هارب من جحيم نيران الحرب في السودان... قصة نازح

تخللتها أيام مرعبة كادت أسرته تموت برصاصات مجهولة أثناءها

منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

هارب من جحيم نيران الحرب في السودان... قصة نازح

منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حين اندلع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كانت ابنة المواطن أحمد محمد، الطبيبة الشابة، تدير عيادة في إحدى المنشآت الطبية عند شارع النيل، حيث دارت المعارك الأولى. علقت الطبيبة والعاملون معها هناك، أما والدها وأشقاؤها فقد حاصرتهم الرصاصات المتقاطعة في مسكنهم بحي كوبر من نواحي الخرطوم بحري، بالقرب من أحد أكبر معسكرات قوات الدعم السريع، المعروف بـ«مقر هيئة العمليات»، وبسبب ضرب مطار الخرطوم وإغلاق السلطات العسكرية المجال الجوي السوداني، علقت الأم في المملكة العربية السعودية، التي ذهبت إليها لأداء شعيرة العمرة.

من أولى الرصاصات، اتضح أن مصير هذه الأسرة الصغيرة أن تتوزع بين منطقتين في السودان ودولة خارجية، وصار كل جزء منها عالقاً في مكان لا يستطيع مغادرته، خشية أن ينقطع اتصاله وتواصله مع بقية أفراد الأسرة. وفي الأثناء كانت المعارك تدور أمام منزل الأسرة وسكانه لا يستطيعون الخروج لتحسس ما يحدث في الخارج، ولا يستطيعون ترك المكان بانتظار عودة الابنة المحتجزة، فمغادرة المنزل إلى منطقة آمنة مخاطرة بأن تفقد أثرهم ويفقدوا أثرها.

سكان يغادرون منازلهم في جنوب العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

لا مفر

ظل الحال كما عليها، ودوي الرصاص والمقذوفات والطائرات المقاتلة والمدفعية يرج زجاج ونوافذ المنزل رجاً، لكن لا مفر أمام الأب أحمد محمد وأبنائه إلاّ انتظار عودة البنت العالقة في محل عملها. ويقول: «لم نكن نستطيع مغادرة المنزل، فأين ستذهب الدكتورة إذا انتقلنا لمكان آخر، مجبرون على البقاء تحت أسرتنا لحين عودتها».

وفي ليلة كان القصف عنيفاً جداً ارتجت له الحوائط والجدران، وسمعت صوت الرصاصات تصطدم بجدار المبنى الخارجي، لتكتشف الأسرة أن الرصاصات العمياء قد اخترقت الحائط الخارجي للمنزل، وكادت تقتل النائمين خلفه، لحظهم لم تخترقه، بيد أنهم ومنذ تلك اللحظة التي أخطأهم فيها الموت آثروا النوم أرضاً وفي أبعد مكان عن حوائط الشقة الصغيرة التي يقطنونها.

ولم تقف الرصاصات عند حدود تحويل الحائط إلى «غربال»، بل دمرت شبكتي الصرف الصحي ومياه الشرب في المبنى. ويقول محمد: «كدت آخذ أبنائي لنغادر، لكن أصغرهم صاح، إذا غادرنا، كيف ستجد شقيقتي مكاننا، ننتظر يا أبي حتى عودتها».

انعدام الماء والكهرباء

لم تقتصر معاناة تلك الأسرة على الرصاص والقذائف المتطايرة حولهم وتحاصرهم من كل الجوانب، بل إن خدمة الكهرباء والمياه تعطلت منذ اللحظات الأولى لاندلاع القتال، فزادتهم معاناة على معاناتهم، وصار جلب الماء من بئر تبعد نحو كيلومترين مخاطرة لا فرار منها. ويقول محمد: «كنا ننتظر هدوء تبادل إطلاق النار بين الطرفين لنتسلل إلى بئر في أحد مصانع الثلج، وننضم لصف طويل من أهل الحي الذين ينتظرون دورهم لملء مواعينهم بالماء، وطبعاً الحديث عن كهرباء ومراوح حلم بعيد المنال في حرارة الخرطوم التي زادتها المعارك التهاباً».

حاولت المؤسسة التي تشتغل عندها الطبيبة إخراج العاملين حين أُعلنت أول هدنة، لكن الرصاصات المتطايرة والأعين المحمرة التي تنظر شذراً لكل مارٍ أجبرتهم على العودة مجدداً. وفي الهدنة الثانية أفلحت المؤسسة في إخراجهم بعملية معقدة، وفي عربة خاصة تحمل شعار المؤسسة، واضطروا للالتفاف لمسافة تقارب 50 كيلومتراً، على الرغم من أن المسافة بين مكان عملها وبيتها لا تزيد عن 6 كيلومترات في الأوضاع العادية.

حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

احتفال وسط القصف

فجأة، صرخ شقيق الطبيبة فرحاً حين دخلت أخته المنزل سالمة، وكان وصولها احتفالاً وسط القصف والدموع، ويقول محمد: «بدأنا نخطط للمغادرة، لكنا آثرنا أن ننتظر حلول عيد الفطر، كنّا نأكل من زاد رمضان، لكن بسبب انقطاع التيار الكهربائي تلف جله، فصرنا نأكل ما تيسر ونحن صيام». وتابع: «صبيحة العيد والناس يهللون ويكبرون للصلاة، جمعنا ما تيسر من حاجياتنا، ووضعناها في العربة، وسارعنا بالتسلل إلى خارج الخرطوم».

وأضاف محمد: «واجهنا معارضة قوية من زوجتي، الموجودة في المملكة، على السفر بسيارتنا، لأن أفراد قوات الدعم السريع وقتها بدأوا نهب السيارات، لكني حسمت الأمر قاطعاً بأننا سنسافر بالسيارة، وسأعطيهم مفتاحها وأفدي بها أبنائي إذا لزم الأمر، لا سيما وأنهم يمكن أن يأخذوها متوقفة أمام المنزل». وتابع: «ودعنا الجيران ووزعنا عليهم ما تبقى من زاد قابل للتلف، وأمناهم مفتاح المنزل، وتسللنا بداخل الأحياء متجهين نحو شرق ولاية الجزيرة، لنستقر عند أصدقاء في قرية بمنطقة البطانة قرب مدينة تمبول الشهيرة».

وواصل محمد حديثه: «عند قنطرة حلة (كوكو) في الخرطوم بحري، وهي جسر يعد المدخل الرئيس للعبور للخرطوم شرق، وجدنا قوة كبيرة من (الدعم السريع)، فلم توقفنا، فواصلنا السير شرقاً، لنتعثر في مجموعة أخرى من قوات الدعم السريع شرق سوق كوكو، تحققوا من هوياتنا وسمحوا لنا بالمغادرة. ثم تفتيش ثالث حتى وصلنا منطقة العيلفون أقصى جنوب شرقي الخرطوم، وبعدها لم تكن هناك أي سيطرة لأي من القوتين المتقاتلتين».

آثار ما بعد النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في سوق الجنينة غرب دارفور (أ.ف.ب)

الوجه القبيح للحرب

ووفقاً لمحمد، فإنه بعد أن كانوا قد سمعوا أصوات الحرب، فإن رحلتهم جعلتهم يرون وجهها القبيح قبل أن يغادروا الخرطوم، فعلى جانبي الطريق مدرعات محترقة، وعربات مسلحة مرمية على أطراف الطريق، وناقلات جنود لم تبق النيران منها شيئاً، فيما تناثرت الجثث على جانبي الطريق. كان ذلك عشية قدوم قوات تابعة للجيش قادمة من جهة الشرق تصدت لها قوات الدعم السريع التي كانت تسيطر على المنطقة.

وصل محمد وأولاده مقصدهم بولاية الجزيرة، فوجدوا الأصدقاء بانتظارهم، ذبحوا لهم الذبائح حامدين لهم سلامتهم، وحملوهم على أكف الراحة، يقول محمد: «بمجرد وصولنا كان همي الأول أن أنام فقد أنهكني السهر والهلع، فقلت لمضيفي الكرماء الذين جهزوا الطعام الشهي الذي حرمنا منه طويلاً، أنا أريد أن أنام، فنمت نومة حرمت منها طوال أيام الفزع ودوي القذائف، أما أيام النزوح ومحاولة السفر إلى مصر فتلك حكاية قد تصلح لقصة أخرى».

وماذا حدث بعد رحيل محمد وأسرته، فقد أبلغه الجيران من سكان المبنى أنهم غادروه جميعاً، وأن المبنى بمجرد خلوه تحول لثكنة عسكرية، سيطر عليه مقاتلو «الدعم السريع»، وحولوا طابقه الأرضي إلى مشفى مداني، وسكنوا طوابقه العليا، ونصبوا مضادات الطيران على سطوحه، ولا أحد يستطيع الاقتراب أو التصوير، ولا يعرف أحدهم مصير مقتنياته التي تركها على أمل العودة بعد عدة أيام، لكن الفترة طالت لتبلغ ثلاثة أشهر.


مقالات ذات صلة

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
TT

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

ووفقاً لآخر التقارير الصحية، سُجّل أكثر من 6 آلاف إصابة في ولاية نهر النيل وحدها منذ بداية العام، بينها 205 حالات خلال يومين فقط، إضافة إلى 12 حالة وفاة تراكمية. ولا يزال المرض منتشراً في ولايات أخرى، من بينها العاصمة الخرطوم، والجزيرة، ودارفور.

وأفادت وزارة الصحة بولاية نهر النيل، في تقريرها اليومي، بارتفاع كبير في عدد الإصابات، حيث بلغ إجمالي الحالات 6392 إصابة حتى يوم الجمعة. وسُجلت 97 إصابة جديدة يوم الخميس، و108 حالات يوم الأربعاء، استدعت دخول المستشفيات. وتوزعت الإصابات داخل الولاية على عدة مدن، حيث سجلت شندي 2495 إصابة و4 وفيات، تلتها الدامر بـ2100 إصابة و4 وفيات، ثم المتمة بـ1722 إصابة و6 وفيات، فيما سجلت عطبرة 75 إصابة.

وامتد انتشار المرض أيضاً إلى الولاية الشمالية المجاورة، حيث سُجلت أول إصابة في منطقة الزومة بمحلية مروي منذ ظهور المرض في فبراير (شباط) الماضي. وبلغ إجمالي الإصابات هناك 174 حالة حتى يوم الجمعة، في محليتي مروي والدبة.

دعوات للتدخل السريع

وفي إطار جهود التصدي للوباء، عقدت الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة اجتماعاً مع قيادات مجتمعية وممثلين عن جمعية الهلال الأحمر السوداني، لبحث التدخلات العاجلة وتعزيز التنسيق المجتمعي للحد من انتشار المرض.

وفي العام الماضي، شهدت عدة ولايات سودانية تفشياً وبائياً واسعاً لحمى الضنك، لا سيما في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وذلك في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية نتيجة الحرب. ووفق الإحصاءات، سُجل أكثر من 14 ألف إصابة في ولاية الخرطوم وحدها، ونحو 3 آلاف إصابة في ولاية الجزيرة، إلى جانب 176 حالة وفاة مرتبطة بالمرض حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي مواجهة التصاعد الحالي، أعلنت وزارة الصحة بولاية نهر النيل أن مفوضية العون الإنساني أطلقت نداءً عاجلاً موجهاً إلى المنظمات الأممية والوطنية وشركاء العمل الإنساني، للتدخل السريع والحد من انتشار الوباء في مدن وبلدات الولايات الشمالية، مع الدعوة إلى تكثيف الجهود العلاجية والوقائية بصورة عاجلة لتقليل آثار المرض.

وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم يتفقد المنشآت الصحية في شمال البلاد (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وفي هذا السياق، أجرى وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، جولة ميدانية في الولايات الشمالية، أعلن خلالها تدشين حملة موسعة لمكافحة نواقل الأمراض والحد من انتشار الحميات، تشمل تنفيذ عمليات رش ومكافحة جوية وأرضية في جميع محليات ولايتي نهر النيل والشمالية.

وأشار الوزير إلى أن حمى الضنك باتت منتشرة في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، مؤكداً أهمية تكثيف الجهود المجتمعية والمشاركة الشعبية الواسعة في حملات المكافحة، وتسريع التدخلات لخفض معدلات الإصابة. كما دعا المتطوعين وأئمة المساجد ووسائل الإعلام إلى تعزيز التوعية الصحية بين المواطنين.

ويأتي هذا التفشي في سياق أوسع من تدهور الأوضاع الصحية والبيئية في البلاد، حيث انتشرت أوبئة عدة مثل الكوليرا والملاريا إلى جانب حمى الضنك، نتيجة تدهور البيئة وانهيار البنية التحتية الصحية بفعل الحرب.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت في تقرير سابق من أن النظام الصحي في السودان يقف على «حافة الهاوية»، مشيرة إلى أن أقل من 25 في المائة من المرافق الصحية لا تزال تعمل في الولايات الأكثر تضرراً، فيما تعمل نحو 45 في المائة فقط بكامل طاقتها في الولايات الأقل تأثراً.

وتُعد حمى الضنك مرضاً فيروسياً ينتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وهي نوع من البعوض يُعد من أخطر نواقل الأمراض للإنسان، وتنشط خلال النهار وتتكاثر في المياه الراكدة. وتتراوح فترة ظهور الأعراض بين 4 و10 أيام، وتشمل ارتفاعاً مفاجئاً في درجة الحرارة، وآلاماً حادة في العضلات والمفاصل، ما أكسبها لقب «حمّى تكسير العظام»، إضافة إلى إرهاق شديد. وفي الحالات المتقدمة، قد تتطور إلى حمى نزفية مصحوبة بنزيف من الأنف واللثة، وانخفاض حاد في ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى فشل في الأعضاء الداخلية.


«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)

قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، العفو عن 602 من السجناء المحكوم عليهم في «قضايا».

وقالت وزارة الداخلية المصرية في إفادة، إنه «بمناسبة الاحتفال بـ(عيد تحرير سيناء) وتنفيذاً لقرار الرئيس السيسي بشأن الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة بالنسبة لبعض المحكوم عليهم الذين استوفوا شروط العفو، فقد عقد (قطاع الحماية المجتمعية) لجاناً لفحص ملفات النزلاء على مستوى ربوع البلاد، لتحديد مستحقي الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة».

وأضافت: «انتهت أعمال اللجان إلى انطباق القرار على 602 نزيل ممن يستحقون الإفراج عنهم بالعفو».

وتحتفل مصر في يوم 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»؛ حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء، بعد استعادتها من إسرائيل في عام 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، تنفيذاً لـ«معاهدة السلام».

السجناء المفرج عنهم في مصر بموجب «عفو رئاسي» (وزارة الداخلية المصرية)

وأوضحت «الداخلية»، السبت، أن الإفراج عن السجناء «يأتي في إطار حرص الوزارة على تطبيق السياسة العقابية بمفهومها الحديث، وتوفير أوجه الرعاية المختلفة لنزلاء (مراكز الإصلاح والتأهيل)، وتفعيل الدور التنفيذي لأساليب الإفراج عن المحكوم عليهم الذين تم تأهيلهم للانخراط في المجتمع».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية في وقت سابق أن «جميع (مراكز الإصلاح والتأهيل) تتوفر فيها الإمكانات المعيشية والصحية كافة للنزلاء، في إطار ما شهدته المنظومة العقابية من تطوير وتحديث، وفقاً لأعلى معايير حقوق الإنسان الدولية، فضلاً عن أنها تخضع للإشراف القضائي».


مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

تزامناً مع الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، تستهدف الحكومة المصرية التوسع في مشروعات التنمية في شبه جزيرة سيناء، ما يعزز من الاستقرار الأمني، ويحمي حدود البلاد الشرقية.

وتحتفل مصر في 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»، حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء بعد استعادتها من إسرائيل في 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها تنفيذاً لمعاهدة السلام.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «معركة التحرير التي خاضها المصريون بالسلاح والدماء والفكر في سيناء، امتدت (اليوم) إلى معركة البناء والتنمية»، وقال في كلمة بهذه المناسبة، السبت، إنه «كما استعادت مصر الأرض بالتضحيات، فإننا نصونها ونشيدها بالعرق والعمل».

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأسبوع الماضي، عدداً من المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة شمال سيناء (شرق البلاد)، مؤكداً أن «رؤية الدولة للتنمية في شمال سيناء تتركز على أن تكون المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً كبيراً لمصر».

وسبق أن ذكر مدبولي في نهاية 2023 أن «الحكومة أنفقت على مشروعات التنمية في سيناء خلال عشر سنوات أكثر من 600 مليار جنيه مصري (الدولار يساوي 52.56 جنيه مصري) شملت مشروعات في مختلف القطاعات التنموية»، ونوه حينها إلى أن «المرحلة الثانية من مشروعات التنمية في سيناء تقدر بنحو 363 مليار جنيه لتنفيذ نحو 302 مشروع خلال ثلاث سنوات»، حسب إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري».

جانب من المشروعات في شمال سيناء (وزارة الري المصرية)

وتزامناً مع ذكرى «تحرير سيناء»، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر أن «حجم الاستثمارات المخصصة لمحافظتي شمال وجنوب سيناء خلال عامي (2026 - 2027) تبلغ نحو 35 مليار جنيه، وأكدت، في بيان، السبت، أن «59 في المائة من هذه الاستثمارات موجهة للتنمية البشرية وبناء الإنسان».

ووفق الخبير العسكري المصري، اللواء محمد قشقوش، «تشكل خطة التنمية في سيناء خط الدفاع الأول عن شبه جزيرة سيناء في الوقت الحالي»، ويشير إلى أن «الحكومة المصرية تضع مشروع التنمية في سيناء ضمن أولوياتها خلال السنوات الأخيرة، بغرض زيادة الاستثمارات، ما ينعكس على الكثافة السكانية بتلك المنطقة».

ويرى قشقوش أن «زيادة الكثافة السكانية في سيناء وارتفاع نسبة الأيدي العاملة في المشروعات التنموية والخدمية والاستثمارية بها، سيساهم في حماية وأمن هذه المنطقة التي تشكل البوابة الشرقية للدولة المصرية»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة تستهدف زيادة السياحة في هذه المنطقة التي تضم مقاصد سياحية وترفيهية عديدة».

رئيس الوزراء المصري خلال لقائه أعضاء البرلمان عن سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وأعلنت الحكومة، العام الماضي، عن «استراتيجية مصر الوطنية لتطوير شبه جزيرة سيناء»، التي شهدت مشروعات (طرق وموانئ وسكك حديدية ومناطق صناعية ولوجستية) بهدف تحويلها إلى مركز تجاري يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويعزز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية.

وبحسب قشقوش، «تستهدف الحكومة المصرية تعزيز الربط الدائم بين سيناء والدلتا، عبر مشروعات طرق وأنفاق وكبارٍ عديدة».

وأقامت الحكومة المصرية 6 أنفاق أسفل المجرى الملاحي لقناة السويس، ضمن مشروعات التنمية والتعمير في سيناء، بتكلفة وصلت إلى 35 مليار جنيه، وقال السيسي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «بلاده ربطت سيناء بالدلتا عبر 6 أنفاق تحت قناة السويس لمن لا ينتبه، لتصبح سيناء والدلتا حتة (قطعة) واحدة».

ويشير الخبير الأمني في مكافحة الإرهاب، حاتم صابر إلى أن «الحكومة المصرية أقامت مشروعات التنمية بالتوازي مع مواجهة شاملة مع تنظيمات الإرهاب التي كانت تتخذ من سيناء موضع قدم لها».

والشهر الماضي، تحدث الرئيس المصري عن تكلفة الحرب التي خاضتها بلاده ضد الإرهاب منذ عام 2012 وحتى 2022، قائلاً إن «مصر أنفقت نحو 120 مليار جنيه في الحرب على الإرهاب».

جامعة العريش - سيناء (وزارة التعليم العالي المصرية)

ويرى صابر أن «الحكومة تعمل على توسيع المشروعات لتوفير بيئة صالحة للاستثمار والتنمية»، وعدّ ذلك «يمنع أي محاولات لاستغلال الظهير الصحراوي في سيناء من قبل جماعات متطرفة، كما يحبط أي سيناريوهات كانت تستهدف توطين الفلسطينيين في سيناء».

وتشدد مصر بشكل متكرر على «رفض تهجير الفلسطيني من غزة»، وتقول إن ذلك يعدّ «خطاً أحمر بالنسبة لها».

وتشكل شبه جزيرة سيناء أهمية استراتيجية كبرى لمصر، بوصفها البوابة الحدودية الشرقية، وتبلغ مساحتها 61 ألف كيلومتر مربع؛ أي نحو 6 في المائة من مساحة مصر، وتضم محافظتين هما: شمال سيناء وعاصمتها العريش، وجنوب سيناء وعاصمتها الطور.

بُعد آخر تحدث عنه صابر بقوله لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك حرصاً على مشاركة أهالي سيناء في مشروعات التنمية، بما يعزز من قيم المواطنة والمشاركة، عقب شكاوى التهميش التي كان يرددها بعضهم في وقت سابق».

وأكد رئيس الوزراء المصري، الأسبوع الماضي، أن «التنمية المتكاملة في سيناء قائمة على سواعد أهالي شمال سيناء أنفسهم».