تصاعد الخلاف على نحو غير مسبوق بين عبد الله باتيلي، رئيس البعثة الأممية إلى ليبيا، ومجلس النواب؛ وذلك على خلفية تحفظ الأول على «خريطة الطريق» التي أصدرها الأخير، وتتضمن تشكيل حكومة بديلة للحكومتين، المتنازعتين على السلطة راهناً.
وعلى مدار اليومين الماضيين، أظهر عدد من أعضاء مجلسي النواب و«الدولة» «لغة خشنة» موجهة إلى باتيلي، عادّينه «خصماً»، لا سيما بعد حديثه العلني، الذي رأى فيه أن كل «من يريدون تشكيل حكومات انتقالية جديدة في ليبيا يرغبون في تقاسم الكعكة فقط»، في إِشارة إلى المجلسين.
وأمام التعقيدات التي باتت تكتنف المشهد السياسي في البلاد، طرحت أسئلة حول الاستراتيجية التي قد يتبعها باتيلي في قادم الأيام، وهل سيعود إلى مبادرته التي سبق أن طرحها في فبراير (شباط) الماضي، ويتجاهل المجلسين، وما أثمرته لجنة «6+6» التابعة لهما؟ أم أن التعويل هنا سيتوقف على استمرار دعم الدول الغربية الخمس المعنية بالملف الليبي؟
وهنا يتحدث رمضان التويجر، الباحث والقانوني الليبي، عما يراه «تخبطاً مستمراً» من جانب (السيد) المبعوث الأممي؛ إذ يعتقد أن «باتيلي وفريقه يفتقدان رؤية واضحة لحل الأزمة الليبية؛ وأيضاً نتيجة دفع الدول المتدخلة له لإبقاء الحال على هو عليه، حتى تتضح معالم العالم الجديد الذي يتشكل».
ودخلت العلاقة بين باتيلي ومجلس النواب في سجال غير معهود، عندما انتقد الأول «خريطة الطريق»، التي أصدرها الأخير، محذراً من «عواقب وخيمة» للمبادرات «أحادية الجانب». غير أن مجلس النواب سارع بالرد على بيان أصدره باتيلي، ووصفه بأنه «تضمن معلومات غير صحيحة»، نافياً أن يكون «قد فتح باب الترشح لرئاسة الحكومة الجديدة»، لكن باتيلي عدّ في اجتماع بطرابلس أن «كل من يريدون ترتيبات وحكومات انتقالية جديدة، يرغبون في تقاسم الكعكة فقط».
ولم يستبعد سياسيون ليبيون أن يعود باتيلي إلى «مبادرته» إذا ما تعقّدت الأمور مع مجلسي النواب و«الدولة»، لافتين إلى الدعم الدولي الذي يتمتع به المبعوث الأممي، وخصوصاً من الولايات المتحدة التي لا تتحمس لتشكيل حكومة جديدة.
غير أن التويجر، الذي تحدث إلى «الشرق الأوسط»، يرى أن «الأخطر مما تعانيه ليبيا الآن كل ما يحدث في منطقة الساحل الأفريقي من تغيرات؛ الأمر الذي يوحي بتصادم شبه مباشر بين روسيا والمعسكر الغربي، والذي لو انطلق ستتأثر ليبيا بشكل مباشر».
وكان باتيلي قد أعلن في نهاية فبراير (شباط) الماضي عن مبادرة لحل الأزمة الليبية، تتضمن إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية خلال العام الحالي. وقال حينها إنه يعتزم إنشاء لجنة توجيه رفيعة المستوى في ليبيا للدفع قدماً بالتوافق على الأمور ذات الصلة، مثل تأمين الانتخابات، واعتماد ميثاق شرف لجميع المرشحين.
تصعيد باتيلي منذ تولي مهمته منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2022، عدّه البعض «غير معهود» على المبعوثين السابقين، عندما كانوا يؤدون مهمتهم في ليبيا؛ ما دفع بعض النواب إلى عدّه «خصماً» لهم، وليس «وسيطاً».

ولم يقتصر حديث باتيلي، الذي أزعج عدداً من نواب وأعضاء المجلسين عن «تقاسم الكعكة»، بل إنه قال أيضاً بأنه «لا يمكن لليبيا أن تقوم لها قائمة إذا كان رئيس مجلس النواب غير قادر على السفر إلى طرابلس أو مصراتة»، وأنه «لا يمكن إعادة بناء ليبيا بوجود ترتيبات وحكومات انتقالية لا نهاية لها».
وهنا يحذر التويجر، من أن «حالة الجمود القائمة في الملف السياسي، وعدم توحيد المؤسسات أمر خطير يهدد كيان الدولة الليبية ووجودها».
وسبق للمبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، السفير ريتشارد نورلاند، القول: إن «الولايات المتحدة تنضم إلى الشركاء الدوليين في دعم وساطة الأمم المتحدة في ليبيا». كما أعاد نورلاند، في وقت سابق نشر البيان المشترك، الذي أصدرته أميركا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، لتأكيد دعمها جهود باتيلي لإشراك جميع المؤسسات الليبية، وأصحاب المصلحة الرئيسيين، في معالجة النقاط المختلف عليها بقوانين لجنة «6+6»، لجعلها قابلة للتنفيذ.
وفي حين توافق بعض أعضاء من المجلس الأعلى للدولة، مثل ماجدة الفلاح، مع حديث باتيلي عن «الكعكة السياسية» والسلطة والمال، عدّ عضو مجلس الدولة، سعد بن شرادة، أن البعثة الأممية «تعرقل أي اتفاق ليبي - ليبي منذ عام 2014». وبمواجهة موجة الانتقادات التي تواجه باتيلي، قال الأخير: إن «الأمم المتحدة ليست هنا لمحاباة أحد، بل لتقديم الحلول للبلاد، ونعمل على دعم الليبيين والجمع بينهم، ولا نسعى لتغليب طرف على حساب آخر».
وكان مقرراً أن تشهد ليبيا انتخابات رئاسية ونيابية في ديسمبر (كانون الأول) 2021، لكنها أرجئت إلى أجل غير مسمى، بسبب الخلافات حول الأساس الدستوري للانتخابات، ووجود ما وصف بـ«مرشحين مثيرين للجدل».
التقيتُ اليوم بعدد من المحامين من مختلف المناطق الليبية في مقر النقابة العامة للمحامين بليبيا في طرابلس. وقد استمعتُ إلى وجهات نظرهم وملاحظاتهم حول مشروع الإطار القانوني للانتخابات الذي أعدته لجنة 6+6. pic.twitter.com/yBJJyBd94Y
— SRSG Abdoulaye Bathily (@Bathily_UNSMIL) August 1, 2023
والتقى باتيلي، اليوم (الثلاثاء)، محامين من مختلف المناطق الليبية في مقرّ النقابة العامة للمحامين بليبيا بطرابلس. وقال عبر حسابه على موقع «إكس» (تويتر سابقاً): «استمعتُ إلى وجهات نظرهم وملاحظاتهم حول مشروع الإطار القانوني للانتخابات الذي أعدته لجنة (6+6)». مضيفاً: «ناقشنا إمكانية قيامهم بدور مهم كمحامين ومواطنين ليبيين في التوصل إلى إطار قانوني للانتخابات، قابل للتنفيذ، والمساهمة في توفير بيئة مواتية لإجراء انتخابات وطنية شاملة في ليبيا».



