مصر في 2023... ضغوط اقتصادية تراوح مكانها على وقع «زلازل» إقليمية

حراك سياسي داخلي و«تصفير» مشكلات مقابل «انفجار» أخرى

السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
TT

مصر في 2023... ضغوط اقتصادية تراوح مكانها على وقع «زلازل» إقليمية

السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)

حراك سياسي داخلي، وتقاربات إقليمية لافتة، وأزمة اقتصادية ضاغطة، و«زلازل» إقليمية تحاصر أركان الخريطة المصرية... هكذا عايش المصريون مجريات عام 2023 الذي ربما حمل في بداياته أملاً في التعافي من تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، وقبلها تأثيرات جائحة «كورونا»، لكن تفجر الأزمات ظل «عرضاً مستمراً» ليلقي بمزيد من التبعات والأعباء على مصر والمصريين.

حملت الأشهر الأولى من 2023 أملاً في عام أكثر هدوءاً، مع إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في فبراير (شباط) الماضي، بدء الدولة مرحلة جديدة بعد نجاحها في القضاء على الإرهاب، وهو ما عاد السيسي لتأكيده في أبريل (نيسان) الماضي بوضوح أكبر، عندما قال إن «الإرهاب انتهى» في مصر، مشدداً على أنه «لن نسمح برفع سلاح إلا سلاح الدولة».

شرطي وناخبون خارج مركز للتصويت في الانتخابات الرئاسية بمصر (رويترز)

هذا التطور ارتبط بحالة من الحراك السياسي الداخلي، الذي اقترن بانطلاق «الحوار الوطني» المصري في مايو (أيار) الماضي، وشهد تفاعلاً ونقاشات لم تخلُ من تباينات جوهرية بين القوى الحزبية المشاركة.

مشهد الحراك الداخلي امتد إلى الربع الأخير من العام، بعد الإعلان عن تنظيم الانتخابات الرئاسية 2024، قبل نهاية العام، وتنافس فيها أربعة مرشحين في مقدمتهم الرئيس السيسي، وبدت النتيجة، حسب كثير من المراقبين، «محسومة»، لكنَّ الرهان لم يكن على شخصية الفائز في السباق الرئاسي، بقدر ما كان الترقب منصبّاً على نسبة المشاركة في الاقتراع، التي «تجاوزت التوقعات»، وفق ما أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات.

تقاربات وأزمات إقليمية

الحراك السياسي الداخلي، تزامن كذلك مع موجة من التقاربات الإقليمية المصرية لـ«تصفير» المشكلات مع دول شهدت العلاقات معها موجات من التوتر، في مقدمتها تركيا، التي كان استئناف وترفيع العلاقات الدبلوماسية معها عنواناً بارزاً لتطورات ملف العلاقات الإقليمية للقاهرة بعد عقد كامل من الجفاء لم يخلُ من توتر.

جاء التقارب بين القاهرة وأنقرة عقب انفراجة مفاجئة في نهاية 2022، عندما التقى الرئيس المصري نظيره التركي رجب طيب أردوغان، على هامش حضورهما افتتاح كأس العالم لكرة القدم في قطر، ومن بعدها تسارعت وتيرة التقارب حتى وصلت إلى مرحلة ترفيع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير، فضلاً عن لقاءات متكررة بين رئيسي البلدين على هامش قمم إقليمية ودولية، دون أن تصل بعد إلى مرحلة تبادل «الزيارات الرسمية».

العلاقات المصرية - الإيرانية شهدت كذلك مؤشرات على «انفراجةٍ» ما تُنهي عقوداً من «الجمود»، وتكررت لقاءات وزيارات لوفود رسمية، والتقى الرئيسان المصري والإيراني على هامش القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الرياض في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لكنّ العلاقات لم تصعد –رسمياً- درجة أكبر من «اللقاءات».

لكن بموازاة تلك «التقاربات» كانت أزمات إقليمية أخرى على موعد مع «الانفجار»، ما فاقم الضغوط على مصر، ففي أبريل من هذا العام اندلع على نحو مفاجئ اقتتال سوداني داخلي بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الأمر الذي تسبب في ضغوط أمنية واقتصادية وإنسانية على مصر، التي وجدت نفسها في مواجهة حرب طاحنة، على جبهتها الجنوبية.

وإلى جانب المشكلات الاقتصادية التي تعانيها، واجهت القاهرة خسارة شريك استراتيجي واقتصادي مهم تصل نسبة التبادل التجاري بينهما إلى 18.2 في المائة وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري، فضلاً عن تدفق ما يقارب نصف المليون نازح سوداني باتجاه الحدود المصرية، أُضيفوا إلى نحو 4 ملايين سوداني يقيمون منذ سنوات على الأراضي المصرية.

كما فرضت الأزمة تبعات أمنية على القاهرة التي فتحت جسراً عاجلاً برياً وبحرياً وجوياً لإجلاء رعاياها من الداخل السوداني، وأن تسهم كذلك في إجلاء آلاف من الرعايا الأجانب عبر أراضيها، وأن تستضيف في يوليو (تموز) الماضي قمة إقليمية ضمّت قادة دول جوار السودان، بحثاً عن حلول لأزمة متشابكة الأبعاد والتداعيات بالنسبة إلى مصر. وليس بعيداً عن السودان، ظلت أزمة «سد النهضة» الإثيوبي تراوح مكانها في 2023، رغم ما طرأ من اتفاق بين القاهرة وأديس أبابا في يوليو الماضي، على استئناف جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق في غضون 4 أشهر.

تحديات الدور المصري

وقبل أن ينتهي العام، وبينما كانت مصر تعيش حالة احتفالية واكبت الذكرى الـ50 لانتصارات حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، تفجرت أزمة أخرى على الجبهة الشرقية للبلاد، بعد عملية «طوفان الأقصى» التي نفّذتها حركة «حماس» في 7 أكتوبر 2023 ضد أهداف إسرائيلية، في أكبر عملية تنفّذها فصائل المقاومة الفلسطينية في تاريخها، لتجد مصر نفسها «في قلب العاصفة، وفي مواجهة تداعيات مباشرة على أمنها القومي»، كما يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، العميد السابق لمعهد البحوث العربية، الدكتور أحمد يوسف أحمد، الذي يشير إلى أن ضغوط الأزمات الإقليمية سواء في الجنوب (السودان) أو في الشرق (غزة)، كانت «كبيرة وثقيلة» على مصر.

وأضاف يوسف لـ«الشرق الأوسط»، أن تداعيات الأزمة في غزة لم تقتصر على ارتباط الوضع بجذور تاريخية بين مصر والقطاع، لكنّها مثّلت ثقلاً إضافياً بإطلاقها مخاوف من مشروع تهجير الفلسطينيين إلى أراضي سيناء، ما يمثل «خطراً مباشراً على الأمن القومي المصري، فضلاً عن تعريض البلاد لضغوط إنسانية عنيفة» عبر دفع قوات الاحتلال لنحو مليوني فلسطيني إلى التكدس في جنوب غزة بمحاذاة الحدود المصرية.

ويعتقد يوسف أن خطورة الأزمة الراهنة في غزة «تكمن في أنها تفرض تحديات على الدور المصري إقليمياً»، سواء بالمسؤولية التاريخية تجاه القضية الفلسطينية أو عبر أدوار الوساطة، إضافةً إلى تداعيات اتساع نطاق التوتر الإقليمي وامتدادها لجنوب البحر الأحمر عبر ما تقوم به جماعة الحوثي من استهداف للسفن بالمنطقة، الأمر الذي قد يؤدي للتأثير في قناة السويس.

ضغوط اقتصادية

تلك الأزمات الإقليمية تضاعفت وطأتها لتزامنها مع «ضغوط» متراكمة يعانيها الاقتصاد المصري قبل 2023 وتواصلت بوتيرة أكبر خلال العام، بعدما وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضاً بقيمة 3 مليارات دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2022، ومنذ ذلك الحين يشهد سعر الصرف الرسمي للجنيه المصري ثباتاً في حدود 30.9 جنيه مقابل الدولار، في حين يتسع الفارق بين السعر الرسمي وسعر الصرف في «السوق السوداء» لأكثر من 50 في المائة تقريباً.

كما واجه الاقتصاد المصري خفضاً متكرراً للتصنيف الائتماني من جانب وكالات تصنيف دولية، مثل «موديز» و«ستاندرد آند بورز»، التي خفضت في الربع الأخير من العام، التصنيف السيادي طويل الأجل لمصر إلى «- B» من «B»، مشيرةً إلى ازدياد ضغوط التمويل على البلاد.

وواكب ذلك تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي 2022 - 2023 بنسبة 30.8 في المائة على أساس سنوي، وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري بشأن معاملات الاقتصاد مع العالم الخارجي خلال العام المالي 2022 - 2023 «تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي الماضي، إلى 22.1 مليار دولار، مقابل 31.9 مليار دولار في العام المالي السابق».

عملات مصرية من فئات مختلفة أمام عملات دولية (أ.ف.ب)

وتعطلت كذلك صفقات بيع بعض الأصول الحكومية والمملوكة لجهات عامة، في ظل صعوبات تتعلق بتقييم الأصول، وهو ما أدى إلى قيام صندوق النقد الدولي بتعليق مراجعته الأولى للبرنامج، التي كان من المقرر إجراؤها في مارس (آذار) الماضي.

ومثّل التضخم واحداً من الضغوط اللافتة التي صبغت شهور عام 2023 وستظل عالقة في أذهان المصريين، كما أظهرت بيانات للبنك المركزي المصري في أكتوبر الماضي، أن «التضخم الأساسي تباطأ إلى 38.1 في المائة نزولاً من 39.7 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي». واضطر «المركزي» الذي شهد تغييراً لرئيسه في أغسطس (آب) من هذا العام، إلى مراجعة وتغيير أسعار الفائدة أكثر من مرة خلال العام لاحتواء تلك الضغوط التضخمية، كما لجأت الحكومة المصرية خلال العام مرتين إلى زيادة أسعار المحروقات، كان آخرها في نوفمبر الماضي لزيادة أسعار البنزين بنسبة بلغت 14.3 في المائة، وسط ارتفاع الأسعار العالمية للوقود، وضعف سعر الصرف.

«عام صعب»

ويذهب الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور رشاد عبده، إلى وصف عام 2023 بأنه كان من «أصعب الأعوام بالنسبة للاقتصاد المصري»، مبرراً تقييمه هذا باستمرار تراكم الأزمات والمشكلات الاقتصادية، وزيادة أعباء الدين العام، إضافةً إلى ارتفاع معدلات التضخم.

ويرى عبده في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أن الظروف الإقليمية والدولية، تزيد من حدة الضغوط الاقتصادية على مصر، فما شهده السودان من اقتتال داخلي، وكذلك تداعيات الحرب على غزة، وقبلهما استمرار تأثيرات الحرب الروسية – الأوكرانية، تلقي بأعباء ثقيلة على مختلف مؤشرات الاقتصاد المصري، وربما تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات اقتصادية يصفها بـ«القاسية» في ظل استمرار الفجوة الدولارية واستيراد مصر لمعظم احتياجاتها، وبخاصة من الغذاء.

وربما جاءت دعوة تجمع دول «بريكس» لمصر في أغسطس الماضي للانضمام إلى التجمع بدايةً من عام 2024، نبأ سارّاً، وسط ضغوط اقتصادية متراكمة، خصوصاً أن التجمع يضم قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل، لكنّ عبده يرى أن تحقيق مكاسب اقتصادية من هذا الانضمام كان يتطلب إجراءات واستعدادات «لم تتوفر بعد»، وفق رأيه.


مقالات ذات صلة

«الأحوال الشخصية»... أبرز التشريعات المرتقبة على أجندة «النواب» المصري

شمال افريقيا إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

«الأحوال الشخصية»... أبرز التشريعات المرتقبة على أجندة «النواب» المصري

يستعد مجلس النواب المصري لبدء دور انعقاده الثاني خلال أيام، وسط ترقب لعودة مشروع قانون «الأحوال الشخصية» إلى صدارة المناقشات.

منى أبو النصر (القاهرة )
شمال افريقيا خطوط سكك حديدية في مصر (وزارة النقل المصرية)

سكك حديدية مصرية في سيناء تثير قلقاً في إسرائيل

بعد أيام من زيارة قام بها وزير النقل المصري كامل الوزير إلى سيناء، عبّرت تقارير عبرية عن قلق إسرائيلي من شبكات النقل الجديدة.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا رئيسا وزراء مصر والسودان خلال محادثات بالقاهرة في فبراير الماضي (مجلس الوزراء المصري)

عاصمة سودانية جديدة... ترتيبات لمشروعات مشتركة بين القاهرة والخرطوم

تستعد مصر والسودان لتدشين مشروعات تنموية مشتركة، من بينها إقامة «مدينة إدارية جديدة» في الخرطوم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد تطبيق زيادات في رسوم المرور على بعض الطرق بمصر (وزارة النقل المصرية)

مدفوعات «الكارتة» تخصم من ارتياح مصريين لتطوير الطرق والمواصلات

شهدت شبكة الطرق المصرية توسعاً كبيراً خلال السنوات العشر الماضية.

أحمد عدلي (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الدفاع أشرف سالم زاهر (الرئاسة المصرية)

السيسي يفوّض وزير الدفاع ببعض اختصاصات رئيس الجمهورية في «التعبئة العامة»

أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قراراً بتفويض وزير الدفاع والإنتاج الحربي أشرف سالم زاهر ببعض اختصاصات رئيس الجمهورية في قانون «التعبئة العامة».

أحمد جمال (القاهرة)

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
TT

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)

أنقذت وحدات خفر السواحل الموريتانية، الأحد، 260 مهاجراً غير نظامي بعدما رصدت زورقين قبالة سواحل العاصمة نواكشوط كانا قد أبحرا من مدينة بانجول، عاصمة غامبيا، في طريقهما نحو جزر الكناري الإسبانية.

وذكر إيجاز صحافي صادر عن خفر السواحل أن الزورقين أمضيا نحو سبعة أيام في عرض البحر قبل أن تتمكن الوحدات البحرية من رصدهما، والتدخل لإنقاذ جميع من كانوا على متنهما.

وبحسب البيان، فإن الأشخاص الذين تم إنقاذهم هم 132 سنغالياً، و120 من غامبيا، و4 من غينيا، واثنان من نيجيريا، واثنان من مالي؛ وكان من بينهم 61 امرأة، و17 طفلاً.

يأتي هذا في سياق تصاعد لافت لحركة قوارب الهجرة على الساحل الموريتاني الذي بات يشكل أبرز نقاط العبور على «طريق الأطلسي» نحو جزر الكناري الإسبانية.

فمنذ مطلع العام الحالي، وحتى منتصف يوليو (تموز)، سجلت السلطات الموريتانية 17 عملية إنزال في نواكشوط ونواذيبو، أتاحت إنقاذ 2147 مهاجراً، بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.

وفي 21 من الشهر ذاته، أعلنت المفوضية وفاة أو فقدان 144 مهاجراً في ثلاث عمليات إنقاذ متتالية قبالة السواحل الموريتانية خلال أسبوع واحد، كان أغلبهم في قارب انطلق من منطقة بوفالوتو في غامبيا، وظل تائهاً في البحر 25 يوماً قبل العثور عليه، ولم ينجُ منه سوى 38 شخصاً.

وفي 7 يونيو (حزيران) الماضي، أعلن خفر السواحل مقتل مهاجرة، وإنقاذ 192 آخرين قبالة نواكشوط، في ثاني عملية من نوعها خلال خمسة أيام فقط، بعد إنقاذ 110 مهاجرين من جنسيات أفريقية إثر تعطل زورقهم.

وفي 21 أغسطس (آب) أنقذ خفر السواحل أكثر من 300 مهاجر، بينهم 40 طفلاً، من قارب خشبي مكتظ قبالة ميناء نواذيبو، بعد أيام قليلة من إنقاذ 42 مهاجراً آخرين من قارب متعطل.

من عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين بينهم نساء وأطفال (خفر السواحل الموريتاني)

ويعكس هذا التواتر في عمليات الإنقاذ، التي لم تعد تفصل بينها سوى أيام معدودة في بعض الأحيان، ضغطاً متصاعداً على قدرات خفر السواحل الموريتاني، في وقت تشير فيه منظمات حقوقية إلى أن الأرقام الرسمية للناجين تخفي واقعاً أكثر قتامة من الوفيات، وحالات الفقد في عرض المحيط.

وبحسب منظمة «كاميناندو فرونتيراس» غير الحكومية، توفي أكثر من 1300 مهاجر أثناء محاولتهم بلوغ السواحل الإسبانية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.

ويغلب على شبكات التهريب النشطة على هذا المحور اعتماد قوارب خشبية تقليدية مكتظة تنطلق في معظمها من بانجول في غامبيا، وسواحل السنغال، وغينيا، في رحلات قد تمتد لأسابيع دون احتياطات كافية من الماء، والغذاء، والوقود، ما يعرض ركابها لمخاطر جسيمة حال تعطل المحركات، أو انحراف المسار.

وقد دفعت الضغوط الأمنية المتزايدة في المغرب وموريتانيا، بدعم أوروبي، بعض هذه الشبكات إلى إزاحة نقاط الانطلاق جنوباً نحو غامبيا، وغينيا، بحسب ما ترصده منظمات متخصصة في رصد حركة الهجرة.

وتصف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «طريق الأطلسي» بأنه «أحد أخطر ممرات الهجرة في العالم»، نظراً لطول المسافات، وصعوبة التوقعات البحرية، واكتظاظ القوارب غير الصالحة للإبحار، ومحدودية فرص الوصول السريع لعمليات الإنقاذ.


ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
TT

ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)

عزّز صعود 3 من أبناء المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني» الليبي، إلى مواقع مؤثرة في المشهدين العسكري والتنموي بشرق ليبيا، التساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بينهم، وما إذا كانت «تنافساً» على «مراكز النفوذ» أم توزيعاً للأدوار ضمن قيادة مركزية واحدة.

وخلال السنوات الأخيرة، تعزز حضور أبناء حفتر في مواقع قيادية داخل مؤسسات نافذة؛ إذ يشغل صدام (النجل الأصغر) منصب نائب قائد «الجيش الوطني» منذ صيف العام الماضي، فيما يتولى شقيقه خالد رئاسة الأركان العامة، بينما يدير بالقاسم منذ فبراير (شباط) 2024 «صندوق إعادة إعمار ليبيا»، الذي منحه البرلمان صلاحيات واسعة في ملف الإعمار.

أما صديق وعقبة حفتر، فيظهران في مواقع أقل تأثيراً؛ إذ ينشط الأول في الوساطات القبلية لـ«المصالحة الوطنية»، بينما يعمل الثاني في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي.

بالقاسم حفتر يقبل رأس والده خلال حفل افتتاح جامعة بنغازي هذا الشهر (القيادة العامة)

وأعادت تحركات 86 نائباً، الأسبوع الماضي، لتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب بما قد يفتح الطريق أمام تغيير رئيسه عقيلة صالح، التساؤلات بشأن احتمال وجود تباين بين صدام وخالد، سواء بين نشطاء محليين أو في وسائل إعلام دولية.

ووفق موقع «أفريكا إنتليجنس»، فقد دعم صدام هذه التحركات البرلمانية، فيما تحدثت تقارير عن دور لخالد في «منع انعقاد الجلسة، ودعمه عقيلة صالح في رئاسة المجلس». كذلك سبق أن سلطت صحيفة «لوموند» الفرنسية الضوء على هذا التنافس المحتمل، في تقرير نشرته الشهر الماضي.

تكهنات وفرضيات

ومن بين الليبيين من يتفق مع وجهة النظر القائلة بأن هناك «تنافساً»، بل «صراع نفوذ»؛ إذ يرى المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أنه «وصل إلى تصعيد غير مسبوق، بين مشروع يقوده صدام حفتر في مقابل خالد وبالقاسم».

وسلّط محفوظ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الضوء على «إشارات سابقة على هذا الصراع أخرجتها الجلسة الأخيرة للبرلمان إلى العلن، وتحول إلى نزال بين مدونين تابعين للطرفين»، وهي وجهة نظر يتفق معها جلال حرشاوي، الباحث المشارك في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة».

في المقابل، تحدثت مصادر مقربة من قيادة «الجيش الوطني» إلى «الشرق الأوسط» عن أن هذه الفرضية «غير صحيحة»، وأن الأمر لا يتجاوز توزيعاً للمهام ضمن قيادة مركزية واحدة.

ويرى الباحث العسكري المقرب من «الجيش الوطني» محمد الترهوني أن «اختلاف وجهات النظر بين القادة في بعض الملفات أمر غير مستبعد، لكن الوصول إلى خلاف أو صراع علني مستبعد».

ويعتقد الترهوني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بوجود تنافس «على الإنجاز وليس النفوذ»، عادّاً أن تحركات خالد وصدام تستهدف «حماية مستقبل المؤسسة العسكرية والحيلولة دون محاولات بعض القوى السياسية التأثير في القيادة العامة».

المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)

وكان تعيين صدام نائباً لقائد «الجيش الوطني» في صيف العام الماضي قد فتح مبكراً باب التكهنات بشأن مستقبل القيادة في شرق ليبيا. وطرح مركز سيمبسون الأميركي للأبحاث قراءة عن احتمال ترسيخ موقع صدام في مسار الخلافة، مقابل ما قد يؤدي إليه ذلك من تهميش لشقيقه خالد، رغم توليه رئاسة الأركان.

وزادت التساؤلات بشأن دور صدام مستقبلاً مع «المبادرة الأميركية» لتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية في ليبيا، مع تداول تقارير إعلامية عن تسريبات بشأن صيغة مقترحة تقضي بتولي صدام رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل تولي عبد الحميد الدبيبة رئاسة الحكومة الموحدة.

«تسلسل هرمي واضح»

في أبريل (نيسان) الماضي، صدرت تصريحات منسوبة إلى خالد حفتر تتحدث عن «رفض الاستمرار في أي ترتيبات سياسية مدعومة بأجندات خارجية من شأنها إطالة أمد الأزمة»، وهو ما فُهم حينها على أنه إشارة إلى رفض مبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.

لكن الباحث السياسي محمد مطيريد يرى أن موقف قيادة «الجيش الوطني» المرحِب بـ«المبادرة الأميركية»، الصادر بعد ذلك بشهرين، ينفي هذه الفرضية. واستشهد، في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، بـ«اجتماع غير معلن إعلامياً قبل أسبوعين بين خالد وصدام لبحث آخر المستجدات».

ويرى الترهوني أن كلاً من صدام وخالد ينتمي إلى «مؤسسة عسكرية منضبطة، تقوم على تسلسل هرمي واضح في إصدار الأوامر وتنفيذها»، مضيفاً: «لم نرَ حتى الآن تدخلاً مباشراً من خالد وصدام في المشهد السياسي، أو تحركات تشير إلى وجود تنافس معلن بينهما».

وفي ما يتعلق ببالقاسم، قال الترهوني إن عمله في «صندوق إعادة إعمار ليبيا» ينصبّ على تنفيذ المشروعات ودفع العملية التنموية في شرق البلاد.

وسبق أن طرح «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» احتمال نشوء صراع يتجاوز حدود التنافس بين الأبناء ضمن سيناريوهات تتعلق بمستقبل القيادة.

ويقلل المحلل السياسي المقرب من «الجيش الوطني» عبد الله الديباني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، من احتمالات نشوب صراع مستقبلي بين أبناء حفتر، معتبراً أن «توزيع المهام يجري وفق رؤية مركزية واحدة؛ وأن الأدوار العسكرية والأمنية والتنموية تمضي في إطار تكاملي، ولا تعني وجود تنافس على النفوذ».

وبين حديث عن «تنافس محتمل وتوزيع للأدوار»، تبقى مواقع أبناء حفتر مؤثرة في قراءة مستقبل القيادة بشرق ليبيا، من دون دليل حاسم، حتى الآن، على وجود صراع بينهم.


البرهان يتحدّى واشنطن بعد رفض تأشيرته


البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يتحدّى واشنطن بعد رفض تأشيرته


البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)

أبدى رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، تحدّيه لواشنطن، رافضاً ما وصفه بـ«الابتزاز»، معلناً عدم رغبته في الحصول على أي تأشيرة سفر، وبقاءه داخل السودان، وذلك في إشارة إلى قرار الولايات المتحدة عدم منحه تأشيرة دخول إلى أراضيها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي.

وكان البرهان يعتزم قيادة وفد بلاده إلى الدورة الـ81 للجمعية العامة في نيويورك لإلقاء كلمته يوم 24 سبتمبر (أيلول) الحالي، إلا أن واشنطن رفضت منحه تأشيرة دخول.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصادر قولها إن إصدار التأشيرة الأميركية كان مرهوناً بموافقة البرهان على هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً في الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، اقترحها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، لكن البرهان رفضها وتعهد مواصلة الحرب.