حميدتي يشترط سلاماً حقيقياً وليس هدنة يستفيد منها الجيش

قائد «الدعم السريع» دعا النازحين إلى العودة... وصف البرهان بأنه «مطية للإسلاميين»

صورة من مقطع فيديو لقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو متحدثاً لقواته الخميس (إكس)
صورة من مقطع فيديو لقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو متحدثاً لقواته الخميس (إكس)
TT

حميدتي يشترط سلاماً حقيقياً وليس هدنة يستفيد منها الجيش

صورة من مقطع فيديو لقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو متحدثاً لقواته الخميس (إكس)
صورة من مقطع فيديو لقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو متحدثاً لقواته الخميس (إكس)

اشترط قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو «حميدتي» لتوقيع اتفاق في مفاوضات جدة، جنوح الجيش إلى «سلام حقيقي»، وألا يكون وقف إطلاق النار مجرد «هدنة» يستعد خلالها الجيش لحرب أخرى ضد قواته، مؤكداً أن قواته لن تقبل بـ«سلام زائف» يعيد من خلاله الجيش تسليح نفسه. وقال حميدتي، الذي ظهر في فيديو مصور وهو يخاطب تخريج دفعة جديدة من قوات «الدعم السريع»، إن الأنظار تتجه نحو مفاوضات جدة من أجل التوصل لاتفاق يوقف القتال بين قواته والجيش، مؤكداً أنه مع السلام، لكنه لن يؤيد سلاماً كاذباً. وتابع: «ليست عندنا أي مشكلة في السلام، فإن جنحوا للسلم فاجنح له، لكننا نريد السلام الحقيقي وليس السلام الملتوي». واستطرد مخاطباً قائد الجيش: «لن نقبل أي سلام يتيح لك إعادة تجهيز نفسك لأجل حرب جديدة».

ظهور حميدتي يكذب شائعات موته

وجاء ظهور حميدتي، الذي بدا في صحة جيدة وحضور لافت وهو يتحدث إلى مجندين على وجوههم كمامات، ليقطع دابر شائعات روج لها مؤيدو الجيش وبعض كبار السياسيين والدبلوماسيين، بأنه «قتل» منذ أشهر، إثر إصابته أثناء القتال، ونقل إلى مستشفى توفي فيها متأثراً بإصابته. ووجه الرجل الذي ظل طوال أشهر بعيداً عن الأنظار، قواته بمحاربة من أسماهم «المتفلتين»، وإلى عدم التعدي على أعراض وممتلكات المواطنين في المناطق التي تسيطر عليها قواته، بقوله: «وصيتي لكم بالمتفلتين (كررها عدة مرات)، نريد منكم محاربة هذه الظاهرة». وأضاف موجهاً الحديث لقواته: «نريد منكم حماية الشعب وممتلكات الشعب وصون عرض الشعب».

وتُتهم «الدعم السريع» من قبل مواطنين ومن أعدائها بالاستيلاء على مساكن وممتلكات المواطنين، وممارسة عمليات قتل ممنهج واعتداءات على الأعراض، وهو الاتهام الذي أعاد حميدتي توجيهه للإسلاميين ومن يسميهم «الفلول»، إذ قال إنهم «أطلقوا سراح السجناء وفتحوا لهم أبواب السجون، واتهموا بها (الدعم السريع)». وتابع: «هذا عمل مخطط ومبرمج. فقد أطلقوا سراح قادة الكيزان المعتقلين (أطلق عليهم اسم: ناس أحمد هارون) قبل خمسة أشهر من الانقلاب، ليخلقوا فوضى تلصق بـ(الدعم السريع)».

ترحيب بعودة النازحين شرط ابتعادهم عن الفلول

وتوعد حميدتي بالقضاء على الحركات الإرهابية التي لجأ إليها أنصار نظام البشير في حربهم ضده، وقال: «شغل الإرهاب في الدنيا كله مركزه هنا في السودان، لكنّا سنلتقطهم واحداً تلو الآخر، والإتيان بهم».

نازحون فروا من الصراع في منطقة دارفور داخل مخيم أدري المؤقت بتشاد 19 يوليو (رويترز)

وتعهد حميدتي بحماية النازحين واللاجئين الذين دعاهم للعودة إلى المناطق التي تسيطر عليها قواته، وإلى اختيار إداراتهم من دون تدخل من «الدعم السريع»، بيد أنه اشترط الابتعاد عن اختيار الإسلاميين وأنصار «حزب المؤتمر الوطني»، أو من دأب على إطلاق لفظ «الفلول» عليهم. وطلب قائد «الدعم السريع» من الشرطة المدنية العودة لممارسة عملها بصورة طبيعية، بيد أنه هدد بإخراج «الإسلاميين» من بين صفوفهم، وفي الوقت ذاته، دعا قوات الحركات المسلحة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش للعمل معه، وتكوين قوات مشتركة لحماية المواطنين، وإلى تكوين قوات مشتركة مع «الدعم السريع» في المناطق التي يسيطر عليها، إلى حين إكمال سيطرته على بقية مواقع الجيش. وأشار حميدتي إلى محاولات الوقيعة بين قواته وقوات حركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق جوبا، من خلال احتماء قوات الجيش بالحركات المسلحة لتضطر حال الهجوم على الجيش إلى الدفاع عن نفسها، بقوله: «عند هروبهم في الفاشر، دخلوا مناطق الحركات المسلحة، فاضطررنا للتوقف عن القتال، ونقول للحركات المسلحة، في المرات المقبلة لا تدعوهم يحتمون بكم، واطلبوا منهم الذهاب بعيداً إلى الخلاء».

حميدتي: البرهان مسؤول عن كل الانقلابات

وشن حميدتي هجوماً عنيفاً على قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وحمّله مسؤولية الانقلابات التي حدثت في البلاد، ابتداء منذ سقوط نظام البشير في 11 أبريل (نيسان) 2019، واتهمه بتأجيج النزاعات القبلية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والبحر الأحمر، بقوله: «ظلت قواتي لأشهر في بورتسودان لحماية المواطنين من الجيش، والآن البرهان في البحر الأحمر، من المفترض أن يلقي به أهل الشرق في البحر المالح». وأضاف: «كل الانقلابات، منذ انقلاب هاشم عبد المطلب وحتى انقلاب 15 أبريل (يقصد الحرب) مسؤول عنها البرهان».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

ووصف البرهان بأنه كان أداة في يد الإسلاميين والمؤتمر الوطني منذ اختياره لرئاسة المجلس العسكري الانتقالي، بقوله: «أتوا بالبرهان لإنجاح مخططهم في القضاء على (الدعم السريع)، وأدى البرهان قسم الولاء أمام أسامة عبد الله» (شقيق مسلم قيادي). وتابع: «قلت لهم لا أريد سلطة، لكن البرهان أقنعني، ومنذ ذلك الوقت بدأت المؤامرات وشيطنة (الدعم السريع)». واستطرد: «أهلنا قالوا من حفر حفرة السوء فليوسعها. حفروها لنا، لكنهم وقعوا فيها، ولا تزال الحفرة تتسع كما أرى». وقال إن العسكريين الإسلاميين كانوا لا يريدون توقيع اتفاقية سلام جوبا مع الحركات المسلحة، بيد أنهم اضطروا لتوقيعها بعد قيامه بإبلاغهم أنه «لن يحارب مجدداً، وأن عليهم مواجهة قواتها وحدهم».

وأوضح حميدتي أن الاتفاق الإطاري كان هو سبب الحرب؛ لأن الإسلاميين كانوا يريدون خداع المجتمع الدولي بإعلان قبوله وتحميله المسؤولية، وإزاء رفضه المعلن أشعلوا الحرب؛ لأن الاتفاق الإطاري كان سيقطع الطريق أمام أحلام العودة للسلطة مرة أخرى، بل يقضي بإطاحة أنصار علي كرتي وأسامة عبد الله وصلاح قوش الذين أعادهم البرهان للسلطة بعد انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وقال حميدتي: «من رجعوا بقرارات البرهان ليس كل الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني، بل مجموعة (علي كرتي وأسامة عبد الله وصلاح قوش)، وهم الذين دمروا السودان وأوصلونا لما وصلنا له الآن». وسخر قائد «الدعم السريع» من غريمه البرهان بقوله: «يتم توجيهه بالريموت كنترول من قبل علي كرتي، عبر صهره مدير مكتب البرهان». وأضاف: «كشفت لنا العمليات العسكرية عن أن الحاكم الفعلي هو الإسلاميون، واكتشفنا أنهم الدولة، بعد أن استولينا على مخازن تحوي أزياء (الدعم السريع) بهدف شيطنتها، إضافة إلى مخزن كبير للمسيرات القتالية وأسلحة متطورة في مبنى قناة الراية الخضراء التابعة لهم».

وندد حميدتي باتهامه بأن قواته من النيجر ونيجيريا وتشاد، بقوله: «أما تشاد، (فهم) أهلنا وجيراننا، وهناك تداخل كبير بيننا لن ننكره، ومن الطبيعي أن يكون هناك تداخل بين القبائل الحدودية، لكن النيجر بعيدة ولا علاقة لنا بنيجيريا». واستنكر حميدتي مرويات يطلقها أنصار المؤتمر الوطني بأن القيادي في «الحرية والتغيير» ياسر سعيد عرمان هو «من يخطط لـ(الدعم السريع)» بقوله: «البعض لديهم فوبيا ياسر عرمان، بل خوف مباشر منه. يقولون إنه يخطط لنا لتأسيس حرية وتغيير في دارفور، وهذا كذب. ليس لدينا اتصال معه، ونعرف أنه أخونا، وهو جزء من الاتفاق الإطاري ومن (الحرية والتغيير)، لكن ليس لدينا تخطيط مع أي شخص، فنحن نخطط لوحدنا».

حميدتي: أعداؤنا جهاز المخابرات والإسلاميون

وحدد حميدتي أعداءه بجهاز المخابرات العامة وميليشيات الإخوان والإسلاميين في الجيش، وقال: «من يسمون بالمجاهدين ليسوا مجاهدين؛ لأننا لسنا كفاراً ليجاهدونا». وتابع: «العاملون في الجهاز كيزان منظمون ومؤدلجون ويدافعون عن سلطتهم، وكتيبة (البراء) فلول مؤدلجون يقاتلون من أجل قضيتهم. لكن، ما بال ضابط أو عسكري الجيش الذي يعمل سائق تاكسي بعد الدوام يقاتل معهم؟». وسخر حميدتي من مزاعم أنصار نظام البشير بأن قواته تم القضاء عليها، بقوله: «لن أعلق على أشياء مثل هذه. هم يقولون إن (الدعم السريع) انتهت، ولم تتبق لها سوى 5 سيارات قتالية. من يقول هذا أليس مجنوناً؟ لو كنت محل المسؤول عنه لربطته بالحبال».


مقالات ذات صلة

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع الذي استضافته جنيف الأربعاء (واس)

السعودية: لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية والميليشيات

شدّدت السعودية، الأربعاء، «أنه لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية ومجلس السيادة وبين ميليشيات ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

أكد اجتماع دولي في جنيف أنه لا يوجد «حل عسكري للأزمة السودانية»، داعياً الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، والانخراط في مسار سياسي شامل ذي مصداقية، مع وقف التدخلات الخارجية التي تؤجج نيران الحرب.

وشدد المشاركون، ممثلو 22 دولة ومنظمات إقليمية ودولية، على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ورفض إنشاء حكومات موازية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته، محذرين من تفاقم الكارثة الإنسانية ومخاطر امتداد الصراع إلى دول الجوار.

وأكد نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، أن جهود المملكة لوقف الحرب وصون وحدة السودان تستند إلى «إعلان جدة» للالتزام بحماية المدنيين، الموقع في مايو (أيار) 2023، واتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد. وأكد أيضاً دعم الرياض المبادرات الإقليمية والدولية، بما فيها «المجموعة الخماسية»، للتوصل إلى حل سياسي يحفظ سيادة السودان ووحدة أراضيه، ويحقق السلام والاستقرار.


الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان وأسواقه ومساجده مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لوجع إنساني يتسع يوماً بعد آخر، في بلد تشير تقديرات رسمية إلى أن الفقر يطول نحو 73 في المائة من سكانه داخل البلاد وخارجها.

وخلف كل يد ممدودة حكاية فَقْد ونزوح وعجز عن توفير لقمة العيش؛ فعامل حرمته الإصابة من القدرة على العمل، وأب أثقل النزوح كاهله، وأم فقدت زوجها لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء إعالة أطفالها...ومع تآكل مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والتعليم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار قاسٍ: طلب العون من الآخرين، أو ترك أسرهم تواجه الجوع والحرمان.

وهكذا، لم تعد الحرب تسرق البيوت ومصادر الرزق فحسب، بل تدفع مزيداً من السودانيين إلى حافة العوز، حيث تصبح الكرامة الإنسانية نفسها موضع اختبار يومي.تتسع رقعة الفقر في السودان على نحو غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، أن نسبة الفقر بلغت نحو 73 في المائة بين السودانيين داخل البلاد وخارجها، واصفاً النسبة بأنها «صادمة»، وتعكس حجم التدهور الذي خلّفه الصراع المستمر.

وفي السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في أبريل الماضي، من أن استمرار الصراع قد يرفع نسبة الفقر المدقع إلى 60 في المائة من السكان بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 36 مليون شخص.

إصابة تسلب عاملاً مصدر رزقه

حركة المتسوقين تناقصت بشكل ملحوظ في الأسواق الشعبية (الشرق الأوسط)

يروي حسين عبد الله لـ«الشرق الأوسط» جانباً من المعاناة التي دفعته إلى التسول بعدما فقد مصدر رزقه بسبب الحرب؛ فقد أدت إصابته بشظايا إلى بتر إحدى يديه، ما حرمه من مواصلة العمل في البناء، الذي كان يوفر له دخلاً يومياً يعين به أسرته.

ومع تضاؤل خياراته وعجزه عن تلبية احتياجات عائلته، وجد نفسه مضطراً إلى مد يده للمارة في السوق، بعدما كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار المعيشي قبل إصابته.

أما صلاح التيجاني، فقد قادته رحلات النزوح المتكررة بين الولايات والمدن التي هي أكثر أمناً إلى مواجهة أعباء معيشية تفوق قدرته على الاحتمال. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تأمين الغذاء والسكن أصبح تحدياً يومياً لأسرته، في ظل غياب مورد مالي يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.

ويضيف أن هذه الظروف اضطرته إلى التسول لتوفير الطعام وتكاليف العلاج والدراسة، في محاولة لتجنيب أفراد أسرته مزيداً من المعاناة.

أرامل في مواجهة العوز

القدرة الشرائية تراجعت بسرعة كبيرة في سنوات الحرب (الشرق الأوسط)

تواجه فاطمة عبد الكريم واقعاً أشد قسوة بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية إعالة أطفالها، من دون مصدر دخل ثابت يلبي احتياجاتهم الأساسية.

وتقول إنها اضطرت إلى التسول لتوفير متطلبات الحياة اليومية، رغم محاولاتها المتكررة الحصول على مساعدة من الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، لكنها لم تجد ما يعينها على تجاوز محنتها.

وتضيف فاطمة لـ«الشرق الأوسط»، بصوت يمتزج فيه التعب بالأمل، أنها باتت تتجول في الأسواق بحثاً عما يسد رمق أطفالها ويوفر ثمن العلاج، مشيرة إلى أنها تعاني حالياً من الملاريا، ولا تملك سوى ما تجمعه من طلب المساعدة لتغطية تكاليف علاجها.

ولا تخفي فاطمة رغبتها في الخروج من دائرة التسول، التي تقول إنها تتعرض خلالها للمضايقات والاستغلال. وتحلم بالحصول على دعم يمكّنها من إقامة مشروع صغير يوفر لها دخلاً ثابتاً، ويساعدها على إعالة أطفالها بعيداً عن مشقة السؤال، بما يحفظ كرامتها ويمنح أسرتها فرصة لحياة أكثر أماناً واستقراراً.

ومن جهته، يقول عبد اللطيف الحسن، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويتنقل على كرسي متحرك، إن تداعيات الحرب والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة دفعاه إلى طلب المساعدة في الشوارع والمساجد لتأمين احتياجات أسرته اليومية، بما في ذلك متطلبات زوجته وأبنائه الذين يواصلون دراستهم.

ويؤكد أن الحرب فاقمت الضغوط المعيشية على الأسر السودانية، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون تحديات مضاعفة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل تأمين أبسط متطلبات المعيشة معركة يومية.

من التسول إلى بيع الشاي

وتروي فتحية عبد الله، وهي امرأة مطلقة، جانباً من معاناة النزوح والتشرد؛ إذ دفعتها قسوة الظروف إلى التجول في الشوارع ومد يدها للآخرين سعياً إلى توفير لقمة العيش لأطفالها.

لكن وطأة هذه المعاناة دفعتها إلى البحث عن بديل، فقررت العمل في بيع الشاي بإحدى أسواق أم درمان، أملاً في تأمين مصدر رزق يعينها على مواجهة أعباء الحياة.وتقول فتحية لـ«الشرق الأوسط»: «أحياناً لا أجد ثمن وجبة الفطور، فأكتفي بسندويتش طعمية أتناوله في الصباح، وأظل من دون طعام حتى أعود إلى منزلي مساءً».

وتكشف شهادتها جانباً من الضغوط اليومية التي تواجهها الأسر التي فقدت مصادر دخلها؛ إذ لا يقتصر العوز على العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وجبة الطعام إلى تكاليف التعليم والعلاج.

الظاهرة انعكاس للانهيار الاقتصادي

جزارة في سوق أم درمان بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

وشددت الباحثة الاجتماعية رندا حسين على ضرورة تعامل المجتمع مع ظاهرة التسول بقدر كبير من التعاطف والمسؤولية، بعيداً عن الإهانة أو التمييز أو افتراض أن جميع المتسولين ينتمون إلى الفئة نفسها.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن بعض هؤلاء فقدوا أعمالهم ومنازلهم وشبكات الأمان الاجتماعي، وأصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة.

وأضافت أن اتساع الظاهرة في زمن الحرب لا يمثل مجرد مشهد لأيدٍ ممدودة في الشوارع، بل يعكس واقع أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال باتوا مهددين بالحرمان من التعليم، وأشخاص دفعتهم الحاجة إلى التخلي عن استقلالهم المعيشي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الحد من انتشارها في الشوارع، بل يتطلب أيضاً معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى التسول، وتوفير بدائل تتيح لهم استعادة قدرتهم على كسب العيش.

تحركات حكومية لمواجهة الظاهرة

وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المتسولين والمشردين، وجّهت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بإجراء حصر شامل للمشردين، وتصنيفهم وتحديث بياناتهم، بالتوازي مع تشكيل لجان فنية مصغرة لوضع منهجية متكاملة لمكافحة ظاهرة التسول، وإعداد تصور عملي للتعامل معها ومعالجة أسبابها.

وشدد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، على ضرورة إطلاق حملات واسعة لمكافحة الظاهرة، قائلاً إنها «لم تعد مجرد تحدٍّ اجتماعي، بل أصبحت ملفاً أمنياً يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم».

ويضع هذا التوجه السلطات أمام تحدي الموازنة بين تنظيم المجال العام والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للفئات التي دفعتها الحرب إلى التسول، خصوصاً في ظل تراجع فرص العمل واتساع دائرة الفقر والنزوح.

الاعتماد على الذات

أصبح حديث الناس الدائم هو الغلاء وارتفاع الأسعار (الشرق الأوسط)

في نهاية المطاف، لا تقف مأساة هؤلاء عند الأيدي التي امتدت طلباً للمساعدة، بل تتجاوزها إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل أن تنتزع الحرب منهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم.

فخلف كل يد ممدودة أب يخشى العودة إلى أطفاله خالي الوفاض، وأم تحاول إخفاء عجزها عن توفير احتياجات صغارها، ورجل أثقلته الإصابة فلم يعد قادراً على ممارسة عمله، وآخرون دفعتهم قسوة النزوح وغلاء المعيشة إلى طرق أبواب لم يعتادوا الوقوف أمامها.

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده ومجتمعه، لا تبدو هذه الحكايات مجرد حالات فردية من العوز، بل وجوهاً لأزمة إنسانية تتسع، وتضع آلاف الأسر أمام معركة يومية من أجل البقاء؛ إذ لم تعد لقمة العيش وحدها هي التحدي، بل الحفاظ على الكرامة والأمل في حياة أكثر أمناً واستقراراً.


«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
TT

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا، بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى، وقررت تكليف عضو بمجلس إدارة المصرف بتسيير مهامه مؤقتاً، في خطوة رفضها المجلس الأعلى للدولة، وأثارت اعتراض المصرف نفسه.

وتأتي هذه الخطوة غداة اقتحام مسلحين مقر ديوان المحاسبة في طرابلس، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، في محاولة لتمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، بما يعيد استقلال المؤسسات السيادية والرقابية إلى واجهة الانقسام الليبي، ويثير تساؤلات حول قدرتها على مقاومة ضغوط صراعات التعيينات والقيادة.

ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي المقبول استقالته من البرلمان (صفحة المركزي)

وعلى الرغم من مرور نحو عامين على أزمة الإطاحة بالمحافظ السابق الصديق الكبير، عادت الخلافات بشأن قيادة المصرف إلى الواجهة، مع إعلان هيئة رئاسة مجلس النواب، الخميس، قبول استقالة عيسى مبدئياً، وإحالة الأمر إلى المجلس في جلسته المقبلة لاتخاذ القرار النهائي وفقاً للتشريعات النافذة، إلى جانب تكليف فوزي مصباح أبو خزام، عضو مجلس الإدارة، بتسيير مهام المحافظ.

وفي مؤشر على بدء تنفيذ القرار، تداولت وسائل إعلام محلية محضر تسليم وتسلم مهام المحافظ، قالت إنه وُقّع من لجنة تضم أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة. وأظهرت تسجيلات مصورة وصول أبو خزام إلى مقر المصرف، وسط استمرار الخلاف بشأن قانونية الإجراء.

غير أن إدارة المصرف المركزي، التي قُبلت استقالتها، أبدت اعتراضاً صريحاً على ما جرى، وأعربت في بيان نشرته عبر الصفحة الرسمية للمصرف على «فيسبوك»، عن «بالغ استنكارها» لدخول قوة وأطراف أخرى إلى المقر، وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه.

وعدّت الإدارة التابعة لناجي عيسى الواقعة تجاوزاً للأصول المؤسسية والإدارية، وإخلالاً بواجب احترام مقاره وصون حرمتها، محمّلاً الجهات التي شاركت فيها أو أسهمت فيها مسؤولية تداعياتها، وفي مقدمتها وزارة الدفاع، بالنظر إلى مسؤوليتها عن حماية المقر وتأمينه.

وفي تصعيد للموقف، أكدت الإدارة التابعة لناجي عيسى عدم تحمله المسؤولية عن الإجراءات، أو التصرفات التي ترتبت على دخول المقر، متمسكاً بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية مقاره ومكاتبه ووثائقه، ومساءلة المسؤولين عن الواقعة.

رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال لقاء مع رئيس مجلس التخطيط الوطني في بنغازي الخميس (مجلس النواب)

وعلى المسار السياسي، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه الإجراء، الذي اتخذته هيئة رئاسة مجلس النواب، إذ وجّه النائب الأول لرئيس المجلس، ناجي مختار علي، مراسلة رسمية إلى المحافظ، أكد فيها الاعتراض على قبول الاستقالة، وتكليف أحد أعضاء مجلس الإدارة بتسيير مهامه مؤقتاً.

وتعود بداية الأزمة الحالية إلى أغسطس (آب) الماضي، عندما أعلن عيسى استقالته من منصبه، من دون الكشف عن أسبابها، مكتفياً بالإشارة، في رسالة وجّهها إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى «حساسية» تلك الأسباب، غير أن مصادر مقربة من المحافظ (المقبول استقالته) ربطت عدوله عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، ووقف زيادات الرواتب غير المتناسبة مع الإيرادات، وإقرار إجراءات للحد من تهريب السلع والمحروقات وحماية الاحتياطيات، وهي ملفات ترتبط مباشرة باستقرار المالية العامة وإدارة الموارد.

ومن وجهة نظر اقتصادية، رأى علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن قبول الاستقالة مبدئياً كان ينبغي أن يعقبه استدعاء المحافظ، والاستماع إلى الأسباب التي دفعته إلى تقديمها، بدلاً من اتخاذ قرار متسرع قبل تحديد طبيعة الأزمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وحذّر الشريف من أن استمرار الأسباب، التي دفعت عيسى إلى الاستقالة، سيُبقي تداعياتها قائمة، حتى لو جرى تغيير أكثر من محافظ، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع مسبباتها، لا الاكتفاء بتغيير المسؤول عن إدارة المصرف.

ويأتي تجدد الخلاف في سياق انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، مع وجود سلطات متنافسة في شرق البلاد وغربها، وتكرار النزاعات بشأن إدارة المؤسسات العامة وتعيين قياداتها، وسط تعثر جهود توحيد مؤسسات الدولة.

وجاء تعيين عيسى عام 2024 ثمرة لاتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، في محاولة لإنهاء أزمة السيطرة على المصرف المركزي، التي انتهت بإطاحة المحافظ السابق الصديق الكبير، بعد تصاعد الخلاف بشأن صلاحيات التعيين وإدارة المؤسسة النقدية.

وتفجرت الأزمة آنذاك بعدما قرر المجلس الرئاسي تغيير الكبير، وتعيين محافظ جديد، في خطوة رفضها مجلس النواب، قبل أن يتصاعد النزاع إلى إغلاق حقول نفطية وتعطل الإنتاج، وصولاً إلى اتفاق برعاية أممية لاختيار قيادة جديدة للمصرف.

وغير بعيد عن الصراع على قيادة المؤسسات السيادية، استمر توقف العمل في ديوان المحاسبة في طرابلس، الخميس، بعدما حاول مسلحون تمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، وفق وصف المؤسسة الرقابية، التي أعلنت تعليق العمل عقب الواقعة إلى حين توافر الظروف المناسبة والآمنة لمباشرة مهامه الرقابية

واتسعت دائرة الإدانات الدولية لاقتحام مقر ديوان المحاسبة، إذ أدانت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا و27 بعثة دبلوماسية، الخميس، هذا التصرف، داعية إلى إنهاء الوجود المسلح ومغادرة المقر دون تأخير، وتسوية الخلافات بشأن التعيينات القيادية عبر الإجراءات القانونية والمؤسسية.

وسبق الموقف الأوروبي، الأربعاء، تعبير الولايات المتحدة عن قلقها إزاء وجود قوات مسلحة داخل مقر ديوان المحاسبة، مؤكدة أن استقلال المؤسسات الليبية «أمر بالغ الأهمية»، وأنه ينبغي أن تتمكن من أداء مهامها بعيداً عن الترهيب والتهديدات الجسدية.

وتعيد التطورات الأخيرة ملف حماية المؤسسات السيادية والرقابية إلى صدارة المشهد الليبي، مع تزامن النزاع على قيادة المصرف المركزي، والخلاف على المناصب داخل ديوان المحاسبة، بما يضع قدرة التفاهمات السياسية على تحييد هذه المؤسسات عن صراعات النفوذ أمام اختبار جديد.