عائلات سودانية تعود إلى العاصمة رغم مخاطر الحرب

بسبب ضغوط المعيشة وعدم توفر فرص العمل في أماكن النزوح

عائلة سودانية نزحت إلى مكان آمن هرباً من الحرب (أ.و.ب)
عائلة سودانية نزحت إلى مكان آمن هرباً من الحرب (أ.و.ب)
TT

عائلات سودانية تعود إلى العاصمة رغم مخاطر الحرب

عائلة سودانية نزحت إلى مكان آمن هرباً من الحرب (أ.و.ب)
عائلة سودانية نزحت إلى مكان آمن هرباً من الحرب (أ.و.ب)

لا تزال المعارك بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» جارية على أشدها بالخرطوم، لكن هذا لم يمنع عائلات كثيرة، فرّت من العاصمة إلى ولايات آمنة نسبياً، من العودة إليها رغم خطورة الأوضاع الأمنية.

لم تقف الدانات والمقذوفات حائلاً دون عودة كثير من الأسر النازحة، فها هي تسقط على معظم أحياء العاصمة يومياً جراء القصف المدفعي المتبادل والضربات الجوية، وها هم النازحون يعودون غير آبهين بالخطورة، فالأوضاع المعيشية ربما كانت عليهم أشد قسوة.

ودارت اشتباكات، (الأربعاء)، بين قوات الجيش و«الدعم السريع» في أجزاء واسعة من أمدرمان، استُخدمت فيها صنوف الأسلحة الخفيفة والثقيلة، وحلّقت فيها الطائرات الحربية والمسيّرات، بينما يحاول الجيش التوغل نحو وسط المدينة للسيطرة على جسر شمبات الحيوي، الذي يربطها بالخرطوم بحري، ويعد خط الإمداد الرئيسي لقوات «الدعم السريع» من غرب البلاد إلى مدن العاصمة الثلاث.

أعمدة الدخان تتصاعد في الخرطوم بعد إحدى جولات القتال (أرشيفية - رويترز)

وأجمع عدد من العائدين، الذين تحدثت إليهم وكالة «أنباء العالم العربي» على أنهم اضطروا للعودة إلى ديارهم في الخرطوم رغم المخاطر؛ بسبب الضغوط الاقتصادية وعدم توفر فرص العمل في الوجهات التي نزحوا إليها.

أيمن ميرغني، أحد النازحين العائدين، قال إنه اتخذ قرار العودة رغم خطورة الأوضاع واتساع نطاق المعارك؛ لأنه لم يعد يملك مصدر دخل ثابتاً، ويشكو متطلبات الحياة «المرهقة».

عاد ميرغني برفقة أسرته المكونة من 5 أفراد إلى منزلهم في أمدرمان، التي تشكّل إلى جانب مدينتي الخرطوم والخرطوم بحري العاصمة المثلثة، قادمين من مدينة شندي في ولاية نهر النيل بشمال السودان بعد 3 أشهر قضوها في ضيافة أحد أقاربهم هناك.

وقال: «تواصلت شكوى أبنائي من عدم الراحة، لامتلاء المنزل بالنازحين من الأقارب الذين وفدوا من مناطق مختلفة من الخرطوم. ونحن لا نستطيع استئجار منزل منفصل بسبب غلاء الإيجارات».

كان ميرغني يمتلك ورشة لصيانة السيارات، لكنه اضطر لإغلاقها بعد اندلاع الحرب لتقلص عدد زبائنه. ولدى عودته فتح محلاً صغيراً لبيع الوجبات السريعة في إحدى أسواق أمدرمان، يدر عليه دخلاً محدوداً يعول منه أسرته ويغطي جزءاً بسيطاً من احتياجاتهم.

سودانيون يطبخون في مدرسة جرى تحويلها إلى مأوى للنازحين في بلدة وادي حلفا الحدودية شمال السودان (أ.ف.ب)

لكنه لم يُخفِ مخاوفه من مخاطر العودة إلى مناطق القتال، مشيراً إلى أنهم يسمعون طوال اليوم دوي قذائف المدفعية التي تنطلق من معسكرات الجيش القريبة من مكان السكن وترعب الأسرة كباراً وصغاراً.

الأعباء المالية

تؤكد نفيسة إبراهيم، التي فرّت قبل شهرين من حي ودنوباوي بوسط مدينة أمدرمان، الذي يشهد معارك شبه يومية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أنها تنوي العودة إلى أمدرمان.

وقالت لوكالة «أنباء العالم العربي» إنها استأجرت منزلاً بإيجار مرتفع لمدة شهرين على أمل أن تكون الحرب قد انتهت في هذه الأثناء، لكن تقديراتها خابت، وباتت عاجزة مادياً عن الإيفاء بالتزاماتها المالية.

لم يعد بمقدورها العودة إلى منزلها، ليس فقط بسبب ما تعرَّض له من سرقة، فالحي الذي يقع فيه يشهد عمليات عسكرية ومعارك مستمرة تجعل من العودة إليه أمراً صعباً في الوقت الحالي.

قالت إنها ستتوجه إلى منزل أقارب لها في ضاحية الثورة، بشمال أمدرمان، التي قالت إنها آمنة نسبياً مقارنة بمناطق أخرى في الخرطوم.

تدمير مستشفى شرق النيل بالخرطوم في قصف جوي (أرشيفية - رويترز)

وكان والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، قال بعد لقائه وفداً من سكان أحياء وسط أمدرمان، الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم وتوجهوا إلى شمال المدينة، إنه بحث معهم ترتيبات العودة إلى أحيائهم والاحتياطات المطلوبة للعودة الآمنة.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أكتوبر (تشرين الأول) إن أزمة النزوح، الناجمة عن الصراع في السودان، لا تزال مستمرة بلا هوادة، حيث اضطر ما يقرب من 6 ملايين نسمة لترك منازلهم. وتشكّل النساء والأطفال قرابة 90 في المائة من النازحين.

منطقة عمليات

قال محمد عبد الله، الذي عاد إلى منزله في جنوب الخرطوم بعد مغادرته إلى مدينة ودمدني بولاية الجزيرة وسط البلاد: «على المستوى الشخصي، وحسب مشاهداتي من أرض الواقع، الخرطوم بصورة عامة هي منطقة عمليات عسكرية».

وأضاف لوكالة «أنباء العالم العربي» أن القتال لم يتوقف، فالقصف المدفعي مستمر ومعه تحليق الطيران الحربي وخطر الرصاص الطائش والمتعمد، فضلاً عن «انتشار المنفلتين الذين يتعرضون للناس سواء من التابعين لطرفي النزاع أو من المجرمين العاديين».

وأوضح أن المشكلة الكبرى، التي تواجه معظم العائدين، أن الخرطوم لا توجد بها في الوقت الحالي أماكن عمل بعد توقف المصانع والشركات. وقال: «غالبية الأعمال توقفت وصار الجميع عاطلاً».

وأضاف عبد الله: «الكارثة الأكبر هي أن العودة إلى الخرطوم معقدة، فالسكان في أي لحظة قد يكونون عرضة للقتل أو الإصابة؛ لأن العمليات العسكرية لا تتوقف، فضلاً عن أن الوضع الإنساني أيضاً صعب جداً من حيث توفر المستشفيات والخدمات الأخرى من مياه وكهرباء وأسواق ومتاجر، وهذه من أهم ما يهدد عودة الأسر».

وأدت الحرب الدائرة في الخرطوم، ومدن أخرى غرب السودان، إلى خروج أكثر من 80 في المائة من المرافق الصحية عن الخدمة، بحسب «اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء»، التي قالت إن الخرطوم، بمدنها الثلاث، تعتمد حالياً على 4 مستشفيات فقط.

واندلع القتال بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» على نحو مفاجئ في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بينما كانت الأطراف العسكرية والمدنية تضع اللمسات النهائية على عملية سياسية مدعومة دولياً.

يقول عبد الله: «المؤسف أن هناك أُسراً رجعت إلى بيوتها بسبب الضغوط التي تعرّضت لها في الولايات من غلاء للإيجار والمعيشة وغير ذلك. أشاهد يوميا حافلات سفر تدخل العاصمة، خصوصاً من ولاية الجزيرة. هناك حركة كبيرة لعودة السكان إلى بيوتهم رغم كل شيء».


مقالات ذات صلة

«سد النهضة»: ما سيناريوهات الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا؟

تحليل إخباري محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

«سد النهضة»: ما سيناريوهات الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا؟

يطرح إعلان الرئيس دونالد ترمب تدخله لإنهاء الخلاف القائم بشأن «سد النهضة» الإثيوبي مع دولتي المصب مصر والسودان تساؤلات حول السيناريوهات المقبلة في الملف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مشاهد احتفالية ورقصات شعبية فرحاً بإعادة افتتاح المسرح القومي (الشرق الأوسط) play-circle 00:38

السودان: المسرح القومي يسترد شخوصه وخشبته من ركام الحرب

شرعت «جماعة إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون» في إعادة ترميم وتأهيل المسرح القومي في مدينة أم درمان، إيذاناً بعودة النشاط الفني والثقافي والمسرحي في البلاد.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
خاص واجهة الطوارئ بمستشفى الخرطوم بحري (الشرق الأوسط)

خاص النظام الصحي في السودان من الدمار إلى محاولات التعافي

يواجه النظام الصحي في السودان ضغوطاً غير مسبوقة ونقصاً حاداً في الخدمات الطبية، في وقت تشهد فيه البلاد محاولات للتعافي

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
العالم العربي البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) play-circle 00:48

مجلسا السيادة والوزراء في السودان يعقدان اجتماعاً مشتركاً في الخرطوم برئاسة البرهان

عقد مجلسا السيادة والوزراء بالسودان اجتماعاً مشتركاً اليوم الأربعاء في العاصمة الخرطوم، برئاسة عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ القوني دقلو شقيق قائد «قوات الدعم السريع» خلال مشاركته في مؤتمر بجنوب أفريقيا (إكس)

تساؤلات حول زيارة شقيق حميدتي إلى واشنطن رغم العقوبات

طالب مشرعان ديمقراطيان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتقديم معلومات حيال زيارة القوني حمدان دقلو إلى واشنطن في أكتوبر رغم وجود عقوبات أميركية عليه.

رنا أبتر (واشنطن)

إصابة رئيس الشرطة القضائية في العاصمة الليبية برصاص مجهولين

عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)
عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)
TT

إصابة رئيس الشرطة القضائية في العاصمة الليبية برصاص مجهولين

عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)
عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)

أُصيب رئيس الشرطة القضائية في طرابلس اللواء فرج المبروك، برصاص مسلحين مجهولين، الخميس، وفقاً لما أعلنته مصادر رسمية ليبية.

وأدانت الشرطة القضائية إطلاق النار الذي تعرّض له المبروك أمام مركز الإصلاح والتأهيل في الجديدة بتاجوراء، في الضواحي الشرقية للعاصمة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبها، نددت وزارة العدل الليبية التي تتبع لها الشرطة القضائية، بـ«الاعتداء الجبان». وأكدت أن إصابة المبروك «طفيفة».

وتتولى الشرطة القضائية في ليبيا تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية وحفظ الأمن داخل المحاكم والسجون.

وأكد الجهاز أن «هذه الأعمال الإجرامية تُشكل انتهاكاً صارخاً للقانون والأخلاق، واعتداءً مباشراً على سلطة الدولة ومؤسساتها، وتستهدف مسؤولين في أثناء تأديتهم واجباتهم».


«سد النهضة»: ما سيناريوهات الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا؟

محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

«سد النهضة»: ما سيناريوهات الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا؟

محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

يطرح إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدخله لإنهاء الخلاف القائم بشأن «سد النهضة» الإثيوبي مع دولتي المصب، مصر والسودان، تساؤلات حول السيناريوهات المطروحة أمام الوساطة الأميركية لإنهاء النزاع القائم منذ نحو 14 عاماً.

ويرى خبراء أن الانطلاق من الاتفاق المبدئي الذي جرى التوصل إليه بين الدول الثلاث في فترة رئاسة ترمب الأولى، ولم توقع عليه إثيوبيا، هو «الخيار الأفضل» أمام الوساطة الأميركية، إلى جانب ممارسة ضغوط على أديس أبابا «للانخراط في مسار التفاوض بجدية».

واستضافت واشنطن خلال ولاية ترمب الأولى جولة مفاوضات عام 2020 بمشاركة البنك الدولي. ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، فإنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه وقتها.

وتعهد الرئيس الأميركي مجدداً بالتدخل لحل أزمة السد الإثيوبي؛ وقال خلال محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة دافوس السويسرية، مساء الأربعاء، إنه «واثق من التوصل لحل أزمة السد في نهاية المطاف»، مؤكداً «أهمية التفاوض المباشر بين الأطراف المعنية لضمان حقوق الجميع، وتحقيق الاستخدام العادل للمياه، بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي، ويجنب المنطقة أي توترات مستقبلية».

والأسبوع الماضي، عرض ترمب استئناف الوساطة بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن أزمة السد، وقال إن «واشنطن مستعدة للاضطلاع بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل، ويضمن تلبية احتياجات الدول الثلاث على المدى البعيد».

وأشاد السيسي بتدخل ترمب في قضية مياه النيل، وقال مساء الأربعاء: «الرئيس ترمب اهتم بملف السد الإثيوبي منذ بداية ولايته الأولى»؛ وأكد حرص مصر على دعم جهود التوصل إلى «حلول عادلة تضمن حقوقها المائية، وتعزز الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأعلنت مصر في ديسمبر (كانون الأول) 2023 توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد بعد جولات مختلفة. وعقب افتتاح أديس أبابا مشروع سد النهضة رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، نددت القاهرة بتلك الخطوة، وأرسلت خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي، أكدت فيه أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل».

«نقطة الصفر»

ويرى الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج، أنه من الضروري العودة للاتفاق السابق الذي جرى التوصل إليه خلال فترة ترمب الرئاسية الأولى، وقال: «الدول الثلاث توصلت حينها لتصور مبدئي لاتفاق قانوني بعد عدة جلسات من التفاوض في واشنطن، وبالتالي يمكن البناء على ذلك في مسار الوساطة الأميركية الجديدة».

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ويعتقد فرج أن نجاح التدخل الأميركي هذه المرة في حل أزمة السد الإثيوبي مرهون بضغوط واشنطن على أديس أبابا، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الولايات المتحدة تمتلك القدرة لدفع الجانب الإثيوبي إلى التجاوب مع مسار التفاوض هذه المرة، والتوقيع على اتفاق قانوني ملزم بشأن السد».

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «أفضل سيناريو أمام الوساطة الأميركية هو البدء من حيث انتهت إليه في المفاوضات الأولى عام 2020». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تدخل واشنطن السابق انتهى بمشروع اتفاق وافقت عليه دولتا المصب، وامتنعت إثيوبيا عن الحضور للتوقيع».

وأضاف: «لا يجب البدء من نقطة الصفر بمسار تفاوض جديد»، مستطرداً: «هذا السيناريو قد تتجه إليه أديس أبابا بهدف إطالة أمد المفاوضات مرة أخرى، وحتى تخرج بتفاهمات وليس باتفاق قانوني ملزم». وأشار إلى أن «مصر تعوّل على تدخل ترمب للوصول لنتيجة إيجابية في هذا الملف».

لقاء السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وأكد الرئيس المصري على أن رعاية ترمب لجهود تسوية أزمة السد الإثيوبي الممتدة «ستفتح آفاقاً جديدة نحو انفراجة مرتقبة». وحسب بيان للرئاسة المصرية، الأربعاء، شدد السيسي على حرص بلاده على إقامة آليات تعاون مع دول حوض النيل بما يحقق المصالح المشتركة، وفقاً لقواعد القانون الدولي، خصوصاً وأن حجم المياه والأمطار الذي يرِد إلى دول حوض النيل وفير ويكفي احتياجات واستخدامات تلك الدول؛ إذا أحسن استغلاله.

سيناريو المفاوضات المباشرة

وأمام واشنطن سيناريو واحد لحل أزمة السد الإثيوبي، وفق أستاذ السياسات الدولية المقيم في الولايات المتحدة، أشرف سنجر، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «حراك هذا الملف ينطلق بمفاوضات مباشرة بين الأطراف الثلاثة للتوصل إلى الاتفاق الذي يضمن حقوقهم».

وأشار سنجر إلى أن حديث ترمب عن السد الإثيوبي في الفترة الأخيرة يشير إلى عدم اقتناعه بهذا المشروع، خصوصاً وأنه لم يحقق أي نتائج تنموية لإثيوبيا، ويشكل مصدر ضرر لدولتي المصب مصر والسودان.

وهو يرى أن حديث ترمب المتواصل عن السد الإثيوبي يُظهر تبنيه الموقف المصري.

وقد انتقد ترمب في أكثر من مناسبة قيام واشنطن بتمويل بناء السد الإثيوبي. ويرجح سنجر نجاح الوساطة الأميركية هذه المرة، وقال: «من الممكن الوصول لاتفاق يضمن مشاركة مصر في ترتيبات إدارة السد».


مصر: مقترحات برلمانية بتعديل «الإيجار القديم» تُحيي جدل «القانون الشائك»

صورة لعقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)
صورة لعقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)
TT

مصر: مقترحات برلمانية بتعديل «الإيجار القديم» تُحيي جدل «القانون الشائك»

صورة لعقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)
صورة لعقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)

تعددت مقترحات قدمها نواب مصريون بمجلسَي الشيوخ والنواب بتعديل قانون «الإيجار القديم»، بعد أشهر من الموافقة على هذا القانون «الشائك» الذي يهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين المالك والمستأجر؛ مما أعاد جدلاً بين الطرفين كانت قد تراجعت حدّته قليلاً مع بدء تنفيذ القانون والاتفاق على قيمة إيجارية جديدة حددتها «لجان الحصر» بالمحافظات المختلفة.

ووجد عدد من النواب في بدء أعمال مجلس النواب المصري بحلّته الجديدة، قبل نحو أسبوعين، فرصة سانحة للحديث عن تعديل القانون الذي أُقر في يوليو (تموز) الماضي، وسط حالة من الجدل والاعتراضات؛ فيما تحدث وكيل لجنة الإسكان بمجلس الشيوخ، أكمل فاروق، الأربعاء، عن مقترح بشأن «استثناء المستأجر الأصلي وزوجته من شرط الإخلاء بعد مرور سبع سنوات».

ونص القانون الذي يتكون من عشر مواد على إنهاء عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، ما لم يتم الاتفاق على الإنهاء المبكر بين المالك والمستأجر؛ مع تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية، وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، ونوعية البناء والمرافق والخدمات.

وحدد القانون قيمة الزيادة في الإيجار، ليرتفع إلى 20 ضعفاً في المناطق المتميزة، بحد أدنى ألف جنيه (نحو 20 دولاراً)، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية، بحد أدنى 400 و250 جنيهاً على التوالي، كما يتيح القانون توفير سكن لقاطني الإيجار القديم ممن ليست لديهم وحدات بديلة، والفئات الأكثر احتياجاً.

وبدأ تنفيذ القانون في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، وأنهت «لجان الحصر» عملها في الجزء الأكبر من المحافظات، وجرى تحديد القيمة الإيجارية الجديدة على أن تنتهي بشكل كامل من أعمالها في شهر فبراير (شباط) المقبل.

وقبل شهر ونصف تقريباً، أعلنت الحكومة المصرية عن منصة لتسجيل المستأجرين الساعين للحصول على «سكن بديل»، لكنها أشارت مؤخراً إلى أنها لم تتلقَّ سوى 58 ألف طلب للحصول على وحدة بديلة، وهو ما دفعها لمد فترة التقديم التي كان مقرراً لها أن تنتهي في 13 يناير (كانون الثاني) الجاري.

المطالب الاجتماعية

رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «التجمع»، عاطف مغاوري، قال إن تعديل قانون «الإيجار القديم» حتميّ مع بدء عمل مجلس النواب بتشكيله الجديد، «وذلك استجابةً للمطالب الاجتماعية وما أفرزه القانون في شكله الحالي من أزمات بين الملاك والمستأجرين»، مضيفاً أن التقدم بمشروع جديد لتعديل القانون بموافقة 60 نائباً، وفقاً لقانون المجلس، سيكون بمنزلة «تصحيح لخطأ سابق».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الاعتراضات على القانون وانسحاب عدد من النواب في أثناء إقراره يشير إلى أنه لم يصدر بتوافق مجتمعي، وأن الأمر يتطلب مزيداً من النقاشات خلال دور الانعقاد الحالي بما يحقق مصالح المواطنين ويسهم في تحصين المجتمع من أي خلافات وانقسامات واسعة.

بنايات بمنطقة الدرَّاسة في القاهرة تضم عديداً من الوحدات بنظام الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

وتُركز التعديلات التي ينوي مغاوري التقدم بها تعديل المادة (7) من القانون، التي تُنهي عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، على أن يتضمن التعديل «امتداد عقد الإيجار للجيل الأول من المستأجر الأصلي».

وهذا التعديل، من وجهة نظر النائب البرلماني، «يزيح العبء الذي ألقته الحكومة على نفسها بشأن توفير سكن بديل، وعزوف المستأجرين عن الإقبال عليها يشير إلى عدم الاقتناع بما ستقدمه من بدائل».

وتطرق عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري، في تصريحات إعلامية، إلى مشكلات بشأن «آلية تصنيف المناطق ضمن تطبيق قانون الإيجار القديم»، لافتاً إلى أن بعض المناطق الشعبية تم تصنيفها على أنها متوسطة، في حين جرى التعامل مع مناطق متوسطة بوصفها متميزة، وهو خلل يتطلب تعديل القانون.

ردود فعل متباينة

أثارت تحركات النواب ردود فعل متباينة بين الملاك والمستأجرين، إذ رأى رئيس اتحاد المستأجرين، شريف الجعار، أن إدخال تعديلات على القانون أمر ضروري ومهم ويلقى ترحيباً واسعاً من المستأجرين، وأن هناك مقترحات جرى التقدم بها إلى عدد من نواب البرلمان لكي تتضمن «انتهاء العلاقة الإيجارية من ورثة الجيل الأول للمستأجر الأصلي».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ القانون أفرز مشكلات عديدة نتيجة «المغالاة» في تحديد القيمة الإيجارية القديمة، وترتب على ذلك رفع مئات الطعون في المحافظات المختلفة ضد قرارات المحافظين التي حددت نسب الزيادة وفقاً لما انتهت إليه «لجان الحصر»، لافتاً إلى أن أي تعديلات على القانون لا بد أن تراعي الوضع الاجتماعي للمستأجرين، وليس الموقع الجغرافي للعقارات التي يقطنونها.

إحدى جلسات الاستماع في مجلس النواب المصري حول مشروع تعديل قانون الإيجار القديم (مجلس النواب)

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تلقَّت المحكمة الدستورية العليا أول دعوى دستورية تطعن بشكل مباشر على بعض مواد قانون تنظيم أوضاع الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025؛ فيما أقام محامون ومستأجرون مئات الطعون أمام الجهات القضائية، مطالبين بإلغاء القانون لأسباب مختلفة، بينها ما يتعلق بعدم صواب إجراءات تحديد القيمة الإيجارية أو لوجود أخطاء إجرائية في الإعلان عن تشكيل «لجان الحصر».

في المقابل يرى رئيس اتحاد مُلاك عقارات الإيجار القديم، مصطفى عبد الرحمن، أن مقترحات النواب لتعديل القانون «ستنتهي بالفشل، فالواقع أن هناك علاقة جديدة نشأت بين الملاك والمستأجرين وفقاً للقانون الجديد، كما أن الحكومة تفتح ذراعيها لتوفير سكن بديل، وتؤكد أنه لا إخلاء من دون توفيره».

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «النواب يهدفون لدغدغة مشاعر المستأجرين؛ وليس من المنطقي بعد أن اتجهت الدولة لإنهاء ظلم قائم على الملاك لأكثر من 50 عاماً أن يتم تجاوزه بعد أشهر من إقرار القانون الجديد». واستطرد: «على المسؤولين تحمل تبعات حالة الارتباك التي ستسود حيال أي تعديل جديد في القانون».

كان وكيل لجنة الإسكان بمجلس النواب المصري، أمين مسعود، قد أكد في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن اللجنة بانتظار الفصل في عدد من الدعاوى القضائية المنظورة أمام المحكمة الدستورية، وبناءً عليها ستتحرك في الاتجاه التشريعي الصحيح، بما يحقق العدالة بين المواطنين ويحافظ على استقرار المنظومة القانونية».