قبل أيام قليلة، صوّت مجلس النواب الليبي بالموافقة على الطلب الذي قدّمه بعض أعضائه، بدعوة محافظ مصرف ليبيا المركزي، الصديق الكبير، لتقديم إحاطة إلى مجلسهم حول السياسة النقدية المتخذة من مؤسسته لمواجهة الظروف الاقتصادية الراهنة التي تعيشها البلاد.
لكن آراء سياسيين وخبراء تباينت حول إمكانية قبول الكبير هذه الدعوة، والذهاب إلى البرلمان في بنغازي (شرق)، والإقدام على ما يمكن وصفه بـ«تبدل توجهاته» في ظل تعكر الأجواء مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.
بداية، استبعد عضو «ملتقى الحوار السياسي»، أحمد الشركسي، إقدام الكبير على تلبية دعوة البرلمان، رغم تأكيده وجود خلاف بين الدبيبة والكبير. وقال الشركسي لـ«الشرق الأوسط» إن الكبير «سيخشى تأليب الدبيبة لبعض التشكيلات المسلحة المتمركزة بالغرب الليبي عليه، إذا ذهب للشرق، حيث يوجد مقر البرلمان ومقر القيادة العامة للجيش... والجميع يعرف الخلافات بين الطرفين».
ويتوافق الشركسي مع ما يطرحه كثيرون بأن الجلسة المنشودة سوف تُخصّص حال انعقادها «لتوجيه انتقادات للسياسة المالية لحكومة الدبيبة، وتعميق ما يتردد حولها من اتهامات، وتجاوزها في الإنفاق وإهدار المال العام». وأرجع عضو «ملتقى الحوار السياسي» الخلاف بين الدبيبة والكبير لما تردد عن محاولة الأول قبل بضعة أشهر إزاحة الثاني عن منصبه، وتعيين شخصية تكون أكثر قرباً منه ومستجيبة لقراراته.
وكان الدبيبة قد أرجع الحديث عن وجود خلاف مع محافظ المصرف «لتغيّب الأخير عن البلاد لفترة؛ نتيجة تعرضه لحادث سيارة بإحدى الدول»، واصفاً الخلافات بين حكومته والمصرف بـ«الطبيعية نظراً للتباين في وجهات النظر».
بالمقابل، توقّع المحلل السياسي الليبي، أحمد المهدوي، أن يمتثل الكبير للمرة الأولى لدعوة البرلمان، خصوصاً في ظل خلافه الراهن مع الدبيبة. ورأى أن الكبير قد يحظى في حال تلبيته الدعوة «باسترداد صفته الشرعية محافظاً للمصرف المركزي من البرلمان، الذي سبق وعزله عام 2014».
وقال المهدوي لـ«الشرق الأوسط» إنه «في حال إقدام الكبير على هذه الخطوة، فإن ذلك قد يزيد من نقاط قوته في أي تفاوض معه إذا تدخل الوسطاء للصلح بينهما، سواء كانوا شخصيات محلية مثل المفتي المعزول الصادق الغرياني، أو من دول خارجية معروفة بتقارب مواقفها مع حكومة الدبيبة مثل قطر وتركيا». ولفت إلى أنه في حال أعاد الكبير ما سبق أن صرّح به حول حجم إنفاق جهات دولة كافة، ومنها حكومة الدبيبة، خلال إحاطته «سيكون ذلك كفيلاً بتعميق الاتهامات للأخيرة بإهدار المال العام».
أما الخبير الاقتصادي الليبي، محمد الصافي، فذهب إلى أن «التحول في سياسات الكبير نحو الشرق، وفضّ تحالفه مع الدبيبة، ربما تمّ قبل أشهر عدة، وتحديداً مع إعلان توحيد المصرف المركزي في أغسطس (آب) الماضي». وتحدث عن «احتمال ذهاب الكبير إلى البرلمان بدرجة كبيرة».

ورأى الصافي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما تردد بالفعل عن محاولة الدبيبة إزاحة الكبير ربما أزعجته، ودفعته للرهان على خصوم الدبيبة والتقارب معهم، وفي مقدمتهم البرلمان، لكن بطريقة منهجية وتدريجية».
وكان المصرف المركزي قد حذّر في أحدث تقاريره من التوسع الراهن في الإنفاق العام، الذي بلغ خلال العام الماضي 122.7 مليار دينار، خُصّص منها 60 مليار دينار لتغطية الباب الأول بالميزانية، المعني بالمرتبات.
وبالنسبة للمحلل السياسي الليبي، عبد الله الكبير، ورغم توافقه مع الآراء السابقة حول إمكانية تلبية محافظ المصرف المركزي الدعوة، فإنه استبعد ألا تتضمن إحاطته للبرلمان أي إدانة لحكومة الدبيبة. وقال الكبير لـ«الشرق الأوسط» إن محافظ المصرف «شخصية محنكة، وخبر جيداً على مدار سنوات طويلة قضاها بمنصبه كيفية التعامل مع أفرقاء الصراع على السلطة».
ويصف كثير من المراقبين الكبير بأنه «رقم صعب في المشهد الليبي»، وذلك لفشل جميع محاولات إزاحته عن منصبه الذي يتولاه منذ عام 2011، إلى جانب تمتعه بعلاقات جيدة مع عواصم غربية كبرى.
ونوه عبد الله الكبير إلى أن إحاطة محافظ المصرف المركزي «ستكون مهنية، ويُتوقع أن تركز على سبل مواجهة أزمة انخفاض الدينار مقابل ارتفاع العملات الأجنبية»، لافتاً إلى «عدم وجود وقائع جديدة لما تضمنه تقرير ديوان المحاسبة الأخير من تجاوزات في أداء حكومة الدبيبة، والمؤسسات التابعة لها».






