كيف تفاعل الليبيون مع حرب غزة؟

مظاهرات في مدن عدة دعماً للمقاومة الفلسطينية... وتنديد واسع بالقصف الإسرائيلي

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني
لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني
TT

كيف تفاعل الليبيون مع حرب غزة؟

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني
لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني

عمّت موجة تضامن شعبي ورسمي واسعة مدن ليبيا مع الشعب الفلسطيني ضد «العدوان الإسرائيلي» على غزة، رغم انشغال البلاد بالجدل الدائر حول قوانين الانتخابات المنتظَرة.

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني

ومنذ اندلاع الحرب على القطاع، خرجت مظاهرات عدة مؤيدة للفلسطينيين في مدن ليبية عدة، من بينها مصراتة والزنتان والزاوية (غرب)، فيما انتشرت دعوات شعبية إلى مظاهرة بميدان (الشهداء) وسط العاصمة طرابلس؛ تنديداً بالقصف الإسرائيلي على القطاع.

ومع بداية الحرب، وجّهت السلطات في طرابلس بإضاءة أبراج «ذات العماد» الشهيرة بعلم فلسطين، في رسالة تضامنية مع المقاومة الفلسطينية. علماً بأن التحركات الشعبية الليبية لمناصرة الفلسطينيين هي الثانية من نوعها في غضون شهرين، بعد احتجاجات سابقة ضد حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين، إثر الاجتماع «السري» بين وزيرة الخارجية المقالة نجلاء المنقوش، ونظيرها الإسرائيلي إيلي كوهين في روما.

ويرى عضو مجلس النواب الليبي عن مدينة مصراتة، محمد الرعيض، أن حرب غزة «ردة فعل طبيعية للشعب الفلسطيني حيال التوسع الاستيطاني المستفز، الذي يتم أمام نظر العالم، دون أن يكترث له أحد، والاقتحامات المتكررة لليمين المتطرف للمسجد الأقصى بصورة تسيء للمسلمين ومقدساتهم».

وأشار الرعيض في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك» إلى أنه لمس «التضييق الاقتصادي الممنهج على قطاع غزة وفلسطين عموماً، خلال زيارة أجراها لفلسطين في فبراير (شباط)الماضي».

رسمياً، ورغم غياب أي موقف رسمي من رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بشأن التطورات في غزة، فإن الدبيبة عدّ أن «التحديات الداخلية في ليبيا لن تُنسي الليبيين نضال إخوانهم في فلسطين»، وذلك في كلمة له أمس (الاثنين)، مُجدِّداً التأكيد على موقف سابق مع بدء الحرب في غزة.

وكان الدبيبة قد دعا المجتمع الدولي إلى «إيقاف انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي السافرة، ووضع حد لها»، وحمّل عبر حسابه على «فيسبوك» سلطات «الاحتلال الإسرائيلي تبعات رد فعل المقاومة على الاقتحامات المتواصلة للمسجد الأقصى».

وكان لافتاً تطابق موقفي مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن حرب غزة، وسط تصاعد الأزمة السياسية بين المجلسين بشأن القوانين الانتخابية، التي اعتمدها «النواب» الأسبوع الماضي، إذ شدد مجلس النواب على دعمه «لكفاح الشعب الفلسطيني ضد عدوان الاحتلال الإسرائيلي لتحرير أرضه واستعادة استقلاله». وأدان في بيان رسمي «الصمت العربي والدولي تجاه دعم القضية الفلسطينية».

وعلى المسار ذاته، أكد المجلس الأعلى للدولة وقوفه مع الشعب الفلسطيني، داعياً في بيان مماثل له «المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه إدانة الممارسات الهمجية لقوات الاحتلال»، وطالب بـ«تدخل دولي عاجل».

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» تضامناً مع الشعب الفلسطيني

ولم تكن النقابات الليبية بعيدة عن المشهد التضامني، إذ أصدرت لجنة الحريات بالنقابة العامة للمحامين الليبية بياناً مقتضباً، يؤكد «حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه والدفاع عن كرامته بكل الوسائل الممكنة»، وحثت النقابة العامة لأعضاء هيئة التدريس في ليبيا، في بيان، المؤسسات الليبية كافة على تأييد عملية «طوفان الأقصى»، ورفع العلم الفلسطيني إلى جانب العلم الليبي، وحثت أعضاء هيئة التدريس على التأكيد على أن القضية الفلسطينية هي «قضية العرب المركزية في المحاضرات كافة».

كما تضامن «برلمان شباب ليبيا»، التابع لحكومة الدبيبة، مع «المقاومة الفلسطينية في وجه العنف والقمع». أما حزب «العدالة والبناء» (الذراع السياسية لتنظيم إخوان ليبيا)، فقد دعا من جانبه إلى «هبّة رسمية وشعبية لإعلان التآزر في كل العالم الإسلامي مع الشعب الفلسطيني الأعزل، ومقاومته الباسلة». وعدّ أن «تسطير المقاومة الفلسطينية للملاحم البطولية للدفاع عن شعبها ومقدساتها، واسترداد أراضيها المحتلة، أمر مشروع ينبغي التضامن معه، والوقوف بجانبه من كل العالم، وخاصة حكومات العالم الإسلامي وشعوبه الحرة».

وعلى الصعيد الثقافي والفني، عبّر كتّاب ليبيون عن تضامنهم مع الفلسطينيين في حرب غزة، إذ قال الأديب والمسرحي الليبي منصور بوشناف لـ«الشرق الأوسط» إن «القضية الفلسطينية كانت على رأس اهتمامات ومشاغل المثقف الليبي عبر كل العقود الماضية، وظل غالبية المثقفين الليبيين، بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية، مناصرين للشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الكيان العنصري الصهيوني المحتل».

وأضاف بوشناق «في حرب التحرير التي أطلقتها (حماس) والمقاومة الفلسطينية رأينا تفاعل المثقف الليبي، ومناصرته لنهج المقاومة للتحرير الذي تسلكه (حماس) ضد العدو المحتل». ويرى أن أغلبية المثقفين الليبيين عدّوا هذه المعركة «الخطوة الحقيقية لاستعادة الأرض وتحريرها، وقبل ذلك إعادة الثقة بالنفس للشعوب المقهورة وكسر الحواجز، ودحض خرافة إسرائيل التي لا تقهر».

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني

أما المخرج الليبي محمد المصلي، فلا يرى من جانبه فرقاً بين موقف الفنان والإنسان في النظر إلى هذه الحرب، وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «فلسطين أرض الفلسطينيين، ومهما تحدث المحللون والسياسيون، فلن يشعروا بما يشعر به كل فلسطيني موجود بداخلها... هذا حق البقاء، أن تعيش بكرامة».

وعلى صفحات التواصل الاجتماعي الليبية، أعادت الحرب الحديث عن الإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، التي اغتيلت برصاص الجيش الإسرائيلي في 11 من مايو (أيار) 2022، وذلك في منشورات لأدباء وإعلاميين. وقال القاص الليبي سفيان قصيبات في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك» «حلمك يا شيرين وحلمنا... التغطية الصحفية ينقصها شيرين».

ووصف الإعلامي الليبي ومسؤول الإعلام بالمكتب التنفيذي لـ«المجلس الوطني الانتقالي» السابق محمود شمام، ما حدث في غزة بأنه «إنجاز فلسطيني لا سابق له باللغة الوحيدة التي تفهمها إسرائيل».

أما الأكاديمي الليبي والأستاذ بجامعة مصراتة، مختار الجديد، فرفض أصواتاً تؤكد عدم تعادل القوة بين «حماس» وإسرائيل، وقال عبر «فيسبوك»: «عقلك القاصر يزن كل شيء بميزان الربح والخسارة... الموضوع أكبر من ذلك».

بدوره، قال جلال حرشاوي، المتخصص في الشؤون الليبية، والزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»: «لقد خرج الليبيون إلى الشارع في أواخر أغسطس (آب) الماضي، عندما اندلعت فضيحة المنقوش - كوهين ليعربوا عن معارضتهم لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية».

وانتهى الحرشاوي إلى أن «المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في ليبيا، ورغم أنها تتمركز في المنطقة الغربية، لكنها منظمة بشكل جيد، خصوصاً في مصراتة مسقط رأس الدبيبة».


مقالات ذات صلة

هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا بشأن مجلس مفوضية الانتخابات لمزيد من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)

إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

أحالت النيابة العامة في ليبيا متهماً إلى القضاء على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت مهاجرين، وفق تحقيقات جهاز الأمن الداخلي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

«تراجع الدينار» يفاقم الغلاء ويثقل كاهل الليبيين قبل رمضان

زاد تراجع سعر صرف الدينار الليبي أمام الدولار من مخاوف مواطنين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، وأشاروا إلى أن الغلاء يتصاعد في الأسواق خاصة قبل شهر قدوم شهر رمضان.

علاء حموده (القاهرة)

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تشكلت الأجهزة التنفيذية الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة منتصف الشهر الحالي، وبقيت «قوة استقرار» القطاع الدولية يحيطها أسئلة عن أسباب تأخر إعلان المشاركين فيها.

تلك القوة التي كانت معنية بفرض السلام مع طرح خطة واشنطن في سبتمبر (أيلول) الماضي، تحولت إلى قوة لحفظ السلام، وتأخرت لثلاثة أسباب رئيسية، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تتمثل في «عدم حسم مشاركة الدول في تشكيلها مع تأخر التوافق حول قائدها، والفيتو الإسرائيلي على مشاركة قوات تركية أو قطرية في قوامها، وأنها ستدخل بعد انتشار القوات الشرطية الفلسطينية التي دربت بمصر والأردن الشهور الماضية، المعنية بنزع السلاح في القطاع بهدف منع الصدام الدولي بعد تفاهمات الوسطاء حول ذلك».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاء بالقاهرة، الأحد، مع نظيره اليوناني، جيورجوس جيرابيتريتيس، «أهمية نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وجاء هذا التأكيد الذي تكرر أخيراً، بعد يومين من إعلان البيت الأبيض، الجمعة، تشكيل أعضاء «مجلس السلام» واعتماد تشكيل «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» ضمن أربعة هياكل لإدارة المرحلة الانتقالية بالقطاع هي مجلس السلام، ومجلس غزة التنفيذي، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقوة الاستقرار الدولية. وتم تعيين جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية بغزة، دون الإعلان عن تشكيل الدول المشاركة.

ولم تقدم الدول الوسطاء، وتحديداً واشنطن، سبباً لذلك التأخر في إعلان تفاصيل الدول المشاركة، خصوصاً في ظل خلاف سابق بشأن مشاركة تركيا في قوات استقرار غزة التي تضع إسرائيل عليه محاذير وسط تقبل أميركي، وفقاً لما نقلته تقارير صحافية أميركية وإسرائيلية الأسابيع الأخيرة.

الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد سمير راغب، يرى أن هناك 3 أسباب رئيسية لتأخر إعلان الدول المشاركة، أولها «اختلاف على الدول المشاركة بالقوة وفيتو إسرائيلي على مشاركة تركيا وقطر، وعدم انتشار القوات الشرطة الفلسطينية المعنية بضبط الأمن بعد، وسبب رابع كان يتعلق بالخلاف حول قائدها، لكنه حسم الجمعة، باختيار جنرال أميركي».

وتوقع راغب، وهو رئيس «المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية»، أن تظهر أسماء المشاركين خلال يناير (كانون الثاني) الحالي، وفبراير (شباط) المقبل، على أن تبدأ على الأرض في مارس (آذار) المقبل.

خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة (أ.ف.ب)

أما المحلل العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، فقال إن «تأخير نشر القوات الدولية، يعود لفيتو إسرائيلي على مشاركة تركيا، وعدم نشر القوات الشرطية الفلسطينية، التي يفترض أن تمهد الأجواء لدخول القوات الدولية حتى لا تشتبك مع عناصر المقاومة بالداخل وفق التفاهمات التي جرت».

ويعتقد فرج أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقتنع بمشاركة تركيا في قوات الاستقرار باعتبار أنها تستضيف قيادات «حماس» حالياً ولها تأثير عليهم، وبالتالي سيضغط على إسرائيل لقبولها، ويعلن التشكيل الفترة المقبلة بعد نشر القوات الشرطية الفلسطينية.

وحسب بيان البيت الأبيض، فإن مهام القوة الدولية تتمثل في قيادة العمليات الأمنية ودعم نزع السلاح، وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار، ومساعدة مجلس السلام في مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتنفيذ العمليات اللازمة لتحقيق أهداف الخطة الشاملة، بتمويل من تبرعات الجهات المانحة.

ووفقاً لتلك المهام يرى راغب أن «القوة ستكون قوة استقرار قريبة من المعابر والطرق الحدودية داخل غزة بمحاذاة (محور فيلادلفيا) وعند (الخط الأصفر) التي تسيطر عليه إسرائيل لحين انسحاب قواتها»، مشيراً إلى أن «أي مهام لا يعوّل عليها أن تنجح طالما لم تكن هناك تفاهمات جادة وحقيقية بشأن نزع السلاح وأن يوكل أمر النزع تحديداً للشرطة الفلسطينية.

فيما يعتقد فرج أن القوات الشرطية الفلسطينية «قد تبدأ مهامها الأسبوعين المقبلين بعد حسم باقي ملفات لجنة إدارة قطاع غزة، وتسلمها مهامها من (حماس)، وبالتالي نقترب بعدها من بدء دخول القوات الدولية الشهرين المقبلين».


المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

وأعرب تورك عن «قلق بالغ» تجاه ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع... بما في ذلك تسليح المدنيين، وتجنيد الأطفال واستخدامهم».

وقال تورك إنه سمع روايات عن عمليات إعدام موجزة واسعة النطاق نفذتها «قوات الدعم السريع» في مدينة الفاشر عاصمة شمال ولاية دارفور، «بدافع الانتقام أو الاشتباه في انتمائهم للجيش وحلفائه في (القوة المشتركة)»، وذلك خلال زيارته إلى مخيمات النازحين في شمال السودان.

وعبّر تورك عن «قلق بالغ» إزاء الجرائم الفظيعة التي ارتكبت أثناء السيطرة على الفاشر وبعدها، محذراً من تكرارها في إقليم كردفان، الذي يشهد تصاعداً «غير مسبوق» في الصراع وبوتيرة متسارعة، تسبب في دمار واسع النطاق، وانهيار الخدمات الأساسية.

«أهوال وجحيم»

وشدد المسؤول الأممي في مؤتمر صحافي على أن السودانيين «مروا بأهوال وجحيم»، خصوصاً مع توسع المعارك في إقليم كردفان، قائلاً: «تشهد ولايات كردفان حالة من عدم الاستقرار الشديد مع استمرار العمليات العسكرية والقصف المدفعي الكثيف وقصف الطائرات المسيّرة... ما يُسبب دماراً واسع النطاق، وانهياراً للخدمات الأساسية».

ومنذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، وبعد سيطرتها على مدينة الفاشر في إقليم دارفور توسعت هجمات «قوات الدعم السريع» في إقليم كردفان المجاور لدارفور، ما أدَّى إلى «استمرار نزوح المدنيين... في سياق انعدام الأمن الغذائي الشديد مع تأكيد وجود المجاعة في كادوقلي واقتراب خطر المجاعة في مناطق أخرى منها الدلنج» في جنوب كردفان، حسب تورك. وأدت الهجمات في كردفان إلى نزوح أكثر من 65 ألف شخص، وفق أحدث بيانات الأمم المتحدة.

وقال تورك في مؤتمره الصحافي بمطار مدينة بورتسودان في ختام زيارته للبلاد التي استمرت 4 أيام: «التقيت أولئك الأكثر تضرراً جراء العنف الوحشي والظلم في هذه الحرب». وتابع: «يجب أن تدفع هذه التجارب المروعة التي مر بها هؤلاء الناجون إلى اتخاذ إجراءات لإنهاء هذا الصراع، ومنع تكرار هذه المأساة».

سودانيات نازحات من منطقة هجليج غرب السودان (أ.ف.ب)

«إنهاء هذا الجنون»

وكان الوفد الأممي قد زار مخيم النازحين بمنطقة العفاض شمال البلاد، الذي استقبل أعداداً كبيرة من النازحين من مناطق دارفور وكردفان.

وقال تورك: «خلال اجتماعاتي مع أكثر من 50 منظمة محلية ودولية في مدينتي دنقلا وبورتسودان، استمعت إلى مناشدات موجهة لمن يشنون هذه الحرب، وإلى المجتمع الدولي لإنهاء هذا الجنون، والسماح للمنظمات غير الحكومية والصحافيين والمحامين والعاملين في المجال الإنساني بأداء عملهم الأساسي دون قيود لا مبرر لها أو انتقامات».

ودعا طرفي النزاع في السودان -الجيش و«قوات الدعم السريع»- إلى وقف الهجمات على الأعيان المدنية، بما في ذلك الأسواق والمرافق الصحية والمدارس ومراكز إيواء النازحين، قائلاً: «إن الهجمات على البنية التحتية الحيوية تُعدّ انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب».

وشدد المسؤول الأممي على ضمان مثول مرتكبي هذه الجرائم أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.

وذكر تورك أن انتشار المعدات العسكرية المتقدمة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، أسهم في تعزيز القدرات القتالية لكل من الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أدى إلى إطالة أمد الأعمال العدائية وتفاقم معاناة المدنيين.

وقال: «من الشائن إنفاق أموال طائلة على شراء أسلحة تتزايد تطوراً باستمرار... وهي أموال كان الأجدر توجيهها لتخفيف معاناة السكان». كما أعرب عن «قلق عميق» إزاء تسليح المدنيين، وتجنيد الأطفال والزجّ بهم في القتال.

حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للمباني والبنية التحتية للبلاد (أ.ف.ب)

حماية المدنيين

وحضّ تورك أطراف النزاع إلى الالتزام بضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتأمين ممرات آمنة للمدنيين لمغادرة مناطق النزاع، بما فيها مدينتا كادوقلي والدلنج في ولاية جنوب كردفان.

وكرر تورك دعوته التي أطلقها خلال زيارته إلى السودان قبل 3 سنوات، قائلاً: «أحث جميع الأطراف المعنية على تجاوز مواقفها المتصلبة، وصراعاتها على السلطة، ومصالحها الشخصية، والتركيز على المصالح المشتركة للشعب السوداني».

وعدّ البحث عن المفقودين والإفراج عن المدنيين المحتجزين بتهمة «التعاون مع الطرف الآخر» من الأولويات، قائلاً إن «آلاف المدنيين احتجزوا بتهم مماثلة، ما أثر على فاعلي المجتمع المدني والمدفاعين عن حقوق الإنسان».

وفي مستهل زيارته إلى السودان، الأسبوع الماضي، ولقائه عدداً من المسؤولين في الحكومة، أبدى المسؤول الأممي استعداده للعمل مع الأجهزة العدلية والآليات الوطنية المختصة في البلاد، من أجل تعزيز التعاون الفني وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي) في منتصف أبريل (نيسان) 2023. وأودت الحرب بحياة عشرات الآلاف وشردت أكثر من 11 مليوناً في «أسوأ أزمة إنسانية في العالم» حسب الأمم المتحدة. ودعت الأمم المتحدة مراراً الأطراف الدولية إلى عدم التدخل في حرب السودان.

Your Premium trial has ended


رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)
TT

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

تعهّدت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، المرشحة السابقة لانتخابات الرئاسة الفرنسية، سيغولين روايال، بالسعي لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024، التي اندلعت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

وكشفت روايال عن خطة من «3 نقاط» لوضع حد نهائي للأزمة بين باريس ومستعمرتها السابقة، حسب تسجيل مصور نشره، الأحد، الموقع الإخباري الفرنكفوني «كل شيء عن الجزائر».

وفي التسجيل، تظهر وزيرة البيئة السابقة روايال، وهي تتحدث عن المشكلات الحالية بين الجزائر وفرنسا، وذلك بمناسبة استضافتها في «معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية» بباريس، السبت، في إطار مؤتمر بحث مستقبل العلاقات بين البلدين. وخلال المؤتمر، تحدثت روايال للمرة الأولى بصفتها رئيسة للجمعية، بعد شهر من توليها المنصب خلفاً لوزير الصناعة السابق آرنو مونتبورغ.

ووفق مرشحة «الحزب الاشتراكي» للانتخابات الرئاسية لعام 2007، فإن «المفتاح يكمن في حلّ النزاع المتعلق بالذاكرة»، في إشارة إلى الخلاف المعقد المرتبط برواسب الاستعمار (1830-1962).

يذكر أن «جمعية فرنسا – الجزائر» أنشئت في 1963 بعد عام من استقلال الجزائر، وذلك بمبادرة من شخصيات فرنسية مرموقة، وبدعم من الجنرال شارل ديغول. وكان الهدف من تأسيسها بناء علاقات صداقة وتعاون بين الدولتين وشعبيهما. ولاحقاً تمت الاستعانة بها لحلّ مشكلات بين الجانبين، بعد أن عجز المسؤولون عن تجاوزها بالطرق الدبلوماسية.

من لقاء سابق بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة الفرنسية)

وقدّمت سيغولين روايال مقترحات لتهدئة العلاقات الفرنسية - الجزائرية، تتمثل في «حل مشكلة الذاكرة»، و«إعادة الممتلكات العائدة للجزائر، بما في ذلك الرفات»، مثل جماجم بعض المشاركين في المقاومات الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، التي تحتفظ بها فرنسا في بعض متاحفها. كما اقترحت تسليم الأرشيف المتعلق بالتجارب النووية التي أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر في أوائل ستينات القرن الماضي.

وتناولت روايال عدة حلول من أجل تهدئة العلاقات، وهي ترى أنه ينبغي أولاً «هدم الجدران وبناء جسور المعرفة والاحترام عبر الحوار بين طلاب الجامعات ورواد الأعمال والباحثين والفنانين والمبدعين، وغيرهم الكثير». وتعهدت بـ«ببذل كل ما بوسعي من أجل التقدم في هذا الملف الصعب المتعلق بالذاكرة».

لملمة جراح الاستعمار

أوضحت روايال أنها لا تقبل بما يُعرف بـ«الريع الذاكرتي» الذي تستخدمه بعض التيارات اليمينية في فرنسا، ووصفت هذا المفهوم بأنه «طريقة مريحة لإضفاء الشرعية على أقوال المتضررين من التاريخ».

وقالت: «إن ذاكرة العنف الاستعماري ليست حساباً أو مصلحة، بل هي حق في الاعتراف بوقائع ثابتة وموثقة». وأضافت: «بعض الجراح، وجرائم الاستعمار، لم تُسمَّ بالكامل، ولم تُصلَّح، ولم يُعتذر عنها، ويجب على فرنسا أن تفعل ذلك».

وهي ترى أن هذا الاعتراف «هو الذي سيسمح بالشفاء الكامل والتحرر نحو الإبداع، والتوجه إلى مشروعات مشتركة مبهجة وملهمة». وتنظر الوزيرة السابقة إلى «الذاكرة» بوصفها «قاعدة مشتركة يمكن أن نبني عليها مبدأ (لن يتكرر ذلك أبداً)». وهو موقف يهدف إلى نشر الطمأنينة، حسب تصريحاتها.

ومنذ وصول إيمانويل ماكرون إلى سدة الرئاسة في فرنسا عام 2017، أطلق مساعي في «ملف الذاكرة» مع الجزائر، ومن ذلك الاعتراف بتعذيب وقتل بعض قادة حرب التحرير الجزائرية (1954-1962)، مثل العربي بن مهيدي وعلي بومنجل، ممن صنفتهم فرنسا «مفقودين» أو «منتحرين».

وهذه الخطوات ندّد بها اليمين الفرنسي المتطرف، عادّاً أنها «خضوع لريع الذاكرة الذي تعتاش عليه الجزائر بهدف ابتزاز فرنسا». وتعرض ماكرون للوم شديد من طرف نفس التيار، خلال الأزمة الحالية، بدعوى أنه «قدم تنازلات كثيرة للجزائر بلا أي مقابل لفرنسا».

إعادة الممتلكات الثقافية

اقترحت روايال أيضاً أن تبدأ فرنسا بسرعة في إصلاح أخطائها، قائلة: «بالنسبة للجزائر، يجب الإرجاع، يجب إعادة كل شيء... وأول هذه الإصلاحات وأول هذه الاعتذارات هو إعادة الممتلكات الثقافية والأرشيف».

ومن بين هذه الممتلكات سيف وخَيمة وبندقية الأمير عبد القادر الجزائري، التي تحتفظ بها فرنسا حالياً في «متحف كوندي» بقصر شانتيي، شمال البلاد، بعد سجن الأمير في فرنسا في القرن التاسع عشر. ووعدت روايال بدعم «كل من يعملون في هذا الاتجاه». وقالت: «كنت على اتصال أمس بمتحف شانتيي. وأودّ بطبيعة الحال أن تعاد كل القطع التي تطالب بها الجزائر منذ زمن طويل، والمتعلقة بهذه الشخصية الكبرى في مقاومة الجزائر في القرن التاسع عشر، الأمير عبد القادر، ولا سيما خيمته وسيفه وبندقيته، وغيرها من القطع»، مؤكدة أنها «تعمل على استرجاع كامل رفات المقاومين الجزائريين والجماجم».

وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ولاحت في الأشهر القليلة الماضية بوادر انفراجة، على خلفية الاتفاق على ترتيب زيارة لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز إلى الجزائر.

وكان يفترض أن تجري الزيارة بنهاية 2025، غير أن المشكلات عادت إلى نقطة البداية بتصويت البرلمان الجزائري على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي، في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.