارية قد تكون بمثابة حي حكومي في القاهرة العاصمة، وقد نشهد نموذجاً لما يحدث في سويسرا، حيث بيرن هي العاصمة بينما جنيف هي المقر لكل شيء آخر، وكذلك الأمر بالنسبة للعاصمة التركية أنقرة، ومدينة إسطنبول».

سيارات تمر بجانب العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة في مصر (رويترز)

عمارة المدن والسلطة

وتتأثر عمارة المدن بتغير السلطة أو مقرات الحكم، حيث تستمر مبانٍ في أداء نفس الوظيفة التي أنشئت من أجلها، أو تتغير بتغير نظام الحكم، وهو ما رصده المؤرخ المصري الدكتور خالد عزب، في كتابه الصادر عام 2007، عن العمارة والسلطة في مصر. ويشير عزب في كتابه إلى أن «عمرو بن العاص أسس مدينة الفسطاط نواةً للمشروع الفكري والحضاري للدولة الإسلامية آنذاك، من ثم لم يشيد لها سوراً، بل جعلها مدينة مفتوحة للجميع، في حين جاءت الدولة الفاطمية بمشروع لفرض الخلافة فانعزل حكمهم عن المصريين. وعندما تبنى صلاح الدين مشروعاً دفاعياً شيد القلعة حصناً ومقراً للحكم».

ظلت «القلعة رمزاً للحكم حتى جاء عصر محمد علي، وغادر الحصن، وانتقلت مقرات الحكم للمدينة وسط الناس محدثة نقلة سياسية وعمرانية»، وفق الكتاب.

ولا يرى عزب في انتقال الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة نقلاً سياسياً للعاصمة من القاهرة القديمة، بل امتداد طبيعي لها». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن القاهرة تزحف نحو الشرق منذ القرن السابق الميلادي عندما تأسست الفسطاط، وشملت امتداداتها مدناً مثل (القاهرة الجديدة) و(مدينتي) وصولاً للعاصمة الإدارية».

مبنى البنك المركزي المصري الجديد في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (أ.ف.ب)

الاستعداد للانتقال

وتستعد مصر للانتقال بشكل كامل إلى العاصمة الإدارية الجديدة، وهو ما بدأ تنفيذه فعلياً منذ منتصف العام الماضي، حيث انتقلت نحو 100 جهة حكومية، بينها نحو 30 وزارة، لممارسة أعمالها بالحي الحكومي في العاصمة الإدارية، وفق إفادة رسمية من الرئاسة المصرية، في يوليو (تموز) الماضي، أشارت إلى «انتقال نحو 40 ألف موظف وعامل».

وهنا أكد عزب أنه «لفهم دلالات الهوية البصرية للعاصمة المصرية عقب انتقال مقرات الحكم للعاصمة الإدارية، لا بد من فهم فلسفتها ووظيفتها، هل ستكون إدارية فقط، أم إدارية سياسية أم اقتصادية أم غير ذلك». وقال: «لو كان دورها إدارياً وسياسياً فحسب دون توسعات صناعية لكانت بحق تجربة فريدة من نوعها».

وأوضح عزب أن «وجود منطقة صناعية يعني زيادة الحركة على المدينة من خارجها، ما يعرّضها لضغط مروري وهو خطأ حدث في القاهرة الجديدة ويجب تجنبه»، مستدركاً: «العاصمة الإدارية لا تزال في مرحلة البدايات، ولا يمكن الحكم على تجربتها الآن حيث تحتاج نحو 20 عاماً على الأقل لتنضج ويصبح بالإمكان تقييمها».

جانب من العاصمة الإدارية الجديدة (موقع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في مصر)

الهوية البصرية والعمرانية

وبشأن مصير الهوية البصرية والعمرانية للقاهرة القديمة بعد نقل الوزارات، قال عزب إن «المدينة أمام فرصة فريدة لتتحول إلى مدينة سياحية كبرى على غرار إسطنبول إذا أجيد استغلالها، بإنشاء فنادق من نوعية النجوم الثلاثة، وهو ما تحتاجه القاهرة، إضافة إلى متاحف متنوعة، ومطاعم ومقاهٍ، كل ذلك وفق روية استراتيجية وإدارة جيدة».

وكان أيمن سليمان، الرئيس التنفيذي لـ«صندوق مصر السيادي»، قد أشار في حديثه أمام مجلس النواب المصري (البرلمان) مطلع العام الحالي إلى «خطة لاستغلال» مباني الوزارات التي انتقلت إلى العاصمة الإدارية. وقال: «هناك دراسة نفذتها شركة استشارات عالمية، بشأن مباني وسط البلد، ومربع الوزارات، لاستخدامها بالشكل الأمثل، بتحويلها إلى فنادق وشقق فندقية، وسكنية ومحلات ومطاعم ومكاتب إدارية، وأماكن للفنون للشباب». ولفت سليمان إلى أن «الدولة تستهدف إنشاء 2600 غرفة فندقية في منطقة وسط البلد، وتطوير 15 ألف متر مساحات ومناطق خضراء لتكون متنفساً للمنطقة».

ومطلع العام الحالي، أعلن «صندوق مصر السيادي»، عن إبرام صفقة مع تحالف إماراتي لتطوير أرض الحزب الوطني المنحل (بالتحرير وسط القاهرة)، وتحويله إلى «مبنى فندقي وتجاري وسكني». كما أعلن «الصندوق» العام الماضي عن «تحويل مبنى مجمع التحرير وسط القاهرة إلى «مبنى متعدد الأغراض: فندقي، تجاري، إداري، ثقافي».

بنايات على نيل القاهرة (الشرق الأوسط)

القاهرة القديمة

بدورها، قالت أستاذة التخطيط العمراني بجامعة القاهرة الدكتورة سهير حواس: «إن نقل المقرات الحكومية إلى العاصمة الإدارية سيعيد القاهرة القديمة إلى طبيعتها؛ لأن الجهات الحكومية غيرت ملامح القاهرة الخديوية». وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «منطقة وسط البلد كانت حياً سكنياً وتجارياً وإدارياً يضم كبرى المحلات التجارية، والبنوك، يسكنه طبقة ترقى للتعامل مع مبانيه الفخمة ومنشآته شديدة التميز، لكن مع خروج هذه الطبقة وتحويل المنطقة إلى مقرات حكومية خدمية تراجعت مكانة الحي وأسيء التعامل مع مبانيه وحدائقه».

وعدت حواس نقل الوزارات «فرصة لاستعادة الشكل الأصيل للقاهرة، وتقليل الكثافات بها، مع تحويلها لمركز ترفيهي سياحي به مطاعم وسينمات ومسارح وكافيهات كما كانت من قبل»، لكنها «اشترطت تقليل المرور العابر بها، من مناطق أخرى، ووضع خطة جيدة لتطويرها».

ولا ترى حواس في نقل المقرات الحكومية «تغيراً في الهوية السياسية للعاصمة»، وقالت: «هذا تطور يتماشى مع عصر الإدارة الرقمية».

وتعول مصر على تلك المقرات وما تصفه بـ«الأصول غير المستغلة»، للمساهمة في مواجهة الأزمة الاقتصادية، وقدرت تلك الأصول بنحو 4 آلاف أصل، منها 101 أصل صالح للاستثمار، وفق وزيرة التخطيط المصرية.

وأكد الرئيس التنفيذي لصندوق مصر السيادي، في حديثه أمام البرلمان، أن «الصندوق نجح في تنفيذ 16 مشروعاً خلال الثلاثة أعوام الماضية، بإجمالي 48 مليار جنيه استثمارات»، من بينها الاستثمارات العينية، مثل حق انتفاع مجمع التحرير، «الذي حقق استثمار بقيمة 300 مليون دولار، وحق إيجار مبنى وزارة الداخلية حقق 800 مليون جنيه استثمار».


مقالات ذات صلة

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

بدأت أصوات في مصر تحذر من اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، الذي سيزيد من حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مع احتمال تكرار سيناريو التدفق العشوائي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، أثارت حالة من الغضب في إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص أطفال يجلبون مياه الشرب في مخيم بريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: قائد قوات الاستقرار الدولية سيشارك بمحادثات غزة

تستضيف مصر جولة جديدة من المفاوضات بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، من المزمع أن تنطلق الخميس، وسط عقبات وتحديات عديدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)

تراجع مؤشرات البطالة في مصر يُظهر تنوع سوق العمل

انخفضت معدلات البطالة في مصر خلال عام 2025 لتصل إلى 6.3 في المائة، مقارنة مع 6.6 في العام الذي سبقه، ما يظهر تنوعاً في سوق العمل، بحسب نقابي عُمالي.

أحمد جمال (القاهرة)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.