هزّت أصوات انفجارات قوية وقذائف مدفعية اليوم (السبت) مناطق متفرقة من مدينة أم درمان، ثاني أكبر مدن العاصمة السودانية (الخرطوم)، وتجددت الاشتباكات بين طرفي القتال، (الجيش وقوات «الدعم السريع») في مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور. وتواصلت معاناة ملايين المدنيين في الخرطوم وإقليم دارفور جرّاء الحرب المحتدمة بين الطرفين، بعد أن فشلت الجهود الدبلوماسية في إيجاد مَخرج حتى الآن. وهزّت طلعات الطيران الحربي ودويّ الأسلحة الرشّاشة المنازل مجدّداً في الخرطوم، حيث ينزوي المدنيون داخل منازلهم خوفاً من القصف.
وبالتزامن مع ذلك، أطلقت القوات المشتركة للفصائل المسلحة في دارفور، تحذيراً لقوات «الدعم السريع» من أي محاولات للاعتداء على المدنيين. وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن دوي قذائف الأسلحة الثقيلة هزّ أرجاء من مدينة أم درمان، مرجحة أن تكون أُطلقت من مدافع أو مدرعات من المقار العسكرية التابعة للجيش بالمنطقة. وأضافت أن المواجهات داخل الأحياء السكنية قد انحسرت، عدا أصوات متقطعة لإطلاق الرصاص تُسمع بين فترة وأخرى. وقال شهود عيان إن معارك ضارية تدور بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في محيط مقر قوات شرطة الاحتياطي المركزي في جنوب الخرطوم، التي انخرطت في القتال إلى جانب الجيش. كما أفادت مصادر بأن اشتباكات اندلعت في مدينة نيالا، بولاية جنوب دارفور، منذ صباح السبت، مشيرة إلى سقوط قتيل على الأقل وجرح آخرين من المدنيين بالرصاص الطائش.

تحذير الحركات المسلحة
وتجددت الاشتباكات في مدن السودان بين الجيش و«الدعم السريع»، عقب انتهاء هدنة وقف إطلاق النار لمدة 3 أيام، الأسبوع الماضي، تمت بوساطة سعودية - أميركية. وحذرت القوة المشتركة للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق «جوبا للسلام» في 2020، قوات «الدعم السريع» من تكرار محاولة التعدي على السوق الرئيسية في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور. وقال رئيس اللجنة الإعلامية للقوة المشتركة، أحمد حسين مصطفى، في بيان، «إن قواتنا تصدت يوم الخميس الماضي لمحاولة من قوات (الدعم السريع) للهجوم على السوق من 3 اتجاهات، أسفر عن جرح شخصين وسط قواتنا». وأضاف: «نعتبر هذا الهجوم غدراً على قواتنا، ونحمّل قوات (الدعم السريع) المهاجِمة الآثار والأضرار كافة، التي تعرض لها المواطنون الأبرياء إثر هذا الهجوم». وأوضح مصطفى أنه «لا حياد في حماية المواطن وممتلكاته، وكل مَن يحاول ذلك يتم صده بنجاح، وقواتنا جاهزة تماماً». وقال إن الحركات المسلحة ليست من دعاة الحرب، لكن «كل من يحاول مباغتتنا سنتعامل معه بالرد الحاسم. ونحذر قوات (الدعم السريع) والمتفلتين كافة من الاعتداء على السوق، والابتعاد عن المواطنين». ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) الماضي، شهدت ولايات جنوب وغرب ووسط دارفور مواجهات دامية بين طرفي الصراع، أسفرت عن مقتل وجرح المئات، ونزوح الآلاف داخل وخارج الإقليم. وفي وقت سابق دعا حاكم دارفور، مني أركو مناوي، المواطنين في الإقليم إلى حمل السلاح لحماية ممتلكاتهم، وقال إن الحركات المسلحة جاهزة لإسنادهم في جميع حالات الدفاع عن النفس وحماية ممتلكاتهم.

موجات النزوح
ووفق الأمم المتحدة، غادر 1.5 مليون سوداني العاصمة منذ اندلاع الحرب، أما ملايين السودانيين الآخرين الذين بقوا في العاصمة فيعيشون بلا كهرباء منذ الخميس، بحسب ما أكّد عدد منهم. ومنذ أكثر من شهرين يعيش سكان الخرطوم بلا كهرباء ولا ماء لفترات طويلة، إذ إنّ التغذية بالتيار الكهربائي وكذلك بمياه الشرب لا تصلهم سوى بضع ساعات فقط أسبوعياً، في ظل ارتفاع درجة الحرارة في هذا الوقت من العام.
وفي الخرطوم، كما في دارفور، صار ثلثا المستشفيات خارج الخدمة، والمنشآت الطبية التي لا تزال تعمل تعاني من نقص حادّ في مخزون الأدوية ومن انقطاع الكهرباء لفترات طويلة؛ بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولّدات.
كذلك فإنّ العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية الذين يطالبون بتمكينهم من الوصول للمدنيين، يواصلون الشكوى من العقبات الإدارية التي يواجهونها.
ومن دون مساعدتهم، لا يستطيع نصف سكان السودان البقاء على قيد الحياة، وفق الأمم المتحدة. ومع ذلك فإن الممرات الآمنة اللازمة لم تتوفّر بعد، وكذلك تأشيرات الدخول اللازمة لدخول أجانب لمساعدة العاملين المحليّين المنهكين.
ويقول مركز «مجموعة الأزمات الدولية» للأبحاث إنّ «الجيش لا يريد أن تصل المساعدات إلى الخرطوم لأنّه يخشى من أن تستولي عليها قوات (الدعم السريع)»، كما حدث أكثر من مرة خلال عمليات النهب منذ بداية الحرب لأنّه يعتقد بأنّ ذلك «سيتيح لهذه القوات الصمود لفترة أطول».

تعليق الوساطة
وعلّقت واشنطن أخيراً جهود الوساطة التي كانت تقوم بها مع الرياض، والتي كانت ترمي لتوفير ممرّات آمنة للمساعدات الإنسانية. وأكد مركز «مجموعة الأزمات الدولية» أنّ «طرفي النزاع يريدان الاستفادة من هذه المحادثات لتحقيق أهداف تكتيكية، فالجيش يطالب بمغادرة قوات (الدعم السريع) المناطق الآهلة بالسكان، وقوات (الدعم السريع) تطالب بوقف القصف الجوي من قبل الجيش».
ولا يبدو أنّ أيّاً من الطرفين على استعداد لتقديم أيّ تنازل رغم إدراكهما أنّ الحرب ستطول ويمكن أن تمتدّ خارج حدود السودان. ويحذّر مركز «مجموعة الأزمات الدولية» من أنّ هذه الحرب قد تؤدّي إلى «انهيار كامل» في واحد من أكبر بلدان أفريقيا. ومع مشاركة مدنيين مسلّحين ومجموعات متمرّدة ومقاتلين قبليين في المعارك في مختلف ولايات السودان، فإن خطر «حرب أهلية طائفية» يتزايد، وفقاً للمركز البحثي.
وطلبت الأمم المتّحدة يوم السبت «عملاً فورياً» لوقف القتال في الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور. وقالت المفوضية العليا لحقوق الإنسان إنّه «من أصل 16 شخصاً تم سؤالهم، قال 14 إنّهم كانوا شهوداً على أعمال قتل لمدنيين على الطريق المؤدية من الجنينة إلى الحدود التشادية، تمثلت في إطلاق نار من مسافة قريبة على أشخاص يطلب منهم الانبطاح أرضاً، أو إطلاق نار على مجموعات من الناس».
ويقول مركز «مجموعة الأزمات الدولية» إنّ «النافذة التي كانت مفتوحة لوقف الحرب تغلق سريعاً، وإذا أُغلقت هذه النافذة فإن قادة المعسكرَين لن يتمكنوا من إيقاف الحرب حتى لو أرادوا» ذلك، وسيصبح السودان «جنة للمرتزقة والمقاتلين العابرين للحدود، والمهرّبين الذين يمكنهم زعزعة استقرار المنطقة لسنوات».






