مصر في 2023... ضغوط اقتصادية تراوح مكانها على وقع «زلازل» إقليمية

حراك سياسي داخلي و«تصفير» مشكلات مقابل «انفجار» أخرى

السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
TT

مصر في 2023... ضغوط اقتصادية تراوح مكانها على وقع «زلازل» إقليمية

السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)

حراك سياسي داخلي، وتقاربات إقليمية لافتة، وأزمة اقتصادية ضاغطة، و«زلازل» إقليمية تحاصر أركان الخريطة المصرية... هكذا عايش المصريون مجريات عام 2023 الذي ربما حمل في بداياته أملاً في التعافي من تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، وقبلها تأثيرات جائحة «كورونا»، لكن تفجر الأزمات ظل «عرضاً مستمراً» ليلقي بمزيد من التبعات والأعباء على مصر والمصريين.

حملت الأشهر الأولى من 2023 أملاً في عام أكثر هدوءاً، مع إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في فبراير (شباط) الماضي، بدء الدولة مرحلة جديدة بعد نجاحها في القضاء على الإرهاب، وهو ما عاد السيسي لتأكيده في أبريل (نيسان) الماضي بوضوح أكبر، عندما قال إن «الإرهاب انتهى» في مصر، مشدداً على أنه «لن نسمح برفع سلاح إلا سلاح الدولة».

شرطي وناخبون خارج مركز للتصويت في الانتخابات الرئاسية بمصر (رويترز)

هذا التطور ارتبط بحالة من الحراك السياسي الداخلي، الذي اقترن بانطلاق «الحوار الوطني» المصري في مايو (أيار) الماضي، وشهد تفاعلاً ونقاشات لم تخلُ من تباينات جوهرية بين القوى الحزبية المشاركة.

مشهد الحراك الداخلي امتد إلى الربع الأخير من العام، بعد الإعلان عن تنظيم الانتخابات الرئاسية 2024، قبل نهاية العام، وتنافس فيها أربعة مرشحين في مقدمتهم الرئيس السيسي، وبدت النتيجة، حسب كثير من المراقبين، «محسومة»، لكنَّ الرهان لم يكن على شخصية الفائز في السباق الرئاسي، بقدر ما كان الترقب منصبّاً على نسبة المشاركة في الاقتراع، التي «تجاوزت التوقعات»، وفق ما أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات.

تقاربات وأزمات إقليمية

الحراك السياسي الداخلي، تزامن كذلك مع موجة من التقاربات الإقليمية المصرية لـ«تصفير» المشكلات مع دول شهدت العلاقات معها موجات من التوتر، في مقدمتها تركيا، التي كان استئناف وترفيع العلاقات الدبلوماسية معها عنواناً بارزاً لتطورات ملف العلاقات الإقليمية للقاهرة بعد عقد كامل من الجفاء لم يخلُ من توتر.

جاء التقارب بين القاهرة وأنقرة عقب انفراجة مفاجئة في نهاية 2022، عندما التقى الرئيس المصري نظيره التركي رجب طيب أردوغان، على هامش حضورهما افتتاح كأس العالم لكرة القدم في قطر، ومن بعدها تسارعت وتيرة التقارب حتى وصلت إلى مرحلة ترفيع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير، فضلاً عن لقاءات متكررة بين رئيسي البلدين على هامش قمم إقليمية ودولية، دون أن تصل بعد إلى مرحلة تبادل «الزيارات الرسمية».

العلاقات المصرية - الإيرانية شهدت كذلك مؤشرات على «انفراجةٍ» ما تُنهي عقوداً من «الجمود»، وتكررت لقاءات وزيارات لوفود رسمية، والتقى الرئيسان المصري والإيراني على هامش القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الرياض في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لكنّ العلاقات لم تصعد –رسمياً- درجة أكبر من «اللقاءات».

لكن بموازاة تلك «التقاربات» كانت أزمات إقليمية أخرى على موعد مع «الانفجار»، ما فاقم الضغوط على مصر، ففي أبريل من هذا العام اندلع على نحو مفاجئ اقتتال سوداني داخلي بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الأمر الذي تسبب في ضغوط أمنية واقتصادية وإنسانية على مصر، التي وجدت نفسها في مواجهة حرب طاحنة، على جبهتها الجنوبية.

وإلى جانب المشكلات الاقتصادية التي تعانيها، واجهت القاهرة خسارة شريك استراتيجي واقتصادي مهم تصل نسبة التبادل التجاري بينهما إلى 18.2 في المائة وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري، فضلاً عن تدفق ما يقارب نصف المليون نازح سوداني باتجاه الحدود المصرية، أُضيفوا إلى نحو 4 ملايين سوداني يقيمون منذ سنوات على الأراضي المصرية.

كما فرضت الأزمة تبعات أمنية على القاهرة التي فتحت جسراً عاجلاً برياً وبحرياً وجوياً لإجلاء رعاياها من الداخل السوداني، وأن تسهم كذلك في إجلاء آلاف من الرعايا الأجانب عبر أراضيها، وأن تستضيف في يوليو (تموز) الماضي قمة إقليمية ضمّت قادة دول جوار السودان، بحثاً عن حلول لأزمة متشابكة الأبعاد والتداعيات بالنسبة إلى مصر. وليس بعيداً عن السودان، ظلت أزمة «سد النهضة» الإثيوبي تراوح مكانها في 2023، رغم ما طرأ من اتفاق بين القاهرة وأديس أبابا في يوليو الماضي، على استئناف جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق في غضون 4 أشهر.

تحديات الدور المصري

وقبل أن ينتهي العام، وبينما كانت مصر تعيش حالة احتفالية واكبت الذكرى الـ50 لانتصارات حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، تفجرت أزمة أخرى على الجبهة الشرقية للبلاد، بعد عملية «طوفان الأقصى» التي نفّذتها حركة «حماس» في 7 أكتوبر 2023 ضد أهداف إسرائيلية، في أكبر عملية تنفّذها فصائل المقاومة الفلسطينية في تاريخها، لتجد مصر نفسها «في قلب العاصفة، وفي مواجهة تداعيات مباشرة على أمنها القومي»، كما يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، العميد السابق لمعهد البحوث العربية، الدكتور أحمد يوسف أحمد، الذي يشير إلى أن ضغوط الأزمات الإقليمية سواء في الجنوب (السودان) أو في الشرق (غزة)، كانت «كبيرة وثقيلة» على مصر.

وأضاف يوسف لـ«الشرق الأوسط»، أن تداعيات الأزمة في غزة لم تقتصر على ارتباط الوضع بجذور تاريخية بين مصر والقطاع، لكنّها مثّلت ثقلاً إضافياً بإطلاقها مخاوف من مشروع تهجير الفلسطينيين إلى أراضي سيناء، ما يمثل «خطراً مباشراً على الأمن القومي المصري، فضلاً عن تعريض البلاد لضغوط إنسانية عنيفة» عبر دفع قوات الاحتلال لنحو مليوني فلسطيني إلى التكدس في جنوب غزة بمحاذاة الحدود المصرية.

ويعتقد يوسف أن خطورة الأزمة الراهنة في غزة «تكمن في أنها تفرض تحديات على الدور المصري إقليمياً»، سواء بالمسؤولية التاريخية تجاه القضية الفلسطينية أو عبر أدوار الوساطة، إضافةً إلى تداعيات اتساع نطاق التوتر الإقليمي وامتدادها لجنوب البحر الأحمر عبر ما تقوم به جماعة الحوثي من استهداف للسفن بالمنطقة، الأمر الذي قد يؤدي للتأثير في قناة السويس.

ضغوط اقتصادية

تلك الأزمات الإقليمية تضاعفت وطأتها لتزامنها مع «ضغوط» متراكمة يعانيها الاقتصاد المصري قبل 2023 وتواصلت بوتيرة أكبر خلال العام، بعدما وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضاً بقيمة 3 مليارات دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2022، ومنذ ذلك الحين يشهد سعر الصرف الرسمي للجنيه المصري ثباتاً في حدود 30.9 جنيه مقابل الدولار، في حين يتسع الفارق بين السعر الرسمي وسعر الصرف في «السوق السوداء» لأكثر من 50 في المائة تقريباً.

كما واجه الاقتصاد المصري خفضاً متكرراً للتصنيف الائتماني من جانب وكالات تصنيف دولية، مثل «موديز» و«ستاندرد آند بورز»، التي خفضت في الربع الأخير من العام، التصنيف السيادي طويل الأجل لمصر إلى «- B» من «B»، مشيرةً إلى ازدياد ضغوط التمويل على البلاد.

وواكب ذلك تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي 2022 - 2023 بنسبة 30.8 في المائة على أساس سنوي، وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري بشأن معاملات الاقتصاد مع العالم الخارجي خلال العام المالي 2022 - 2023 «تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي الماضي، إلى 22.1 مليار دولار، مقابل 31.9 مليار دولار في العام المالي السابق».

عملات مصرية من فئات مختلفة أمام عملات دولية (أ.ف.ب)

وتعطلت كذلك صفقات بيع بعض الأصول الحكومية والمملوكة لجهات عامة، في ظل صعوبات تتعلق بتقييم الأصول، وهو ما أدى إلى قيام صندوق النقد الدولي بتعليق مراجعته الأولى للبرنامج، التي كان من المقرر إجراؤها في مارس (آذار) الماضي.

ومثّل التضخم واحداً من الضغوط اللافتة التي صبغت شهور عام 2023 وستظل عالقة في أذهان المصريين، كما أظهرت بيانات للبنك المركزي المصري في أكتوبر الماضي، أن «التضخم الأساسي تباطأ إلى 38.1 في المائة نزولاً من 39.7 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي». واضطر «المركزي» الذي شهد تغييراً لرئيسه في أغسطس (آب) من هذا العام، إلى مراجعة وتغيير أسعار الفائدة أكثر من مرة خلال العام لاحتواء تلك الضغوط التضخمية، كما لجأت الحكومة المصرية خلال العام مرتين إلى زيادة أسعار المحروقات، كان آخرها في نوفمبر الماضي لزيادة أسعار البنزين بنسبة بلغت 14.3 في المائة، وسط ارتفاع الأسعار العالمية للوقود، وضعف سعر الصرف.

«عام صعب»

ويذهب الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور رشاد عبده، إلى وصف عام 2023 بأنه كان من «أصعب الأعوام بالنسبة للاقتصاد المصري»، مبرراً تقييمه هذا باستمرار تراكم الأزمات والمشكلات الاقتصادية، وزيادة أعباء الدين العام، إضافةً إلى ارتفاع معدلات التضخم.

ويرى عبده في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أن الظروف الإقليمية والدولية، تزيد من حدة الضغوط الاقتصادية على مصر، فما شهده السودان من اقتتال داخلي، وكذلك تداعيات الحرب على غزة، وقبلهما استمرار تأثيرات الحرب الروسية – الأوكرانية، تلقي بأعباء ثقيلة على مختلف مؤشرات الاقتصاد المصري، وربما تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات اقتصادية يصفها بـ«القاسية» في ظل استمرار الفجوة الدولارية واستيراد مصر لمعظم احتياجاتها، وبخاصة من الغذاء.

وربما جاءت دعوة تجمع دول «بريكس» لمصر في أغسطس الماضي للانضمام إلى التجمع بدايةً من عام 2024، نبأ سارّاً، وسط ضغوط اقتصادية متراكمة، خصوصاً أن التجمع يضم قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل، لكنّ عبده يرى أن تحقيق مكاسب اقتصادية من هذا الانضمام كان يتطلب إجراءات واستعدادات «لم تتوفر بعد»، وفق رأيه.


مقالات ذات صلة

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

بدأت أصوات في مصر تحذر من اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، الذي سيزيد من حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مع احتمال تكرار سيناريو التدفق العشوائي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، أثارت حالة من الغضب في إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص أطفال يجلبون مياه الشرب في مخيم بريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: قائد قوات الاستقرار الدولية سيشارك بمحادثات غزة

تستضيف مصر جولة جديدة من المفاوضات بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، من المزمع أن تنطلق الخميس، وسط عقبات وتحديات عديدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)

تراجع مؤشرات البطالة في مصر يُظهر تنوع سوق العمل

انخفضت معدلات البطالة في مصر خلال عام 2025 لتصل إلى 6.3 في المائة، مقارنة مع 6.6 في العام الذي سبقه، ما يظهر تنوعاً في سوق العمل، بحسب نقابي عُمالي.

أحمد جمال (القاهرة)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.