بين الجيش و«الدعم السريع»... إقليم دارفور السوداني إلى أين؟

مخاوف من تطور القتال إلى حرب أهلية

سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد (أ.ف.ب)
سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد (أ.ف.ب)
TT

بين الجيش و«الدعم السريع»... إقليم دارفور السوداني إلى أين؟

سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد (أ.ف.ب)
سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد (أ.ف.ب)

تواصل القتال في مدينة نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، طوال الأيام العشرين الماضية، وتشهد المدينة الوادعة والجميلة هجمات مكثفة دأبت قوات «الدعم السريع» على شنها على مقر «الفرقة 16» التابعة للجيش السوداني، والتي ردت بسيل من القذائف، ما أدى إلى مقتل عشرات من المواطنين المدنيين وإصابة المئات، وحركة نزوح إلى خارج المدينة التجارية الشهيرة.

وتسود المدينة مخاوف من تحول القتال الجاري في الإقليم إلى حرب أهلية تعيد سيرة حرب السنوات العشرين الماضية وتهدد وحدة البلاد برمتها.

وما يحدث في نيالا ليس مقتصراً عليها. فقد شهدت مدينة الجنينة، حاضرة ولاية غرب دارفور، عمليات عنف وقتال منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، لكن الأوضاع تصاعدت في أواخر مايو (أيار)، وتحولت إلى قتال أهلي بين إثنية «مساليت» ومجموعة القبائل العربية، قتل جراءه المئات ولجأ الآلاف إلى بلدة أدري التشادية القريبة من المدينة المنكوبة، وامتلأت البلدة الوادعة بالدماء ورائحة الجثث والحرائق في كل مكان، وتناقل نشطاء وقتها هاشتاغ «الجنينة تنزف».

ولم تقتصر الخسائر في الجنينة على الضحايا البسطاء؛ إذ قتل حاكم الولاية، خميس عبد الله أبكر، وهو أعلى مسؤول حكومي يروح ضحية لحرب الجنرالين، واتُّهمت قوات «الدعم السريع» باغتياله، كما قتل شقيق سلطان «دار مساليت»، الأمير طارق عبد الرحمن بحر الدين، في يونيو (حزيران) الماضي، واضطر السلطان سعد بحر الدين بنفسه للجوء إلى تشاد. وتعد سلطنة مساليت من أكبر السلطنات في دارفور، ولعبت أدواراً تاريخية مهمة في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وحال مؤسسها بحر الدين دون استيلاء الفرنسيين على دارفور، وهزم القوات الفرنسية في معركة «كرديندق» ومعركة «دروتي» التي قتل فيها السلطان نفسه.

ثم انتقلت معارك الحرب الأخيرة بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» إلى زالنجي، حاضرة ولاية وسط دارفور، وراح ضحيتها العشرات أيضاً، وظلت المدينة محاصرة من قبل قوات «الدعم السريع» منذ يونيو، إلى أن أعلن الجيش الأسبوع الثاني من الشهر الحالي عن فك الحصار المفروض على المدينة ومحيط «الفرقة 21» التابعة للجيش، المرابضة هناك، فيما تقول تقارير إن قوات «الدعم السريع» لا تزال تسيطر على أجزاء كبيرة من المدينة.

دارفور منطقة منكوبة

ولم تسلم مدينة كتم في ولاية شمال دارفور (نحو 40 كيلومتراً شمال العاصمة الفاشر) هي الأخرى من العمليات القتالية. وقال وقتها حاكم الإقليم، مني أركو مناوي، إن الإقليم أصبح منطقة منكوبة مع استمرار عمليات النهب والقتل في معظم مدنه. ولا تعرف الأعداد الفعلية للقتلى والمتضررين في الإقليم، بيد أن تقديرات تقريبية أشارت إلى أن عدد القتلى يقارب نصف عدد القتلى في الخرطوم، المقدر بنحو أربعة آلاف، وهي تقديرات أولية لا تشمل أعداداً لم تشملها الإحصاءات بسبب شلل النظام الصحي في الخرطوم وولايات دارفور.

ومنذ أكثر من 20 يوماً، يتواصل القتال في مدينة نيالا التي تسيطر «الدعم السريع» على غربها، وتدور معارك عنيفة بينها وبين قوات الجيش للسيطرة على «الفرقة 16» التابعة له، والمتمركزة في شرق المدينة. وقال مصدر تحدث إلى «الشرق الأوسط» إن «الدعم السريع» طلبت من ضباط الفرقة تسليمها، لكنهم رفضوا بحسم.

ويُرجع المصدر إصرار «الدعم السريع» على الاستيلاء على «الفرقة 16» إلى رغبتها في السيطرة على مطار نيالا القريب من مقرها، لاستخدامه منصة إمداد جوي، تضاف إلى المناطق التي سيطرت عليها قرب الحدود مع أفريقيا الوسطى، مثل أم دخن وأم دافوق وسنقو والردوم، لتوفر لها سلسلة إمداد مستمرة.

وكان القتال قد توقف بعد توقيع اتفاقية جوبا لسلام السودان في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 بين الجيش السوداني والحركات المتمردة التي شاركت في الحكومة الانتقالية، وحصل قائد «حركة تحرير السودان»، مني أركو مناوي، على منصب حاكم إقليم دارفور، فيما حصل قائد «حركة العدل والمساواة» جبريل إبراهيم على منصب وزير المالية الاتحادي، إضافة إلى دخول عضوين في مجلس السيادة، وعدد من المناصب الأخرى في الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية.

سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد (أ.ف.ب)

وعند اندلاع القتال بين الجيش و«الدعم السريع» في 15 أبريل الماضي، اختارت الحركات المسلحة الرئيسية: «تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، الحياد، بينما دعت حركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة عضو مجلس السيادة الهادي حجر، ورئيس «الجبهة الثورية» عضو مجلس السيادة الهادي إدريس، إلى وقف الحرب، وأعلنوا موقفهم المساند للقوى المدنية الموقعة على الاتفاقية الإطارية بين الجيش والمدنيين.

وقال مصدر تحدث لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم كشف اسمه، إن القتال يدور في ولايات غرب دارفور وجنوب دارفور ووسط دارفور، ولم يشمل ولايات شمال دارفور وشرق دارفور. وأرجع المصدر ذلك إلى أن قوات الحركات المسلحة تتركز في الفاشر (شمال دارفور)، ولا تريد قوات «الدعم السريع» الدخول معها في معارك قد تضطرها للتخلي عن الحياد والانحياز للجيش، فيما توصلت القيادات الأهلية وقيادات الجيش و«الدعم السريع» إلى اتفاق يقضي بعدم الدخول في مواجهة بين القوتين في شرق دارفور، وانتظار ما تسفر عنه المعارك في الخرطوم.

مخاوف من مجازر جديدة

ويخشى على نطاق واسع من أن يؤدي تصاعد القتال إلى تفجير الوضع في الإقليم المضطرب، وتحوله إلى صراع أهلي يعيد للأذهان سيرة حرب «الجنجويد» والقبائل الفوراوية، وتكرار تجربة الحرب الأهلية الطاحنة التي خلفت مئات الآلاف من القتلى. بيد أن حركات سلام جوبا لا تزال تلتزم الحياد.

واندلع النزاع في دارفور في أبريل 2003، بعد أن تمردت مجموعتان دارفوريتان ضد الحكومة المدعومة بميليشيا «الجنجويد» سيئة الصيت، وقتل خلالها نحو 300 ألف، وجرى تشريد الملايين، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة.

و«الجنجويد» هي قوات أهلية أخذ اسمها من عبارة «جن راكب جواد ويحمل بندقية جيم 3»، ومنهم تحدرت قوات «الدعم السريع» الحالية.

وعادة ما تبدأ الحروب في دارفور مع القوات الحكومية، تحت ذريعة تمرد مجموعات محددة، لكنه سرعان ما يتطور الأمر إلى قتال وحرب أهلية، لا سيما أن حكومة الإسلاميين بقيادة الرئيس السابق عمر البشير اختارت مجموعة القبائل العربية كحليف لها ضد المجموعة الأفريقية، ووظفت الصراع التاريخي حول الموارد بين المجموعتين لإشعال الحرب واستمرارها.

ووقعت الأطراف الدارفورية عدة اتفاقات سلام، لكن آثار التوتر لا تزال قائمة وكامنة مثل جمر تحت الرماد، ويخشى تفجرها في أي لحظة.

وزاد الطين بلة اندلاع القتال بين الجيش و«الدعم السريع»، ما يهدد بدخول الإقليم حرباً أهلية لا تبقي ولا تذر، لا سيما أن المجموعة العربية أعلنت دعمها لقوات «الدعم السريع»، بينما تشير التحليلات إلى قرب المجموعات الأفريقية من الجيش، وإن لم تعلن موقفها صراحة.


مقالات ذات صلة

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».


حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».