«الدعم السريع» تسيطر على قاعدة في شمال دارفور... وتهدد الفاشر

ترحيب أممي بـ«التزامات جدة» حول الحرب في السودان

نساء من مدينة الجنينة غرب دارفور يبكين بعد تلقيهن نبأ وفاة أقاربهن (رويترز)
نساء من مدينة الجنينة غرب دارفور يبكين بعد تلقيهن نبأ وفاة أقاربهن (رويترز)
TT

«الدعم السريع» تسيطر على قاعدة في شمال دارفور... وتهدد الفاشر

نساء من مدينة الجنينة غرب دارفور يبكين بعد تلقيهن نبأ وفاة أقاربهن (رويترز)
نساء من مدينة الجنينة غرب دارفور يبكين بعد تلقيهن نبأ وفاة أقاربهن (رويترز)

أعلنت قوات الدعم السريع، عبر منصة «إكس»، الأربعاء، سيطرتها الكاملة على «اللواء 24» مشاة أم كدادة بولاية شمال دارفور ‏بقيادة اللواء أبو شوك، في حين أطلقت التحذير الأخير للفرقة السادسة بالفاشر عاصمة شمال دارفور.

تأتي هذه التطورات بعد يوم من إعلان السعودية والولايات المتحدة التوصل، عبر مفاوضات جدة، إلى تفاهمات من قِبل طرفي الصراع في السودان باتخاذ خطوات لتسهيل زيادة المساعدات الإنسانية وتنفيذ إجراءات بناء الثقة. وكانت مدينة الفاشر قد شهدت اشتباكات عنيفة، الثلاثاء، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وذلك بعد أيام قليلة من إعلان «الدعم السريع» السيطرة على 3 مدن مهمة في إقليم دارفور من أصل 5، بما في ذلك مقار الجيش فيها، وهي نيالا في الجنوب ثاني أكبر مدينة بعد الخرطوم ومركز قيادة الجيش في الولايات الغربية، وزالنجي في الوسط، والجنينة في الغرب. وما زال الجيش يحتفظ بقواعده في الفاشر شمال دارفور والضعين في الشرق. كما دارت اشتباكات قوية، الأربعاء، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أجزاء واسعة من مدينة أمدرمان غرب العاصمة، وجبل أولياء وسلاح المدرعات جنوب الخرطوم، باستخدام الأسلحة الخفيفة والثقيلة مع تحليق الطائرات الحربية والمُسيّرات.

ممثلون لطرفي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 (رويترز)

يأتي ذلك مع انتهاء الجولة الأولى للمفاوضات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مدينة جدة السعودية، الثلاثاء، التي جرت بتيسير من السعودية والولايات المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) والاتحاد الأفريقي.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، كليمنتاين نيكوتا سلامي، إن بيان الالتزامات الذي اعتمده طرفا النزاع في السودان في جدة الثلاثاء، يشكل «لحظة حقيقية» للبلاد، مشددة على أن الوعود التي قطعتها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لحماية المدنيين وتوفير وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق «يجب الوفاء بها». ووافق طرفا القتال في السودان، الثلاثاء، على الالتزام باتخاذ خطوات لتسهيل زيادة المساعدات الإنسانية وتنفيذ إجراءات بناء الثقة، على أن تنفذ بالتوازي.

وأعلنت الجهات الراعية للمحادثات السودانية في جدة، الثلاثاء، التزام القوات المسلحة وقوات الدعم السريع باتخاذ خطوات لتسهيل زيادة المساعدات الإنسانية وتنفيذ إجراءات بناء الثقة، وحثّت الطرفين على تقديم مصلحة الشعب السوداني أولاً، والانخراط في المفاوضات لإنهاء الصراع. وذكر بيان صادر عن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وهي الأطراف الراعية لمحادثات «جدة 2»، أن العمل في هذه المباحثات يتركز على موضوعات محددة لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، وتحقيق وقف إطلاق النار، وغير ذلك من إجراءات بناء الثقة؛ تمهيداً للتوصل إلى وقف دائم للأعمال العدائية. وعلى ضوء «إعلان جدة لحماية المدنيين في السودان» في 11 مايو (أيار) الماضي، أشار البيان إلى التزام الطرفين بالانخراط في آلية إنسانية مشتركة، بقيادة «مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة»، لمعالجة معوقات إيصال المساعدات الإغاثية، وتحديد جهات اتصال لتسهيل مرور وعبور العاملين في المجال الإنساني.

سلامي: لدينا ضمانات

ورحبت سلامي، في بيان، بإنشاء آلية إنسانية مشتركة بقيادة مكتبها ومشاركة طرفي النزاع، وقالت إن «الآلية ستعمل على تيسير تنفيذ الالتزامات المُتعهد بها في جدة».

كليمنتاين نيكوتا سلامي منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان (إكس)

وأضافت أن «الالتزامات التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين يجب أن تتبعها الآن إجراءات فورية وملموسة، بإزالة كل العقبات البيروقراطية التي تمنعنا من تقديم الإغاثة المنقذة للحياة، بسرعة وعلى نطاق واسع وبشكل نهائي».

وقالت سلامي، في بيانها، إنه «عندما تكون لدينا ضمانات موثوقة من جميع الأطراف، فإن العاملين في المجال الإنساني يمكنهم التحرك بأمان عبر خطوط النزاع»، مضيفة: «نحن لا نستطيع الوصول إلى العاصمة الخرطوم ودارفور وكردفان وغيرها من المناطق التي مزّقتها الحرب من دون ضمانات».وأشارت المسؤولة الأممية إلى أن الالتزامات تأتي بعد ما يقرب من 7 أشهر من الحرب، بينما يحتاج نصف سكان السودان (نحو 25 مليون شخص) إلى المساعدات الإنسانية، وتنتشر الأمراض ويزداد النزوح والعنف الجنسي على نطاق واسع.

وقالت سلامي: «على طرفي القتال الوفاء بالالتزامات المتعهد بها في جدة وبروح الاتفاق ويجب عليهما العمل من أجل وقف دائم للأعمال العدائية».

وتقدمت منسقة الشؤون الإنسانية بالشكر للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية ومنظمة التنمية الحكومية (إيغاد) والاتحاد الأفريقي، على دورهم في تيسير هذه المفاوضات.

القوى السياسية ترحب

من جهتها، رحّبت فصائل «قوى الحرية والتغيير» بما توصلت إليه القوات المسلحة السودانية وقوات «الدعم السريع» من التزامات في منبر جدة.

وعدّ القيادي في «حزب المؤتمر السوداني»، شريف محمد عثمان، الالتزامات خريطة طريق لبناء الثقة بين القوات المسلحة و«الدعم السريع»، من أجل إنهاء الحرب الدائرة في البلاد منذ منتصف أبريل (نيسان) الماضي. وقال: «الواجب دعم قيادة القوتين لتنفيذ الإجراءات التي تم الاتفاق عليها لبناء الثقة بينهما»، مضيفاً أن «الشعب السوداني يتطلع إلى إيقاف هذه الحرب واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي».

بدوره، قال «التجمع الاتحادي» إن هذه الالتزامات «تمثّل في هذه المرحلة خطوة للأمام يمكن البناء عليها للوصول إلى اتفاق لوقف شامل ودائم لإطلاق النار»، وحثّ القوات المسلحة وقوات الدعم السريع على الالتزام التام بما تم الاتفاق عليه، داعياً الميسرين لمواصلة التفاوض وإكمال سير المحادثات حتى الوصول لهذه الغاية المنشودة.

عناصر من قوات «الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

في موازاة ذلك، حذّرت مديرة قسم العلاقات الخارجية في مفوضية شؤون اللاجئين، دومينيك هايد، من أن يؤثر القتال الذي يزداد نطاقه ووحشيته على شعب السودان، بينما «العالم صامت بشكل فاضح، على الرغم من استمرار انتهاكات القانون الدولي الإنساني مع الإفلات من العقاب».

وقالت هايد: «من المخزي أن الفظائع التي ارتُكبت قبل 20 عاماً في دارفور يمكن أن تتكرر اليوم مرة أخرى في ظل عدم إيلاء الاهتمام الكافي»، مضيفة أن أزمة إنسانية تفوق التصور تتكشف فصولها في السودان، بعيداً عن أعين العالم وعناوين الأخبار.


مقالات ذات صلة

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

أكدت مصر حرصها على استمرار العمل في إطار «الرباعية الدولية» (تضم السعودية، ومصر، والولايات المتحدة والإمارات) للتوصل إلى هدنة إنسانية شاملة في السودان.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا نازحون من الفاشر في مخيم طويلة بشمال دارفور يوم 17 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

حاكم إقليم دارفور: قواتنا حققت انتصارات في المحور الغربي بالإقليم

قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن «المقاومة الشعبية حققت انتصارات عظيمة في المحور الغربي بولاية شمال دارفور» ضد «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية)

السيسي: الأمن المائي المصري قضية وجودية وأولوية قصوى

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض مصر القاطع لأي محاولات للنيل من أمن السودان واستقراره، وأنها لن تسمح بذلك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

تستضيف القاهرة الأربعاء الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان ودفع مسارات وقف الحرب الداخلية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
TT

«الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)

تواجه جماعة «الإخوان» عزلة دولية بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصنيف فروعها في مصر والأردن ولبنان «منظمات إرهابية».

وانضمت الأرجنتين إلى قائمة الدول التي اتخذت قراراً بحظر «الإخوان»، حيث أعلنت، الخميس، «إدراج فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان ضمن قائمتها للمنظمات الإرهابية»، حسب ما أعلن مكتب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.

ويرى خبراء وباحثون أن قرار ترمب «سوف يوسع من الحظر الدولي لفروع (تنظيم الإخوان)»، وتحدثوا عن أن «هناك دولاً سوف تتخذ نفس الخطوات، رغم أن الإجراءات الأميركية لن تؤثر على كافة فروع الجماعة في الخارج».

وجاء التحرك الأرجنتيني بعد يومين، من إعلان وزارتي الخزانة والخارجية الأميركيتين، الثلاثاء، «تصنيف (جماعة الإخوان) بمصر رفقة فرعيها في الأردن ولبنان كـ(منظمات إرهابية)».

وقالت الحكومة الأرجنتينية إن «قرارها استند إلى تقارير رسمية تُثبت وجود أنشطة غير مشروعة ذات طابع عابر للحدود تشمل أعمالاً إرهابية ودعوات علنية للتطرف العنيف، فضلاً عن صلات مع منظمات إرهابية أخرى وتأثيرها المحتمل على جمهورية الأرجنتين».

وأشارت إلى أن «هذا الإجراء يعزّز آليات منع الإرهاب والكشف المبكر عنه ومعاقبة مموليه، بحيث لا يتمكن أعضاء (تنظيم الإخوان) وحلفاؤهم من الإفلات من العقاب».

ووفق الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، فإن «قرار الرئيس الأميركي ضد (الإخوان) سوف يشجع دولاً أخرى لحظر الجماعة وفروعها في الخارج»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك توقعات لاتخاذ دول أخرى في أميركا اللاتينية، مثل كولومبيا وفنزويلا، قرارات مشابهة بتصنيف الجماعة كـ(منظمة إرهابية)».

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وأشار فرغلي إلى أن «الحظر المتتالي لجماعة (الإخوان) توازيه تحركات أوروبية مماثلة في النمسا والسويد». وقال إن «الأهم في القرارات الدولية هو مدى تأثيرها على تحركات التنظيم في الخارج»، منوهاً إلى أن «الإجراءات الأميركية تعدّ جزئية، لأنها شملت فروعاً بعينها محيطة بإسرائيل»، في حين أن «هناك فروعاً ومنظمات أخرى تابعة لـ(الإخوان) تحمل أسماء أخرى، لم يطلها قرار الحظر».

وجاء في البيان الرسمي الأميركي: «تدّعي فروع (الإخوان المسلمين) أنها منظمات مدنية شرعية، بينما تدعم في الخفاء وبحماسة جماعات إرهابية مثل (حماس).

وبناء على ذلك، يُدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) الفرعين المصري والأردني لجماعة (الإخوان) بسبب تقديمهما دعماً مادياً لـ(حماس)، بوصفهما (إرهابيين عالميين مصنّفين بشكل خاص)»، بموجب سلطة مكافحة الإرهاب المنصوص عليها في الأمر التنفيذي رقم «13224» بصيغته المعدّلة.

«تثبت التحركات الدولية لعزل تنظيم (الإخوان) صحة الرؤية العربية والمصرية تجاه التنظيم»، بحسب تقدير فرغلي، الذي أشار إلى أن «القاهرة كانت سبّاقة بتصنيف (الإخوان) كجماعة إرهابية».

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» كـ«جماعة إرهابية» منذ عام 2013، ويقبع معظم قيادات «الإخوان» وفي مقدمهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حالياً التنظيم، وسط انقسامات حادة، بحسب مراقبين.

خبير مكافحة الإرهاب الدولي، حاتم صابر، يرى أن «(جماعة الإخوان) تواجه عزلة دولية بعد القرارات الأميركية الأخيرة». وأشار إلى أن «تصنيف التنظيم (كجماعة إرهابية) سيحدّ من تحركاته، خصوصاً في مصر ولبنان والأردن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «من تأثير القرار تجميد أموال التنظيم، وحظر سفر أعضائه، ومنع حصول أعضائه على أي دعم، مع تجريم أي شخص أو مؤسسة تقدم مساعدة للجماعة».

صابر يعتقد أن «هناك صعوبة في إدراج التنظيم كاملاً كحظر عابر للحدود، بسبب صعوبات قانونية في تصنيف منظمات تابعة للجماعة، لكنها تحمل أسماء أخرى». وقال إن «إجراءات واشنطن لن تطبق في الداخل الأميركي فقط، إنما ستطول أي معاملات خارجية لفروع الجماعة التي جرى حظرها».


مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
TT

مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)

تتطلع مصر إلى التوسع في تجربة التعليم الياباني؛ حيث دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى «مضاعفة عدد المدارس اليابانية المستهدفة في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، وزيادة أعداد الخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارة هذه المدارس».

وأنشأت الحكومة «المدارس المصرية-اليابانية»، بهدف تطبيق مناهج متطورة، تستلهم فلسفة التعليم اليابانية. ووصل عدد هذه المدارس حتى نهاية عام 2025 إلى 69 مدرسة، كما تُشارك اليابان في تطوير مناهج الرياضيات بما يتوافق مع مخرجات التعليم الياباني.

واستقبل الرئيس السيسي، في القاهرة، الخميس، وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني، ماتسوموتو يوهي، في حضور وزير التربية والتعليم المصري، محمد عبد اللطيف، وسفير اليابان في القاهرة، إيواي فوميو.

وأكد السيسي «اعتزاز مصر بعلاقات التعاون الوثيقة والممتدة مع اليابان في مختلف المجالات، ولا سيما التعليم، مشيداً بالمساهمة اليابانية البارزة في مشروع إنشاء المتحف المصري الكبير وبنجاح مشروع المدارس المصرية-اليابانية». وأشار إلى «اهتمام مصر بزيادة عدد هذه المدارس في مختلف المحافظات، وتعزيز مشاركة وزيادة عدد المديرين والخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارتها».

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال استقبال وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني (الرئاسة المصرية)

ولفت الوزير الياباني ماتسوموتو يوهي إلى أن زيارته لمصر هي الأولى خارجياً منذ توليه مهام منصبه، ما يعكس حرص بلاده على تعزيز التعاون مع مصر في مجال التعليم. مؤكداً أن «مشروع المدارس المصرية-اليابانية يمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون التنموي والدعم الذي تقدمه اليابان لشركائها في أفريقيا والشرق الأوسط».

وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، إن اللقاء تناول آفاق تطوير العلاقات التعليمية بين مصر واليابان، بما يشمل التعاون في تطوير المناهج المصرية وتدريس مادة البرمجيات لنحو 750 ألف طالب وفق المناهج اليابانية، بالإضافة إلى التعاون في التعليم الفني، وتأهيل المعلمين المصريين لتدريس اللغة والمناهج اليابانية، ودعم برامج تعليم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

كما جرى بحث سبل توسيع نطاق المدارس اليابانية في مصر لتكون نموذجاً يمكن تعميمه في أفريقيا والمنطقة العربية. وشدد السيسي خلال اللقاء على «أهمية الاستفادة من التجربة اليابانية المتميزة في الانضباط والرؤية التعليمية، والعمل على تكثيف برامج التبادل الطلابي بين البلدين».

مصر تتطلع إلى مضاعفة العدد المستهدف من المدارس اليابانية (الرئاسة المصرية)

وأكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال اجتماع حكومي في ديسمبر الماضي، أن «الحكومة تدعم نجاح مشروع المدارس اليابانية في مصر والتوسع فيه تنفيذاً لتوجيهات الرئيس السيسي». مشيراً إلى «حرص مصر على الاستفادة من التجارب التعليمية العالمية الرائدة بما يتماشى مع رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري، وزيادة عدد المدارس اليابانية والخبراء اليابانيين العاملين في مصر لتحقيق طفرة تعليمية نوعية».

وبدأت مصر تدريس مادة «البرمجة والذكاء الاصطناعي» لطلاب الصف الأول الثانوي بالتعاون مع مؤسسة «سبريكس» اليابانية، عبر منصة «كيريو»، وفقاً لما أعلنته وزارة التعليم المصرية في وقت سابق.


القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
TT

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت إلى محاكمة 81 شخصاً قبل أربع سنوات، صدرت في حق 49 منهم أحكام بالإعدام. وعُرفت القضية بـ«جريمة قتل والتنكيل بالشاب جمال بن إسماعيل» في خضم حرائق القبائل التي خلّفت مئات القتلى ودماراً واسعاً في الممتلكات.

وأكد محامون يشتغلون على الملف لصحافيين، أن «المحكمة العليا»، وهي أعلى هيئة في القضاء المدني، نقضت الأحكام وقررت إعادة الملف إلى «الغرفة الجزائية بمجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، مجدداً لتنظيم محاكمة جديدة في 1 مارس (آذار) المقبل، وهذا بعد أكثر من عامين من صدور الأحكام في الدرجة الثانية من التقاضي.

تفاعل سياسي

وأحدث هذا القرار تفاعلاً لدى قطاع من الطيف السياسي في البلاد، إذ دعا «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، إلى توفير ضمانات المحاكمة العادلة بما يحفظ كرامة الإنسان، مشدداً على أن الملف «يجسد نموذجاً للعدالة المستعجلة».

واعتبر الحزب، الذي يملك حضوراً لافتاً في منطقة القبائل شرق العاصمة، أن «سياق القضية طغى عليه الانفعال الجماعي والاعتبارات السياسية، ما أسفر عن تهميش الضمانات القانونية الأساسية»، مشيراً إلى أن الإجراءات المتبعة والأحكام الصادرة «كانت محل طعن وعدَت غير متناسبة، مما خلف جرحاً عميقاً لدى عائلات المعتقلين والرأي العام».

قفص الاتهام

وعرفت القضية أيضاً بـ«أحداث الأربعاء ناث إيراثن» (بلدة في القبائل الكبرى حيث جرت الأحداث). ومنذ بداياتها الأولى، تبنى «التجمع من أجل الديمقراطية» بقيادة رئيسه عثمان معزوز، خطاً واضحاً يرتكز على التنديد بـ«التوظيف السياسي للجهاز القضائي»، والدفاع عن قرينة البراءة وحقوق الدفاع، ومواجهة ما سمّاه «حملات الوصم والترهيب التي طالت الأصوات الناقدة للمسار القضائي».

وأكد الحزب، في بيانه، أنه «صمد في موقفه هذا رغم العزلة والمناخ العدائي الذي ساد في فترات معينة»، مؤكداً «تضامنه الكامل مع المعتقلين وذويهم».

وفي أعقاب الإعلان عن موعد المحاكمة، بادر سكان منطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى تنظيم لقاء تشاوري خصص لمناقشة وضعية المعتقَلين من أبناء المنطقة، حيث أتاح اللقاء لعائلاتهم فرصة التعبير عن معاناة عميقة وإحساس متزايد بالظلم حيال ملف قضائي لا يزال معلقاً، ومشحوناً بأحكام قاسية، وفق ما أكده محامون ترافعوا في القضية.

ومع اقتراب موعد الجلسة المقبلة، يؤكد «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» أن «إعادة فتح المحاكمة ينبغي أن تتحرر من كل ضغط سياسي، لتكون محطة حقيقية لفحص دقيق وموضوعي لمجمل الملف، واحترام صارم لمبادئ دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة، واستعادة مصداقية العدالة عبر أحكام لا تنطق إلا باسم الحقيقة».

وكانت محكمة الجنايات بالدار البيضاء في العاصمة الجزائرية، أصدرت في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أحكامها في «قضية مقتل الشاب جمال بن إسماعيل»، وجاءت الأحكام متفاوتة بين الإعدام والبراءة. إذ قضت المحكمة بالإعدام في حق 49 متهماً، وبالسجن النافذ لمدة عشر سنوات ضد 15 متهماً آخرين، فيما استفاد 17 شخصاً من أحكام البراءة.

مدانون بالإعدام في قضية الانتماء إلى ماك وحرائق القبائل (الشرطة)

وقد استمرت أطوار المحاكمة عدة أيام، تخللتها عروض لمقاطع مصورة صادمة توثق وقائع الجريمة. وكانت النيابة العامة قد التمست توقيع عقوبة الإعدام على 74 متهماً، على خلفية تورطهم في قتل وحرق جمال بن إسماعيل خلال شهر أغسطس (آب) 2021، على هامش الحرائق المدمّرة التي اجتاحت منطقة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو. وأودت النيران المستعرة بحياة 90 شخصاً، زيادة على هلاك مواشي السكان وحقولهم والعطاء النباتي في المنطقة.

وتم تثبيت الأحكام في درجة الاستئناف عام 2023، وسط احتجاج كبير للمحامين وعائلات المدانين، علماً أن تنفيذ حكم الإعدام في الجزائر مجمَد منذ أكثر من 30 سنة، على خلفية ضغوط دولية أجنبية في سياق الاقتتال بين قوات الأمن الجزائرية والجماعات الإسلامية المتطرفة، وهي فترة تعرف بـ«العشرية السوداء».

وبث الأمن الجزائري «اعترافات» لعدد كبير من المعتقلين بعد الأحداث، أكدوا كلهم أنهم وراء النيران المستعرة، وأنهم أشعلوا المنطقة بأوامر من رئيس تنظيم «حركة الحكم الذاتي في القبائل» (تحول لاحقاً إلى حركة تقرير مصير القبائل) فرحات مهني، الذي يتحدر من المنطقة، ويقيم منذ سنوات طويلة بفرنسا بصفته لاجئاً سياسياً، الذي أعلن في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2024 «دولة القبائل المستقلة» في خطوة تصعيدية جديدة مع الجزائر.

قصاص تحت ضغط الشارع

كان جمال بن إسماعيل، البالغ من العمر 38 عاماً يوم الأحداث، قد توجه طوعاً إلى بلدة الأربعاء ناث إيراثن، للمشاركة في إخماد الحرائق.

الشاب القتيل جمال بن إسماعيل (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

غير أن الشبهات سرعان ما لاحقته من طرف بعض سكان البلدة، على خلفية كونه غريباً عن المنطقة، حيث جرى اتهامه من دون تثبت، بالضلوع في إشعال الحرائق. وإزاء ذلك، بادر جمال إلى تسليم نفسه لقوات الشرطة طلباً للحماية، لكن حشداً من المواطنين الغاضبين انتزعه من أيدي عناصر الأمن، واعتدى عليه بوحشية قبل أن يحرق حيّاً، مع التنكيل بجثته، في مشاهد وثقت وبثت مباشرة عبر منصة «فيسبوك».

وأظهرت المقاطع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حشوداً هائجة تطوق سيارة الشرطة التي كان بداخلها، قبل أن تسحبه منها وتنهال عليه ضرباً بينما كان جمال يتوسَل إليه أن يتركوه «لأنني بريء والله بريء ياخاوتي». وبعد تعذيبه، أضرم النار في جسده، فيما ظهر شبان يلتقطون صوراً تذكارية إلى جانب جثته.

وقد أثارت هذه الجريمة صدمة وغضباً عارمين في مختلف أنحاء البلاد، رافقها تداول واسع للصور والمقاطع مرفقة بوسم #العدالة_لجمال_بن_إسماعيل.

ويرى عدد معتبر من المحامين المتابعين لهذا الملف أن لجوء القضاء إلى نقض الأحكام يندرج في إطار تصحيح أخطاء نتجت عن قرارات اتُّخذت على عجل، في ظل ضغط رأي عام كان يطالب بالقصاص.