فلسطينيان خرجا من سجن إسرائيلي يواجهان مرارة الواقع في غزة

فلسطيني يقف فوق أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على دير البلح بقطاع غزة في 7 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
فلسطيني يقف فوق أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على دير البلح بقطاع غزة في 7 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

فلسطينيان خرجا من سجن إسرائيلي يواجهان مرارة الواقع في غزة

فلسطيني يقف فوق أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على دير البلح بقطاع غزة في 7 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
فلسطيني يقف فوق أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على دير البلح بقطاع غزة في 7 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

يروي فلسطينيان كانا معتقلين في سجون إسرائيلية، وخرجا بموجب اتفاق الهدنة الأخير أنهما لا يزالان تحت وقع الصدمة بعد أن واجها مرارة الواقع في قطاع غزة حيث، بالنسبة إلى كثيرين، قتل كل أفراد عائلاتهم، ودمّرت منازلهم خلال الحرب الدامية بين إسرائيل وحركة «حماس».

بين هؤلاء، ياسر أبو دقة الذي يقول إنه لم يتبق من عائلته الكبيرة سوى شقيقته وابنة أخيه، ويتحدّث عن «مشاعر صعبة جداً جداً». ثم يقول، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لكنه قضاء الله عز وجل».

قضى أبو دقة، الذي كان ناشطاً في حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية، 18 عاماً داخل سجن إسرائيلي، دخله وعمره 20 عاماً بعد اعتقاله في عام 2006 أثناء المواجهة التي حصلت بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وخلال عملية إسرائيلية في المناطق الشرقية من خان يونس في جنوب القطاع.

ووفقاً لمعطيات وزارة العدل الإسرائيلية، أدين أبو دقة بتهم عدّة بينها المشاركة في تدريبات عسكرية والتجسس وحيازة سلاح وإطلاق نار والعضوية في تنظيم مسلّح والتواصل مع منظمة معادية ومحاولة القتل. وحُكم عليه بالسجن لمدة 27 عاماً.

في الحرب المتواصلة في غزة منذ 18 شهراً، فقد المعتقل والدته وشقيقه حسين الذي قُتل مع زوجته وأبنائهما الخمسة، وشقيقه حسن وعدداً من أبناء عمومته. أما منزل العائلة فدمّره القصف الإسرائيلي في منطقة عبسان الكبيرة شرق خان يونس، وحوَّله إلى ركام. وقد علم بالغارة في اليوم من الأول من الحرب التي اندلعت بعد هجوم مباغت لـ«حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ويقول: «كانت لحظات مؤلمة».

«قتلوا الفرح»

في المقبرة التي توجّه إليها مباشرة بعد الإفراج عنه في مطلع فبراير (شباط) ووصوله الى قطاع غزة، يستذكر أبو دقة، وقد لفّ جبينه براية «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، أمه التي «كانت تنتظر لحظة الإفراج عني واحتضاني».

ويضيف: «عندما زارتني قبل الحرب بأسبوع كانت عائدة من الحج، قالت لي: ستخرج من السجن... سنزوّجك ونبني لك منزلاً، والمرة المقبلة سنحجّ معاً».

أما ابنة أخيه تالا التي استقبلته بفرح مرتدية ثوباً فلسطينياً مطرزاً باللونين الأسود والأحمر، فيقول عنها أبو دقة: «تذكّرني برائحة أهلي. بنت ذكية وجميلة مثل إخوتها الذين استشهدوا». ويتابع: «قالت لي: لم يعد لي غيرُك، أريد أن تنتبه لنفسك وأن تبقى بجانبي».

ثم يضيف وهو يحدّق في الفراغ: «إسرائيل قتلت الفرحة، قتلت كل شيء».

يعيش أبو دقة اليوم في منزل أحد أقاربه، بعد أن صار منزل عائلته كومة من الحجارة التي علقت بينها مقتنيات العائلة وأثاثها واختلطت بأنابيب الصرف الصحي الملتوية والأسلاك المقطعة.

وأسفر هجوم «حماس» عن مقتل 1218 شخصاً في الجانب الإسرائيلي، معظمهم مدنيون، وفق حصيلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» تستند إلى أرقام إسرائيلية رسمية. واحتُجز خلال الهجوم عدد من الرهائن.

وأدّت الحرب المدمرة في قطاع غزة إلى مقتل أكثر من 50 ألف شخص على الأقل، معظمهم من المدنيين النساء والأطفال، وفقاً لبيانات وزارة الصحة التي تديرها «حماس»، وتعدها الأمم المتحدة موثوقاً بها .

وحصلت هدنة أولى لمدة أسبوع، في الحرب، بعد شهر على اندلاعها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وأتاحت المرحلة الأولى من هدنة ثانية استمرت نحو الشهرين، وانتهت في الأول من مارس (آذار)، عودة 33 رهينة إلى إسرائيل بينهم 8 قتلى، بينما أفرجت إسرائيل عن نحو 1800 معتقل فلسطيني من سجونها بينهم المئات من قطاع غزة.

ووفقاً لمكتب إعلام الأسرى التابع لـ«حماس»، يبلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين من قطاع غزة في السجون الإسرائيلية منذ بدء الحرب وحتى مطلع مارس نحو 1555.

ويقول المكتب إن هذا الرقم «المعترف به من مصلحة السجون الإسرائيلية، لا يشمل كل معتقلي غزة» في إسرائيل.

بين العائدين أيضاً، المهندس الميكانيكي مصطفى قنديل الذي اعتُقل بعد شهرين من اندلاع الحرب. ويقول قنديل إن ابنه القاصر محمد وشقيقه درويش اللذين اعتُقلا معه أُفرج عنهما بعد نحو شهر، في حين قضى هو سنة وشهرين تقريباً، وأُفْرِجَ عنه في الثامن من فبراير (شباط) 2025 في إطار صفقة التبادل الأخيرة.

في الخامس من فبراير الماضي، أخبر محامي هيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين قنديل (43 عاماً) بمقتل زوجته و4 من أبنائه الخمسة أصغرهم ابنته غنى التي كان عمرها 7 أشهر.

ويقول: «كانت صدمة. لم أصدّق الخبر. حتى إنني لا أستطيع تذكّر ماذا فعلتُ حينها من هول الصدمة».

«قبر جماعي»

كما فقد قنديل والدته وعائلة شقيقه درويش المؤلفة من 7 أفراد وشقيقاً آخر له، بعد قصف منازلهم في دير البلح في وسط قطاع غزة.

ويقول: «فقدت كلّ شيء، لم يتبق لي شيء أخسره. العائلة والبيت وتعب 20 سنة وضعته في بنائه، وعملي»، ويضيف: «كم تمنيت لو كان حلماً أصحو وأجده قد انتهى».

فلسطينيون يبحثون عن ضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على دير البلح بقطاع غزة في 7 أبريل 2025 (أ.ب)

ويقول قنديل إنه يعمل حالياً على بسطة لبيع المواد الغذائية مع ابنه، الوحيد من أفراد العائلة الذي بقي حياً؛ لأنه كان معتقلاً عندما قُصف البيت.

ويعيش قنديل الذي يقول إنه فقد 60 كيلوغراماً من وزنه خلال الاعتقال، مع ابنه في خيمة نصباها في أرض خلاء في دير البلح.

ويروي الابن محمد البالغ من العمر (16 عاماً) أنه قضى 4 أشهر في البحث عن والدته وأشقائه. «كنت أتصل بهاتف والدتي، لكن أحداً لم يكن يجيب».

وتمكّن من الوصول إلى موقع المنزل بعد انسحاب للجيش الإسرائيلي من المنطقة. ويضيف: «استخرجناهم في أبريل (نيسان) 2024. كانوا أشلاء ودفناهم في قبر جماعي».


مقالات ذات صلة

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

شؤون إقليمية شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

قُدّمت شكوى قانونية في فرنسا ضد شركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس»، بتهمة «التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

أعلنت حركة «حماس» الفلسطينية أنها أجرت سلسلة لقاءات مع وسطاء وأطراف فلسطينية في القاهرة؛ لبحث سبل استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.