نازحون يعودون إلى منازلهم في الخرطوم هرباً من غلاء الإيجارات

فضَّلوا مواجهة مخاطر الحرب على الجوع والمسكنة

سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد في 13 مايو 2023 (أ.ف.ب)
سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد في 13 مايو 2023 (أ.ف.ب)
TT

نازحون يعودون إلى منازلهم في الخرطوم هرباً من غلاء الإيجارات

سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد في 13 مايو 2023 (أ.ف.ب)
سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد في 13 مايو 2023 (أ.ف.ب)

أدت الحرب التي اندلعت في السودان منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، إلى نزوح نحو 3 ملايين شخص داخلياً، ولجوء نحو مليون إلى دول الجوار، وجميعهم فروا من القتال والرصاص والقصف الجوي والمدفعي الذي أزهق حياة آلاف في الخرطوم ودارفور وشمال كردفان.

وواجه الفارون من القتال ظروفاً صعبة تتمثل في الإسكان والحصول على مستلزمات الحياة، لا سيما أن معظم ذوي الدخول المحدودة لم يتسلموا رواتبهم طوال الأربعة أشهر الماضية، ومن ثم بدأ البعض العودة إلى منازلهم وأحيائهم في الخرطوم، مفضلين العيش وسط المعارك ومواجهة خطر الموت على أوضاع النزوح التي عانوها.

وعلى الرغم من المخاطر المتوقعة التي تنتظرهم في بيوتهم، فإن رحلة العودة إلى الخرطوم نفسها محفوفة بكثير من المخاطر، فهم معرضون لمواجهة «القوة المميتة» التي توعد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان باستخدامها، وهم على ارتكازات (سيطرات) طرفي القتال، أو حتى خلال تحرك الحافلات التي تنقلهم إلى حيث منازلهم.

واللافت أن أعداداً مقدرة قررت العودة إلى «الموت» الذي بدأوا الفرار منه منذ منتصف أبريل الماضي، وهم يقولون: «القذائف لا منجي منها إلا الله، أما الموت جوعاً أو الذل فبمقدورهم تجنبهم لو احتموا ببيوتهم التي غادروها آسفين».

وتتمثل مخاطر طريق العودة في كثرة حوادث السير، ومواجهة مجموعات النهب والسلب المنفلتة، أو عمليات النهب والتهديد التي ربما تمارَس من قبل العسكريين في السيطرات، وأخذ كل شيء من العائد، ربما ماله القليل أو هاتفه الجوال، أو حُلي السيدات، أو حتى سيارته إن كان يملك واحدة.

جنود من الجيش السوداني في إحدى مناطق الارتكاز بالخرطوم الشهر الماضي (أ.ف.ب)

ارتفاع أسعار الإيجارات

ويقول النازح (ح. ع) والدموع تنهمر بغزاره من عينيه فتبلل لحيته التي خطَّها الشيب، إنه وجد نفسه عاجزاً عن دفع إيجار «الشقة» التي أقام فيها بولاية نهر النيل (شمال) ويبلغ إيجارها نحو 250 ألف جنيه سوداني (500 دولار أميركي) شهرياً، بينما تقول ابنته في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «نحن 3 بنات نعيش مع والدنا، فأمنا متوفاة، وحين اندلعت الحرب غادرنا منزلنا بضاحية شمبات بالخرطوم بحري، بسبب المعارك العنيفة بين الجيش و(الدعم السريع) والتي كانت تدور حولنا»، وتتابع: «عشنا حياة النزوح لثلاثة أشهر؛ لكن صاحب العقار طلب زيادة مبلغ الإيجار من 250 ألفاً إلى 350 ألفاً، فترجاه والدنا ليخفض المبلغ قليلاً لكنه رفض، وعلى الفور قررنا حزم حقائبنا والعودة لمنزلنا في شمبات»، واستطردت: «لحسن الحظ وجدنا أقاربنا وجيراننا سبقونا بالعودة إلى منازلهم، بعد أن كانوا قد نزحوا إلى ولايتي القضارف وسنار».

وقال طارق عبد الإله، وهو رب أسرة نزح إلى ولاية الجزيرة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه قرر العودة إلى الخرطوم خوفاً على أبنائه من الموت غرقاً. وأضاف: «إن اثنين كادا يموتان غرقاً في النهر. فهما يذهبان مع أندادهما من سكان القرية للسباحة في النهر من دون تدريب، ما يعرضهما للغرق». ويتابع: «كما يواجه الأطفال مخاطر أخرى في الغابات المجاورة التي يصاحبون أندادهم إليها، وهم لا يعرفون ما يختبئ داخلها، لذلك قررنا العودة».

ويعود السبب الرئيسي في عودة الأسر من مناطق النزوح، إلى «النساء»، فاللواتي عشن حياة المدن ولم يسبق لهن العيش في الأرياف صعبت عليهن الحياة هناك، فالمرأة الريفية تستيقظ فجراً لتملأ أواني الماء، وتعد الطبيخ، وتغسل الملابس، وتستقبل الضيوف، وهذا غير معتاد بالنسبة لهن، فيضغطن على أزواجهن للعودة، بغض النظر عن المخاطر.

لكن هناك نازحات أبهرتهن حياة الريف وتأقلمن عليها، وتعلمن بعض حيل الحياة غير المتاحة في المدن، ونشطت تجمعات ثقافية تحض النساء على احتمال صعوبة الحياة في الريف؛ بل وتوظيفها لاكتساب خبرات جديدة، ليصبحن «إضافة» للمنطقة بدلاً عن أن يكن «ناقدات ناقمات»، فالريف السوداني فقير تنقصه الخدمات كافة.

 

الأرض المحروقة

 

فر بعض المواطنين من لهيب حرب الخرطوم إلى ولايات دارفور، عند أقاربهم ومعارفهم؛ لكن الحرب لحقتهم إلى هناك، فاشتعل القتال في غرب دارفور وجنوبها وشرقها وشمالها ووسطها؛ بل اضطر كثيرون ممن احتمى بهم نازحو الخرطوم لعبور الحدود واللجوء إلى دولة تشاد المجاورة، هرباً من المعارك التي دارت وتدور هناك، فعاد أهل الخرطوم منهم أدراجهم.

 

مأساة في الحدود

 

بعض المواطنين -خصوصاً الشباب- فروا من العاصمة إلى المعابر الحدودية مع مصر ودول الجوار الأخرى، وفي الحدود السودانية المصرية اضطر كثيرون للبقاء هناك أسابيع في ظروف بالغة السوء، بانتظار الحصول على «سمة دخول» دون جدوى، فاضطروا للعودة مرة أخرى للحرب في الخرطوم، على الرغم من عدم توقف العمليات العسكرية في كل أحياء مدن الخرطوم الثلاث، فواجه بعض العائدين صعوبات في العودة إلى منازلهم، خصوصاً في حيَّي: المطار، والخرطوم 2، وغيرهما.

وقالت هادية أحمد -وهي أم لخمسة أبناء- لـ«الشرق الأوسط»، إنها استيقظت من نومها مبكرة، وقررت العودة للخرطوم بعد شهرين من نزوحها إلى ولاية الجزيرة، وعرضت الأمر على زوجها محمد عوض، وهو يتناول فنجان قهوته الصباحية: «أرغب في العودة للخرطوم، سئمت من الحياة هنا، هل تعتقد أن اليوم مناسب؟»، وقبل أن يرد عليها عاجلته بقولها: «أنا لا أمزح»؛ لكن زوجها رفض بشدة؛ لكنها لم تتركه على حاله، وبعد نقاش طويل وعدها بالعودة خلال شهر إذا توقفت الحرب أو لم تتوقف، وانتهى الشهر ولم تتوقف الحرب، فغادروا ولاية الجزيرة التي آوت نحو مليون نازح من الخرطوم، إلى بيتهم في الخرطوم، غير مبالين بما يمكن أن يواجههم هناك.

 

للضرورة أحكام

 

وتفسيراً للظاهرة، واختيار مواجهة خطر الموت على البقاء نازحاً، يقول المحلل الاجتماعي محمد عباس لـ«الشرق الأوسط»، إن عودة النازحين إلى ولاية الخرطوم لها أسباب متعلقة بالارتباط العاطفي بالمكان، والحياة القديمة، خصوصاً في أمدرمان، ويضيف: «العودة إلى مناطق الخرطوم وبحري ضعيفة مقارنة بأمدرمان؛ لكن عودة النازحين مضطرين لأسباب اقتصادية أو لحمل أغراض مهمة، للخرطوم والخرطوم بحري، يعرضهم لمخاطر عديدة، لا سيما أن الاشتباكات مستمرة داخلها، مع هدوء نسبي في بعض مناطق أمدرمان».

 

رهاب الشباب

 

يتم إنزال الشباب «في سن الجندية» من المركبات المتجهة للخرطوم، ومنعهم من العودة إليها في سيطرات القوتين المتقاتلتين، تحسباً لإمكانية انضمامهم لهذا الطرف أو ذاك، ويتعرضون لعمليات ابتزاز وإغراء للانضمام لهذا الطرف أو الآخر، ويقول الصحافي أحمد خليل لـ«الشرق الأوسط»، إنه خلال عودته للخرطوم لاسترداد وثائق تخص أسرته في بيته بشرق النيل، لاحظ إجراء احترازياً تتخذه قوات الجيش، تمنع بموجبه الشباب من العودة للخرطوم دون إبداء أسباب؛ لكن المتداول منعهم من الالتحاق بقوات «الدعم السريع».

وقال خليل إن قوات «الدعم السريع» هي أيضاً تمنع الشباب من العودة للخرطوم دون أسباب؛ لكن الراجح أيضاً هو الحيلولة دون التحاقهم بالجيش، ويتابع: «يتم إغراء الشباب بشروط خدمة وامتيازات كبيرة»، وبسبب البطالة وتوقف الإنتاج لا يستبعد خليل أن ينضم كثيرون لأحد طرفي القتال، لا سيما أن «الدعم السريع» يقدم امتيازات كبيرة لمنسوبيه.


مقالات ذات صلة

عقوبات بريطانية على شبكات الذهب السوداني

شمال افريقيا سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في معسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

عقوبات بريطانية على شبكات الذهب السوداني

فرضت بريطانيا، الخميس، حزمة عقوبات جديدة استهدفت شبكات تجارة الذهب مرتبطة بالجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سودانية في مخيم الحمانية للنازحين في مدينة العبيد جنوب منطقة كردفان 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«مُسيَّرات» تستهدف مدينة الدبة بشمال السودان

شنّت مسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، مساء الأربعاء، هجمات على مواقع مختلفة في مدينة الدبة شمال السودان، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء بالكامل عن المدينة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في غرب دارفور ويعبرون الحدود إلى مدينة أدري في تشاد (رويترز)

السودان يدعو مجلس الأمن لتسريع إجراءات «الجنائية الدولية» بشأن جرائم دارفور

جدّد السودان التزامه الكامل بالتعاون مع «الجنائية الدولية»، داعياً مجلس الأمن لتسريع الإجراءات القانونية وإصدار أوامر قبض بحق المتهمين بارتكاب جرائم في دارفور.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو (تموز) الحالي جلسة علنية تنظر خلالها طلب مكتب المدعي العام سحب تهم موجهة إلى أحد المتهمين بجرائم حرب في دارفور

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مزارع سوداني يحمل صمغاً عربياً (رويترز-أرشيفية)

الأمم المتحدة: تجارة الصمغ العربي في السودان تسهم باستمرار الحرب الأهلية

دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الأربعاء، الدول والشركات والأطراف المرتبطة بصناعة الصمغ العربي في السودان إلى الالتزام بالقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

عقوبات بريطانية على شبكات الذهب السوداني

سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في معسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز)
سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في معسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

عقوبات بريطانية على شبكات الذهب السوداني

سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في معسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز)
سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في معسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

فرضت بريطانيا، الخميس، حزمة عقوبات جديدة استهدفت شبكات تجارة الذهب مرتبطة بالجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، في خطوة تهدف إلى تجفيف مصادر تمويل الحرب الدائرة وتقويض «اقتصاد الصراع»، كما جددت الدعوة إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة في دارفور ليشمل مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، في ظل تصاعد المخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية هناك.

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، في بيان، إن بلادها ستواصل ملاحقة الأطراف التي تؤجج الصراع في السودان، مشددة على أن «الشعب السوداني يدفع ثمن حرب لا تتغذى فقط على الأسلحة والمقاتلين، بل أيضاً على التدفقات غير المشروعة للذهب والأموال».

جندي سوداني أمام متحف الحرب في الخرطوم (بحري) الذي تضرر جراء الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأضافت أن «العقوبات الجديدة تستهدف اقتصاد الحرب في السودان، وأولئك الذين يسعون لتحقيق الربح من الشبكات الخفية غير القانونية»، مؤكدة في الوقت نفسه أن المملكة المتحدة عازمة على التصدي للأطراف التي تغذي النزاع وتموله.

واستهدفت العقوبات أحد عشر فرداً وكياناً يُشتبه في ارتباطهم بشبكات التمويل والتوريد والتجارة التي تدعم «قوات الدعم السريع» أو «القوات المسلحة السودانية»، وتُغذي الصراع في السودان.

وشملت قائمة العقوبات الجديدة ثلاثة مواطنين سودانيين، وهم أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد ومازن فضل الله وأحمد هاشم، يشتبه في أنهم جزء من شبكات مرتبطة بتمويل «قوات الدعم السريع».

دبابتان متضررتان أمام مبنى بنك السودان المركزي بعدما استعاد الجيش السيطرة على العاصمة الخرطوم في 27 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

وطالت العقوبات أيضاً، أحمد عبد الله، وهو مسؤول مشتريات مرتبط بالجيش السوداني، يُشتبه بتورطه في تأمين الأسلحة والمعدات والتمويل للجيش، بحسب البيان البريطاني.

كما شملت العقوبات ثلاث شركات تعمل في مجال الذهب، مملوكة للحكومة السودانية ومرتبطة بالجيش، وهي شركة أم درمان للتعدين، وشركة أرياب للتعدين وشركة «سودامين المحدودة».

وحضت وزيرة الخارجية البريطانية «قوات الدعم السريع» على وقف هجومها على مدينة الأبيض، محذرة من اقترابها من خطر وقوع «فظائع جسيمة».

وأكدت الوزيرة كوبر موقف بريطانيا الواضح، «أن كل من يسهم في ارتكاب الفظائع سيخضع للمساءلة».

محلات مغلقة في سوق العربي وسط الخرطوم في 25 يونيو 2026 (رويترز)

ووفقاً للبيان البريطاني، تُعدّ صناعة الذهب المزدهرة في السودان محرك اقتصاد الحرب، وبلغت قيمة صادرات الذهب الرسمية 1.5 مليار دولار في عامي 2024 و2025، حيث تُهرّب مليارات الدولارات من الذهب من السودان سنوياً عبر قنوات غير مشروعة، مما يُسهم في تمويل شراء الأسلحة والعمليات العسكرية وأنشطة الجماعات المسلحة.

وبحسب وزيرة الخارجية البريطانية «تستهدف هذه العقوبات اقتصاد الحرب في السودان، وستسلط الضوء على أولئك الذين يسعون للتربح من هذه الشبكات السرية غير القانونية».

وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض، الاثنين الماضي، عقوبات على تجارة الذهب في السودان، التي ‌تُستغل ​في ‌تمويل ⁠الصراع ​العسكري الدائر ⁠في البلاد.

وحظر القرار الأوروبي شراء واستيراد و‌نقل ​أي ذهب ‌سوداني المنشأ، إضافة إلى حظر بيع وتوريد ونقل وتصدير ‌مادتَي الزئبق والسيانيد إلى السودان.

سودانيات في معسكر تولوم للاجئين شرق تشاد (أرشيفية - رويترز)

الجنائية الدولية

ومن جهتها، جدّدت الحكومة السودانية التزامها الكامل بالتعاون مع «المحكمة الجنائية الدولية، «داعية مجلس الأمن إلى تسريع الإجراءات القانونية وإصدار أوامر قبض بحق المتهمين بارتكاب جرائم في دارفور»، وفق وكالة السودان للأنباء.

وأكد الوزير المفوض عمار محمد محمود، الأربعاء، في بيان السودان أمام مجلس الأمن، التزام السودان بمبادئ العدالة والمساءلة، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية.

وأشار البيان إلى ارتكاب «قوات الدعم السريع» انتهاكات جسيمة وجرائم مروعة بحق المدنيين في دارفور ومناطق أخرى، شملت القتل على أسس عرقية واستهداف المدنيين والبنى التحتية.

ودعا الوزير المفوض المحكمة الجنائية الدولية إلى الإسراع في استكمال الإجراءات القانونية، وقال: «إن أي تأخير غير مبرر يبعث برسائل خاطئة إلى الجناة».

وبشأن التعاون مع المحكمة، أوضح: «السودان استجاب لطلبات مكتب المدعي العام للجنائية الدولية، واستضاف زيارات ميدانية لفرق التحقيق إلى معسكرات النازحين ولقاءات مع الشهود والضحايا».

وأعرب ممثل السودان في الجلسة عن قلقه إزاء عدم صدور أوامر قبض بحق المتهمين في الجرائم التي حدثت في مدينتي الجنينة والفاشر، رغم توفر الأدلة، مشيراً إلى أن ذلك يعزز شعور الجناة بإمكانية الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الانتهاكات.

وفي سياق آخر، رفض الوزير المفوض مزاعم ممثل الولايات المتحدة بشأن استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي. وقال إن الحكومة الأميركية فشلت في تقديم أي دليل على هذه الادعاءات؛ إن كان من سفارتنا في واشنطن، أو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي.

وأوضح أن السودان يحث على التعامل مع مثل هذه الادعاءات بأقصى درجات المسؤولية والموضوعية، داعياً مجلس الأمن إلى الاسترشاد بالحقائق والمعلومات الموثوقة، لا بالمزاعم التي تفتقر للسند والأدلة.


زخم جديد لملف توحيد الجيش الليبي بدفع أميركي

المنفي ونائبه اللافي في اجتماع بالعاصمة طرابلس (مكتب المنفي)
المنفي ونائبه اللافي في اجتماع بالعاصمة طرابلس (مكتب المنفي)
TT

زخم جديد لملف توحيد الجيش الليبي بدفع أميركي

المنفي ونائبه اللافي في اجتماع بالعاصمة طرابلس (مكتب المنفي)
المنفي ونائبه اللافي في اجتماع بالعاصمة طرابلس (مكتب المنفي)

وسط مواجهات ضارية تشهدها صحراء الجنوب الليبي بين «الجيش الوطني» وما يوصفون بـ«المتمردين»، تعيش العاصمة طرابلس مزيداً من الزخم بشأن ملف توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، بدفع أميركي لجهة التوصل إلى اتفاق بشأن «مبادرة بولس».

وعقد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، بصفته «القائد الأعلى للجيش الليبي»، اجتماعاً هو الثاني لبحث مقترحات توحيد المؤسسة العسكرية، ومتابعة مستجدات الأوضاع على الساحة الوطنية، وذلك في إطار «الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، ودفع مسارات توحيد مؤسسات الدولة».

النمروش مستقبِلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

واستعرض الاجتماع - الذي ترأسه المنفي صباح الخميس، وضم نائبه عبد الله اللافي، وشخصين لم يكشف مكتب المنفي هوياتهما - مخرجات اللقاء العسكري الأخير الذي عُقد بمدينة سرت الأحد الماضي. وقال مكتب المنفي إن المناقشات تطرقت إلى ما تمخض عن لقاء سرت من «تفاهمات وخطوات عملية تستهدف مواصلة مسار توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المكونات العسكرية؛ بما يرسخ بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة مهنية، وخاضعة للسلطة المدنية الشرعية».

وكانت سرت قد احتضنت اجتماعاً الأحد الماضي هو الأول من نوعه بين الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني»، ونظيره بغرب ليبيا الفريق صلاح النمروش، بدعم أميركي، في خطوة عدّها سياسيون ومحللون ليبيون جزءاً من جهود توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها.

وتناول اجتماع المنفي واللافي يوم الخميس «آخر مستجدات ملف التقاعد العسكري، في ضوء المقترح المقدم من وزارة الدفاع؛ إذ ناقش استكمال إجراءات إحالة العسكريين المستوفين للشروط القانونية إلى التقاعد، بما يضمن حفظ حقوقهم، ويدعم جهود تنظيم المؤسسة العسكرية».

كما ناقش المجلس الرئاسي أيضاً تطورات المشهد السياسي، و«سُبل معالجة حالة الانسداد السياسي، من خلال الدفع نحو رؤية وطنية جامعة وتوافقية، تقوم على الشراكة بين جميع الليبيين، وتفضي إلى استكمال الاستحقاقات الوطنية، بما يُعزز وحدة البلاد، ويوحّد مؤسساتها، ويمهّد لإجراء الانتخابات وفق إطار دستوري توافقي».

خلال استقبال مدير دائرة المخابرات العامة الأردنية اللواء الشركسي في طرابلس (وزارة الداخلية)

وقال المجلس إنه «بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي، يؤكد أن التقدم في مسار توحيد المؤسسة العسكرية يمثل ركيزة أساسية لإنجاح العملية السياسية»، مشدداً على أن المرحلة الراهنة «تستوجب تكامل الجهود الوطنية، وتغليب المصلحة العليا، بما يحقق الأمن والاستقرار، ويستجيب لتطلعات الشعب الليبي في بناء دولة موحدة وآمنة ومستقرة».

وتدفع واشنطن عبر مبادرتها التي يعمل عليها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نحو «توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية» في ليبيا.

وامتداداً لهذه التحركات، قالت رئاسة الأركان العامة بغرب ليبيا إن رئيسها الفريق أول صلاح النمروش بحث مع جيريمي برنت، القائم بأعمال سفارة أميركا لدى ليبيا «مستجدات جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وآفاق التعاون المشترك بما يدعم هذا المسار الوطني».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

ووفق مكتب النمروش، تبادل الجانبان «وجهات النظر حول أهمية تعزيز التنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك، ودعم المبادرات الرامية إلى بناء مؤسسة عسكرية موحدة، وقادرة على أداء مهامها في حماية الوطن وترسيخ الأمن والاستقرار».

وقال النمروش إن «توحيد المؤسسة العسكرية يمثل ركيزة أساسية لاستقرار ليبيا»، لافتاً إلى «أهمية مواصلة التعاون مع الشركاء الدوليين، بما يسهم في تطوير القدرات، وتعزيز مسار الإصلاح العسكري وفق رؤية وطنية موحدة».

وسبق أن قدّم النمروش «إحاطة عسكرية شاملة» إلى رئيس المجلس الرئاسي بصفته «القائد الأعلى» بشأن مخرجات الاجتماع العسكري، الذي انعقد في سرت، كما استعرض في حينه ما تم التوصل إليه مع خالد حفتر من «خطوات عملية»، تهدف إلى توحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية.

وتأتي هذه التحركات الأميركية لجهة «توحيد المؤسسة العسكرية» في وقت يخوض فيه «الجيش الوطني» مواجهات ضارية في الجنوب مع «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، التي توصف بـ«المتمردين».

وبينما تكتم «الجيش الوطني» على طبيعة هذه المواجهات، نقلت رئاسة أركانه العامة جانباً من مراسم أداء القسم القانوني لضباط المحكمة العسكرية العليا، أمام رئيس الأركان الفريق أول خالد حفتر، بحضور رئيس المحكمة العسكرية العليا اللواء الصادق المزوغي، بالمدينة العسكرية.

خالد حفتر (أ.ف.ب)

وأطلق الجيش عملية عسكرية لتعقب مسلحي «الغرفة»، الذين يقودهم محمد وردقو، بهدف السيطرة على جيوب بالصحراء الجنوبية، ومواجهة نشاط مجموعات مسلحة عابرة للحدود.

واتصالاً بالملف الأمني، بحث وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عماد الطرابلسي، مع مدير دائرة المخابرات العامة الأردنية اللواء أحمد حسني الشركسي «سبل تعزيز التعاون الأمني المشترك بين ليبيا والمملكة».

كما ناقش اللقاء، الذي حضره أيضاً رئيس الاستخبارات العسكرية بغرب ليبيا الفريق محمود حمزة، ورئيس جهاز الأمن العام والتمركزات الأمنية اللواء عبد الله الطرابلسي، عدداً من الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز التنسيق الأمني، وتبادل الخبرات بين البلدين الشقيقين.

وأكد الجانبان أهمية مواصلة التعاون والتنسيق في مختلف المجالات الأمنية، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الأمن والاستقرار.

وكان الدبيبة استقبل الشركسي الأربعاء في لقاء تناول العلاقات الثنائية بين ليبيا والأردن، والتشاور حول عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتطورات الأوضاع الإقليمية، بما يعزز التنسيق والتعاون بين البلدين الشقيقين.


تقلبات أسواق النفط تجدد مخاوف زيادة أسعار الوقود بمصر

تقلبات أسواق النفط تجدد مخاوف زيادة أسعار الوقود في مصر (صفحة هيئة قناة السويس على فيسبوك)
تقلبات أسواق النفط تجدد مخاوف زيادة أسعار الوقود في مصر (صفحة هيئة قناة السويس على فيسبوك)
TT

تقلبات أسواق النفط تجدد مخاوف زيادة أسعار الوقود بمصر

تقلبات أسواق النفط تجدد مخاوف زيادة أسعار الوقود في مصر (صفحة هيئة قناة السويس على فيسبوك)
تقلبات أسواق النفط تجدد مخاوف زيادة أسعار الوقود في مصر (صفحة هيئة قناة السويس على فيسبوك)

جددت تقلبات أسواق النفط العالمية مخاوف زيادة أسعار الوقود في مصر، التي يصاحبها عادة ارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات ووسائل النقل. فيما تتعهد الحكومة بـ«عدم التسرع في اتخاذ أي قرارات».

وتطرق رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأسبوعي، الخميس، إلى تأثيرات تجدد المواجهات بين أميركا وإيران على إمدادات النفط والطاقة. وقال إن «هناك من سارع بسيناريو متفائل للغاية بشأن انتهاء الأزمة، لكننا كنا نضع في اعتبارنا أيضاً السيناريو الأسوأ، وهو تجدد الصراع وتأثير ذلك على إمدادات الطاقة».

وأضاف مدبولي، أن «أسعار البترول العالمية عاودت الارتفاع لتصل إلى 85 دولاراً للبرميل بعد أن كانت قد انخفضت إلى 72 دولاراً»، مؤكداً أن «الحكومة تعمل بجدية على احتواء هذه المعطيات وتلك التداعيات السلبية».

تصريحات رئيس الوزراء عززت المخاوف من زيادة جديدة قد تطول أسعار الوقود بالبلاد، وهو سيناريو لم يستبعده الخبير الاقتصادي كريم العمدة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «الموقف رهن التوترات الإقليمية وتأثيرها على إمدادات الطاقة، فإذا استمر التصعيد، فستضطر الحكومة إلى زيادة سعر الوقود والمحروقات، وإذا هدأت الأوضاع فلن تكون هناك زيادة قريبة».

ويرى العمدة، أنه في حال ارتفاع سعر برميل البترول عالمياً، «لا يمكن للحكومة المصرية أن تتحمل التكلفة أو تستمر بأسعار الوقود الحالية، لأن ذلك سيحدث عجزاً كبيراً في الموازنة العامة، ويزيد فاتورة الدعم، ومن ثمّ يرتفع معدل التضخم».

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مدبولي الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وكانت الحكومة قد رفعت في 10 مارس (آذار) الماضي، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14و30 في المائة، وأرجعت القرار حينها إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول آنذاك.

وحذر رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، وزير البترول الأسبق أسامة كمال، من تداعيات استمرار التوترات الإقليمية على أسواق الطاقة العالمية، وقال في تصريحات متلفزة، مساء الثلاثاء، إن «عودة التصعيد انعكست سريعاً على الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط مجدداً لتتراوح بين 85 و87 دولاراً للبرميل بعد أن سجلت تراجعاً»، وأشار إلى أن «استمرار التصعيد وعدم تثبيت الهدنة قد يؤديان إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً لتلامس مستوى 100دولار للبرميل».

سفينة الإمدادات البترولية «فخر1» في أحد الموانئ المصرية الشهر الماضي (صفحة هيئة قناة السويس على فيسبوك)

وطالب عضو مجلس النواب رضا عبد السلام، مطلع الشهر الحالي، الحكومة بخفض سعر البنزين الذي سبق أن رفعته، معتبرا أن «الظروف الاستثنائية التي استندت إليها الحكومة في رفع الأسعار لم تعد قائمة بالقوة نفسها».

وكان مدبولي قد دافع عن وجهة نظر الحكومة بشأن عدم الاتجاه لخفض أسعار الوقود مباشرة عند انخفاض الأسعار العالمية، بقوله إن «سعر برميل البترول في بداية العام المالي 2025-2026 كان 62 دولاراً، واعتمدته الحكومة في الموازنة بمتوسط 75 دولاراً للعام بأكمله، لكنه قفز إلى 93 دولاراً».

ورجح عضو مجلس النواب عاطف مغاوري اتجاه الحكومة إلى زيادة أسعار الوقود بسبب استمرار التوترات الإقليمية، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «السيناريو الأرجح أن يتم رفع أسعار الوقود، لأنه الإجراء الأسهل بالنسبة للحكومة».

وأكد مغاوري أن «الحكومة المصرية تتجه إلى رفع الأسعار في جميع الخدمات وليس الوقود فقط، ولا يوجد أي سلعة أو خدمة حكومية ارتفع سعرها ثم انخفض»، على حد قوله. كما حذر من «المخاوف التي ستصاحب أي زيادة في أسعار الوقود، حيث سترتفع أسعار معظم السلع والخدمات، وتزداد معاناة المواطنين».