تعكس الزيارة التي قادت وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف إلى إيران، يومي الجمعة والسبت، مدى تمسك البلدين بالحفاظ على مستوى عال استقرت فيه العلاقات الثنائية، منذ استئنافها قبل 23 سنة، برغم مطبات كثيرة مرت بها، خاصة من جانب الجزائر التي واجهت في محطات عديدة «لوماً عربياً»، بسبب انسجام مواقفها مع مواقف طهران في ملفات مثيرة للجدل.
عندما قطعت الجزائر علاقاتها مع إيران عام 1993، كانت قد دخلت في حرب ضارية مع الجماعات الإرهابية، أعطتها مبرراً لرفض حازم لتدخلات طهران في أزمتها الداخلية... فقد اتهمت حكومة رئيس الوزراء آنذاك، الراحل رضا مالك، إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» (تم حلها في 1992 بناء على تهمة الإرهاب). وقطعت علاقاتها الدبلوماسية معها، وطلبت من السفير الإيراني مغادرة البلاد «فوراً». وأعلنت لاحقاً تخليها عن رعاية المصالح الإيرانية في أميركا.

وظهرت بوادر صلح بين إيران والجزائر، منذ عهدي الرئيسين الجزائريين الأسبقين علي كافي واليامين زروال. وتكرس هذا التوجه مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عندما تسلم الحكم في 1999. وأعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في سبتمبر (أيلول) 2000، وتم تبادل السفراء في أكتوبر (تشرين الأول) 2001.
ويقول إدريس ربوح، أستاذ العلاقات السياسية الجزائري، إن إيران «أساءت تقدير الوضع السياسي في الجزائر، في بداية التحول الديمقراطي (1989)، واستسهلت ردَّ فعل النظام الجزائري. فبعد انتهاء مرحلة حل (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) الفائزة بالانتخابات التشريعية في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1991، جاءت رئاسة جماعية بقيادة محمد بوضياف أحد رموز الثورة التحريرية الجزائرية، لكن أحمد جنتي، رئيس مجلس صيانة الدستور وخطيب جمعة بطهران، صبَّ مزيداً من الزيت على النار، عندما عبَّر عن ارتياحه البالغ لاغتيال الرئيس بوضياف (29 يونيو «حزيران» 1992) ووصفت الجزائر هذا التصرف بـالدناءة وعدم التحضُّر والتصريح الفجّ واللامسؤول الذي يتعارض مع القيم الإسلامية والإنسانية».
غير أن زيارة بوتفليقة إلى إيران في أكتوبر 2003، كانت بداية عهد جديد في العلاقات الثنائية عززته زيارة الرئيس محمد خاتمي للجزائر في أكتوبر 2004، وكان بذلك أول رئيس إيراني يزور الجزائر منذ الثورة سنة 1979. وقد أعلنت إيران عن دعمها سياسة بوتفليقة الساعية إلى «المصالحة الوطنية»، وطي صفحة «العشرية السوداء» بإعلان عفو عن الإرهابيين في حال سلَّموا أنفسهم وأسلحتهم.

وفتح تبادل الزيارات على مستوى رئاسي، الباب لزيارات مكثفة بين أعضاء الحكومتين ومسؤولي مختلف الأجهزة والمؤسسات ذات الصلة بالاقتصاد. وتم إطلاق «لجنة اقتصادية مشتركة»، احتضنت اتفاقات تفاهم في مجالات الصحة الحيوانية والمالية والتعليم العالي، والصناعات الصغيرة والتعاون القضائي وتطوير النشاط الاقتصادي بالمناطق الصناعية، والاستثمار المشترك في قطاع البتروكيمياويات.
ومع كثافة التعاون الاقتصادي، برز في تصريحات المسؤولين خلال الـ20 سنة الماضية، توافق وجهات نظر البلدين حول العديد من القضايا العربية الإقليمية والدولية؛ كالحرب في سوريا والحرب في اليمن، وقضية تصنيف «حزب الله» اللبناني كمنظمة إرهابية، وكذا القضية الفلسطينية. وقد جلب هذا التطابق في المواقف، متاعب للجزائر مع دول عربية، حتى لو لم تظهر في العلن. كما أنها واجهت من الجار المغربي ضغطاً شديداً على خلفية اتهامها بـ«رعاية تدريبات لحزب الله اللبناني على أرضها»، وربط المغرب ذلك بخصومته الشديدة لـ«بوليساريو» التي تطالب باستقلال الصحراء عن المغرب، والتي تؤويها الجزائر في تندوف قرب الحدود المغربية.

ويشير تقرير حول العلاقات الجزائرية الإيرانية إلى أن طهران «سعت إلى فتح منافذ أوسع للتنفيس عن أزمتها الاقتصادية، والالتفاف على العقوبات الدولية، حيث شكّلت جبهة خارجية في أفريقيا، من بوابة المنطقة المغاربية وتحديداً الجزائر، في مواجهة إسرائيل، وذلك رداً على إقامتها علاقات مع الرباط في عام 2020، ضمن اتفاقيات أبرمتها مع الإمارات والبحرين ولاحقاً السودان».
ووفق تقرير آخر، فإنه لا يمكن تجاوز حدثين بارزين، عند استحضار تاريخ العلاقات بين البلدين؛ الأول توسط «الجزائر» بين إيران والعراق سنة 1975، لوضع حد للخلاف الحدودي بين البلدين، والثاني يتمثل في رعاية الجزائر للمصالح الإيرانية في واشنطن بعد قطع العلاقات الدبلوماسية الإيرانية الأميركية سنة 1980.



