وفاة موسيقار سوداني جوعاً... وجه آخر لمآسي حرب الجنرالين

أزمة غذاء حادة تهدد سكان الخرطوم بالموت البطيء... ونداءات إغاثة عاجلة

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للموسيقار السوداني الراحل خالد سنهوري
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للموسيقار السوداني الراحل خالد سنهوري
TT

وفاة موسيقار سوداني جوعاً... وجه آخر لمآسي حرب الجنرالين

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للموسيقار السوداني الراحل خالد سنهوري
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للموسيقار السوداني الراحل خالد سنهوري

حزن عميق سيطر على السودانيين، بعد سماع نبأ وفاة الموسيقار خالد سنهوري جوعاً داخل منزله في أمدرمان، التي تشهد اشتباكات عنيفة بين الجيش وقوات «الدعم السريع»؛ لأنه لم يتمكن من تناول طعام منذ أيام، وفق مقربين منه، واضطر شقيقه إلى دفنه أمام منزله، لصعوبة نقله إلى المدافن العامة. هذا المصير بات كثير من سكان العاصمة يخشون أن يصيبهم، في وقت عجزوا فيه عن توفير المواد الغذائية، مع إغلاق المتاجر، وأزمة النقود.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لقبر الموسيقار السنهوري أمام منزله بأمدرمان

الموسيقار سنهوري ليس أول ضحايا الحرب الذين ماتوا جوعاً. ففي الشهر الماضي، توفيت شقيقتان من أصول أرمينية جوعاً في منزلهما في ضاحية العمارات الراقية، بعدما عجزتا عن الخروج لإحضار مواد غذائية بسبب القصف المستمر على المنطقة، وتوفيتا بعد 55 يوماً من الحصار.

وتوفي رجل سبعيني في بحري، كان يتضور جوعاً، بعد أن عجز عن توفير قطعة خبز لأيام.

يقول وزير التنمية الاجتماعية في الخرطوم، صديق فريني، لـ«الشرق الأوسط»، إن مواطني الخرطوم يحتاجون للدعم العاجل، مع أن صوت المطالبين بالغذاء لا يزال خفيضاً، لأن المواطن السوداني بطبعه يتسم بالحياء، ولأن مطلب البحث عن الأمان أولى في هذه المرحلة. ويشير فريني إلى أن كل مناطق الولاية يعاني سكانها من الفقر بسبب الحرب.

وتوقع فريني دوراً استثنائياً للمنظمات الوطنية، رغم ظروف الحرب، في الاستجابة لتحدي حاجة بعض المناطق للعون الإنساني، بالتزامن مع العون المقدم من المنظمات الدولية والإقليمية.

بين الموت بالرصاص والموت جوعاً

الجوع والمرض والفقر، مثلث يعيش داخله أغلب سكان ولاية الخرطوم، التي تمطر سماؤها رصاصاً وقذائف أزهقت أرواح مدنيين، تضاربت الإحصاءات حول عددها، لكن الثابت أنها تقدر بالآلاف، على أساس أن كثيراً من حالات الوفاة كانت داخل المنازل، وبالتالي لم يجرِ حصرها.

الطوابير أمام المخابز في الخرطوم باتت ظاهرة معتادة (رويترز)

حرب الخرطوم التي دخلت شهرها الرابع، لا يمكن لأحد أن يتوقع متى ستتوقف، رغم التصريحات المبشرة من قادة طرفيها بجديتهم لإسكات صوت البندقية، لكن قذائف القوى المتحاربة ما زالت تسقط على مدنيين ومرافق صحية، وأحدثت انهياراً في الاقتصاد السوداني. وأشار خبراء اقتصاديون إلى أن الخسائر المادية للحرب تقدر بنحو 40 مليار دولار.

الموت في مناطق تشهد اشتباكات عنيفة بين القوات المتحاربة في الخرطوم أمر متوقع لدى سكانها الذين صم آذانهم أزيز الطائرات وأصوات المدافع الثقيلة، لكن الموت جوعاً يعكس الحالة الإنسانية التي وصل إليها سكان الخرطوم، في حرب وصفتها دول ومنظمات دولية بأنها «عبثية»، يحاول كل طرف فيها إرهاق الآخر دون تحقيق مكاسب على الأرض.

يقول مواطنون لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الحرب يجعل كثيراً من السودانيين معرضين لمصير الموت جوعاً.

المصانع الغذائية بين القصف والسرقة

والحديث عن الموت جوعاً ليس من قبيل المبالغة؛ إذ إن العاصمة تعاني حالياً من نقص كبير في المواد الغذائية، لأسباب من بينها أن المحال التجارية أغلقت، أو لأنها خالية من البضائع، ومحال أخرى نُهبت، بالإضافة إلى أن كثيراً من الموظفين لا يملكون نقوداً لشراء الخبز، لأن الحكومة عجزت عن صرف مرتباتهم لأكثر من 3 شهور، وهذه المشكلة يعاني منها بعض موظفي القطاع الخاص أيضاً.

والمصانع التي تنتج السلع والمواد الغذائية ويقع أغلبها في منطقة الخرطوم بحري وأمدرمان، تعرضت للقصف أثناء الحرب، فيما تعرضت مصانع أخرى للسرقة.

ولجأ بعض أصحاب المحال التجارية إلى شراء بضائع من مخازن في أطراف شرق النيل، لكن بعضهم تعرض إلى اعتداء وسرقة من مجموعات ترتدي زياً مدنياً، وأخرى ترتدي زي «الدعم السريع»، ولذلك أقلعوا عن هذه المغامرة.

امتحان صعب

وأشار وزير التنمية الاجتماعية في ولاية الخرطوم، صديق فريني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه في بداية الحرب جرى حصر المحتاجين لتقديم الدعم، لكن جميع سكان الولاية أصبحوا الآن محتاجين. وأضاف أن «سكان الخرطوم يتعرضون اليوم لامتحان صعب، لكنهم لا يزالون صابرين»، متوقعاً أن تصبح الخرطوم أفضل مما كانت.

مساعدات من «مركز الملك سلمان للإغاثة» في ظل وجود صعوبات لتوصيلها للمحتاجين بسبب القتال (واس)

وأشار فريني إلى الصعوبات التي تواجه الوزارة في إيصال المواد الغذائية للمحتاجين فى الوقت الحالي، وقال: «نأمل أن تكلل الجهود الكبيرة لوالي ولاية الخرطوم بالنجاح، باستكمال إيصال العون للمحتاجين فى أقرب وقت». وأضاف: «تمكنت السلطات الاتحادية، بالتنسيق مع الولاية، من توفير مواد غذائية لبعض مناطق ريف أمدرمان وغيرها، بواسطة الهلال الأحمر السوداني، ولكننا نحتاج للكثير».

رحلة البحث عن دقيق خبز

زبيدة عبد الله، في العقد الرابع من العمر، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها قطعت مسافة كيلومترين بحثاً عن دقيق في أحد المطاحن، وسلكت طرقاً داخلية تجنباً لمناطق يتمركز فيها أحد طرفي النزاع. وأضافت: «جرى تسجيل اسمي والكمية المراد شراؤها، وعدت في اليوم التالي، ودفعت المبلغ، وأخذت الدقيق».

ورغم المعاناة التي تكبدتها، فإن زبيدة حمدت الله كثيراً لأنها تمكنت من توفير الدقيق حتى لا يجوع أبناؤها الخمسة الذين توفي والدهم العام الماضي.

الحصول على الخبز اصبح نوع من المغامرة في ظل الحرب في الخرطوم (أ.ف.ب)

غياب القانون وازدهار اللصوصية

ولجأ الذين يرفضون فكرة الموت جوعاً إلى السرقات والنهب. وتزداد هذه الجرائم بوتيرة متسارعة، في ظل غياب القانون، وأصبح اللصوص يطرقون أبواب المنازل ويطالبون أهلها بإعطائهم الهواتف الذكية، وبعدها يبحثون عما يرضي طموحهم. وهؤلاء اللصوص أطلق عليهم بعض الشباب لقب «لصوص 4G»

وفقد مئات المواطنين حياتهم بالسلاح الناري أو بأسلحة بيضاء، نتيجة مقاومتهم اللصوص. أما المنازل التي نزح سكانها أو لجأوا إلى دول الجوار، فسُرقت في الأيام الأولى للحرب، لذلك يستهدف اللصوص في هذه الفترة المنازل التي يقيم أصحابها فيها.

ودفعت أزمة الغذاء التي يعاني منها سكان الخرطوم بعض الخيرين إلى توفير الطعام في المساجد، وهذه الفكرة جرى تطبيقها في مناطق عدة، واستفاد منها آلاف المواطنين، وفي ما بعد أصبح أبناء الخرطوم في الخارج يرسلون مساهمات مالية لضمان استمرار تقديم الطعام إلى المحتاجين.

وأحدثت حرب أبريل (نيسان) دماراً في مدن مثل الجنينة في غرب السودان، التي تأثر سكانها أيضاً بالحرب مثلما حدث في الخرطوم. ويقول أطباء إن النساء والأطفال وكبار السن أكثر الشرائح تأثراً، وبعضهم لقي مصرعه بسلاح الأطراف المتحاربة، أو بالمرض ونقص الغذاء.

ويطالب حقوقيون بوقف الحرب؛ لأن المتضرر منها هو المواطن، وتساءلوا: لماذا يدفع السودانيون ثمن أخطاء السياسيين قبل الحرب، وأخطاء المتحاربين أثناء المعركة؟


مقالات ذات صلة

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

شمال افريقيا عناصر تابعون لـ«الدعم السريع» (فيسبوك)

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مساعد مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هاوليانغ شو متحدثاً في المؤتمر الصحافي (الشرق الأوسط)

الأمم المتحدة تعود للعمل في الخرطوم بعد 3 سنوات من الحرب

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، العودة رسمياً للعمل من العاصمة السودانية الخرطوم، بعد 3 سنوات من اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل في غارة على منزله في مدينة نيالا (تحالف «تأسيس«)

غارة على دارفور تقتل قيادياً بارزاً في حكومة «الدعم السريع»

قُتل قيادي في التحالف المؤسس للحكومة المدعومة من «قوات الدعم السريع»، في ضربة شنها الجيش السوداني على منزله في العاصمة نيالا بجنوب دارفور.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

قال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن بلاده «تُعد من أكثر دول العالم جفافاً وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل» 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

حسم الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الجدل الذي أثير حول ترشحة لولاية ثالثة بتأكيده أنه لا يرغب في الترشح للرئاسيات المقبلة، موضحاً أنه لم يأمر أحداً بالعمل على تعديل الدستور من أجل ذلك.

كما رفض أي تدخل في جلسات الحوارالمرتقب، مؤكداً أنه لن يأمر بحذف أي نقطة يريد طرفٌ ما طرحها للنقاش.

وجاء تأكيد الرئيس خلال اجتماع عقده، مساء الخميس، مع وفد من مؤسسة المعارضة الديمقراطية، ورداً على طلب الأغلبية الرئاسية الحاكمة في وقت سابق إدراج نقطة المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار المرتقب، وهو ما رفضته المعارضة بشدة.


مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
TT

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

في ظل تراجع الملاحة بقناة السويس بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وتمتد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة 455 كيلومتراً، وتضم 4 مناطق صناعية (شرق بورسعيد، والسخنة، وغرب القنطرة، وشرق الإسماعيلية)، بالإضافة إلى 6 موانئ (شرق بورسعيد، وغرب بورسعيد، والسخنة، والطور، والأدبية، والعريش).

وتكثّف الحكومة المصرية من جهودها لتعظيم الاستفادة من المنطقة الاقتصادية للقناة، وتحدّث وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاءات عدة مع مسؤولين بروسيا، في أثناء زيارته الحالية إلى موسكو، عن «المنطقة الاقتصادية».

وأكد عبد العاطي، خلال لقائه نظيره الروسي، سيرغي لافروف، الجمعة، «أهمية الإسراع في تفعيل العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلاً عن جذب الاستثمارات الروسية، خصوصاً في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعات الدوائية، والكيماوية، والسيارات، والبتروكيماويات».

كما أشار إلى أهمية «العمل على زيادة حجم الاستثمارات في مصر، بحيث تمتد لتشمل مختلف المناطق الحرة، بما يحقق المنفعة المشتركة، ويعزّز استفادة المستثمرين الروس من الحوافز الاستثمارية التي توفرها الدولة المصرية».

وأعرب عبد العاطي، أيضاً خلال لقاء، الجمعة، مع ممثلي كبرى الشركات الروسية التي ستشارك في مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، عن التطلّع إلى «جذب مزيد من الاستثمارات الروسية في ظل المناخ الجاذب للاستثمارات والحوافز والتسهيلات التي تمنحها الحكومة المصرية للتيسير على المستثمرين الأجانب».

وزير الخارجية المصري يتحدث عن قناة السويس خلال لقاء ممثلي كبرى الشركات الروسية الجمعة (الخارجية المصرية)

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، تناول اللقاء مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بوصفه محطة إضافية بارزة في مسار التعاون الثنائي، حيث تم التأكيد على «أهمية بدء العمل في هذه المنطقة الصناعية الروسية في أسرع وقت ممكن».

وحسب مراقبين فإن «مصر تزيد الاهتمام بالمنطقة الاقتصادية للقناة الآن، بسبب تراجع حركة المرور في قناة السويس نتيجة تصاعد الحرب الإيرانية». وأكد المراقبون أن «القاهرة تسعى لمزيد من الشراكات المستقبلية من أجل تعزيز الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية للقناة».

مستشار النقل البحري، خبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، أشار إلى «تعديل في السياسة الاقتصادية للدولة المصرية، ليس فقط بسبب تداعيات حرب إيران، وإنما منذ حرب غزة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدولة المصرية تتبنّى تعديل الرؤية الاقتصادية على أساس محورَين؛ «التنمية المستدامة» و«كيفية مقاومة الأزمات»، وكذلك المحور الآخر الذي يهم قناة السويس «عبر استغلال الموقع الجغرافي المتميز باعتبار أن مصر وجودها في الشمال الشرقي الأفريقي تعدّ تقريباً في مركز وقلب التجارة العالمية».

ويرى الشامي أن «تعديل الرؤية المصرية بهدف الاستمرار على مبدأ الاستدامة وإضافة كيفية مواجهة الأزمات، نتيجة أن الدولة منذ 2020 حتى الآن دخلت في أزمات لا علاقة لها بها؛ بدءاً من (جائحة كورونا) ثم الحرب الروسية-الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وحالياً تداعيات الحرب الإيرانية».

ويضيف أن «الدولة المصرية تسعى الآن لشراكات وتعاون استراتيجي مع (أهم اللاعبين) في المناطق الاقتصادية الكبرى كافّة، ومن بينهم روسيا، وذلك عبر مشروعات وامتيازات وتوجيه الاهتمام العالمي أكثر نحو الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس فبراير الماضي (هيئة القناة)

وحقّقت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها خلال العام المالي 2023-2024 بلغت 8.25 مليار جنيه، بزيادة 36 في المائة عن العام المالي السابق عليه، ووافقت الهيئة نهائياً على 98 مشروعاً بإجمالي استثمارات 2.23 مليار دولار، وفقاً لإحصاءات صادرة عنها بنهاية 2024.

ووفق الشامي فإن «قناة السويس من أهم المسارات الملاحية التي تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعل هناك تركيزاً متزايداً على المحورَين؛ الجنوبي (منطقة السخنة)، والشمالي (منطقة شرق وغرب بورسعيد)».

أيضاً المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء وزير الخارجية المصري، الجمعة، رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، حيث أعرب عبد العاطي عن التطلّع إلى مواصلة العمل معاً لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدَين، من خلال الإسراع في تنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ويرى المراقبون أن «الحكومة المصرية اتخذت إجراءات مهمة خلال الفترة الماضية لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وجذبت استثمارات جيدة على مستوى الصناعة واللوجيستيات».

رئيس الوزراء المصري في أثناء افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال سبتمبر الماضي (مجلس الوزراء)

ووقّعت شركة «موانئ مصر البحرية» والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الشهر الماضي، عقد ترخيص لمزاولة أنشطة الشحن والتفريغ وتداول وتخزين البضائع العامة وبضائع الصب الجاف والنظيف، بما يتيح التشغيل الفوري وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الحالية لميناء السخنة. وكذلك وقّعت مذكرة «تفاهم لإجراء الدراسات اللازمة، بشأن إنشاء وتشغيل وصيانة وتطوير محطة صب جاف ونظيف وبضائع عامة في ميناء السخنة».

وقال وزير النقل المصري، كامل الوزير، حينها، إن «بلاده تستهدف تحويل (ميناء السخنة) إلى ميناء محوري، يضاهي أحدث الموانئ العالمية، بما يخدم حركة التجارة الإقليمية والدولية، ويُسهم في زيادة حصة مصر بالسوق العالمية لتجارة الترانزيت».

بينما أكد رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وليد جمال الدين، «مساعي الهيئة من أجل جذب استثمارات نوعية تُسهم في تنويع الأنشطة داخل ميناء السخنة، وتلبية احتياجات حركة التجارة المتنامية». وأشار، حينها، إلى أن «الهيئة تعمل على تطوير محطات قادرة على التعامل مع مختلف أنواع البضائع، بما يحقق المرونة التشغيلية، ويعزّز تنافسية الميناء على المستويين الإقليمي والدولي».

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء عبد العاطي ورئيس «الدوما الروسي» (الخارجية المصرية)

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال افتتاح عدد من المشروعات في «القنطرة غرب»، إنه «من المخطط أن تستوعب منطقة (القنطرة غرب) 300 مصنع، بما يوفّر أكثر من 500 ألف فرصة عمل، مما يجعل المنطقة قادرة على التصدير بما يعادل 25 مليار دولار».

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، خلال مارس (آذار) الماضي، أن «بلاده تكبّدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، بسبب الحرب في غزة، بالإضافة إلى آثار أخرى مباشرة وغير مباشرة».

وسجّلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة، لتحقق 3.9 مليار دولار، مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023.

في غضون ذلك، أصدر السيسي قراراً جمهورياً، الجمعة، بشأن تجديد تعيين عدد من نواب رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تعيين نائب جديد للمنطقة الشمالية، وذلك لمدة عام.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
TT

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت، الخميس، مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، جنوب وسط السودان، وأسفرت عن مقتل 7 وجرح عدد من الأشخاص، في حين نفت «قوات الدعم السريع» المتهمة بتنفيذ الغارة، أي صلة لها بالهجوم.

وقالت «شبكة أطباء السودان» إن القصف أدّى إلى مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين، من بينهم طبيب وطبيبة، ووصفت الحادث بأنه «تصعيد خطير» في وتيرة الاعتداءات التي تهدد النظام الصحي في البلاد. وأفاد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» بأن طائرة مسيّرة نفّذت غارتين بفارق زمني قصير، استهدفت الأولى مبنى المستشفى بشكل مباشر، بينما وقعت الثانية خلال محاولة السكان إسعاف الضحايا وإجلائهم، ما أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى. وبحسب الشهود، فقد قُتل ما لا يقل عن 5 أشخاص من أسرة واحدة، إلى جانب العمدة إبراهيم حامد، أحد زعماء القبائل في إقليم شمال كردفان.

«الخارجية» تدين

وأدانت وزارة الخارجية السودانية، بأشد العبارات، ما وصفته بـ«الهجوم الإرهابي الغادر» الذي قالت إن «قوات الدعم السريع» نفّذته بطائرة مسيّرة، مستهدفة المستشفى الوحيد في مدينة الجبلين، الذي يقدم خدماته لسكان المنطقة. وقالت الوزارة، في بيان صحافي، صدر في وقت متأخر من مساء الخميس، إن الهجوم يمثل «انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية»، مشيرة إلى أن الاعتداء أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، بينهم أطفال وكوادر طبية، فضلاً عن تدمير أجزاء واسعة من المستشفى ومعداته. وأضافت أن القصف تزامن مع انطلاق حملة لتحصين الأطفال داخل المستشفى، الأمر الذي اعتبرته دليلاً على تعمد منفذي الهجوم إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر بين المدنيين. ودعت الخارجية السودانية المجتمع الدولي إلى إدانة ما جرى، واتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مجددة مطالبتها بتصنيف «قوات الدعم السريع» منظمة إرهابية.

في المقابل، نفت «قوات الدعم السريع»، في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أي مسؤولية لها عن قصف مستشفى الجبلين، وقالت إن الاتهامات الموجهة إليها «مزاعم باطلة» يروج لها الجيش السوداني وحلفاؤه بهدف تشويه صورتها. وأضافت أنها ترفض «بشكل قاطع» محاولات الزجّ بها فيما وصفته بـ«حملات تضليل ممنهجة»، متهمة الجيش السوداني بالسعي إلى صرف الأنظار عن الانتهاكات التي يرتكبها بحق المدنيين والمنشآت العامة.

ويأتي هذا الهجوم بعد نحو أسبوع من اتهامات وُجهت إلى الجيش السوداني بشنّ غارة بطائرات مسيّرة استهدفت مستشفى مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، وأسفرت عن مقتل 64 شخصاً وإصابة عشرات المدنيين.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

تصاعد هجمات المسيرات

وخلال الأشهر الماضية، كثّفت الطائرات المسيّرة التابعة لـ«قوات الدعم السريع» هجماتها على مواقع عسكرية في عدد من مدن ولاية النيل الأبيض، غير أن بعض تلك الهجمات أدّى إلى سقوط ضحايا في صفوف المدنيين. واعتبرت قوى سياسية ومدنية أن استهداف مستشفى الجبلين، وما نتج عنه من سقوط قتلى وجرحى بين المرضى والكوادر الطبية، يمثل «جريمة نكراء» تضاف إلى سجل الانتهاكات، التي ترتكبها أطراف الحرب بحقّ المدنيين والمنشآت الخدمية. وفي السياق نفسه، أعرب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، المناهض للحرب، عن إدانته الشديدة للهجوم، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤوليته.

وشدّد التحالف، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في بيان نشره عبر موقع «فيسبوك»، على ضرورة وقف استهداف المنشآت المدنية بالطائرات المسيّرة، أو بأي وسائل عسكرية أخرى، وضرورة الالتزام بحماية المدنيين. ودعا التحالف طرفي النزاع، ممثلين في القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع»، إلى الاستجابة العاجلة لمقترحات الهدنة الإنسانية، والشروع في اتخاذ خطوات جادة نحو وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

وشهدت الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في إقليمي دارفور وكردفان، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، غالبيتهم من المدنيين.