هائمون على وجوههم في الصحراء المترامية بين ليبيا وتونس، منذ بدايات الشهر الحالي، و«مطرودون» من البلدين، لكنهم بدأوا الآن يتساقطون تحت ضربات الشمس الحارقة، وانعدام الطعام والماء، حيث أعلنت السلطات الأمنية في طرابلس أنها عثرت على خمس جثث لمهاجرين.
وجاءت الواقعة، التي عدّها حقوقيون ليبيون «كارثة إنسانية» على وقع قيام السلطات التونسية بعمليات «طرد» عشرات المهاجرين غير النظاميين من مدينة صفاقس إلى مناطق نائية بالقرب من حدود ليبيا، في أعقاب مواجهات أودت بحياة مواطن تونسي في الثالث من يوليو (تموز) الحالي.
وكانت السلطات الأمنية في العاصمة الليبية قد أعلنت منتصف الشهر الحالي إنقاذ 360 مهاجراً ينتمون إلى دول أفريقية، وقالت إن نظيرتها التونسية «طردتهم» إلى الصحراء، ومُنذ ذلك التاريخ تُعيد ليبيا جبراً عشرات المهاجرين، الذين يسعون إلى دخول البلاد، ليصبحوا ضحية العطش والجوع حتى يقضوا بنار الطقس الحارق.

وتجسدت «الكارثة الإنسانية»، التي تحدث عنها حقوقيون لـ«الشرق الأوسط»، اليوم (الثلاثاء)، بإعلان وزارة الداخلية، التابعة لحكومة الوحدة «الوطنية» المؤقتة، عن عثور إحدى دورياتها الأمنية التابعة للقاطع الحدودي (العسة) على خمس جثث مجهولة الهوية جنوب الصحراء، تعود لمهاجرين غير نظاميين من جنسيات أفريقية «بالقرب من خط التماس مع دولة تونس». موضحة أن دورياتها عثرت على الجثث قرب المنطقة الحدودية مع تونس بين (ظهرة الخص) و(طويلة الرتبة)، بعد أن تقطعت السبل بالعشرات من الأفارقة من جنوب الصحراء قرب الحدود الليبية.
ويقول حقوقيون إن «العشرات من المهاجرين ما زالوا عالقين بالصحراء وهائمين على وجوههم في ظروف صعبة للغاية، ويعانون العطش والجوع في موجة حر لم يسبق لها مثيل»، كما يتخوفون من هلاك باقي المهاجرين العالقين على الحدود، خاصة بعد أن عثر قبل هذه «الكارثة» على جثتين لأم نيجيرية وطفلتها وسط الصحراء، وقد قتلهما الجوع والعطش والحر الشديد. وقد روعت الصورة، التي نشرها مكتب الإعلام لحرس الحدود الليبي، للأم وطفلتها، الرأي العام المحلي، لكن هناك من يؤكد أن عشرات المهاجرين قد ضلوا في الصحراء، وربما لقوا حتفهم ولم يعثر أحد على جثثهم بعد.
وسبق أن ندد الرئيس التونسي قيس سعيّد في فبراير (شباط) الماضي بالهجرة غير النظامية من أفريقيا جنوب الصحراء إلى بلده، وقال إنها تهدف إلى «تغيير التركيبة السكانية» في تونس.
وتخيّم على ليبيا هذه الأيام - وخصوصاً لدى السياسيين بشرق ليبيا - مخاوف من محاولات لـ«توطين المهاجرين» في بلدهم، ولا سيما على خلفية المؤتمر الدولي الذي عقد في روما حول الهجرة والتنمية، لكن عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة»، الذي شارك في المؤتمر نفى ذلك.

ودعا الدبيبة في المؤتمر إلى إقامة شراكة متوازنة مع مفوضية الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير المشروعة، وقال إن «رؤيتنا لا تتضمن أي اقتراح لتوطين المهاجرين في مناطق العبور ومنها ليبيا».
كما تطرق لقاء يوسف العقوري، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي بمجلس النواب الليبي، بسفيرة المملكة المتحدة لدى ليبيا كارولين هورندال، إلى ملف الهجرة.

وقال العقوري إن ليبيا «تواجه أزمة الهجرة غير المشروعة من دون دعم يذكر»، متحدثاً عن «جهود مجلسه في إصلاح الإطار القانوني للهجرة».
وسبق لمحمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، الذي شارك أيضاً في مؤتمر الهجرة بروما، القول إن «المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لحل معضلة الهجرة غير النظامية»، وحث على «العمل من أجل التنمية في القارة الأفريقية، واستغلال الموارد الطبيعية»، مشيرا إلى أن ليبيا «لا يمكن أن تتصدى بمفردها لعمليات الاتجار بالبشر».
وأمام المأساة، التي يعانيها عشرات المهاجرين على الحدود الليبية - التونسية، ناشد خبراء مستقلون تستعين بهم الأمم المتحدة، منتصف الأسبوع الحالي، الحكومة التونسية باتخاذ إجراءات فورية «لحماية المهاجرين القادمين من بلدان أفريقية جنوب الصحراء الكبرى من العنف».
ووقع على البيان، الذي نقلته «وكالة الأنباء الفرنسية»، لجنة القضاء على التمييز العنصري، وفريق الخبراء المعني بالمتحدرين من أصول أفريقية، وثلاثة مقررين، من بينهم المقرر المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين فيليب غونزاليس موراليس.







