أوحت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حول ضرورة التخلص من مخلفات التجارب النووية الفرنسية التي أُجريت في صحراء الجزائر، في ستينات القرن الماضي، بأن بلاده باتت يائسة من تعاطي باريس إيجابياً مع طلبها تنظيف المناطق التي شهدتها تلك التجارب من التلوث، وذلك بعد أن التمس المساعدة من روسيا للقيام بهذه المسؤولية خلال زيارته إلى موسكو قبل 3 أيام.
وأكد تبون، أول من أمس (الخميس)، خلال لقائه بالرئيس فلاديمير بوتين بقصر الكرملين، أن الجزائر تريد إبرام اتفاقيات مع روسيا الفيدرالية، تتعلق بإزالة آثار التجارب النووية الفرنسية. وقال إنه يرغب في الاستعانة بـ«أصدقائنا الخبراء الروس».

وكان تبون قد قلَّد في بداية زيارته إلى روسيا، في 13 من الشهر الحالي، ضابطاً عسكرياً روسياً وسام «عشير»، نظير مساهمته في أعمال أنجزها الجيش الجزائري لنزع الألغام التي زرعها الاستعمار الفرنسي بالحدود الجزائرية لمنع مجاهدي ثورة الاستقلال (1954 - 1962) من جلب السلاح من الدول المجاورة.
ويُفهم من تصريحات تبون، بحسب مراقبين، أن الحكومة الجزائرية ضاقت ذرعاً بالموقف السلبي للحكومة الفرنسية، إزاء مطلب الجزائر الذي يعود إلى سنوات طويلة، والذي يخص تحمل باريس مسؤولياتها من مخلفات تجارب الذرة، من خلال تطهير المواقع التي جرت فيها من التلوث، الذي لا يزال يصيب سكان المناطق الصحراوية بتشوهات خلقية، بحسب خبراء جزائريين، فضلاً عن أضرار بليغة لحقت بالمياه الجوفية في هذه المناطق.

كما يُفهم من موقف تبون أيضاً أن الجزائر اختارت رسمياً رفع طلب تطهير مناطق التجارب النووية إلى حليفها التقليدي (روسيا)، الذي بات خصماً لدوداً لباريس في سياق الحرب التي يشنها بوتين على أوكرانيا. وهذا الموقف لا يخلو من دلالات سياسية، وفق محللين جزائريين.
وكتبت صحيفة «الشروق»، في عدد اليوم (السبت)، أن «توجه الجزائر نحو الاستعانة بروسيا للمساعدة في تنظيف مناطق التفجيرات النووية بجنوب البلاد، يعني وجود حالة من اليأس لدى الجانب الجزائري في تجاوب الطرف الفرنسي مع هذه المطالب، التي تعود إلى عقود، ولن يمر هذا التماطل من دون أن يخلف ارتدادات وتداعيات قاسية على العلاقات مع الدولة الفرنسية، باعتبارها المسؤول المباشر على هذه الجريمة ضد الإنسانية، التي لا تتقادم، كما هو معلوم، استناداً إلى القوانين والأعراف الدولية».

وأضافت الصحيفة قائلة: «من موسكو، وجَّه الرئيس عبد المجيد تبون رسالة عابرة، لن يخطئ الجانب الفرنسي في تلقفها. فالخلاف بين الجزائر وباريس تمظهر اليوم في شكل رسالة صوتية لا يمكن تحميلها قراءات دبلوماسية فيها شيء من المجاملة، لا سيما انطلاقاً من دلالات المكان الذي صدر منه هذا التصريح».
ونهاية العام الماضي، صرح وزير المجاهدين العيد ربيقة بأن ملف التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر يوجد ضمن 4 ملفات كبرى عالقة أوقفت الجزائر التفاوض بشأنها مع الطرف الفرنسي «لأننا لم نلمس جدية من جانبه»، مبرزاً أن هذه الملفات كانت محل مفاوضات بين البلدين، وتتعلق بما يسمى «تسوية نزاع الذاكرة وأوجاع الماضي».
وأجرت فرنسا تجارب نووية في صحراء الجزائر بداية الستينات، واستمرت حتى عام 1967. ففي 13 فبراير (شباط) 1960، فجرت قنبلة بلوتونيوم في منطقة رقان (900 كلم جنوب) بقوة 70 كيلو طن، أي أقوى بثلاث إلى أربع مرات من قنبلة هيروشيما. وقد كشفت وثائق رفعت عنها السرية في 2013 أن الآثار الإشعاعية للتفجير طالت غرب أفريقيا بأسره وجنوب أوروبا.
ويشمل الطلب الجزائري بهذا الشأن أيضاً تعويضات مادية عن الخسائر التي ألحقتها الإشعاعات المنبعثة من هذه التجارب بالإنسان والأرض في مناطق شاسعة بالصحراء، فيما يبدي الفرنسيون تحفظاً على ذلك، بذريعة «مواجهة صعوبات في إحصاء المتضررين»، علماً بأن فرنسا تواجه قضايا مشابهة في مناطق أخرى بالعالم خاضعة لإدارتها، منها بولينيزيا بالمحيط الهادي، حيث أجرت هناك تفجيرات نووية عام 1996.




