خلال أولى جلسات البرلمان الليبي بالعام الجديد، حرص رئيسه عقيلة صالح على تأكيد انفراد مجلسه بإقرار التشريعات بالبلاد في هذه المرحلة، طبقا للاتفاق السياسي الليبي الموقع نهاية عام 2015. مؤكدا أن التشاور مع المجلس الأعلى الدولة ينحصر في «قوانين الانتخابات والاستفتاء فقط»، وهو ما طرح تساؤلات كثيرة حول تأثير تداعيات هذا الخلاف الجديد بين المجلسين على مصير العلاقة بينهما، وتحديد موقف أعضاء الأعلى للدولة ممن عرف عنهم خلال الأشهر الأخيرة التماهي لدرجة كبيرة مع قرارات البرلمان، لا سيما بعد تصريحات صالح.
بداية يرى عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، أن تصريحات صالح ستسهم في تغيير كثير من مواقف أعضاء الأعلى للدولة، وقد تخصم من رصيده ومجلسه. وعدّ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تصريحات صالح «تخالف بنود الاتفاق السياسي»، لافتا إلى أن بعض الأعضاء داخل المجلس الأعلى للدولة استشعروا نبرة تصعيد في تلك التصريحات، وهو ما أثار انتقاداتهم للأمر. إلا أن معزب استدرك ليؤكد أن هذه التغييرات في المواقف «انحصرت في نطاق ما يعرف بالكتلة الرمادية من أعضاء الأعلى للدولة». وقال إن الأعلى للدولة «به أكثر من تيار، فهناك تيار يميل للتماهي مع مواقف البرلمان، وآخر وهو الأكثر عددا ينشد الوصول لبناء الدولة، وتوحيد مؤسساتها عبر إجراء الانتخابات، وفق قوانين تحظى بقبول مختلف القوى». كما تحدث عن «كتلة رمادية تتغير مواقفها تبعا لما يطرح من آراء من حين لآخر. والكثير من هؤلاء حسم قراره الآن بعد تلك التصريحات للالتحاق بصفوف التيار الغالب في مجلس الدولة».
وتوقع معزب وجود «غضب مكبوت تجاه هذه التصريحات من قبل أعضاء التيار المتماهي مع مواقف البرلمان»، وقال موضحا: «هم فضلوا كبت غضبهم تجاه ما قاله صالح لرغبتهم في المضي قدما، ولسياسة التقارب معه ومجلسه نحو تشكيل حكومة جديدة للبلاد تُمهد لإجراء الانتخابات كما يرددون، وذلك بغض النظر عن استمرار الخلاف حول القوانين الانتخابية»، مشدداً على أن التيار الغالب في الأعلى للدولة يستند في موقفه لرفض انفراد البرلمان بإقرار القوانين «لما ورد بالمادة التاسعة عشرة من الاتفاق السياسي».
وتنص هذه المادة «على أن التقدم بمشاريع القوانين يتم من قبل الحكومة، لتقوم بعرضها على الأعلى للدولة لإبداء الرأي، بالرفض أو القبول خلال 21 يوما، قبل إحالتها للبرلمان للمناقشة والإقرار. لكن للأسف هناك ميل لإصدار البرلمان عددا من القوانين، التي تمثل انتهاكا لمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، مثل إقراره أخيراً قانون إنشاء الهيئة العليا للحج والعمرة، أي نقل تبعية جهاز تنفيذي إلى سلطة تشريعية، وكذلك بعض القوانين والقرارات الأخرى المختصة بتنظيم القضاء».

وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، قد دعا صالح إلى إلغاء قانون إنشاء الهيئة العامة للحج والعمرة. كما طلب تكالة من عقيلة الكف عن إصدار أي قوانين خلال مرحلة الأزمة الراهنة، إلا في الحدود التي يتفق عليها المجلسان، وكذلك باقي الأطراف السياسية ومقتضيات المرحلة.
بالمقابل، رأى عضو الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن تصريحات صالح «لم تزعج أحدا كونها تتوافق مع بنود الاتفاق السياسي، الذي نص على أن البرلمان هو السلطة التشريعية الوحيدة بالبلاد خلال المرحلة الانتقالية، وأن التشاور والتنسيق مع الأعلى للدولة ينحصر بقوانين المفصلية، أي الانتخابات والاستفتاء والميزانية».
وأوضح بن شرادة لـ«الشرق الأوسط» أن «الانزعاج والاتهامات بسعي البرلمان للانفراد بالسلطة، والتخلي عن شراكته مع الأعلى للدولة جاءت فقط من قبل الفريق الذي ينصب البرلمان العداء»، مرجعاً هذه «المناكفة السياسية» على حد قوله لقرب هذا التيار من حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
كما لفت بن شرادة إلى «توافق المجلسين على التعديل الـ13 للإعلان الدستوري، وهو ما أسفر عن تشكيل لجنة مشتركة بالمناصفة لإعداد القوانين الانتخابية»، مشيرا إلى أنه تم إقرارها من البرلمان منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما يعني التزام البرلمان ببنود الاتفاق السياسي بالتنسيق والتشاور مع مجلسه بقوانين الانتخابات.
ورفض بن شرادة ما تطرحه بعض الأصوات بأن يتم تأجيل إصدار أي تشريعات جديدة لحين التوافق على إجراء العملية الانتخابية أولا، مشيرا إلى «احتمال وجود عائق أو فراغ تشريعي لا ينبغي تركه لحين الانتهاء من التوافق حول العملية الانتخابية، خاصة في ظل وجود فريق يستهدف العرقلة بالتذرع بعدم وجود توافق حول القوانين الانتخابية».


