مصر: مؤسسات دينية ترفض «تحريم تهنئة» المسيحيين بعيد الميلاد

دعت إلى عدم الاهتمام «بالفتاوى الموسمية»

البابا تواضروس خلال زيارته لمشيخة الأزهر للتهنئة بعيد الفطر في يونيو 2016 (المركز الإعلامي للأزهر)
البابا تواضروس خلال زيارته لمشيخة الأزهر للتهنئة بعيد الفطر في يونيو 2016 (المركز الإعلامي للأزهر)
TT

مصر: مؤسسات دينية ترفض «تحريم تهنئة» المسيحيين بعيد الميلاد

البابا تواضروس خلال زيارته لمشيخة الأزهر للتهنئة بعيد الفطر في يونيو 2016 (المركز الإعلامي للأزهر)
البابا تواضروس خلال زيارته لمشيخة الأزهر للتهنئة بعيد الفطر في يونيو 2016 (المركز الإعلامي للأزهر)

أكدت مؤسسات دينية في مصر رفضها «فتاوى موسمية غير رسمية، تُحرّم تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد». وقالت إن «مَن يردد هذه الآراء والفتاوى صاحب فكر متشدد، لا يمت للإسلام بصلة».

وقال الأزهر إن «مَن يحرمون تهنئة المسيحيين بأعيادهم غير مطّلعين على فلسفة الإسلام في التعامل مع الآخر بشكل عام، ومع المسيحيين بشكل خاص»، في حين أشارت دار الإفتاء المصرية إلى أن «تهنئة المسيحيين أمر مشروع». كما قالت وزارة الأوقاف المصرية إن التهنئة «نوع من البر والصلة».

ودخلت المؤسسات الدينية في مصر، بقوة خلال الساعات الماضية، على «آراء متشددة» جدّدت الحديث بشأن «رفض تهنئة المسيحيين»، وذلك رداً على بعض القنوات وصفحات التواصل الاجتماعي. وبحسب مراقبين فإنه «في هذا التوقيت من كل عام يروّج البعض فتاوى وآراء، تتعلق بتهنئة المسيحيين بأعيادهم». إلا أن المؤسسات الدينية المصرية تصف هذه الآراء والفتاوى بأنها «غير صحيحة»، وصادرة عن أشخاص غير متخصصين.

في هذا السياق، قال مفتي مصر، الدكتور شوقي علام، اليوم (السبت)، إن «تهنئة المسيحيين، واحتفال المسلمين بميلاد المسيح أمر مشروع لا حرمة فيه؛ لأنه تعبير عن الفرح به، كما أن فيه تأسياً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من توقير وتقدير وتبجيل للسيد المسيح وأمه السيدة مريم عليهما السلام».

ودعا علام في تصريحات له إلى «ضرورة عدم الاهتمام بالفتاوى الشاذة الموسمية، التي تُثار في كل موسم أو مناسبة»، مجدداً تأكيده أن «فتاوى تحريم تهنئة المسيحيين بميلاد المسيح، أو بالعام الميلادي الجديد، يجب رفضها وعدم الالتفات إليها».

كما أشار علام إلى أن «المصريين، مسلمين ومسيحيين، عاشوا على أرض مصر عبر التاريخ جنباً إلى جنب؛ متضامنين ومتحابين، حتى يئست منهم كل محاولات الوقيعة، التي تتعمد نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار، وهؤلاء المغرر بهم من المتشددين لم يقرأوا التاريخ جيداً».

في السياق ذاته، أكدت دار الإفتاء المصرية، عبر صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، أن «تهنئة شركاء الوطن من غير المسلمين بمناسباتهم وأعيادهم، هي من حُسن الجوار ورد التحية بالحسنى وحسن التعايش، وهي مبادئ إنسانية راقية يدعو إليها الشرع الشريف، كتاباً وسنة، ومارستها السيرة النبوية العطرة».

وقبل حديث مفتي مصر بساعات، أكد شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، أن «الأصوات التي تُحرّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، ذات فكر متشدد لا يمت للإسلام بصلة، وهو فكر لم تعرفه مصر قبل سبعينات القرن الماضي». وشدد في حديث له نقلته صحيفة «صوت الأزهر»، الناطقة باسم مشيخة الأزهر بالقاهرة، على أن «مَن يُحرّمون تهنئة المسيحيين بأعيادهم، غير مطّلعين على فلسفة الإسلام في التعامل مع الآخر بشكل عام، ومع المسيحيين بشكل خاص، والتي بيّنها لنا الخالق عز وجل في قوله: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون). كما بيّنها لنا أيضاً سبحانه وتعالى في قوله: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة)، وإذا قرأنا كلام المفسرين والمحدثين في هذا الجانب، سنجد أنهم وصفوا المسيحيين بأنهم أهل رأفة ورحمة وشهامة، وأنهم لا يحملون ضغينة، وأن هذه الصفات مستمرة فيهم إلى يوم القيامة، وهذا الكلام موجود فى أمهات الكتب التي يدرّسها الأزهر لطلابه».

وفي وقت سابق، قال شيخ الأزهر إن «تهنئة المسيحيين بالأعياد ليست من باب المجاملة أو الشكليات، بل تأتي انطلاقاً من فهمنا لتعاليم ديننا الحنيف». وأشار حينها إلى أن «علاقة المسلمين والمسيحيين تُعد تجسيداً حقيقياً للوحدة والإخاء، وهذه الأخوة ستظل دائماً الرباط المتين، الذي يشتد به الوطن في مواجهة الصعاب والتحديات».

بدورها، أكدت وزارة الأوقاف المصرية أنها «فوّضت جميع مديريات الأوقاف بجميع المحافظات المصرية لتقديم التهنئة للمسيحيين في الكنائس المختلفة». وقال وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة إن «تهنئة المسيحيين نوع من البر والصلة».

لقاءات متكررة بين شيخ الأزهر والبابا تواضروس للتهنئة بالأعياد.. الصورة تعود لعام 2016 (المركز الإعلامي للأزهر)

واعتاد أن يزور وفد من قيادات الأزهر، برئاسة الدكتور الطيب، خلال السنوات الماضية مقر الكاتدرائية المرقسية الكبرى بحي العباسية (شرق القاهرة) لتقديم التهنئة بالأعياد إلى بابا الإسكندرية، وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، البابا تواضروس الثاني. كما اعتاد البابا تواضروس زيارة مقر مشيخة الأزهر في حي الدرّاسة (وسط القاهرة) على رأس وفد كنسي لتقديم التهنئة للدكتور الطيب، بمناسبة الأعياد. وفي هذا السياق قال مصدر مطلع في الأزهر لـ«الشرق الأوسط» إن «وفداً أزهرياً رسمياً سوف يزور البابا تواضروس والكنيسة خلال هذا الأسبوع لتقديم التهنئة بالعيد»، مبرزاً أن تبادل مشاعر التهنئة في هذه المناسبة «يحقق معاني المودة والأخوة».

وبحسب «مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية»، فإن تهنئة المسيحيين بأعيادهم «جائزة، وتندرج تحت باب الإحسان والبر، كما أنها تدخل في باب لين الكلام وحسن الخطاب، وجميع هذه الأمور أمرنا الله عز وجل بها مع الناس جميعاً دون تفرقة، خاصة مع أهل الكتاب».

وأضاف المركز في فتوى له قبل أيام، أن «جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم يتوافق مع مقاصد الدين الإسلامي، ويُبرز سماحته ووسطيته».


مقالات ذات صلة

مصر في كأس العالم 2026... هل ستحقق فوزها التاريخي الأول؟

رياضة عربية جانب من تدريبات منتخب مصر في أوهايو (الاتحاد المصري)

مصر في كأس العالم 2026... هل ستحقق فوزها التاريخي الأول؟

تعود مصر إلى كأس العالم 2026 وهي تحمل هدفاً يبدو متواضعاً مقارنة بتاريخها ومكانتها الكروية لكنه ظل عصياً على التحقيق طوال مشاركاتها السابقة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مكاسب اقتصادية وتجارية تجنيها مصر وراء عمليات الربط الملاحي مع أفريقيا (وزارة النقل المصرية)

الربط الملاحي مع أفريقيا… أهداف سياسية ومكاسب اقتصادية للقاهرة

بدأت شركة حكومية مصرية لخدمات السفن تنفيذ خطتها لإدارة وتشغيل سفن تجارية تعمل على خط ملاحي بين موانئ مصر ونظيرتها في دول شرق أفريقيا لنقل البضائع.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تؤكد أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي (الشرق الأوسط)

مصر تؤكد توفير سبل الرعاية والخدمات للسودانيين على أراضيها

أكدت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وأن الحكومة تعمل على توفير سبل الرعاية والخدمات لهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا «الزراعة» قالت في بيان إنها «تتابع أعمال توزيع الأسمدة المُدعمة للمزارعين» (الوزارة)

تحرك برلماني مصري لحل أزمة «الأسمدة المُدعمة»

قدم عديد من النواب طلبات إحاطة لرئيس الوزراء ووزير الزراعة حول «صدور قرار بوقف صرف الأسمدة المُدعمة لبعض المحاصيل».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات مصرية في طوكيو لإنشاء منطقة صناعية يابانية في قناة السويس (الخارجية المصرية)

مصر تدعو اليابان للاستثمار صناعياً في مشروعات «قناة السويس»

دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع اليابان، بما في ذلك إنشاء منطقة صناعية يابانية في «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الربط الملاحي مع أفريقيا… أهداف سياسية ومكاسب اقتصادية للقاهرة

مكاسب اقتصادية وتجارية تجنيها مصر وراء عمليات الربط الملاحي مع أفريقيا (وزارة النقل المصرية)
مكاسب اقتصادية وتجارية تجنيها مصر وراء عمليات الربط الملاحي مع أفريقيا (وزارة النقل المصرية)
TT

الربط الملاحي مع أفريقيا… أهداف سياسية ومكاسب اقتصادية للقاهرة

مكاسب اقتصادية وتجارية تجنيها مصر وراء عمليات الربط الملاحي مع أفريقيا (وزارة النقل المصرية)
مكاسب اقتصادية وتجارية تجنيها مصر وراء عمليات الربط الملاحي مع أفريقيا (وزارة النقل المصرية)

بدأت شركة حكومية مصرية لخدمات السفن تنفيذ خطتها لإدارة وتشغيل سفن تجارية ذات طبيعة خاصة تعمل على خط ملاحي بين موانئ مصر ونظيرتها في دول شرق أفريقيا لنقل الرؤوس الحية، والبضائع المصرية.

تلك الشركة التي قال وزير النقل المصري كامل الوزير إنها تهدف إلى تعزيز التعاون، وتعظيم التجارة البينية مع الدول الأفريقية، يراها نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، السفير صلاح حليمة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، خطوة مهمة للربط الملاحي مع أفريقيا، وتحمل أهدافاً سياسية لزيادة الحضور المصري المتنامي بالقارة، لضمان مصالح القاهرة في ظل مساعٍ مناهضة لها، وبخلاف مكاسب اقتصادية.

خطوة جديدة نحو أفريقيا

وترأس وزير النقل، الخميس، أعمال الجمعية التأسيسية لشركة «تراست القناة لخدمات السفن»، وفق بيان للوزارة قال إنها تم تأسيسها بـ«غرض إدارة وتشغيل سفن تجاريه ذات طبيعة خاصة تعمل على خط ملاحي بين موانئ مصر ونظيرتها في دول شرق أفريقيا لنقل الرؤوس الحية، والبضائع المصرية».

وشدد على أن «الربط مع الدول الأفريقية في مختلف المجالات، ومنها مجالات النقل، يُعد ركيزة أساسية لتحقيق التكامل القاري، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام».

ولفت إلى أن «هذه الشركة ستقوم بمهام إدارة وتقديم الخدمات اللوجستية للسفن التجارية ذات الطبيعة الخاصة، وما يرتبط بها من أنشطة، مثل أعمال الوكالة الملاحية للسفن، وأعمال التخليص الجمركي للبضائع الصادرة أو الواردة لهذه السفن، بالإضافة إلى الخدمات اللوجستية الداخلية، بما في ذلك النقل، والتخزين».

كما تستهدف «التنسيق مع الموانئ والجهات الجمركية، والبيطرية، والرقابية، وكذا استقبال هذه السفن في ميناء سفاجا (شرقي مصر) كمرحلة أولى، على أن يسمح باستقبالها بجميع موانئ البحر الأحمر في المستقبل القريب»، بحسب البيان ذاته.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أعلنت الحكومة المصرية إنشاء شركة مشتركة لإدارة وتشغيل سفن تجارية ذات طبيعة خاصة تعمل على خط ملاحي بين الموانئ المصرية وموانئ دول شرق أفريقيا.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أكد نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير صلاح حليمة، أن هناك أبعاداً سياسية واقتصادية واستراتيجية من تأسيس مصر شركة ملاحية لربط الموانئ المصرية بشرق أفريقيا.

وأوضح حليمة أن أي نشاط اقتصادي له بالضرورة مردود سياسي، كما أن أي تحرك سياسي يستهدف في الأصل تحقيق مصالح اقتصادية، ومن الطبيعي جداً أن تكون مثل هذه الأمور ضمن إطار تنشيط العلاقات التجارية والاقتصادية بين الجانبين، وعلى النحو الذي من شأنه أن يؤدي أيضاً إلى بلورة مواقف وممارسات سياسية تتفق مع مصالح مصر، ومصالح هذه الدول.

ونبه إلى أن منطقة شرق أفريقيا تشهد حالياً نوعاً من التنافس الإقليمي والدولي على القطاعات الاقتصادية، وعلى الموارد المتاحة فيها، مؤكداً أن التوجه المصري يسعى بجدية إلى أن تكون العلاقات مع أفريقيا علاقات بينية قوية في المجال التجاري، بما يحمله ذلك من مردود سياسي إيجابي للدول الأفريقية أيضاً.

تحركات مصرية متزايدة

مصر تركز على مشروعات الربط الملاحي مع دول القارة الأفريقية (وزارة النقل المصرية)

وتتنامى التحركات المصرية الرسمية نحو تعزيز الترابط البحري والملاحي مع القارة الأفريقية، لا سيما في شرق أفريقيا.

وفي 16 مايو (أيار) الماضي، شهدت أسمرة التوقيع على اتفاقية التعاون في النقل البحري بين مصر وإريتريا لتعزيز الربط اللوجستي، والتكامل الاقتصادي، بحضور كامل الوزير، ووزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، والرئيس أسياس أفورقي، بهدف تعزيز الربط اللوجستي بين البلدين، ودعم حركة التجارة والاستثمار، وتعظيم الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلدين على البحر الأحمر، وفق بيان للخارجية المصرية.

وفي مارس (آذار)، عقد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، اجتماعاً لبحث سبل تعزيز ودفع أطر التعاون مع الدول الأفريقية الشقيقة في مختلف المجالات، مؤكداً أن هناك توجيهات محددة من الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة تعزيز ودفع أطر التعاون مع الدول الأفريقية خلال المرحلة الراهنة.

وفي هذا الإطار، يرى حليمة أن هناك اهتماماً بالغا بالعلاقات المصرية الأفريقية منذ سنوات عديدة، وتحديداً منذ عام 2019 عندما تولت مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي، حيث كان لها دور محوري وكبير في تأسيس منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، بالإضافة إلى جهودها المستمرة فيما يتعلق بالاستثمارات في البنية التحتية، لا سيما في منطقة شرق أفريقيا.

ولفت إلى أن لمصر دوراً فاعلاً ومميزاً من خلال وكالة التنمية الأفريقية التي تمثل الذراع التنفيذية والعملية للتنمية الاقتصادية في أفريقيا في إطار برنامج وأجندة أفريقيا 2063، وكذلك دور بارز فيما يتعلق بمشروعات الطرق القومية على مستوى القارة بأكملها.

ويشير إلى أن هذه المشروعات والجهود ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإنشاء مثل هذه الشركة الملاحية الجديدة؛ إذ إن من أبرز أهدافها تنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين الجانبين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على المردود السياسي في العلاقات المصرية مع هذه الدول، حيث تستهدف الدولة المصرية أساساً إقامة شراكات استراتيجية متينة معها، وشراكات في مواجهة الأزمات الخاصة بأمن الطاقة، وأمن المياه، والأمن الغذائي.


مصر تؤكد توفير سبل الرعاية والخدمات للسودانيين على أراضيها

مصر تؤكد أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي (الشرق الأوسط)
مصر تؤكد أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي (الشرق الأوسط)
TT

مصر تؤكد توفير سبل الرعاية والخدمات للسودانيين على أراضيها

مصر تؤكد أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي (الشرق الأوسط)
مصر تؤكد أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي (الشرق الأوسط)

أكدت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وأن الحكومة تعمل على توفير سبل الرعاية والخدمات لهم على أراضيها، وذلك رداً على تقرير صحافي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مؤخراً تطرق إلى أوضاع اللاجئين.

وجاء التقرير، الذي حمل عنوان: «الفقر والعنصرية والاختفاء القسري... لماذا يغادر لاجئو الحرب السودانيون مصر إلى أوروبا؟»، في وقت يتصاعد فيه الجدل حول أوضاع الوافدين إلى مصر، وفي مقدمتهم السودانيون الذين يشكلون النسبة الأكبر منهم، وذلك بعد أن أصدرت الحكومة اللائحة التنفيذية لقانون «لجوء الأجانب» الذي ينظم أوضاع اللاجئين، وحقوقهم، والتزاماتهم المختلفة.

وقال رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» السفير علاء يوسف، في خطاب إلى صحيفة «الغارديان»، إن «الادعاءات والاستنتاجات التي ساقها المقال تفتقر إلى الموضوعية، وتستند إلى صورة جزئية لا تعكس الواقع الكامل للأوضاع المتعلقة باستضافة مصر للأشقاء السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بسبب الحرب».

وأضاف، وفقاً لبيان صادر عن الهيئة الخميس، «أن التقرير أغفل حقيقة جوهرية تتمثل في أن مصر كانت منذ اندلاع الأزمة السودانية في أبريل (نيسان) 2023 من أكثر الدول استقبالاً للفارين من النزاع، رغم ما تواجهه من تحديات اقتصادية وإقليمية متزايدة، كما واصلت مصر فتح أبوابها أمام الأشقاء السودانيين الباحثين عن الأمن، والاستقرار، حيث يعيش الملايين منهم في مصر، ويمارسون حياتهم بصورة طبيعية في مجالات الدراسة، والعمل، والاستثمار، ومن بينهم نحو مليون شخص نزحوا بسبب الحرب الدائرة».

وأكد أن التعامل المصري مع هذه الأزمة انطلق دائماً من الاعتبارات الإنسانية، والروابط التاريخية بين الشعبين، مشيراً إلى أن مؤسسات الدولة المصرية، بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية، بذلت جهوداً كبيرة لاستيعاب التدفقات المتزايدة من النازحين السودانيين، حيث استمرت المدارس والمستشفيات في تقديم خدماتها للأسر السودانية رغم الضغوط الكبيرة الواقعة على الموارد الوطنية.

وأصدرت القاهرة القانون في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024 لتنظيم لجوء الأجانب إلى مصر، وشُكّلت «اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين» التي تتبع مجلس الوزراء، ومنذ ذلك الحين بدأت القاهرة مراجعة تصاريح الوافدين بشكل دوري، قبل أن تكثف إجراءاتها في الأسابيع الأخيرة.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان هرب أكثر من مليون و200 ألف سوداني إلى مصر، وفق تقديرات رسمية، بينما كان يقيم فيها بالفعل نحو خمسة ملايين سوداني قبل الحرب، لتتحول مصر إلى إحدى أبرز وجهات اللجوء للسودانيين الفارين من المعارك.

وتجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

وشدد السفير علاء يوسف على أن «الادعاءات التي أوردها التقرير بشأن العنصرية، أو سوء المعاملة، اعتمدت بصورة أساسية على روايات فردية منسوبة إلى عدد محدود من الأشخاص دون الكشف عن هوياتهم»، معتبراً أن مثل هذه الشهادات لا يمكن أن تكون أساساً لبناء أحكام عامة، أو استنتاجات تتعلق بتجربة مجتمع كامل، أو بسياسات دولة.

وأوضح رئيس «هيئة الاستعلامات» أن التقرير لم يمنح المؤسسات المصرية المعنية فرصة كافية لعرض وجهة نظرها، أو توضيح الحقائق المرتبطة بالوقائع المشار إليها، كما لم يعكس حجم الجهود المبذولة لتلبية الاحتياجات التعليمية والصحية والأمنية للسودانيين المقيمين على الأراضي المصرية، مشدداً على أن مصر تطبق قوانينها على جميع الأجانب دون تمييز، وأن أي إجراءات قانونية أو إدارية يتم اتخاذها تستند إلى أحكام القانون، وليس إلى جنسية الأفراد، أو خلفياتهم.

وكانت السفارة السودانية في مصر قد أصدرت تنويهاً لكافة مواطنيها المقيمين على الأراضي المصرية في شهر فبراير (شباط) الماضي شددت فيه على ضرورة الالتزام بالضوابط القانونية المتعلقة بالهوية، والإقامة.

وخلال شهري مايو (أيار) وأبريل الماضيين سجّلت عودة السودانيين النازحين من مصر إلى بلادهم زخماً متزايداً مؤخراً، مع استئناف رحلات العودة المجانية، واتساع قوائم الانتظار، وبخاصة عقب نهاية الموسم الدراسي في مصر.

وحتى نهاية العام الماضي، عاد إلى السودان نحو 428 ألفاً و676 شخصاً بصورة طوعية، وفق أرقام رسمية سودانية، ووفق تقديرات غير رسمية «للجنة الأمل للعودة الطوعية» قد يصل عدد الراغبين في العودة الطوعية من مصر إلى نحو 900 ألف شخص.


اشتباكات في مقديشو تهدد بفتح جبهات توتر جديدة أمام شيخ محمود

جنود صوماليون في أحد شوارع مقديشو عقب المواجهات بين المعارضة والقوات الحكومية الخميس (أ.ب)
جنود صوماليون في أحد شوارع مقديشو عقب المواجهات بين المعارضة والقوات الحكومية الخميس (أ.ب)
TT

اشتباكات في مقديشو تهدد بفتح جبهات توتر جديدة أمام شيخ محمود

جنود صوماليون في أحد شوارع مقديشو عقب المواجهات بين المعارضة والقوات الحكومية الخميس (أ.ب)
جنود صوماليون في أحد شوارع مقديشو عقب المواجهات بين المعارضة والقوات الحكومية الخميس (أ.ب)

انتقلت الأزمة السياسية في الصومال التي تراوح مكانها منذ أكثر من عام، من غرف الحوار المتعثر بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة إلى اشتباكات في شوارع العاصمة مقديشو.

تلك الاشتباكات التي تحمل فيها المعارضة راية رفض مد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود طبقاً لتداعيات الدستور الجديد، يراها خبراء من الصومال تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» محاولة من المعارضة لتحقيق أي انتصار لمواقفها ولو بالقوة، وأنها ستفتح جبهات توتر جديدة أمام مقديشو.

يأتي ذلك بخلاف الإرهاب، حيث تواجه الحكومة حركة «الشباب» المتطرفة منذ أكثر من 15 عاماً.

وأواخر مايو (أيار) الماضي، أعلن «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو بدءاً من الخميس 4 يونيو (حزيران) الحالي، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، التي تجري عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة بدعم من ولايتي غوبالاند وبونتالاند.

رجال شرطة ومواطنون في أحد شوارع مقديشو قبل احتجاجات المعارضة الخميس (رويترز)

وكان شيخ محمود بدأ وقتها في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً، وذلك بعد أيام من انتقاده دعوة المعارضة لاحتجاجات «يوم انتخابات مباشرة في ولاية جنوب غربي الصومال»، ودعاها وقتها إلى «طرح رؤية سياسية بدلاً من التحريض على الفوضى».

وقال سكان في العاصمة الصومالية مقديشو إن «تبادلاً لإطلاق النار بين قوات الحكومة وفصائل مسلحة متحالفة مع المعارضة، مساء الأربعاء وصباح الخميس، ألحق أضراراً بممتلكات وأجبر عدداً من المدنيين على الفرار»، بحسب ما نقلته «رويترز».

وأكد شيخ شريف أحمد، الذي تولى الرئاسة في الصومال من عام 2009 إلى 2012، أن قوات الحكومة حاصرت منزله، واتهم الحكومة بتعديل الدستور بطريقة غير قانونية، مؤكداً أنه «سيقاوم»، وفق «رويترز».

وفي منشور على منصة «إكس»، اتهم حسن علي خيري، وهو رئيس وزراء سابق للبلاد، قوات الحكومة بشن «هجوم عسكري متواصل وعشوائي» بهدف قتله هو وشيخ شريف أحمد.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

لكن الحكومة، في بيان نقلته وكالة الأنباء الصومالية، الخميس، اتهمت «ميليشيات مسلحة ملثمة بقيادة حسن علي خيري بالوقوف وراء استهدف مركز شرقية في منطقة مأهولة بالسكان»، مشددة على أنها «لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف زعزعة أمن العاصمة مقديشو أو عرقلة عمل الأجهزة الأمنية أو نشر الفوضى وإثارة الذعر بين المواطنين».

وأكدت أنها تقوم بتحقيق لتحديد المسؤولين عنه، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق جميع المتورطين، وفق البيان.

ويرى الخبير السياسي الصومالي، حسن نور، أن المعارضة تحاول أن تبحث عن أي مخرج للانتصار لمواقفها ولو بالقوة، ولجأت لذلك العنف، و«الحكومة تحركت لوقف تخويف المعارضة للمواطنين وفرض الأمن والنظام والسيادة»، محذراً المعارضة من «إثارة النزعة العشائرية حتى لا تعود الحرب الأهلية مجدداً للبلاد».

ويعتقد الخبير السياسي الصومالي، عبد الوالي جامع بري، أن التطورات الأخيرة في مقديشو تشير إلى أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي بين الحكومة والمعارضة، بل أصبحت أزمة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والعشائرية والدستورية، وهو ما يزيد من خطورتها، مشيراً إلى أن هذا التطور سيفتح جبهات توتر جديدة أمام رئيس البلاد.

ويلفت بري إلى أن المعارضة ستصعد وستستغل الإدارات الإقليمية التي لها خلاف مع الحكومة حالة الاستقطاب لزيادة الضغط على مقديشو، بخلاف أن أي انشغال سياسي أو أمني داخل العاصمة يمنح حركة «الشباب» الإرهابية فرصة لاستغلال الانقسام وتكثيف عملياتها، خاصة أن الحركة كثفت هجماتها خلال العامين الماضيين.

شاحنة تنقل قوة من رجال الأمن في أحد شوارع مقديشو قبل احتجاجات المعارضة الخميس (رويترز)

في المقابل، تعالت أصوات دولية رافضة تلك الاشتباكات، حيث وصفت السفارة الأميركية في مقديشو أعمال العنف بأنها «تهور»، وقالت في منشور على «إكس»، الخميس: «زعماء الصومال من كل الأطراف عليهم مسؤولية الحفاظ على الاستقرار وحل الخلافات بسبل سلمية».

كما دعت بريطانيا، في بيان سفارتها أيضاً، الأطراف في الصومال إلى ضبط النفس وإجراء حوار. وقالت إن العنف غير مقبول.

ووصف بيان مشترك صدر عن بعثتي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والسفارة البريطانية المواجهات بـ«المقلقة جداً»، بحسب ما نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

ويراهن نور على أنه لا بديل عن الذهاب للحوار وإنهاء الأزمة على طاولة المناقشات، مرجحاً أن الضغوط الدولية قد تتدخل لوقف الأزمة ودفع الأطراف للحوار والاتفاق على حل سياسي سلمي، ولو هناك تنازلات ستحدث من أجل الاستقرار وحفظ سيادة البلاد.

كما يراهن بري على قدرة الوسطاء المحليين والدوليين على إعادة الحكومة والمعارضة إلى طاولة الحوار، وعدم تكرار سيناريو 2021، من مواجهات داخل مقديشو انتهت بتفاهمات سياسية، دون أن يستبعد الانتقال لاشتباكات لمرحلة غير مسبوقة وتنزلق لصراع مفتوح بالعاصمة، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي لا بد أن يلعب دوراً فورياً وسريعاً لتجنب أي توترات أكبر.

ويشدد على أن امتلاك مؤسسات الدولة والقوات النظامية، سلاحها الأمني يمنحها تفوقاً على المدى القصير، موضحاً: «لكن التجربة الصومالية أظهرت أن الحسم الأمني وحده لا يحل الأزمات السياسية، وأن أي انتصار أمني لن يكون مستداماً ما لم يترافق مع تسوية سياسية مقبولة بين الحكومة والمعارضة».