ليبيا: تصاعد المطالب بالتحقيق مع المسؤولين عن انهيار سدّي درنة

«المحاسبة» أحال تقريره على النائب العام... والأمم المتحدة تؤكد «معاقبة المُقصّرين»

متطوعون يحملون جثة قبل دفنها في مقبرة جماعية في أعقاب الفيضانات في درنة بليبيا في 19 سبتمبر 2023 (رويترز)
متطوعون يحملون جثة قبل دفنها في مقبرة جماعية في أعقاب الفيضانات في درنة بليبيا في 19 سبتمبر 2023 (رويترز)
TT

ليبيا: تصاعد المطالب بالتحقيق مع المسؤولين عن انهيار سدّي درنة

متطوعون يحملون جثة قبل دفنها في مقبرة جماعية في أعقاب الفيضانات في درنة بليبيا في 19 سبتمبر 2023 (رويترز)
متطوعون يحملون جثة قبل دفنها في مقبرة جماعية في أعقاب الفيضانات في درنة بليبيا في 19 سبتمبر 2023 (رويترز)

زادت الاحتجاجات الشعبية، التي شهدتها مدينة درنة الليبية من حدة المطالب الرسمية الداعية لضرورة التحقيق في انهيار سدّي «وادي درنة»، و«أبو منصور»، في وقت تشهد فيه المدينة حالة من الغضب وانتشار الشائعات.

وأحال ديوان عام المحاسبة الليبي، برئاسة خالد شكشك، تقريراً بكافة الوقائع حول تعثر مشروعي صيانة السدين، وأوصى بالتحقيق مع المسؤولين «عن عدم استكمال تلك المشروعات، رغم توفر البيئة الملائمة والأموال اللازمة خلال فترات تاريخ التعاقد وحتى وقوع كارثة الإعصار».

وكان عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، قد كشف عقب «الفاجعة» عن أن عقود صيانة سدي «وادي درنة» و«أبو منصور» توقفت منذ عام 2011، ونقل عن وزارة التخطيط التابعة لحكومته «وجود تشققات، وهبوط أرضي ومشكلات إنشائية بالسدين المنهارين، وعدم إخضاعهما للصيانة منذ رحيل نظام الرئيس الراحل معمر القذافي».

جانب من مظاهرة حاشدة شهدتها مدينة درنة مساء (الاثنين) (من مقطع فيديو متداول على حسابات موثوقة)

وتحدث ديوان المحاسبة في تقريره عن حصول الجهة المتعاقدة على الموافقات التعاقدية اللازمة لتنفيذ تلك المشروعات في تواريخ التعاقد ما بين عامي 2007، 2009»، مؤكداً «أن الأموال اللازمة للتنفيذ أُتيحت للشركات المنفذة»، وأنه لا توجد أي قيود رقابية من قبل الديوان «تعوق عمليات التنفيذ حتى تاريخ انهيار السدود ووقوع الكارثة».

وأصبح الخلل في صيانة السدود، الذي كشفته السيول، محل تحقيق من المستشار الصديق الصور النائب العام الليبي راهناً، بعدما طالب محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، ورئيس حكومة «الوحدة»، النيابة العامة بفتح تحقيق شامل في تداعيات الإعصار، ومحاسبة المسؤولين عن «انهيار سدي درنة».



وبات جميع الليبيين يتلقفون أخبار سدود درنة التي شُيّد اثنان منها قبل 50 عاماً، ويعرفون أسماءها بالنظر إلى حجم الكارثة التي حلّت بالبلاد، بل إن مكتباً لتنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، أبدى مخاوفه بشأن سدّي «وادي جازا» و«وادي القطارة» الواقعين قرب مدينة بنغازي. وقد أرجعت الأمم المتحدة مخاوفها إلى أن السدين أصبحا يتحملان كميات هائلة من ضغط المياه بعد الفيضانات التي شهدتها درنة، لكن جهاز تنفيذ مشروعات الإسكان والمرافق بغرب البلاد طمأن المواطنين، حيث قال الفريق الميداني التابع له في بنغازي، إنه تفقد سد «وادي القطارة» ومجرى عبوره حتى تقاطع طريق الهواري، وأكد التقرير الفني الذي قدمه أنه «بحالة جيدة، ويحتاج فقط إلى الصيانة الدورية الاعتيادية».

وشهدت درنة مظاهرة حاشدة مساء (الاثنين)، وعبر المواطنون الذين هتفوا ضد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح عن غضبهم من السلطات الحالية في البلاد، وطالبوا بمحاسبة المسؤولين بعد تسعة أيام من مقتل الآلاف من سكان المدينة في سيول وفيضانات أتت على أحياء بأكملها.

كما طرح المحتجون أسئلة حول «الأسباب التي دعت المسؤولين لتجاهل صيانة السدين، على الرغم من وجود الاعتمادات المالية اللازمة»، لكنهم أرجعوا ذلك للفساد الذي تفشى في ليبيا بشكل كبير» خلال العقد الماضي.

ويعتقد سياسيون ليبيون أن غضبة سكان درنة «مؤشر خطير» على كل الأجسام السياسية بالبلاد، بالنظر لتحميلهم المسؤولية الكاملة عن الكارثة التي حلت البلاد، وهو الأمر الذي دفع ديوان المحاسبة إلى أن يوصي بتكليف مكتب استشاري دولي للتأكد من مدى وجود علاقة مباشرة بين تعثر مشروعات صيانة السدود، وانهيارها في ظل حجم العاصفة الهائلة.

ودخل المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا على خط الأزمة؛ إذ أعلن رئيسه المستشار مفتاح القوي عن تشكيل لجنة للتحقيق في الكارثة، التي شهدتها مدينة درنة، وقال في بيان: «سنستعين بخبرات دولية في التحقيقات في حال تطلب الأمر ذلك».

وأمام الكارثة التي غيّرت مجريات أمور عديدة بالبلاد، أكد عبد الله باتيلي، رئيس البعثة الأممية لدى ليبيا «ضرورة الرقابة السليمة على المخصصات المالية لضمان وصول المساعدات إلى الأشخاص المستحقين، واستخدام المواد بشكل ملائم في إعادة إعمار جميع المناطق المتضررة». وجدد التأكيد على أهمية «الشفافية والمساءلة» في إدارة الأزمة الناجمة عن الإعصار «دانيال» الذي ضرب شرق البلاد.

وكان فرحات حق، نائب الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، قد أكد أهمية فتح تحقيقات حول أسباب انهيار سد درنة، وقال إن هذا الأمر يتعلق بالسلطات الليبية، مبرزاً أن الأمم المتحدة «لا تجري تحقيقات إلا إذا طلب مجلس الأمن ذلك، ونحن نحاول أن نتأكد أن السلطات على الأرض هي التي تجري هذه التحقيقات؛ وهذا أمر مهم للغاية».

وكان الليبي عبد الونيس عاشور، الباحث بكلية الهندسة في «جامعة عمر المختار» بالبيضاء، قد حذر في دراسة أكاديمية، العام الماضي، من وجود أضرار لحقت ببعض سدود درنة، مبرزاً أنها تتطلب الخضوع للصيانة، ودعا عقب زيارته إلى المدينة بحماية المواطنين الذين تقع مساكنهم في مجرى وادي درنة.

وفي تصريح سابق، قال مصدر بالنيابة العامة الليبية لـ«الشرق الأوسط» إن النائب العام بدأ التحقيقات في القضية منتصف الشهر الحالي لمعرفة الأسباب التي أدت لانهيار السدين، مشيراً إلى أن «المساءلة ستشمل مسؤولين من السلطات التي تعاقبت على حكم البلاد خلال العقد الماضي». وقد استدعى النائب العام مسؤولين من وزارة الموارد المائية، والهيئة المختصة بصيانة السدود «للاستماع لأقوالهم، بالنظر إلى وجود تحذيرات مسبقة من كارثة قد تتعرض لها درنة، حال تعرضها لأي فيضان، إذا لم تبدأ السلطات صيانة السدود».

وتعيش درنة راهناً حالة من الغضب والغليان، في ظل انتشار شائعات حول منع فرق الإنقاذ أو المتطوعين من المدينة، ونفى آمر «كتيبة 603» محمد الحصان، الذي ينتمي إلى المنطقة الغربية، ما يتردد عن طرد فرق الإنقاذ، مؤكداً أن عمليات البحث والانتشال لا تزال مستمـرة «بوتيرة جيدة».


مقالات ذات صلة

قلق أوروبي من «تزايد الاعتقالات التعسفية» في ليبيا

شمال افريقيا وزيرة العدل بحكومة «الوحدة» في زيارة سابقة لمؤسسات الإصلاح والتأهيل الرئيسية بطرابلس (وزارة العدل)

قلق أوروبي من «تزايد الاعتقالات التعسفية» في ليبيا

أعربت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، عن قلقها إزاء «التوجه المتزايد» في جميع أنحاء البلاد نحو الاعتقال التعسفي للأفراد الذين يعبرون عن آرائهم السياسية.

شمال افريقيا الرئيسان المصري والصربي بحثا المستجدات الدولية والإقليمية (الرئاسة المصرية)

حرب غزة وأزمات ليبيا والسودان تتصدر المباحثات المصرية الصربية

تناولت مباحثات مصرية - صربية في القاهرة مستجدات الأوضاع في السودان وليبيا، وحرب غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع عقيلة صالح بفريق العمل التطوعي لإعادة الإعمار (مجلس النواب)

مخاوف ليبية من تجدد المواجهات بين ميليشيات الزاوية

وسط مخاوف من اندلاع مواجهات عنيفة بين الميليشيات المسلحة المحسوبة على حكومة الوحدة «المؤقتة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، شهدت مدينة الزاوية تحشيدات عسكرية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لصالح)

ليبيون يترقّبون مصير «الحكومة الموحدة» بعد خلافات «النواب» و«الأعلى للدولة»

تترقّب الأوساط السياسية في ليبيا مصير «الحكومة الجديدة الموحدة»، وذلك بعد خلافات رئيسَي مجلسَي «الأعلى للدولة» محمد تكالة، و«النواب» عقيلة صالح.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا فنيون خلال عملية صيانة بمسار «النهر الصناعي» في ليبيا (إدارة النهر الصناعي)

نهر القذافي «الصناعي» يتمدد ليروي عطش مناطق ليبية جديدة

بعد 24 عاماً على فكرة تدشينه، تسري مياه «النهر الصناعي» الذي شيده القذافي، باتجاه بعض غرب ليبيا لري عطش المدن التي لم يصل إليها من قبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قلق أوروبي من «تزايد الاعتقالات التعسفية» في ليبيا

وزيرة العدل بحكومة «الوحدة» في زيارة سابقة لمؤسسات الإصلاح والتأهيل الرئيسية بطرابلس (وزارة العدل)
وزيرة العدل بحكومة «الوحدة» في زيارة سابقة لمؤسسات الإصلاح والتأهيل الرئيسية بطرابلس (وزارة العدل)
TT

قلق أوروبي من «تزايد الاعتقالات التعسفية» في ليبيا

وزيرة العدل بحكومة «الوحدة» في زيارة سابقة لمؤسسات الإصلاح والتأهيل الرئيسية بطرابلس (وزارة العدل)
وزيرة العدل بحكومة «الوحدة» في زيارة سابقة لمؤسسات الإصلاح والتأهيل الرئيسية بطرابلس (وزارة العدل)

دخلت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا على خط أزمة توقيف الصحافي أحمد السنوسي، معبرة عن قلقها بسبب «تزايد الاعتقالات التعسفية» في البلاد، وسط تحذيرات محلية وأممية من «تصاعد وتيرة الانتهاكات الحقوقية».

الصحافي الليبي أحمد السنوسي الموقوف من قبل جهاز أمني بطرابلس (حسابه على «فيسبوك»)

وفتحت عملية توقيف السنوسي من قبل جهاز أمني بالعاصمة طرابلس، في 11 يوليو (تموز) الجاري، ملف الاعتقالات في عموم ليبيا، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة، والبعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، للتعبير عن «قلقها».

وأبدى الاتحاد الأوروبي تمسكه بـ«الدفاع عن حرية التعبير في جميع أنحاء ليبيا، وحماية الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام». وشدد على أن «حرية الإعلام أمر بالغ الأهمية للتحول الديمقراطي».

وقالت بعثة الاتحاد الأوروبي في بيان، الأحد، إنها تشارك بعثة الأمم المتحدة في ليبيا «قلقها إزاء التوجه المتزايد في جميع أنحاء البلاد نحو الاعتقال التعسفي للأفراد الذين يعبرون عن آرائهم السياسية بشكل سلمي، ويعززون الحق في حرية التعبير».

ورأت بعثة الاتحاد أن «مناخ الخوف المتزايد، وتدهور الحيز المدني الذي أبرزته تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يتطلبان اهتماماً فورياً، وإجراءات من جميع أصحاب المصلحة لدعم سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان بالبلاد».

وزيرة العدل بحكومة «الوحدة» في زيارة سابقة لمؤسسات الإصلاح والتأهيل الرئيسية بطرابلس (وزارة العدل)

وبدورها، قالت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا»، إنها «في إطار متابعتها لأوضاع حقوق الإنسان والانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين، وثّقت 11 عملية اعتقال تعسفية في ليبيا خلال الشهر الجاري، موزعة بين مدينتي البيضاء (شرقاً) وطرابلس (غرباً)».

وأوضحت أن عملية اعتقال السنوسي، جاءت بعد يوم واحد من وصوله إلى ليبيا من تونس، عقب تعرّض موظفين بصحيفة «صدى الاقتصادية» التي يديرها لـ«التهديد والابتزاز» من قبل جهاز الأمن الداخلي.

وبينما أدانت المنظمة اعتقال السنوسي، والتضييق على الصحافيين، طالبت المجلس الرئاسي وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، بالإفراج «الفوري وغير المشروط» عن السنوسي، و«وضع حد للانتهاكات ضد الصحافيين، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضرورة توفير الحماية اللازمة لهم لتمكينهم من ممارسة عملهم بحرية».

وأعلن النقيب الأسبق للمحامين الليبيين محمد العلاقي، تطوّع ثلاثة من زملائه للدفاع عن السنوسي، في ظل توسّع المطالبات بضرورة الإفراج عن جميع الموقوفين من دون اتهام، أو عرضهم على المحكمة.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم، موجهاً حديثه لجهات وأجهزة أمنية تمارس عملية الاعتقالات من دون تسميتها: «لن يستمر طغيانكم كثيراً، والسنوسي مثل غيره من آلاف المحتجزين تعسفاً»، وأضاف في تصريح صحافي: «سيأتي اليوم الذي تُهدم فيه سجونكم».

وزيرة العدل بحكومة «الوحدة» في زيارة سابقة لمؤسسة الإصلاح والتأهيل بالزاوية (وزارة العدل)

وكانت البعثة الأممية حذرت من أن «تضييق الخناق على الصحافيين، يعزز مناخ الخوف ويقوّض البيئة اللازمة للانتقال الديمقراطي في ليبيا».

وبينما دعت السلطات الليبية، في جميع أنحاء ليبيا، إلى حماية الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام، شددت على أن «وجود فضاء مدني مزدهر، يمكّن الليبيين من المشاركة في نقاش وحوار مفتوح وآمن وممارسة حقهم في حرية التعبير».

وكان مسلحون مجهولون بمدينة مصراتة (غرباً) خطفوا الناشط السياسي معتصم عريبي، في الثامن من يوليو، لكنهم أطلقوا سراحه بعد يومين من إخفائه إثر حملة تنديد واسعة دفعتهم إلى إلقائه بأحد الطرق.

وسبق أن تحدثت منظمة «هيومن رايتس ووتش» عن المحلل السياسي الليبي سراج دغمان الذي قالت إنه «تُوفي في ظروف مريبة» في 19 أبريل (نيسان) الماضي، عندما كان «محتجزاً تعسفياً» في شرق البلاد لمدة سبعة أشهر تقريباً. ودعت حينها السلطات الليبية لإجراء تحقيق «فوري ومحايد» في وفاته لدى «الإدارة العامة للأمن الداخلي - فرع بنغازي».