ما السيناريوهات المحتمَلة بعد «الهدنة الممدَّدة» في غزة؟

تبايُن التقديرات بين تمديد ثانٍ تتخلله خروقات... وقتال أشد عنفاً

أشخاص يحملون الأعلام الفلسطينية خلال احتجاجهم خلال مسيرة في روما (إ.ب.أ)
أشخاص يحملون الأعلام الفلسطينية خلال احتجاجهم خلال مسيرة في روما (إ.ب.أ)
TT

ما السيناريوهات المحتمَلة بعد «الهدنة الممدَّدة» في غزة؟

أشخاص يحملون الأعلام الفلسطينية خلال احتجاجهم خلال مسيرة في روما (إ.ب.أ)
أشخاص يحملون الأعلام الفلسطينية خلال احتجاجهم خلال مسيرة في روما (إ.ب.أ)

رغم حالة الارتياح التي واكبت تمديد «الهدنة الإنسانية» في قطاع غزة لـ«يومين إضافيين»؛ فإن سؤال «وماذا بعد؟» لا يزال يشغل الكثير من الأطراف، في مقدمتهم أكثر من مليوني فلسطيني في غزة، يترقبون بقلق ما يمكن أن يقود إليه انتهاء الهدنة، إضافة إلى الإسرائيليين الذين ينتظرون معرفة مصير من تبقى من الأسرى والمحتجزين لدى الفصائل الفلسطينية، في وقت تتداخل فيه التصريحات ما بين دعوات دولية لاستمرار الهدنة وتحويلها إلى وقف دائم لإطلاق النار، ووعيد إسرائيلي باستئناف القتال بوتيرة «أشد عنفاً» عقب انتهاء الهدنة.

ثلاثة سيناريوهات محتملة، أشار إليها خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، يستند الأول إلى قدرة المفاوضين المصريين والقطريين على تمديد أطول للهدنة، ومن ثمَّ «تبريد الحرب»، فيما يرتكز السيناريو الثاني على محاولة القيادات العسكرية في إسرائيل عدم الاستسلام الكامل للهدنة بوصفها «اعترافاً بالهزيمة» ومن ثم اللجوء إلى خروقات واشتباكات متفرقة، ثم تجديد التفاوض على هدن جديدة لمنع الفصائل الفلسطينية من تحقيق «انتصار معنوي، أو رفع سقف التفاوض»، خصوصاً مع اقتراب صفقات العسكريين الإسرائيليين. ويشير السيناريو الثالث إلى تجدد أعمال القتال، وربما تكون بوتيرة «أشد عنفاً» مما كانت عليه قبل الهدنة، بعد انتهاء الضغط المتعلق بوجود الأسرى والمحتجزين في غزة.

وكانت الوساطة المصرية والقطرية المدعومة أميركياً، قد نجحت في تمديد أول هدنة إنسانية في قطاع غزة لمدة يومين إضافيين مقابل إفراج حركة «حماس» عن 10 من المحتجزين في غزة من المدنيين والأجانب، على أن تفرج إسرائيل مقابلهم عن 30 من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجونها.

وبدأت الهدنة الإنسانية بعد 48 يوماً من القصف الإسرائيلي العنيف وغير المسبوق لقطاع غزة، صباح الجمعة الماضي، وكان مقرراً أن تستمر لأربعة أيام، وشملت إطلاق سراح 50 من المحتجزين في قطاع غزة، مقابل إفراج إسرائيل عن 150 من السجناء الفلسطينيين لديها، إضافة إلى زيادة كميات المساعدات الإغاثية والوقود وغاز الطهي للقطاع.

وتوقع الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية والقيادي الفلسطيني بحركة «فتح»، أن «تستمر الهدنة وتبادل الأسرى بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية وفق العدد المتاح من المدنيين». معرباً عن اعتقاده أن «لدى الفصائل في غزة عدداً أكبر مما تتوقع إسرائيل».

وأوضح الرقب لـ«الشرق الأوسط» أن «المفاوضين المصريين والقطريين في حالة تمديد الهدنة لأيام إضافية سيدفعون باتجاه إقرار طويل الأمد لوقف إطلاق النار» لكنّ المحلل الفلسطيني توقع «ألا تستسلم قيادات جيش الاحتلال الإسرائيلي لذلك بسهولة، وقد تلجأ إلى خروقات تعرقل الهدنة، وذلك بناءً على تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي (يوآف غالانت) في هذا الصدد ورغبته في استئناف الهجمات على قطاع غزة بوتيرة أعنف بعد انتهاء الهدنة».

مرحلة أكثر حسماً

وأشار الرقب إلى أن «مراحل التفاوض بشأن التبادل مع إسرائيل يمكن أن تعطي المفاوضين فسحة من الوقت، وبعد انتهاء التفاوض على المدنيين الإسرائيليين والأجانب، يمكن الانتقال إلى تسليم جثث الأسرى الذين قُتلوا جراء الهجمات الإسرائيلية على القطاع، ثم الانتقال لمرحلة أكثر حسماً وصعوبة وهي التفاوض على العسكريين، وهؤلاء لن يكونوا فئة واحدة، بل يمكن تقسيمهم إلى جنود وضباط».

وأضاف أن «التفاوض على العسكريين سيكون بمعايير مختلفة، وبخاصة الضباط والكثير منهم يشغلون مواقع قيادية في جيش الاحتلال ومن ثم يمكن أن يكون ثمن مبادلتهم إخلاء سجون الاحتلال من الأسرى والمعتقلين، إضافةً إلى ثمن سياسي هو وقف الحرب، لكنه حذّر كذلك من خطورة استغلال القيادات العسكرية الإسرائيلية الضوء الأخضر الأميركي لاستئناف الحرب ومحاولة استخدام أساليب أشد عنفاً بعد مبادلة كل الأسرى».

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

كانت مصادر فلسطينية قد قالت، الاثنين، لوكالة أنباء العالم العربي إن «غالبية ما تبقى من المحتجزين من النساء والأطفال في قطاع غزة ليسوا بيد حركة (حماس)، وإن عدداً منهم قُتل بالفعل في القصف الإسرائيلي». وأضافت المصادر أن «المحتجزين في حوزة الفصائل الفلسطينية الأخرى، وبخاصة حركة (الجهاد)، يمكن أن يسهموا في تمديد التهدئة لأربعة أيام أخرى بحد أقصى». وقبل ذلك قال مصدر في «الجهاد» للوكالة، الأحد، إن «الفصائل الفلسطينية في غزة لا تزال تُحكم قبضتها على أكثر من 40 شخصاً من المدنيين ومزدوجي الجنسية من غير العسكريين، يرجح أن يكونوا جزءاً من أي مفاوضات لتمديد الهدنة».

الضغط الأميركي

بدوره رجّح السفير رخا أحمد حسن، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن «يزداد الضغط الأميركي على إسرائيل للقبول بتمديدات إضافية للهدنة الإنسانية، أو الدخول في هدنة إنسانية طويلة الأمد أو دائمة»، متوقعاً أن يكون ذلك على أجندة وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، خلال زيارته المرتقبة للمنطقة.

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط» أن «الضوء الأخضر الأميركي للإسرائيليين لن يكون على حساب مصالح واشنطن في المنطقة». لافتاً إلى أن الحكومة الإسرائيلية عجزت عن تحقيق هدفها المتمثل في تحرير الأسرى في غزة، وتدمير «حماس»، وهو ما يثير حالة من الارتباك في إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء، ويدفع قوى أميركية إلى الدفع باتجاه وقف «الحماقة الإسرائيلية المكلفة».

وأشار في هذا الصدد إلى أن الكونغرس إلى الآن لم يقر الدعم الإضافي الذي طلبه الرئيس بايدن لإسرائيل، وهو ما قد يشير إلى تململ أميركي من استمرار الحرب دون سقف زمني.

ورغم المخاوف التي يبديها حسن من إمكانية تحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه باتجاه استئناف القتال للحفاظ على تماسك الحكومة وبقائه في السلطة وعدم تعرضه للمحاكمة، فإنه أشار إلى أن الدخول في «هدنة إنسانية مطولة» يبدو هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، خصوصاً أن الولايات المتحدة إلى الآن لا تريد الحديث عن طلب لوقف إطلاق النار.

كان وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، قد دعا، الثلاثاء، نظيره الإسرائيلي يوآف غالانت، إلى العمل على السماح بدخول المزيد من المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. ووفق بيان لوزارة الدفاع الأميركية، فإن أوستن استمع خلال مكالمة هاتفية مع غالانت، إلى آخر المستجدات حول عملية تبادل المحتجزين والأسرى، إضافةً إلى الهدنة.


مقالات ذات صلة

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

بابا الفاتيكان يوجِّه من الجزائر رسالة سلام

 البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
TT

بابا الفاتيكان يوجِّه من الجزائر رسالة سلام

 البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)

بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، أمس، جولة أفريقية تهدف إلى تعزيز حوار الأديان وقيم التسامح والتعايش السلمي، استهلها من الجزائر برسائل تدعو للسلام ونبذ العنف. وكان الرئيس عبد المجيد تبون في استقبال البابا في مطار العاصمة بمستهل جولته التي تشمل أيضاً الكاميرون، وأنغولا، وغينيا الاستوائية.

وفي «مقام الشهيد» بأعالي العاصمة، ترحم البابا على أرواح شهداء ثورة التحرير، وقال: «في النهاية، سينتصر العدل على الظلم، ولن تكون للعنف، رغم ما يبدو، الكلمة الأخيرة». ثم توجه إلى مقر الرئاسة، حيث أجرى محادثات مع الرئيس تبون الذي قال: «في وقتٍ تعصف فيه الحروب بأمن واستقرار مناطق عديدة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، نجد في قداستكم صوتاً شجاعاً ومرافعاً وفياً عن السلام}.


أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
TT

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، بينما تبدأ هذه الامتحانات في المناطق الخاضعة لهيمنة «قوات الدعم السريع» في يونيو (حزيران).

ويبلغ عدد الطلاب المشاركين في امتحانات الاثنين 564 ألف طالب وطالبة، موزعين على 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه؛ منهم 156 ألفاً في ولاية الخرطوم.

ومع تعثر جلوس نحو 280 ألف طالب وطالبة لامتحانات الشهادة الثانوية في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من كردفان التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، تعهدت وزارة التربية والتعليم بتنظيم امتحانات بديلة في 13 مايو (أيار) المقبل للطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء الامتحانات الحالية.

وزير التربية والتعليم السوداني يقرع جرس بدء امتحانات الشهادة الثانوية (الشرق الأوسط)

وشهد حاكم الخرطوم أحمد عثمان حمزة، يرافقه وزير التعليم و التربية الوطنية التهامي الزين حجر، انطلاق الجلسة الأولى للامتحانات بمدرسة بحري الحكومية القديمة الثانوية بنات.

وقال حمزة إن التنسيق المحكم بين السلطات المحلية في الولاية والأجهزة الأمنية أتاح إجراء الامتحانات في وقتها، مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة من طلاب دارفور الذين نزحوا إلى العاصمة الخرطوم تمكنوا من الجلوس للامتحانات.

وقال التهامي إن من بين الطلاب الممتحنين 60 ألفاً خارج السودان في 14 دولة، تم توزيعهم على 74 مركزاً. وعّد أن زيادة عدد الطلاب الممتحنين هذا العام بنحو 300 ألف مؤشر على استقرار العملية التعليمية وعودة الحياة إلى طبيعتها بعد الحرب.

مديرة مدرسة بحري الحكومية للبنات قبل بدء الجلسة الأولى للامتحانات (الشرق الأوسط)

من جانبه أكد الناطق باسم الشرطة السودانية فتح الرحمن التوم لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم وضع خطة محكمة لتأمين امتحانات الشهادة الثانوية في جميع مراحلها، مشيراً إلى أن الشرطة عقدت اجتماعات متواصلة خلال الفترة الماضية مع الجهات ذات الصلة لعقد الامتحانات في أوضاع مستقرة وآمنة.

وفي وقت سابق، قالت وزارة التربية والتعليم، في بيان صحافي، إن طلاب ولايات دارفور يحظون بالاهتمام، حيث تم تسجيلهم وتمكينهم من الجلوس للامتحانات، مع تكوين لجنة إشرافية اتحادية لمتابعة أوضاعهم وتقديم الخدمات لهم، خصوصاً في الولايات المستضيفة مثل الشمالية ونهر النيل والنيل الأبيض.


المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وسّع محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، من وتيرة لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة وعديدة خلال الأسبوعين الماضيين، في إطار تحوّطه من «إقصاء» متوقع على خلفية «مقترح أميركي» يستهدف إسناد رئاسة مجلسه إلى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني».

ومنذ الإعلان عن المقترح الأميركي المنسوب إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترمب، يسارع المنفي إلى عقد اجتماعات بعسكريين وسياسيين وقادة تشكيلات مسلحة على نحو غير معهود فسّره متابعون بأنه «سعي لتكوين جبهة معارضة تدعم بقاءه في السلطة».

ويقضي المقترح بتولي صدام رئاسة «المجلس الرئاسي» الجديد بدلاً من رئيسه الحالي المنفي، مع بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وهو الأمر الذي رفضه محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة، وغالبية أعضاء مجلسه في اجتماع عُقد الأسبوع الماضي.

وفي إطار اتّساع الفجوة بين الدبيبة والمنفي، عقد الأخير اجتماعاً في طرابلس وُصف بـ«المهم» مع عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة مساء الأحد، تناول بحسب مكتبه «جملة من القضايا الوطنية الراهنة».

عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وقال مكتب المنفي إن الحاضرين في الاجتماع «أكدوا دعمهم الكامل للجهود التي يقودها رئيس المجلس على مختلف الأصعدة، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة الفساد وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة»، كما شددوا على «ضرورة المضي قدماً في إصلاح المؤسسات وترسيخ قيم المساءلة».

وتعد مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، المدينة الليبية الثالثة الأكبر بعد طرابلس وبنغازي، وتضم تباينات واسعة في الآيديولوجيا والتوجهات السياسية، سواء المؤيدة له أو المطالبة بإقالة حكومته.

ونقل مكتب المنفي عن وفد أعيان ومشايخ مصراتة «رفضهم القاطع لأي ترتيبات أو تفاهمات تُبرم خارج الأطر القانونية والدستورية»؛ في إشارة إلى مقترح بولس الذي يُنظر إليه على أنه «سيُقصي» المنفي من المشهد السياسي الراهن.

وبينما ذهب الوفد إلى أن «مثل هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً لمسار الاستقرار، وتقويضاً لمرتكزات بناء الدولة»، دعا إلى «الالتزام الصارم بالمسارات الشرعية التي تضمن وحدة البلاد وصون مؤسساتها».

ويأتي رفض «أعيان ومشايخ مصراتة» للمقترح الأميركي مستنداً إلى التخوف مما يصفونه بـ«عسكرة الدولة، ورفض الحكم الشمولي»، بجانب معارضة «أي مسار أو تسوية سياسية تُفرض من الخارج؛ مع التمسك بالمسار الدستوري والانتخابي».

ويُرجع مصدر سياسي بغرب ليبيا موقف الأعيان والمشايخ إلى رفضهم تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي؛ إذ «يرون في ذلك تفريطاً في الدولة المدنية وتمكيناً للعسكر؛ لا سيما في ذكرى هجوم (الجيش الوطني) على العاصمة طرابلس في أبريل (نيسان) 2019».

وقال المصدر السياسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة «يخوض عملية إقناع لحلفائه لدفعهم إلى قبول صدام لتولي المنصب المقترح؛ على أن يكون مقر المجلس الرئاسي الجديد في مدينة بنغازي وليس طرابلس تفادياً للحساسيات وتجنباً للرافضين».

وكان مجلس أعيان ومشايخ مصراتة قد أصدر بياناً مطلع الأسبوع الجاري أكد فيه أن «أي تسوية لا تنبع من روح (ثورة 17 فبراير) ومطالب الشعب الليبي هي تسوية فاقدة للشرعية»، مشدداً على ضرورة الاحتكام إلى الشعب عبر الاستفتاء على الدستور، وتجديد الشرعية من خلال انتخابات برلمانية نزيهة، والتمسك بـ«خيار الدولة المدنية القائمة على أسس العدالة الانتقالية».

وانتهى مجلس الأعيان والمشايخ إلى أن مصراتة «تؤكد أنها لن تكون طرفاً في أي اتفاق ينتقص من تضحيات أهلها أو يفرط في مبادئ (ثورة 17 فبراير)».

وجاءت حكومة «الوحدة الوطنية» والمجلس الرئاسي بقيادة المنفي ونائبيه موسى الكوني وعبد الله اللافي إلى سدة السلطة التنفيذية في الخامس من فبراير 2021، بعد انتخابهم من قبل «ملتقى الحوار الليبي» الذي عقد في جنيف برعاية أممية.

والتقى المنفي سياسيين وقادة اجتماعيين وعسكريين وآمري تشكيلات مسلحة، لا سيما من المحسوبين باعتبارهم خصوماً للدبيبة، سعياً لما يراه متابعون «تكوين جبهة معارضة للمقترح الذي سيزيحه من السلطة لحساب صدام حفتر».

ويرسخ المنفي من وجوده في السلطة حالياً بلقاءات مع مسؤولين سودانيين، كما تسلّم دعوة رسمية من رئيس وزراء الهند لحضور القمة الهندية - الأفريقية.

وأوضح مكتب المنفي أنه تسلم، صباح الاثنين، دعوة رسمية من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، للمشاركة في أعمال القمة الرابعة لمنتدى الهند - أفريقيا المزمع انعقاده في العاصمة نيودلهي نهاية شهر مايو (أيار) المقبل، سلمها له السفير الهندي لدى ليبيا محمد حفظ الرحمن.

وعَدّ مكتب المنفي هذه الدعوة «تعزيزاً للحضور الليبي في المحافل الدولية، وترسيخاً لأواصر التعاون مع الشركاء الدوليين، لا سيما في الفضاءين الأفريقي والآسيوي، بما يسهم في دعم جهود التنمية وتوسيع آفاق الشراكات الاستراتيجية».

وكان المنفي قد استقبل بمقر رئاسة المجلس في العاصمة طرابلس، مساء الأحد، وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد، والوفد الرسمي المرافق له، بحضور السفير الليبي لدى السودان فوزي بومريز.

المنفي مجتمعاً بوزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد مساء الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وبحث اللقاء أوضاع الجالية السودانية في ليبيا، وملف النازحين السودانيين في ظل تداعيات الأزمة الراهنة في السودان، وأعرب الوزير عن «تقديره العميق» لمواقف الدولة الليبية وما تقدمه من دعم إنساني ورعاية للسودانيين.