هل تقبل دول عربية بدور في «غزة بعد حماس»؟

وسط سيناريوهات غربية... وتحفظات إقليمية

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يصل إلى مطار عمان الجمعة الماضي قادماً من إسرائيل (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يصل إلى مطار عمان الجمعة الماضي قادماً من إسرائيل (أ.ب)
TT

هل تقبل دول عربية بدور في «غزة بعد حماس»؟

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يصل إلى مطار عمان الجمعة الماضي قادماً من إسرائيل (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يصل إلى مطار عمان الجمعة الماضي قادماً من إسرائيل (أ.ب)

رغم استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، فإن وتيرة الحديث عن مستقبل القطاع عقب وقف إطلاق النار بدأت في التزايد، لا سيما في ظل مطالب أميركية بـ«وقف مؤقت» للقتال، فضلاً عن رغبة واضحة لدى واشنطن في «ألا تُعاود إسرائيل احتلال قطاع غزة»، وهو ما تزامن مع زيارات أمنية ودبلوماسية لمسؤولين أميركيين بارزين إلى المنطقة، أفادت مصادر عدة بأنها «تضمنت طرحاً لأفكار تتعلق بمستقبل إدارة القطاع»، وبينها تصور لأدوار عربية في هذا الصدد.

وشدد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الأربعاء، على ضرورة ألا تُعاود إسرائيل احتلال قطاع غزة، بعد نهاية الحرب التي تخوضها حالياً ضد «حماس». وأضاف في تصريحات صحافية عقب اجتماع في طوكيو لوزراء خارجية دول «مجموعة السبع»، أن «الأمر الواقعي هو أننا ربما نحتاج إلى فترة انتقالية بعد انتهاء الصراع، لكن من الحتميّ أن يكون الشعب الفلسطيني هو مركز الحكم في غزة».

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يصل الأربعاء لحضور جلسة خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في إيكورا بطوكيو (إ.ب.أ)

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال، الثلاثاء، إن إسرائيل ستتحمل «المسؤولية الأمنية الكاملة» في قطاع غزة لفترة غير محددة بعد حربها مع حركة «حماس».

إلا أن البيت الأبيض أصدر تعقيباً في اليوم ذاته، أعلن فيه أن الولايات المتحدة ستعارض إعادة احتلال الجيش الإسرائيلي لقطاع غزة في مرحلة ما بعد الصراع. وذكر المتحدث باسم الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، أن «إسرائيل والولايات المتحدة صديقتان وليس عليهما الاتفاق على كل قضية»، حسبما نقلت «رويترز».

أفكار لما بعد الحرب

وكشف مصدر مطلع عن أن الأيام الثلاثة الماضية «شهدت طرح تصورات بشأن مستقبل إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب»، مشيراً إلى أن تلك الأفكار تحدث بشأنها «أكثر من مسؤول غربي». وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن التركيز الآن «ينصب على إدخال المساعدات وتحقيق هدنة إنسانية»، وأن هناك «أفكاراً لما بعد الحرب تستحق الدراسة، لكن هناك أولويات إنسانية ضرورية حالياً». وشدد المصدر على أن «مستقبل القطاع يجب أن يكون جزءاً من حل شامل يرتكز على مبادئ ومقررات الشرعية الدولية وحل الدولتين».

وشهدت الآونة الأخيرة طرح العديد من الأفكار، سواء عبر تصريحات لمسؤولين وسياسيين إسرائيليين، أو عبر تسريبات لوسائل إعلام غربية؛ إذ اقترح زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لبيد، أن «تتولى السلطة الفلسطينية السيطرة على قطاع غزة بعد (حماس)»، في حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، إنه «قد يتعين على قوة عربية متعددة الجنسيات أن تسيطر على غزة بعد القضاء على (حماس)».

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يستقبل وزير الخارجية الأميركي بلينكن الأحد الماضي في مقره برام الله (أ.ب)

وبحثت دول عدة أوروبية قبل يومين خيار تدويل إدارة القطاع بعد الحرب، مقترحة «تشكيل تحالف دولي يدير غزة بالتعاون مع الأمم المتحدة»، حيث اقترحت وثيقة أعدتها ألمانيا ووزعتها على عدد من الدول الأوروبية، تولي «تحالف دولي تأمين غزة بعد الحرب، وتفكيك أنظمة الأنفاق وتهريب الأسلحة إلى القطاع، وتجفيف منابع دعم حركة (حماس) مالياً وسياسياً».

دور عربي انتقالي

أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية في القاهرة، الدكتور طارق فهمي، أشار إلى أن الدور العربي «سيكون الأكثر حضوراً وترجيحاً في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة»، لافتاً إلى أن هناك حرصاً أميركياً واضحاً على إشراك «دول عربية فاعلة في مستقبل القطاع».

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن سيناريو إقرار مرحلة انتقالية بعد وقف إطلاق النار «هو الأكثر احتمالاً»، مُرجحاً أن تمارس السلطة الوطنية الفلسطينية أدواراً في إدارة القطاع، في إطار «مقاربة بصيغة فلسطينية عربية مرحلية وبرعاية أميركية»، لافتاً إلى أن السلطة مسؤولة عن ممارسة الحكم وإدارة الأراضي الفلسطينية، ولم يحل دون ذلك سوى سيطرة «حماس» على القطاع عام 2007.

ولم يستبعد فهمي الاستفادة من أسلوب إدارة المناطق (ج) وفق اتفاق أوسلو، والتي تشرف على الأوضاع الأمنية فيها لجان فلسطينية - إسرائيلية مشتركة، مشيراً إلى أن توافد المسؤولين الأميركيين الدبلوماسيين والأمنيين «يعكس رغبة واشنطن في استجلاء المواقف وهندسة رؤية لليوم التالي لوقف إطلاق النار».

وخلال الأسبوع الماضي، زار بلينكن المنطقة، حيث التقى عدداً من وزراء الخارجية العرب في الأردن، كما التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، كما زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) ويليام بيرنز، عدداً من دول المنطقة، بينها إسرائيل ومصر.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله ويليام بيرنز في إطار زيارته للمنطقة (الرئاسة المصرية)

وخلال لقائه بالرئيس الفلسطيني، أشار بلينكن إلى أن ما وصفه بـ«أكثر حل منطقي» هو أن تتولى «سلطة فلسطينية فعالة ومنشَّطة» إدارة القطاع في نهاية المطاف، مؤكداً أن «دولاً أخرى ووكالات دولية من المرجح أن تلعب دوراً في الأمن والحكم في هذه الأثناء».

وأكد مسؤولون فلسطينيون أن بلينكن استمع إلى موقف فلسطيني واضح، وهو «رفض عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة على الدبابات الإسرائيلية»، وأن عودة السلطة إلى القطاع مرهون بـ«مقاربة شاملة للوضع في الضفة وغزة».

عودة السلطة

واعتبر سفير فلسطين الأسبق لدى مصر، بركات الفرا، الأفكار الغربية المطروحة بشأن حكم قطاع غزة في مرحلة ما بعد (حماس) «مجرد أفكار، وبعضها أوهام»، لافتاً إلى أن «(حماس) لن تخرج من القطاع، والسلطة لن تعود إليه على دبابة إسرائيلية».

وأضاف الفرا لـ«الشرق الأوسط» أن «حماس» حركة آيديولوجية «من الصعب اقتلاعها من غزة، حتى لو نجحت إسرائيل في ضرب بنيتها العسكرية»، مشيراً إلى أن الدول العربية «سترفض التورط في التدخل في القطاع؛ لأن هذا ما تريده إسرائيل والولايات المتحدة بأن تتخلص من مسؤولية القطاع»، مشدداً على أنه «لا بديل عن حل الدولتين، فغزة وقبلها القدس جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية».

من جانبها، أعلنت حركة «حماس» رفضها تصريحات البيت الأبيض بشأن «العمل على توافق إقليمي دولي لإدارة غزة بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي».

الناطق باسم «حماس»، عبد اللطيف القانوع، قال في بيان عبر «تلغرام»، الأربعاء، إن «إدارة غزة أو جزء من أرضنا هو شأن فلسطيني خاص بشعبنا، ولن تنجح أي قوة على الأرض من تغيير الواقع أو فرض إرادتها». وشدد على أن «الشعب أفشل مخطط تهجيره وتصفية قضيته العادلة، ولن يسمح لأحد بتمرير مخططاته، ولا يزال ثابتاً مرابطاً على أرضه».

قوة أمنية لغزة

ووفق تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية نشرته مطلع الأسبوع الماضي، فإن هناك مساعي دبلوماسية لإقناع الدول العربية التي وقّعت اتفاقات سلام أو اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل بتوفير قوة أمنية لغزة أو الإشراف عليها، لكن ذلك «سيتطلب من بعض البلدان أو المنظمات تحمل المسؤولية الإدارية والإشراف على الأمن». وأشارت الصحيفة إلى أن «بعض الجيران العرب يترددون في القيام بدور في الحكم، خوفاً من أن يقوض ذلك هدفهم على المدى الطويل المتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة».

ورفضت مصر بحسم أي إجراءات تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية، سواء عبر تهجير الفلسطينيين قسرياً من أراضيهم باتجاه سيناء، أو بتقسيم القطاع.

وأعلن رئيس الوزراء الأردني، الدكتور بشر الخصاونة، في تصريحات إعلامية، الأربعاء، أن الأردن «لن يرسل أي قوات عسكرية إلى غزة، ولن يقبل استبدال جندي أردني بالجندي الإسرائيلي»، وهو ما عده مراقبون رداً على المقترحات الأميركية بشأن مستقبل قطاع غزة بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية.

الملك عبد الله الثاني وبجانبه ولي العهد الأمير حسين خلال اللقاء مع بلينكن في عمان السبت الماضي (رويترز)

وأعرب المحلل السياسي الأردني، محسن الشوبكي، عن اعتقاده بصعوبة قبول الدول العربية المجاورة للأراضي الفلسطينية، وبالأخص الأردن ومصر، لأي أفكار تدعوها إلى الانخراط في أي إجراءات تتعلق بحكم القطاع، مشيراً إلى أن ذلك سيكون عملياً بمثابة «تورط في قبول مشاريع التهجير القسري لاحقاً للفلسطينيين»، إضافة إلى ما يمكن أن تتكبده تلك الدول من «أثمان سياسية وشعبية» إذا قبلت القيام بتلك الأدوار. ولفت الشوبكي لـ«الشرق الأوسط» إلى أن إسرائيل تريد نظاماً أمنياً يكفل لها التدخل وقتما تريد في القطاع، وفي الوقت ذاته تتخلص من الأعباء الاستراتيجية المتعلقة بإدارة غزة، وهو ما يراه أمراً «مرفوضاً عربياً».


مقالات ذات صلة

قطر ترفض «مزاعم» تقديم أموال لـ«حماس»

الخليج قطر أكدت أن مساعداتها للشعب الفلسطيني بالتنسيق مع إسرائيل والشركاء الدوليين (الخارجية القطرية)

قطر ترفض «مزاعم» تقديم أموال لـ«حماس»

شدَّدت قطر على رفضها القاطع لتقرير أوردته مجلة أميركية بشأن تقديم أموال لحركة «حماس» في قطاع غزة، استند إلى معلومات ووثائق مزورة ولا تمت للحقيقة بصلة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)

خاص «حبوب مخدرة» تُسقط متخابراً مع إسرائيل في غزة

كثير من المتخابرين الفلسطينيين سقطوا في شَرَك التخابر لصالح المخابرات الإسرائيلية، بسبب حاجتهم إلى المال، ولكن غالبيتهم بسبب تعاطيهم المواد المخدرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم العربي فلسطينيون اتخذوا ملجأ بجوار منزل متضرر من القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (أ.ب)

قتيل وإصابات إثر قصف إسرائيلي استهدف دراجة نارية في غزة

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون، الجمعة، جرّاء قصف للقوات الإسرائيلية استهدف دراجة نارية غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

«العصابات المسلحة» تختطف فلسطينيَّين... أحدهما ناشط بفصيل فاعل في غزة

معروف أن العصابات المسلحة التي تختطف فلسطينيين من القطاع تسلّمهم لإسرائيل، كما جرى في عديد من الحالات.

«الشرق الأوسط» (غزة)

البعثة الأممية تستقطب شباباً ليبيين لدعم اتفاق «4+4»

تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
TT

البعثة الأممية تستقطب شباباً ليبيين لدعم اتفاق «4+4»

تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)

كثّفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اتصالاتها مع الفعاليات الشبابية والمحلية في غرب وجنوب البلاد، في تحرك يتزامن مع مساعيها لتوسيع قاعدة التأييد لمسار «4+4» الذي أفضى إلى اتفاق بين ممثلين لطرفي الصراع في ليبيا، ويستهدف تعديل الإطار الانتخابي وإعادة تفعيل المسار المؤدي إلى الانتخابات.

وبدا لافتاً خلال تحركات مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري، التركيز على التواصل المباشر مع القيادات الشبابية والبلديات، إلى جانب شخصيات أمنية ومحلية نافذة، في محاولة لإشراك مزيد من الأطراف في المرحلة المقبلة من العملية السياسية.

وجاء تحرك تيتيه في مدينة الزاوية، الاثنين، بالتزامن مع اليوم الدولي للسلام، إذ عقدت لقاءات مع عمداء البلديات وممثلي المجالس الشبابية في 8 بلديات بالمنطقة، هي الزاوية المركز، والزاوية الشمال، والزاوية الجنوب، والزاوية الغرب، والزاوية الوسط، وصبراتة، وصرمان، وأبوصرة.

وركّزت المناقشات وفق ما أعلنته بعثة الأمم المتحدة، الثلاثاء، على التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها انتشار السلاح والمخدرات، إلى جانب دور الشباب والبلديات في المرحلة المقبلة. وأبدى ممثلو المجالس الشبابية رغبتهم في زيادة تمثيلهم في العملية السياسية والمساهمة في جهود السلام والتنمية.

وفي إشارة مباشرة إلى الاتفاق، نقلت البعثة عن أحد ممثلي المجالس الشبابية الثمانية تقديره لجهود «4+4»، معرباً عن رغبة أبناء مدن المنطقة في أن يكون لهم تمثيل في العملية السياسية والعمل على إنهاء الصراعات.

وتزامن اللقاء مع اتصالات لافتة أجرتها تيتيه مع شخصيات محلية في الزاوية، من بينها محمد بحرون، نائب رئيس ما يعرف بـ«جهاز التهديدات الأمنية»، وعميد بلدية الزاوية المركز سمير عاشور. وأظهرت صور اللقاء التي نشرتها بلدية الزاوية حضور بحرون، المعروف بلقب «الفار»، إلى جانب تيتيه وعاشور، فيما لم يرد ذكر اللقاء مع بحرون في البيان الذي نشرته البعثة بشأن زيارة الممثلة الأممية للمدينة.

ويُعد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية، وهي مدينة شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات متكررة بين مجموعات مسلحة، فضلاً عن توترات أثَّرت في منشآت حيوية، بينها مصفاة الزاوية.

وكانت تيتيه قد أشارت في إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن إلى هشاشة الوضع الأمني في المنطقة الغربية، بما في ذلك تجدد العنف في الزاوية، ودعت الأطراف المحلية إلى خفض التصعيد وضبط النفس.

ولا يقتصر انفتاح البعثة على الفاعلين المحليين في الغرب. ففي الجنوب، عقدت خوري اجتماعاً عبر الإنترنت مع نحو 65 شاباً وشابة ومسؤولين وصحافيين من المنطقة، تَرَكز على العملية السياسية ومسار «4+4». وأظهرت المداخلات التي نشرتها البعثة، الثلاثاء، وجود تأييد بين مشاركين للاتفاق باعتباره فرصة لتحريك المسار السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة.

وتأتي هذه الاتصالات في سياق ما تقول البعثة الأممية إنه اهتمام متزايد بإشراك الشباب في العملية السياسية. وكانت البعثة قد أطلقت منصة رقمية للشباب بهدف توسيع المشاركة في الحوار المهيكل خارج دائرة الأعضاء المحدودة للحوار، مع إتاحة المجال للشباب في مختلف المناطق لطرح أفكارهم ومطالبهم ومتابعة أداء ممثليهم.

وقد كثّفت البعثة الأممية هذه الاتصالات بعد توقيع ممثلي «الاجتماع المصغر»، المعروف باسم «4+4»، اتفاقهم في طرابلس في 30 أغسطس (آب) الماضي، الذي يتناول إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي، ضمن المسار الذي تيسره الأمم المتحدة.

وينص الاتفاق، بحسب ما أعلنته الأطراف الموقعة، على العمل باتجاه إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً، إلى جانب تعديلات على قواعد الترشح، من بينها السماح للعسكريين بالترشح، وتنظيم وضع مزدوجي الجنسية في حال الفوز.

ورغم موافقة مجلس النواب في جلسة جرى التشكيك في نصابها على اتفاق «4+4»، رفض المجلس الأعلى الدولة وعدد من الأحزاب والقوى السياسية، الاثنين، هذا الاتفاق رفضاً قاطعاً، وتحديداً ما يخص اعتماد قانون الانتخاب رقم 10 لسنة 2014 أساساً للانتخابات المقبلة، وتمسكوا بالقوانين التي أقرها مجلس النواب في 2023، وذلك خلال ملتقى وطني عقد في طرابلس، في موقف قد يعقِّد مساعي الأمم المتحدة لدفع العملية الانتخابية.

وأكد رئيس مجلس الدولة محمد تكالة أن حل الأزمة الليبية يجب أن يكون «ليبياً خالصاً»، قائماً على الإرادة الوطنية والمصلحة العليا للشعب، ومرتكزاً إلى أسس قانونية ودستورية، بما يمكّن البلاد من تجاوز المراحل الانتقالية والوصول إلى انتخابات شاملة ومستدامة.

وتعكس تحركات البعثة في الزاوية وسبها، ووسط، رفض بعض القوى السياسية الليبية، اتجاهاً نحو توسيع دائرة الأطراف المنخرطة في تنفيذ الاتفاق، في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة الانتقال به من تفاهم بين عدد محدود من ممثلي المؤسسات والقوى المتنافسة إلى مسار يحظى بقبول محلي أوسع.


البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، إنه طرح، أمام مجلس الأمن الدولي، خطة لوقف دائم لإطلاق النار، والانتقال إلى الحكم المدني، بإشراف ومساعدة الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة بناء جيش وطني واحد تحت إشراف سلطة مدنية، في وقت دفعت فيه قوى سياسية سودانية بمطالب لفرض هدنة إنسانية. ودعت بريطانيا إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان.

ورأى البرهان، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بعنوان «كيف يتحقق السلام في السودان»، أن «الوقت حان» لوضع نهاية دائمة للحرب، وقال: «هذا ما يطلبه مني السودانيون بصفتي رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي»، مضيفاً أن الحرب «يجب أن تنتهي... حتى لا يعود إطلاق النار بمجرد أن يصرف العالم نظره عنها».

ومن المقرر أن يُلقي البرهان خطاب السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حين لم يتأكد رسمياً، حتى الآن، مغادرته البلاد متوجهاً إلى نيويورك. لكن «رويترز» نقلت عن دبلوماسيين سودانيين ومحلل غربي مطلع قولهم إن الولايات المتحدة حجبت، حتى الآن، الثلاثاء، تأشيرة دخول البرهان نيويورك، قبل أيام فقط من الموعد المقرر لإلقائه كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الخميس المقبل.

وأشارت «رويترز» إلى أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على وقف لإطلاق النار لمدة 90 يوماً اقترحه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. ولم يجرِ التأكد من هذه المعلومات من «الخارجية» الأميركية أو السلطات السودانية.

في الجانب الآخر، التقى وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، مسؤول الإغاثة الأممي توم فليتشر، ومسؤولي وكالات الأمم المتحدة، في نيويورك، يوم الاثنين، بحضور حاكم دارفور مني أركو مناوي.

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية ذكرى تأسيس الجيش 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأكد البرهان، في مقاله، أن الحرب ليست صراعاً بين «فصيلين» أو «حرباً أهلية»، وإنما وصفها بأنها عدوان تشنُّه «قوات الدعم السريع» على دولة عضو بالأمم المتحدة، متهماً إياها بارتكاب جرائم قتل وتطهير عِرقي ونهب. ودعا المجتمع الدولي إلى عدم إضفاء الشرعية على «الدعم السريع» أو التعامل معها بوصفها طرفاً مساوياً للجيش، وربط بين قياداتها وجرائم «الجنجويد»، خلال حرب دارفور.

كما استشهد بما شهدته الفاشر، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبصور الأقمار الاصطناعية التي نشرها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل، وتقارير بعثة تقصي الحقائق، التابعة للأمم المتحدة، لدعم اتهاماته بوقوع انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

واتهم البرهان «الدعم السريع» بالاستعانة بمئات المقاتلين الأجانب، وقال إن «شبكات وكيانات» عابرة للحدود في دول لم يُسمِّها تُوفر التمويل والدعم. وربط ذلك بازدياد استخدام الطائرات المسيّرة وقدراتها المتطورة في الهجمات على الخرطوم ومدن أخرى.

وقال إن خطته للسلام تقوم على وقف إطلاق النار وإخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية، تمهيداً لتسوية سياسية، وتكوين جيش وطني واحد وإنهاء تعدد الجيوش والجماعات المسلَّحة.

وأضاف أن التسوية السياسية ينبغي أن تأتي عبر «حوار سوداني - سوداني»، وأن يضع السودانيون دستورهم المقبل دون تدخل خارجي.

عودة خمسة ملايين

تأتي التحركات السياسية في وقت كشفت فيه «الأمم المتحدة» عن تحول لافت في خريطة النزوح، إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد السودانيين الذين عادوا إلى مناطقهم تجاوز خمسة ملايين شخص، رغم استمرار الحرب وهشاشة الأوضاع الأمنية والخِدمية. وقالت المنظمة إن بياناتها الجديدة تشير إلى عودة 5.15 مليون شخص إلى 76 محلية في تسع ولايات، بزيادة 4 في المائة خلال شهر، بينما لا يزال 8.58 مليون شخص نازحين داخل البلاد، بانخفاض واحد في المائة عن الشهر السابق، ونحو الربع مقارنة بذروة أزمة النزوح.

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (يونيسيف)

وكانت الحرب قد دفعت، في ذروتها، نحو 12 مليون شخص إلى النزوح داخل السودان، في حين فرّ نحو خمسة ملايين إلى دول الجوار. وأوضحت المنظمة أن 82 في المائة من العائدين كانوا نازحين داخل البلاد، بينما عاد نحو 930 ألفاً من الخارج، خصوصاً من مصر وجنوب السودان وليبيا، وأن نصف العائدين تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً.

ورحبت المنظمة بتجاوز عدد العائدين حاجز خمسة ملايين، ووصفته بأنه «إشارة نادرة إلى إحراز تقدم» وسط الأزمة، لكنها حذرت من أن كثيرين يعودون إلى مناطق تضررت فيها المنازل والمدارس والمرافق الصحية.

وقالت المديرة العامة للمنظمة، إيمي بوب: «إذا لم نساعدهم، الآن، فسيُجبر كثيرون منهم على النزوح مرة أخرى».

وفي موازاة ذلك، دفعت قوى سياسية ومدنية مناهضة للحرب، منضوية في «إعلان المبادئ السوداني»، بمذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأعضاء مجلس الأمن، تطالب بهدنة إنسانية فورية وشاملة، وتوسيع حظر السلاح ليشمل جميع أنحاء السودان.

وشارك وفد، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في تحركات، على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

لندن: الحظر الحالي لا يكفي

وفي موقف يتقاطع مع الدعوات إلى تشديد القيود على تدفق السلاح، دعا وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، خلال اجتماع بشأن السودان في نيويورك، إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل البلاد بأكملها، وعَدَّ أن «مجرد تمديد الحظر ليس كافياً».

وقال ميليباند إن انتشار المسيّرات غيّر طبيعة الحرب، مشيراً إلى أن ضرباتها قتلت، وفق تقارير، أكثر من ألف مدني، خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، واستهدفت مستشفيات وأسواقاً ومستودعات وقود ومحطات كهرباء وطرق إمداد إنسانية.

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)

وأضاف أن قدرات المسيّرات الجديدة «لا تظهر بمحض المصادفة»، بل «تُشترى وتُموّل وتُنقل» عبر شبكات في خارج السودان، دون أن يسمّيها.

وأكد الوزير البريطاني أنه «لا يوجد حل عسكري في السودان»، داعياً إلى وقف لإطلاق النار وعملية سياسية بقيادة مدنية، وممارسة ضغط فعلي على الجهات التي تُمول الحرب وتُزود أطرافها بالسلاح، ومحاسبة «من يربحون منها ويسهمون في استمرارها».


اتفاق موريتاني - مغربي لإعادة تأهيل أهم طريق يربط البلدين

وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
TT

اتفاق موريتاني - مغربي لإعادة تأهيل أهم طريق يربط البلدين

وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)

وقعت الحكومتان المغربية والموريتانية اتفاق إطار لإعادة تأهيل وتوسعة الطريق الوطني رقم 4 الذي يربط البلدين، ويعد جزءاً من محور نقل استراتيجي يربط دول الاتحاد الأفريقي بدول أفريقيا جنوب الصحراء مروراً بالمغرب وموريتانيا.

وقع الاتفاق وزير التجهيز والنقل الموريتاني أعل ولد الفيرك، ووزير التجهيز والماء المغربي نزار بركة، في العاصمة المغربية الرباط، يوم الاثنين.

وأعلنت وزارة التجهيز والنقل الموريتانية أن «الاتفاق يجسد التعاون الاستراتيجي المثمر والعلاقات المتميزة بين البلدين».

وأضافت أن التعاون القائم بين الحكومتين يأتي «تنفيذاً للتوجهات السامية لقائدي البلدين»، في إشارة إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس، والرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني.

وأكدت الوزارة الموريتانية أن إعادة تأهيل الطريق سيكون له أثر كبير على «تحسين خدمات النقل والربط الاقتصادي بين العاصمة الاقتصادية نواذيبو والعاصمة السياسية نواكشوط»، حيث إنه يربط أهم مدينتين في موريتانيا، مروراً بأهم معبر حدودي يربطها بالمغرب.

ولم تُعلن تفاصيل إضافية رسمية حول التكلفة الدقيقة، أو الجدول الزمني للتنفيذ، أو التمويل المحدد، أو المواصفات الفنية؛ فيما وصف وزير النقل الموريتاني توقيع الاتفاق بأنه «حدث تاريخي».

جانب من توقيع الاتفاق بين وزيري النقل المغربي والموريتاني يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)

ويأتي الاتفاق في سياق تعاون أوسع بين المغرب وموريتانيا في البنية التحتية، يشمل مشاريع أخرى تتضمن الربط الكهربائي، ومشاريع سكك حديدية محتملة، ومعابر حدودية إضافية، ومنطقة صناعية مشتركة محتملة.

ويعد الطريق الوطني رقم 4، الذي يربط البلدين، شرياناً اقتصادياً رئيسياً، تسلكه يومياً عشرات الشاحنات المغربية والأوروبية المتجهة نحو أسواق موريتانيا ومنها إلى الأسواق في دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث توجد المنطقة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي تضم سوقها أكثر من 350 مليون نسمة.

ويمتد الطريق على مسافة 480 كيلومتراً، تم تعبيده وافتتاحه رسمياً عام 2004، بتكلفة تقديرية تجاوزت آنذاك 72 مليون دولار، وساهم في إنعاش الحركة الاقتصادية بين شمال وغرب القارة الأفريقية، وفي فتح الأسواق الأفريقية على الاتحاد الأوروبي.

وفي السنوات الأخيرة، عانى الطريق من تدهور في بعض المقاطع بسبب حركة الشاحنات الثقيلة والظروف الصحراوية القاسية. ورغم أنه شهد أعمال صيانة وترميم جزئية في السنوات الأخيرة، أصبح يعرف في موريتانيا باسم «طريق الموت» لتكرار حوادث السير المميتة عليه.