«العدالة والتنمية» المغربي يرفض المساس بالدستور في تعديل مدونة الأسرة

عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية خلال لقاء صحافي حول مدونة الأسرة (الشرق الأوسط)
عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية خلال لقاء صحافي حول مدونة الأسرة (الشرق الأوسط)
TT

«العدالة والتنمية» المغربي يرفض المساس بالدستور في تعديل مدونة الأسرة

عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية خلال لقاء صحافي حول مدونة الأسرة (الشرق الأوسط)
عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية خلال لقاء صحافي حول مدونة الأسرة (الشرق الأوسط)

أعلن حزب العدالة والتنمية المغربي المعارض (مرجعية إسلامية)، رفضه المساس بالمرجعية الإسلامية وثوابت الدستور المغربي خلال تعديل مدونة الأسرة (قانون الأسرة).

وجاء، في مذكرة للحزب، أُعلن عنها مساء أمس (الجمعة)، في لقاء صحافي بالرباط، أنه يرفض المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، كما يرفض رفع التجريم عن العلاقات الجنسية الرضائية، وإباحة زواج المسلمة بغير المسلم. وعبَّر الحزب عن استعداده للتفاعل الإيجابي مع النقاش والمقترحات في إطار المرجعية الإسلامية والمرتكزات الدستورية، لكنه سجَّل في الوقت نفسه اختلافه ورفضه التام لبعض المقترحات المتعارضة مع أحكام الشريعة الإسلامية، والمخالفة للثوابت الدستورية، مشيراً في هذا السياق إلى رفضه التام لأي مساس بالمرجعية الإسلامية لمدونة (قانون) الأسرة، بوصفها مرجعية الدولة والمجتمع. وعد الحزب أن الانفتاح المقبول والمحمود على الممارسات الفضلى المتعلقة بالأسرة في الاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة، ينبغي أن يراعي التحفظات التي سبق أن سجَّلتها المملكة المغربية، والتي على أساسها رفض المغرب مجموعة من التوصيات أمام تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل. كما رفض الحزب فصل مدونة الأسرة عن أحكام الفقه المالكي المكتوبة والمتواترة، والمعلومة في مصادرها فيما لا نص فيه، ورفضه حذف المادة 400 من المدونة، التي تشير إلى العودة إلى أحكام الفقه المالكي فيما ليس فيه نص بالمدونة. كما أشار الحزب إلى أن المذهب المالكي اختاره المغاربة منذ أكثر من 12 قرناً مذهباً رسميا للدولة المغربية، وظل إلى يومنا هذا تعبيراً عن الوحدة المذهبية الدينية، والأصالة الحضارية للأمة المغربية. وعبر بهذا الخصوص عن رفضه التام للمطالب المتعلقة بالمساواة في الإرث، حيث أكد على «تشبثه بنظام الإرث في الإسلام جملة وتفصيلاً، كما قرره القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة»، في نصوص قطعية. وعدّ أن الوصية كما استقرت في الفقه المالكي «كافية لمعالجة بعض الحالات الطارئة»، وأن الصيغة المبدعة التي اعتمدتها المادة 49 من مدونة الأسرة بخصوص الأموال المكتسبة أثناء الزواج «تُعتبر من حيث المبدأ من أجود صيغ العدل»، لأنها جمعت في الآن ذاته بين تثبيت مبدأ الذمة المالية المستقلة للمرأة، وفتح المجال أمامها لإثبات أي حق مكتسَب لها، سواء اتفق على ذلك وعلى حجمه مسبقاً، أو من خلال إثبات مساهمتها الفعلية في تنمية ثروة الأسرة بمختلف وسائل الإثبات الشرعية والقانونية، والتوافق على ذلك في وثيقة ملحقة بعقد الزواج.

في سياق ذلك، عبر الحزب أيضاً عن رفضه لحذف التعصيب في الإرث، مع معالجة بعض الوضعيات التي تنجم عن التطبيق، مع إقرار ضمانات تمنع الوقوع في حالات، من شأنها أن تؤدي إلى تشرد الورثة أو تجعلهم في أوضاع هشة. وبخصوص إصلاح مدونة الأسرة، جاء في مذكرة الحزب أنه يمكن إسناد النظر للقضاء، بما لا يسمح بتشريد أرملة وبنات المتوفّى فيما يخص السكن الرئيسي، وذلك بجعل هذا السكن الذي لا يتجاوز في قيمته المالية سقفاً معيناً، يتم تحديده بموجب نص تنظيمي، غير قابل للقسمة.

من جهة أخرى، رفض الحزب الدعوة لإباحة تزويج المسلمة بغير المسلم تحت ستار المساواة، وذلك لاندراجها ضمن النصوص القرآنية القطعية، التي رخصت للرجال دون النساء الزواج بغير المسلمة، وقيدت ذلك بأن يكون من أهل الكتاب.

أما بخصوص تعدد الزوجات، فقد أعلن الحزب رفضه التام لمنعه، كما رفض إلغاء تجريم العلاقات الجنسية الرضائية خارج الزواج باسم الحريات الفردية. كما أعلن الحزب أيضاً رفضه رفع التجريم عن الإجهاض، وعدّه «قتل الجنين بغير حق» باسم «ما يُسمَّى الحق في التصرف بالجسد»، وفيما يتعلق بزواج الفتاة القاصر، اقترح الحزب الإبقاء على تحديد الاستثناء في سن الزواج بـ15 عاماً كحد أدنى، مع إلزامية إجراء القضاة المكلفين الإذن بالزواج دون سن الأهلية مقابلة الفتاة طالبة الإذن من دون حضور أبويها أو وليها، وبحضور كتابة الضبط، وجلسة استماع للأب وجلسة أخرى مع الأم، وكذا إجراء بحث اجتماعي ميداني حول المخطوبة والخاطب، قصد التأكد من توفر شرط الأهلية المادية والأخلاقية للقيام بالواجبات والحقوق المتبادلة بين الزوجين.

وتشترط المادة 19 من قانون الأسرة المغربي بلوغ سن قانونية للزواج هي 18 سنة، لكن بشكل استثنائي يمكن للقاضي الإذن لمن طلب الزواج في سن أقل. وتواصل اللجنة المكلفة إصلاح مدونة الأسرة مشاوراتها مع الأحزاب والنقابات والجمعيات لإعداد تعديلات على مدونة الأسرة، التي لم يتم إدخال تعديلات عليها منذ سنة 2004.


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا رئيس مجلس الشيوخ البلجيكي فنسنت بلونديل (من حسابه بوسائل التواصل الاجتماعي)

بلجيكا تجدد دعمها «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية»

جدد رئيس مجلس الشيوخ بمملكة بلجيكا، فنسنت بلونديل، مساء الجمعة، في إسطنبول، التأكيد على دعم بلاده الواضح والثابت لمبادرة «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية».

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شمال افريقيا الوزير ناصر بوريطة مستقبلاً الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال زيارتها للرباط (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يؤكد دعمه «مخطط الحكم الذاتي» تحت السيادة المغربية

الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية تؤكد أن الاتحاد الأوروبي يدعم مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عالمية أشرف حكيمي (رويترز)

أشرف حكيمي قبل مواجهة ليفربول: تهم الاغتصاب باطلة

تحدث النجم المغربي الدولي أشرف حكيمي، ظهير أيمن فريق باريس سان جيرمان الفرنسي لكرة القدم، بشكل علني عن تأجيل محاكمته بتهمة الاغتصاب، مؤكداً براءته في تلك القضية

«الشرق الأوسط» (باريس )
شمال افريقيا وزير خارجية مالي عبد الله ديوب (رويترز)

مالي تعلن تأييدها خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء

قال وزير خارجية مالي عبد الله ديوب، اليوم الجمعة، إن بلاده «تؤيد خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية».

«الشرق الأوسط» (باماكو)

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».


انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)
التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)
TT

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)
التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو (تموز) 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة؛ إذ عبّر حزبا «جبهة القوى الاشتراكية» و«جيل جديد» عن مخاوفهما بشأن نزاهة العملية الانتخابية، مستندَين إلى ما وصفاه بـ«اختلالات» شابت مرحلة جمع التوقيعات، وهو ما يضع مسار إصلاح النظام الانتخابي أمام اختبار فعلي لمدى مصداقيته، حسب مراقبين.

وضمن أنشطة ميدانية مكثفة للأحزاب التي أعلنت مشاركتها في الاستحقاق التشريعي، خلال اليومين الأخيرين، دعا يوسف أوشيش السكرتير الأول لـ«القوى الاشتراكية» خلال اجتماع لأطر الحزب بالعاصمة إلى «إحداث انفتاح سياسي وإعلامي حقيقي يواكب الانتخابات التشريعية»؛ وقال إن السياق الوطني الحالي «مطبوع بانغلاق سياسي يعقد مهام الفاعلين السياسيين».

وأضاف أن مشاركة حزبه تهدف إلى «إعادة الاعتبار للتمثيل الديمقراطي، وترسيخ ثقافة المسؤولية الجماعية، بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة».

«لغم التوقيعات»

ويرى أقدم حزب في المعارضة أن الانخراط في مسار الانتخابات «هو جزء من مشروع أشمل لبناء توافق وطني حول عقد سياسي ومؤسساتي جديد، يضمن تحولاً ديمقراطياً فعلياً وسيادة وطنية مستدامة»، وفقاً لزعيمه أوشيش الذي شدد على أن استقرار الدولة «يمر حتماً عبر بناء مؤسسات قوية وذات شرعية حقيقية، وهو ما يتطلب تعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم، وتجاوز الأساليب التي تزيد من هشاشة الجبهة الداخلية».

وطالب أوشيش السلطة بـ«إظهار إرادة صادقة في تكريس الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير والتنظيم، مع ضرورة القطع مع منطق التشكيك وشيطنة المعارضة الوطنية المسؤولة». وفي الوقت نفسه، دعا الطبقة السياسية إلى «الارتقاء بخطابها والابتعاد عن الصراعات الهامشية على المواقع»، محذراً من الانزلاق نحو «الشعبوية والتهريج» اللذين قال إنهما يقوضان الثقة في المؤسسات.

الأمين العام لجبهة التحرير الوطني (إعلام حزبي)

وشدّد أوشيش على أن «مسؤولية التغيير هي جهد جماعي يتطلب وعي المواطنين وانخراطهم»، محذراً في الوقت ذاته من «سياسة الكرسي الشاغر» أو الانسحاب، في إشارة ضمنية إلى قطاع من الأحزاب والفاعلين السياسيين يرى أن الانتخابات «محسومة» لصالح الأحزاب الموالية للسلطة، وفي مقدمتها «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، اللذين تصدرا نتائج آخر استحقاق نظم في 2021.

من جهته، استنكر حزب «جيل جديد» برئاسة الطبيب لخضر أمقران، ما وصفه بـ«الاختلالات الإدارية الممنهجة» التي تعتري عملية جمع التوقيعات للانتخابات، محذراً من «تحول مرحلة التصديق على التوقيعات إلى (عقبة بيروقراطية) تفوق في تعقيدها عملية التصويت نفسها».

قيادة حزب «جيل جديد» (إعلام حزبي)

وأوضح الحزب أن تقارير ممثليه عبر الولايات ومن الخارج كشفت عن «شلل إداري» وغيابٍ لمنسقي سلطة تنظيم الانتخابات، مشيراً إلى حالات محددة مثل منع التصديق في سطيف بشرق العاصمة، وتعطيله في بلدية مفتاح في وسطها، بحجة غياب «التعليمات». وعدَّ الحزب أن «هذه الممارسات تغذي المخاوف من عودة أساليب الماضي، وتعمّق عزوف المواطنين عن الشأن العام».

ورغم انتقاده لـ«عدم ملاءمة الظروف السياسية والقانونية لتنظيم انتخابات»، أكد «جيل جديد» قراره خوض الاستحقاق الانتخابي، داعياً السلطات العليا و«السلطة المستقلة للانتخابات» إلى «تدخل عاجل لرفع العراقيل وضمان تكافؤ الفرص»، معلناً أنه لن «يسكت حيال أي تجاوزات تمس جوهر المسار الديمقراطي».

شروط الترشح

يُعفى الحزب السياسي من جمع توقيعات الناخبين إذا أحرز في الانتخابات التشريعية السابقة نسبة تتجاوز 4 في المائة من الأصوات المُعبَّر عنها في الدائرة الانتخابية التي يترشح فيها، أو في حال حيازته 10 مقاعد على الأقل في المجلس الشعبي الوطني.

وفي حال عدم استيفاء هذين الشرطين، يلتزم الحزب بجمع نصاب لا يقل عن 25 ألف توقيع فردي لناخبين مسجلين، موزعة عبر 23 ولاية على الأقل من أصل 69 ولاية، بشرط ألا يقل عدد التوقيعات في كل ولاية عن 300 توقيع.

أما بالنسبة للمترشح المستقل، فيتعين عليه جمع التوقيعات في كل دائرة انتخابية تترشح فيها على أساس 100 توقيع عن كل مقعد مطلوب شغله؛ فإذا كان لولاية ما خمسة مقاعد في البرلمان مثلاً، فيتَوجَّب على القائمة المستقلة جمع 500 توقيع من ناخبي تلك الولاية.

قيادة «حركة مجتمع السلم» الإسلامية تضبط التحضيرات للانتخابات (إعلام حزبي)

وفيما يخص قوائم المترشحين لتمثيل الجالية الوطنية بالخارج، فقد حدد القانون نصاباً لا يقل عن 200 توقيع عن كل مقعد مخصص للدائرة الانتخابية المعنية في الخارج، مع ضرورة خضوع هذه التوقيعات كافة لعملية التصديق القانوني لضمان صحتها قبل إيداع الملفات.

نهاية «الترحال السياسي»

إلى ذلك دخلت الساحة السياسية الجزائرية عهداً جديداً من الضبط القانوني مع تفعيل قانون الأحزاب الجديد الذي نُشر مؤخراً في الجريدة الرسمية. ومن أبرز ما حمله هذا التشريع «تعريب» النشاط الحزبي بالكامل بموجب المادة 8 التي تمنع استعمال أي لغة أجنبية في الفعاليات الحزبية.

كما عزّز المشرّع إجراءات حماية الوظيفة العمومية والمؤسسات السيادية من الاستقطاب الحزبي؛ إذ حصرت المادة 10 فئات يُمنع عليها الانخراط الحزبي، شملت القضاة والعسكريين وأعضاء «المحكمة الدستورية» ورجال الأمن. وامتدت هذه القيود لتشمل أعوان الدولة ذوي المسؤوليات، حيث بات لزاماً عليهم توقيع «تعهد كتابي» بالامتناع عن أي تواصل أو نشاط حزبي، ضماناً لحياد الإدارة العمومية طوال فترة عهدتهم الوظيفية.

قيادة «جبهة القوى الاشتراكية» بمقر الحزب المركزي (إعلام حزبي)

ومن بين المحظورات الأخرى، منع «الترحال السياسي» لأعضاء غرفتي البرلمان، حيث تنص المادة 24 على أنه «بمجرد انتخابه في المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة، فإن البرلماني الذي يغير طوعاً الانتماء الحزبي الذي انتُخب تحت لوائه، يُجرد بقوة القانون من عهدته الانتخابية ويُفصل نهائياً من الحزب السياسي».

وفيما يخص الأنشطة المحظورة دائماً، تمنع المادة (49) من هذا القانون الحزب السياسي من «استعمال مقره لأغراض أخرى غير تلك التي صرح بها التي تأسس بناءً عليها». كما يُمنع الحزب من «إيواء منظمة محظورة أو أشخاص يشكلون تهديداً للنظام العام لتنظيم اجتماعات في مقره».