أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد خلال لقاء جمعه، اليوم (الخميس)، في قصر قرطاج مع رئيس الحكومة أحمد الحشاني، التوجه نحو إدخال تعديلات على الفصل 96 من القانون الجزائي التونسي «حتى لا يتعلل به أي شخص مجدداً» لارتكاب تجاوزات؛ وهو ما أعاد النقاش حول هذا الفصل، الذي أثار الجدل منذ إقراره سنة 2011؛ كونه من أهم الفصول القانونية المعطلة لتطور أداء الإدارة التونسية، بحسب مراقبين.
ويقضي الفصل 96 من القانون الجزائي بفرض عقوبات سالبة للحرية، وغرامات مالية ضد كبار الموظفين في الإدارات الحكومية، وينص على عقوبة بالسجن تصل إلى 10 سنوات ضد كل موظف عمومي، يعمد لاستغلال صفته بهدف استخلاص فائدة لنفسه أو لغيره من دون وجه حق، أو للإضرار بالإدارة أو مخالفة القوانين.
وقال المحامي نعمان مزيد إن قرار الرئيس تعديل الفصل 96 من القانون الجزائي «إيجابي جداً»، وعبّر عن أمله في أن يكون التنقيح في هذا الفصل بالتشاور مع رجال القانون لتحديد أركان الجريمة، ومبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، ومراعاة القواعد القانونية الجزائية العامة لتقليص الضغط على المسؤولين، على حد تعبيره.
ووصف مزيد هذا الفصل بـ«المحرقة»، وأكد أن عدداً كبيراً من موظفي الدولة وقّعوا قبل سنة 2011 على قرارات إدارية ضمن حدود مسؤولياتهم، دون أن يستفيدوا مادياً من تلك القرارات أو بأي شكل آخر من الأشكال، ومع ذلك وجدوا أنفسهم في قفص الاتهام. مضيفاً أن هذا الفصل دفع بالكثير من المسؤولين إلى عدم الاجتهاد؛ خوفاً من الوقوع في أخطاء والدخول إلى السجن، خاصة وأن المتابعات التي تبنى عليه ضد المسؤولين لا تسقط إلا بعد 10 سنوات.
وكان الرئيس سعيّد قد انتقد بشدة أداء الإدارة والمرافق العمومية، التي وصف وضعها بـ«الغريب وغير الطبيعي»، داعياً المسؤولين إلى تحمل مسؤوليتهم كاملة «وإلا فلن يكون لهم مكان في الدولة»، كما استنكر أداء عدد من المرافق العمومية، قائلاً: إنه «يجب تطهير الإدارة، والدولة التونسية ستواصل المسيرة بقطع النظر عن الأشخاص والمسؤولين، ومن ينتظر الانتخابات فلينتظر خارج أجهزة الإدارة»، حسب تصريحه.

في سياق ذلك، لاحظ الرئيس سعيّد استمرار ظاهرتَي الاحتكار والمضاربة في عدد من المواد، وخاصة منها الدقيق والسكر، التي قال: إنه «يتم إخفاؤها من قِبل اللوبيات، ومن يتعامل معها من داخل الإدارة»، مؤكداً في هذا الصدد، أنه «لا يمكن للدولة أن تستمر بهذا الشكل». كما تحدث عن قضايا «الرشوة والفساد والحجج الكاذبة، التي تتخفى وراءها لوبيات تقوم بدعم بعض الأطراف داخل الدولة والأجهزة والجمعيات، وترتمي في أحضان الخارج لأنها تعيش على العمالة».
كما كشف الرئيس سعيّد عن وجود عدد من مشاريع القوانين، التي سيتم استعجال النظر فيها، من بينها مشروع قانون جديد متعلق بالصلح الجزائي، مؤكداً أنه سيعرض قريباً على مجلس الوزراء قبل إحالته للبرلمان لمناقشته.
وكان رئيس الجمهورية قد أصدر في مارس (آذار) 2022 مرسوماً رئاسياً يدعو إلى الصلح الجزائي مع رجال أعمال «فاسدين»، وقدّر حجم الأموال المنهوبة بنحو 13.5 مليار دينار تونسي (نحو 4.5 مليار دولار)، ودعا نحو 460 رجل أعمال إلى إعادة الأموال المنهوبة، وإبرام صلح جزائي مع الدولة، غير أن الحصيلة كانت بعد قرابة سنة ونصف السنة من إقرار هذا الصلح، مخيبة للآمال، بحسب تعبير الرئيس سعيّد، حيث ما زال عدد المقبلين على الصلح ضعيفاً للغاية؛ وهو ما دعا الرئيس إلى التفكير في قانون أكثر صرامة، وفق توقعات عدد من المتابعين للشأن السياسي التونسي.






