قصف جوي للجيش السوداني يخلف قتلى وسط المدنيين

قلق دولي من تفاقم الوضع الإنساني في إقليم دارفور بسبب العنف

صورة تظهر حجم الدمار الذي أصاب أحد المباني في أمدرمان نتيجة الاشتباكات الأربعاء (رويترز)
صورة تظهر حجم الدمار الذي أصاب أحد المباني في أمدرمان نتيجة الاشتباكات الأربعاء (رويترز)
TT

قصف جوي للجيش السوداني يخلف قتلى وسط المدنيين

صورة تظهر حجم الدمار الذي أصاب أحد المباني في أمدرمان نتيجة الاشتباكات الأربعاء (رويترز)
صورة تظهر حجم الدمار الذي أصاب أحد المباني في أمدرمان نتيجة الاشتباكات الأربعاء (رويترز)

باتت مدينة أمدرمان، إحدى مدن العاصمة السودانية الثلاث، التي تطل على النيل الأبيض، ساحة معركة ضارية بين قوات «الدعم السريع» والجيش السوداني، خلال الأيام الأخيرة، حيث يحاول الجيش فك حصار فرضته قوات «الدعم السريع»، التي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو، (حميدتي)، على مناطق استراتيجية، في المدينة، بما في ذلك سلاح المهندسين ومواقع عسكرية أخرى.

وسقط الأربعاء ثلاثة قتلى على الأقل، وأصيب آخرون بجروح متفاوتة، جراء المعارك في مناطق متفرقة في أمدرمان، ثاني أكبر مدن العاصمة الخرطوم، وأدى القصف الجوي إلى انهيار عدد كبير من المنازل كلياً وجزئياً.

وتكتسب أمدرمان أهمية استراتيجية، بالنسبة لقوات «الدعم السريع»؛ إذ إنها واحدة من طرق الإمداد الرئيسية لها من معاقلها في غرب السودان. كما أنها تحتضن مواقع عسكرية غاية في الأهمية بالنسبة للجيش الذي يقوده الفريق عبد الفتاح البرهان. إضافة إلى مقر الإذاعة والتلفزيون الوطني.

وأكدت لجنة ثوار حي (بيت المال) وسط أمدرمان في بيان على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، مقتل شقيقتين، وشخص آخر، وإصابة العشرات في قصف جوي لطيران الجيش السوداني على المنطقة.

وناشدت اللجنة الأهالي مغادرة منازلهم والتوجه إلى مناطق آمنة؛ حفاظاً على أرواحهم، وعلى وجه الخصوص الابتعاد عن المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات «الدعم السريع»؛ بسبب استهدافهم من قِبل الطيران الحربي.

مواطنون يراقبون أعمدة الدخان المتصاعد في سماء أمدرمان نتيجة الاشتباكات الأربعاء (رويترز)

وفي منتصف يونيو (حزيران) الماضي تعرّض حي «بيت المال»، لضربات جوية مكثفة، أسفرت عن مقتل شخص وألحقت أضراراً كبيرة بالمنازل.

وتزايدت وتيرة المعارك والضربات الجوية في الأحياء السكنية بأمدرمان، عقب التصريحات التي أطلقها في وقت سابق، القائد العسكري، ياسر العطا، المسؤول عن العمليات العسكرية في قطاع مدينة أمدرمان، ولوّح فيها بقصف قوات «الدعم السريع» التي تحتمي بمنازل المواطنين بالمنطقة.

«الدعم السريع» يحاصر مواقع

ولا تزال قوات «الدعم السريع» تطوّق مقر شرطة الاحتياطي المركزي وسلاح المهندسين والمستشفى العسكري بمدينة أمدرمان.

ومساءً، ساد الهدوء الحذر مدن العاصمة السودانية الخرطوم، عقب موجة من العنف، بين طرفي القتال الجيش وقوات «الدعم السريع».

وقالت مصادر محلية لــ«الشرق الأوسط»: إن مدينة أمدرمان تشهد حالة من الهدوء، عدا بعض الطلعات الجوية التي ينفذها الطيران الحربي في سماء المدينة، مضيفة: لقد توقف دوي الانفجارات وأصوات الرصاص مساء الأربعاء.

وقال مرتضى البيلي، الذي يسكن في مدينة الخرطوم: إن الهدوء يسود المنطقة بينما يمكن سماع أصوات إطلاق نار بشكل متقطع من مسافة بعيدة مع تحليق لطائرات الاستطلاع الحربية.

وأبلغ «وكالة أنباء العالم العربي»: «ارتحنا من دوي المدافع التي تضرب بكثافة، وأصوات إطلاق النار المتبادل بين الطرفين، وتحرك المواطنون في حذر لقضاء حاجاتهم، وعادت حركة المواصلات». وأشار البيلي إلى أن تحليق طائرات الاستطلاع يعد مؤشراً على استئناف القتال في أي لحظة أو شن غارات جوية.

واندلع الصراع بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان)، وتشهد العاصمة معارك يومية منذ ذلك الحين؛ مما ينذر بجر البلاد إلى حرب أهلية، مع اندلاع صراع آخر بدوافع عرقية في إقليم دارفور بغرب البلاد.

أعمدة الدخان في سماء أمدرمان نتيجة الاشتباكات الأربعاء (رويترز)

ويدور القتال بشكل أساسي في أمدرمان وبحري والخرطوم، وهي المدن الثلاث التي تشكل العاصمة السودانية الأوسع على جانبي نهر النيل.

وقال شهود في شمال أمدرمان لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: إنهم سمعوا ثلاث ضربات قوية صباح الأربعاء من المدفعية التي يستخدمها الجيش من معسكر كرري لضرب مواقع «الدعم السريع» في بحري وجنوب وغرب أمدرمان.

ويعاني المدنيون في السودان ظروفاً معيشية صعبة، حيث تحولت مناطق سكنية في الخرطوم وأنحاء أخرى من البلاد ساحات للمعارك العسكرية، مع انقطاع الكهرباء والمياه وخدمات الاتصال والإنترنت لساعات طويلة وخروج العديد من المستشفيات عن الخدمة.

وتشير أحدث تقديرات للأمم المتحدة إلى أن الصراع تسبب في تشريد ما يقرب من ثلاثة ملايين، منهم 650 ألفاً فرّوا إلى دول مجاورة.

وكانت الأطراف العسكرية والمدنية تضع اللمسات النهائية على عملية سياسية مدعومة دولياً للانتقال إلى حكم مدني بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في انتفاضة شعبية عام 2019، عندما اندلع القتال على نحو مفاجئ في أبريل بعد خلافات حول خطط دمج قوات «الدعم السريع» في الجيش.

آثار الدمار بأحد المنازل بضاحية امبدة في أمدرمان الأربعاء (أ.ف.ب)

وتوصل الطرفان المتحاربان لاتفاقات عدة لوقف إطلاق النار بوساطة من السعودية والولايات المتحدة، لكن المفاوضات التي جرت في جدة تم تعليقها الشهر الماضي بعد أن تبادل الجيش وقوات «الدعم السريع» الاتهامات بانتهاك الهدنة.

قلق دولي

من جهة ثانية، حذرت لجنة الإنقاذ الدولية من تزايد العنف في إقليم «دارفور» السوداني المضطرب. وأضافت اللجنة، في بيان الأربعاء، أنه في الأسبوعين الماضيين، «فرّ نحو 36 ألف شخص من المنطقة إلى تشاد المجاورة».

وقال مويتي مونجانيا، مدير قسم الطوارئ بلجنة الإنقاذ الدولية: «مما عقد الوضع، تصاعد الصراعات العرقية في السودان؛ مما أثار مخاوف بشأن احتمال وجود موجات أخرى من اللاجئين».

إلى ذلك، قالت مصادر: إن قوات من الجيش السوداني تصدّت لمجموعة من قوات «الدعم السريع» على متن 4 سيارات عسكرية حاولت التوغل إلى السوق الرئيسية لمدينة (الأبيض) عاصمة ولاية شمال كردفان، وأجبرتها على التراجع. وأضافت أن الجيش شنّ هجمات بالمدفعية على مواقع لـ«الدعم السريع» التي تفرض حصاراً على المدينة من اتجاهات عدة.

من جهة ثالثة، قال وزير الخارجية السوداني المكلف، علي الصادق، لدى مخاطبته الاجتماع الوزاري لدول عدم الانحياز اليوم في العاصمة الأذربيجانية (باكو): إن بلاده تشهد تداعيات محاولة انقلابية فاشلة قامت بها قوات «الدعم السريع»، تحولت عدواناً عسكرياً شاملاً يستهدف هدم الدولة.

وأضاف أن قوات «الدعم السريع» ظلت تظهر قبل تمردها عدم انصياع لتوجيهات قيادة القوات المسلحة، وتقاوم أي محاولة لدمجها في الجيش بسبب رغبة قيادتها في أن تظل جيشاً موازياً في البلاد.

وقال الصادق: إن الحكومة السودانية وقّعت على عدد من اتفاقيات وقف إطلاق النار والترتيبات الإنسانية عبر منبر «جدة» برعاية المملكة العربية السعودية وأميركا، إلا أن قوات «الدعم السريع» لم تلتزم بها وظلت تستغلها لشن المزيد من الاعتداءات الممنهجة.


مقالات ذات صلة

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أثار رفض أهالي منطقة في شمال السودان لاستقبال نازحين جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

بابا الفاتيكان يوجِّه من الجزائر رسالة سلام

 البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
TT

بابا الفاتيكان يوجِّه من الجزائر رسالة سلام

 البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)

بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، أمس، جولة أفريقية تهدف إلى تعزيز حوار الأديان وقيم التسامح والتعايش السلمي، استهلها من الجزائر برسائل تدعو للسلام ونبذ العنف. وكان الرئيس عبد المجيد تبون في استقبال البابا في مطار العاصمة بمستهل جولته التي تشمل أيضاً الكاميرون، وأنغولا، وغينيا الاستوائية.

وفي «مقام الشهيد» بأعالي العاصمة، ترحم البابا على أرواح شهداء ثورة التحرير، وقال: «في النهاية، سينتصر العدل على الظلم، ولن تكون للعنف، رغم ما يبدو، الكلمة الأخيرة». ثم توجه إلى مقر الرئاسة، حيث أجرى محادثات مع الرئيس تبون الذي قال: «في وقتٍ تعصف فيه الحروب بأمن واستقرار مناطق عديدة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، نجد في قداستكم صوتاً شجاعاً ومرافعاً وفياً عن السلام}.


أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
TT

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، بينما تبدأ هذه الامتحانات في المناطق الخاضعة لهيمنة «قوات الدعم السريع» في يونيو (حزيران).

ويبلغ عدد الطلاب المشاركين في امتحانات الاثنين 564 ألف طالب وطالبة، موزعين على 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه؛ منهم 156 ألفاً في ولاية الخرطوم.

ومع تعثر جلوس نحو 280 ألف طالب وطالبة لامتحانات الشهادة الثانوية في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من كردفان التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، تعهدت وزارة التربية والتعليم بتنظيم امتحانات بديلة في 13 مايو (أيار) المقبل للطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء الامتحانات الحالية.

وزير التربية والتعليم السوداني يقرع جرس بدء امتحانات الشهادة الثانوية (الشرق الأوسط)

وشهد حاكم الخرطوم أحمد عثمان حمزة، يرافقه وزير التعليم و التربية الوطنية التهامي الزين حجر، انطلاق الجلسة الأولى للامتحانات بمدرسة بحري الحكومية القديمة الثانوية بنات.

وقال حمزة إن التنسيق المحكم بين السلطات المحلية في الولاية والأجهزة الأمنية أتاح إجراء الامتحانات في وقتها، مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة من طلاب دارفور الذين نزحوا إلى العاصمة الخرطوم تمكنوا من الجلوس للامتحانات.

وقال التهامي إن من بين الطلاب الممتحنين 60 ألفاً خارج السودان في 14 دولة، تم توزيعهم على 74 مركزاً. وعّد أن زيادة عدد الطلاب الممتحنين هذا العام بنحو 300 ألف مؤشر على استقرار العملية التعليمية وعودة الحياة إلى طبيعتها بعد الحرب.

مديرة مدرسة بحري الحكومية للبنات قبل بدء الجلسة الأولى للامتحانات (الشرق الأوسط)

من جانبه أكد الناطق باسم الشرطة السودانية فتح الرحمن التوم لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم وضع خطة محكمة لتأمين امتحانات الشهادة الثانوية في جميع مراحلها، مشيراً إلى أن الشرطة عقدت اجتماعات متواصلة خلال الفترة الماضية مع الجهات ذات الصلة لعقد الامتحانات في أوضاع مستقرة وآمنة.

وفي وقت سابق، قالت وزارة التربية والتعليم، في بيان صحافي، إن طلاب ولايات دارفور يحظون بالاهتمام، حيث تم تسجيلهم وتمكينهم من الجلوس للامتحانات، مع تكوين لجنة إشرافية اتحادية لمتابعة أوضاعهم وتقديم الخدمات لهم، خصوصاً في الولايات المستضيفة مثل الشمالية ونهر النيل والنيل الأبيض.


المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وسّع محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، من وتيرة لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة وعديدة خلال الأسبوعين الماضيين، في إطار تحوّطه من «إقصاء» متوقع على خلفية «مقترح أميركي» يستهدف إسناد رئاسة مجلسه إلى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني».

ومنذ الإعلان عن المقترح الأميركي المنسوب إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترمب، يسارع المنفي إلى عقد اجتماعات بعسكريين وسياسيين وقادة تشكيلات مسلحة على نحو غير معهود فسّره متابعون بأنه «سعي لتكوين جبهة معارضة تدعم بقاءه في السلطة».

ويقضي المقترح بتولي صدام رئاسة «المجلس الرئاسي» الجديد بدلاً من رئيسه الحالي المنفي، مع بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وهو الأمر الذي رفضه محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة، وغالبية أعضاء مجلسه في اجتماع عُقد الأسبوع الماضي.

وفي إطار اتّساع الفجوة بين الدبيبة والمنفي، عقد الأخير اجتماعاً في طرابلس وُصف بـ«المهم» مع عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة مساء الأحد، تناول بحسب مكتبه «جملة من القضايا الوطنية الراهنة».

عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وقال مكتب المنفي إن الحاضرين في الاجتماع «أكدوا دعمهم الكامل للجهود التي يقودها رئيس المجلس على مختلف الأصعدة، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة الفساد وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة»، كما شددوا على «ضرورة المضي قدماً في إصلاح المؤسسات وترسيخ قيم المساءلة».

وتعد مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، المدينة الليبية الثالثة الأكبر بعد طرابلس وبنغازي، وتضم تباينات واسعة في الآيديولوجيا والتوجهات السياسية، سواء المؤيدة له أو المطالبة بإقالة حكومته.

ونقل مكتب المنفي عن وفد أعيان ومشايخ مصراتة «رفضهم القاطع لأي ترتيبات أو تفاهمات تُبرم خارج الأطر القانونية والدستورية»؛ في إشارة إلى مقترح بولس الذي يُنظر إليه على أنه «سيُقصي» المنفي من المشهد السياسي الراهن.

وبينما ذهب الوفد إلى أن «مثل هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً لمسار الاستقرار، وتقويضاً لمرتكزات بناء الدولة»، دعا إلى «الالتزام الصارم بالمسارات الشرعية التي تضمن وحدة البلاد وصون مؤسساتها».

ويأتي رفض «أعيان ومشايخ مصراتة» للمقترح الأميركي مستنداً إلى التخوف مما يصفونه بـ«عسكرة الدولة، ورفض الحكم الشمولي»، بجانب معارضة «أي مسار أو تسوية سياسية تُفرض من الخارج؛ مع التمسك بالمسار الدستوري والانتخابي».

ويُرجع مصدر سياسي بغرب ليبيا موقف الأعيان والمشايخ إلى رفضهم تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي؛ إذ «يرون في ذلك تفريطاً في الدولة المدنية وتمكيناً للعسكر؛ لا سيما في ذكرى هجوم (الجيش الوطني) على العاصمة طرابلس في أبريل (نيسان) 2019».

وقال المصدر السياسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة «يخوض عملية إقناع لحلفائه لدفعهم إلى قبول صدام لتولي المنصب المقترح؛ على أن يكون مقر المجلس الرئاسي الجديد في مدينة بنغازي وليس طرابلس تفادياً للحساسيات وتجنباً للرافضين».

وكان مجلس أعيان ومشايخ مصراتة قد أصدر بياناً مطلع الأسبوع الجاري أكد فيه أن «أي تسوية لا تنبع من روح (ثورة 17 فبراير) ومطالب الشعب الليبي هي تسوية فاقدة للشرعية»، مشدداً على ضرورة الاحتكام إلى الشعب عبر الاستفتاء على الدستور، وتجديد الشرعية من خلال انتخابات برلمانية نزيهة، والتمسك بـ«خيار الدولة المدنية القائمة على أسس العدالة الانتقالية».

وانتهى مجلس الأعيان والمشايخ إلى أن مصراتة «تؤكد أنها لن تكون طرفاً في أي اتفاق ينتقص من تضحيات أهلها أو يفرط في مبادئ (ثورة 17 فبراير)».

وجاءت حكومة «الوحدة الوطنية» والمجلس الرئاسي بقيادة المنفي ونائبيه موسى الكوني وعبد الله اللافي إلى سدة السلطة التنفيذية في الخامس من فبراير 2021، بعد انتخابهم من قبل «ملتقى الحوار الليبي» الذي عقد في جنيف برعاية أممية.

والتقى المنفي سياسيين وقادة اجتماعيين وعسكريين وآمري تشكيلات مسلحة، لا سيما من المحسوبين باعتبارهم خصوماً للدبيبة، سعياً لما يراه متابعون «تكوين جبهة معارضة للمقترح الذي سيزيحه من السلطة لحساب صدام حفتر».

ويرسخ المنفي من وجوده في السلطة حالياً بلقاءات مع مسؤولين سودانيين، كما تسلّم دعوة رسمية من رئيس وزراء الهند لحضور القمة الهندية - الأفريقية.

وأوضح مكتب المنفي أنه تسلم، صباح الاثنين، دعوة رسمية من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، للمشاركة في أعمال القمة الرابعة لمنتدى الهند - أفريقيا المزمع انعقاده في العاصمة نيودلهي نهاية شهر مايو (أيار) المقبل، سلمها له السفير الهندي لدى ليبيا محمد حفظ الرحمن.

وعَدّ مكتب المنفي هذه الدعوة «تعزيزاً للحضور الليبي في المحافل الدولية، وترسيخاً لأواصر التعاون مع الشركاء الدوليين، لا سيما في الفضاءين الأفريقي والآسيوي، بما يسهم في دعم جهود التنمية وتوسيع آفاق الشراكات الاستراتيجية».

وكان المنفي قد استقبل بمقر رئاسة المجلس في العاصمة طرابلس، مساء الأحد، وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد، والوفد الرسمي المرافق له، بحضور السفير الليبي لدى السودان فوزي بومريز.

المنفي مجتمعاً بوزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد مساء الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وبحث اللقاء أوضاع الجالية السودانية في ليبيا، وملف النازحين السودانيين في ظل تداعيات الأزمة الراهنة في السودان، وأعرب الوزير عن «تقديره العميق» لمواقف الدولة الليبية وما تقدمه من دعم إنساني ورعاية للسودانيين.