النازحون السودانيون بين كرم المجتمعات وتجار الحروب

تضاعفت إيجارات العقار والنقل والسلع بصورة جنونية

سودانيون في العاصمة يستعدون للانتقال إلى أماكن أكثر أمنًا (أ.ف.ب)
سودانيون في العاصمة يستعدون للانتقال إلى أماكن أكثر أمنًا (أ.ف.ب)
TT

النازحون السودانيون بين كرم المجتمعات وتجار الحروب

سودانيون في العاصمة يستعدون للانتقال إلى أماكن أكثر أمنًا (أ.ف.ب)
سودانيون في العاصمة يستعدون للانتقال إلى أماكن أكثر أمنًا (أ.ف.ب)

تعد «حرب أبريل (نيسان) السودانية» بين الجيش و«الدعم السريع»، علامة فارقة في تاريخ البلاد الموبوءة بالحروب، فمن ناحية ضربت القلب المتحضر الذي كان الفارون من الحروب السابقة يلجأون إليه، فتحول المضيفون السابقون إلى مستضافين، بعد أن فر مئات الآلاف من القتال إلى المدن والقرى القريبة والبعيدة، وهناك استقبلهم أهلها و«استضافوهم» بكل رحابة وكرم، ولم يحتج كثيرون منهم لمخيمات لجوء... اقتسموا معهم اللقمة والمأوى.

لكن في الوقت ذاته لم يغب «تجار الحروب» عن المشهد، فسارعوا في المدن المختلفة لزيادة إيجارات المنازل بصورة جنونية، وارتفعت أسعار تذاكر مركبات النقل العام هي أيضاً بصورة جنونية، والمنزل الذي كان لا يسكنه أحد، أو لا يجد مؤجراً في مدينة ود مدني وسط البلاد على سبيل المثال، ارتفع سعره لنحو 750 ألف جنيه (تعادل 1500 دولار)، وزادت تذاكر حافلات النقل البري إلى مدينة أسوان المصرية، من 30 ألف جنيه إلى 250 ألف جنيه سوداني، أي من 50 دولاراً إلى 500 دولار تقريباً.

آثار المعارك في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

هذا الأمر شكل مفارقة لافتة، فربما هو الشخص نفسه الذي يستضيفك في بيته هو من يستغلك، وهو يقود حافلته السفرية، أو قد تجد الشخص نفسه الذي استغل حاجتك للسكن يوزع الطعام على الفارين من الحرب، وتجد أبناءه يقطعون الطريق على الفارين لتزويدهم بالماء والعصائر، وربما إجبارهم على تناول وجبة أُعدت من أجلهم، ومع ذلك ورغم فرار أكثر من مليون شخص خارج الخرطوم، لا توجد «مخيمات» بالمعنى الحرفي للمخيم؛ بل هي محطات مؤقتة للعابرين إلى مدن أخرى، يقدم خلالها الطعام المجاني الذي يعده الأهالي.

دموع فرح أثناء الحرب

يقول المواطن نجم الدين محمد لـ«الشرق الأوسط»، إن ظروف الحرب اضطرته للنزوح إلى ولاية الجزيرة للإقامة مع صديق، وهي المرة الأولى التي يذهب فيها إلى تلك الولاية، ووجد قبل دخوله القرية 3 سيارات تنتظره على الشارع الرئيسي، وحين وصل المنزل ذُبحت الذبائح قرابين لوصوله بسلام، ثم تنازع الحضور، كل يريد استضافته وأسرته المكونة من 4 أطفال وزوجة، وإزاء هذا الاستقبال المهيب، سالت دموع نجم الدين.

لكن الأمر لا يخلو من مفارقات واجهت الفارين من الحروب. تقول رواية متداولة بشدة، إن المجتمعات المضيفة تعمل وسعها لحماية الضيف؛ بل تعتبر مواجهته لخطر وهو موجود بينهم «عيباً كبيراً»، ويحكى أن نازحاً ذهب للنيل لجلب الماء، (في معظم المدن والقرى انقطعت المياه بسبب الحرب)، وبعد ملء مواعينه قرر الاستحمام في النهر؛ لكن حظه العاثر أوقعه في منطقة عميقة عادة يتجنبها أهل المنطقة، وكادت تحدث كارثة، لولا أن أنقذه أحد سكان المنطقة المتمرسين في السباحة، وقال قائلهم: «ما كنا لنترك ضيفنا يغرق ولو غرقنا معه».

سودانيون يستقلون حافلة لمغادرة جنوب الخرطوم بعد بدء الهدنة (أ.ف.ب)

وليس كل ما حدث جميلاً، ففي المقابل كشفت الحرب أن «تجار الحروب»، وهم في كل مكان، سارعوا إلى استغلال حاجة النازحين، ووصل الإيجار الشهري لـ«شقة» متواضعة في مدينة ود مدني أو بورتسودان إلى أكثر من ألفي دولار، اضطر القادرون من الفارين من الحرب إلى دفعها، وهو ما دفع بكثيرين منهم للعودة إلى الخرطوم مجدداً، واختاروا مواجهة القصف والاقتتال ودوي الأسلحة من كل نوع؛ لأنهم لا يستطيعون تحمل دفع تلك الإيجارات الخرافية، أو بعد نفاد مدخراتهم، لا سيما شريحة العاملين بالدولة والقطاع الخاص الذين لم يتسلموا رواتبهم منذ أكثر من شهرين؛ بل حتى الذين يملكون أرصدة بنكية، لم يستطيعوا الاستفادة منها؛ لأن البنوك أغلقت أبوابها وتعطلت وسائط الدفع الإلكتروني جميعها.

بات السودانيون على موعد مع هجرة قسرية من الخرطوم (الشرق الأوسط)

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير لـ«الشرق الأوسط»: «إن للحروب إفرازات كثيرة، منها ما هو إيجابي والآخر سلبي، فكثير من الأسر خرجت من العاصمة والمناطق التي اشتعلت فيها الحرب، إلى الأهل والمعارف والأقارب بولايات السودان المختلفة، وهذا نهج ليس غريباً على السودانيين؛ حيث الأسرة الممتدة توفر الحماية... وهذه الميزة خففت ضغوط الحرب على المواطنين؛ لكن بعض أصحاب العقارات استغلوا ظروف الحرب، ورفعوا أسعار الإيجارات إلى 7 أضعاف الأجر الفعلي، من دون مراعاة الظروف الاقتصادية التي يعانيها الجميع، خصوصاً الذين فشلوا في الاستفادة من أرصدتهم البنكية، بسبب تذبذب الخدمة عبر التطبيقات البنكية»، وتابع: «متوقع أن ترتفع أسعار الإيجارات والخدمات بسبب الحرب؛ لكن ليس لهذه الدرجة».

من إحدى الأسواق الشعبية في الخرطوم (أ.ف.ب)

لا يقتصر استغلال تجار الحروب والكوارث على العقارات وحدها؛ بل ارتفعت أسعار السلع بصورة جنونية، وهو ما أشار إليه الباحث الاجتماعي حمد محمد خير، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بقوله: «الشعب لا ناقة له ولا جمل في هذه الحرب، وهو المتضرر الأوحد؛ لأن حياة الناس توقفت، وواجهت مئات الآلاف من الأسر تهديداً وجودياً... صحيح أن كثيرين أيضاً فتحوا بيوتهم لاستقبال النازحين في ولايات لم تصلها الحرب، وتكفلوا بمأكلهم ومشربهم؛ لكن حتى المجتمعات المضيفة نفسها واجهت ارتفاع أسعار السلع والخدمات».

سودانيون هربوا من العنف (رويترز)

وأرجع محمد خير ظاهرة استضافة «الغريب» في الثقافة المجتمعية السودانية إلى القرن التاسع عشر، وقال إن المؤرخين والرحالة الغربيين، أمثال بيركهارت، الذي رصد التاريخ الاجتماعي لشمال البلاد، وألان مورهيد في مناطق النيل الأبيض والأزرق، وأبو بكر التونسي في دارفور، أجمعوا على كرم أهل السودان، وقبولهم الضيف الغريب، وأنهم قد يتشاجرون على ضيافته، وأضاف: «فكرة استضافة الغريب الحكيم فكرة راسخة في العقل السوداني، وكانت تمثل محوراً لتفكيره، وأسهم هؤلاء الغرباء في نشر الإسلام. كانوا يزودون الغريب بالطعام والشراب ويزوجونه من بناتهم بما في ذلك من الأسر الحاكمة»، ويتابع: «يبدو أن جذور حفاوة استقبال النازحين ترجع إلى ذلك التاريخ».


مقالات ذات صلة

«قوات الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

شمال افريقيا القائد الميداني في «الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ«أبو لولو» يتوسط مقاتلين آخرين قرب الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز) p-circle

«قوات الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

نفت «قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) صحة أنباء متداولة بشأن إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
آسيا الدخان يتصاعد من الطائرات المحترقة داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات (أرشيفية - رويترز)

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

قتل 28 شخصاً على الأقل اليوم (الثلاثاء)، في هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطعماً وعربة مسلحة داخل سوق مكتظة بمدينة غبيش بغرب كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

«أبو لولو» القيادي بـ«الدعم السريع» يعود للقتال

قالت تسعة مصادر لـ«رويترز» إن قائداً في «قوات الدعم السريع»، كان قد اعتُقل في أواخر العام الماضي عقب موجة غضب عالمية أطلق سراحه وعاد إلى القتال.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)

السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

جدّد السودان التأكيد على استعداده للالتزام بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية وبناء توافق وطني شامل يمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم (وكالة السودان للأنباء)

أزمة الكهرباء تفاقم معاناة السودانيين في صيف لاهب

تشهد العديد من مناطق العاصمة السودانية الخرطوم ازدياداً في انقطاع التيار الكهربائي، وهو ما أرجعه وزير الطاقة إلى «السلوك الخاطئ لبعض المواطنين».

وجدان طلحة (الخرطوم)

«الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
TT

«الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

نفت «قوات الدعم السريع» في السودان، إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو»، وعودته إلى ميدان القتال في إقليم كردفان؛ وقالت في بيان إن «هذه المزاعم عارية عن الصحة، وتأتي في إطار الحملات الدعائية المغرضة».

ميدانياً، وردت أنباء عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في منطقة التكمة بولاية جنوب كردفان يوم الاثنين.

ويأتي هذا بعد أيام من الهدوء النسبي، وسط تداول معلومات عن أن الجيش نجح في استعادة السيطرة على التكمة، وفتح الطريق نحو مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن الولاية.

وتواترت أنباء عن كسر الجيش الحصار المفروض على الدلنج، وإدخال تعزيزات إنسانية وعسكرية، بعد عملية انفتاح من الداخل على منطقتي التكمة وهبيلا، إثر هجمات نفذها على «الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية - شمال»، الساعية لإعادة حصار المدينة.


قواعد الطلاق في مصر... خلاف مستمر بين الأزهر ودعاة التعديل

مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
TT

قواعد الطلاق في مصر... خلاف مستمر بين الأزهر ودعاة التعديل

مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)

ينتظر مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر سجالات طويلة داخل أروقة البرلمان وخارجه، وسط خلاف نشب مؤخراً بين مؤسسة «الأزهر» والقائمين على تعديل مواد القانون، وهي تباينات عادة ما تظهر بين المؤسسات الدينية والمدنية عند طرح قوانين جديدة تُنظم أحوال الأسرة المصرية.

وقرر رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي، الثلاثاء، إحالة مشروع القانون إلى اللجان المختصة لمناقشته، تمهيداً لعرضه على الجلسة العامة للمجلس.

ويستحدث المشروع مواد عدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة، من بينها تقييد إجراء الطلاق المباشر لدى المأذون خلال الثلاث سنوات الأولى من عمر الزواج، وقصر إجراءات الطلاق في هذه المدة على محكمة الأسرة، التي ستحاول بداية الإصلاح بين الزوجين.

كما استحدث المشروع مادة تتيح للطرفين طلب فسخ عقد الزواج خلال 6 شهور - ما لم تكن الزوجة حاملاً - في حال اكتشف أي من الطرفين بالآخر عيباً كان موجوداً قبل العقد دون إخبار الطرف الثاني به ورضائه عنه، على أن يُستعان بأهل الخبرة لتحديد العيوب التي يُطلب فسخ العقد من أجلها.

وكانت الحكومة المصرية أحالت مشروع القانون إلى المجلس في الثالث من مايو (أيار) الحالي، دون عرضه على الأزهر لأخذ رأيه الشرعي في مواده، على خلاف ما جرت عليه العادة في مشاريع قوانين سابقة للأسرة لم ترَ النور، كان أبرزها في عام 2019.

المؤسسة الدينية

أستاذ الفقه المقارن والشريعة في جامعة الأزهر، أحمد كريمة، يرى أن «كثيراً من المواد المستحدثة تخالف الشريعة»، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه كان على الحكومة أخذ مشورة الأزهر في مشروع الأحوال الشخصية للمسلمين، وهو إجراء اتبعته أيضاً مع الكنائس عند إعدادها قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.

وأعلنت الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي الانتهاء من مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بعد نقاشات مع الكنائس المصرية حوله.

وردّ الأزهر في بيان، الاثنين، على تساؤلات وردت إليه بشأن موقفه من مشروع قانون الأحوال الشخصية، قائلاً إن المشروع «لم يُعرض بعد على الأزهر الشريف، ولم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال».

وأضاف البيان أن الأزهر سبق وقدَّم مقترحاً بقانون للأحوال الشخصية في أبريل (نيسان) 2019، تضمَّن رؤيته الشرعية لهذا الموضوع، من خلال لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، ولا يعلم مدى توافق هذا المقترَح مع مشروع القانون الحالي المتداول بشأنه النقاش من عدمه، مشيراً إلى أن الأزهر «سيُبدِي رأيه وفق ما جرى عليه العرف الدستوري والقانوني، عقب إحالته إليه رسمياً من مجلس النواب».

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (مجلس النواب)

وأرجع رئيس لجنة صياغة مشروع القانون الحكومي، المستشار عبد الرحمن محمد، خلال تصريحات تلفزيونية مساء الاثنين، عدم عرض مشروع القانون على الأزهر قبل إحالته إلى البرلمان إلى الأخذ بآراء الأزهر كافة في المشروع السابق، مؤكداً موافقة جميع المواد للشريعة بنسبة 100 في المائة.

لكن كريمة علَّق في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هناك مواد مستحدثة لم تعرض على الأزهر من قبل حتى يُقال إن اللجنة اعتمدت على رأي الأزهر السابق، مثل المادة الخاصة بتقييد الطلاق والأخرى الخاصة بفسخ العقد، وهما مخالفتان للشريعة من وجهة نظري».

ويفسر الباحث في الحركات الإسلامية أحمد سلطان حالة الاستياء لدى المؤسسة الدينية من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد إلى «ما أثاره القانون من لغط مجتمعي، ومحاولة الأزهر النأي بنفسه عنه على أساس أنه ليس جزءاً من المشروع حتى الآن». ووصف سلطان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ما يجري من نقاشات بالأمر الصحي، وقال إنها في صالح المشروع ككل.

أزمة «الطلاق الشفهي»

وفي مقابل الاستياء من مواد يعتقد البعض أنها مخالفة للشريعة، ثمة اعتراضات لا تستند إلى المبدأ ذاته، وإنما إلى مشكلات ظهرت في أثناء تطبيق مواد قوانين الأسرة خلال السنوات الماضية وبحاجة إلى تعديل تشريعي للتعامل معها، وفي مقدمتها قضية «الطلاق الشفهي»، حسب المحامي في مؤسسة «قضايا المرأة المصرية»، أحمد مختار.

حملة توعوية ضد الطلاق الشفهي (مؤسسة قضايا المرأة المصرية)

وقال مختار لـ«الشرق الأوسط»: «مشروع القانون الحالي لا يلبي طموحنا، ونتطلع لأن يصدر قانون جامع بمواد حاكمة واضحة لا تترك الأمر لتأويل القضاة»، مضيفاً أن مشروع القانون الحالي «أمسك بالعصا من المنتصف، في محاولة لتقليل حدة الصدام سواء مع المؤسسات الدينية أو غيرها».

وأضاف: «في ملف الطلاق الشفهي المثير للجدل، لم يحلّ مشروع القانون الأمر بالنص صراحة على عدم الاعتراف به أو وقوع الطلاق ما لم يوثق، وإنما نصّ على إلزام الزوج بالتوثيق خلال مدة 15 يوماً من وقوع الطلاق».

وتساءل: «إذا لم يوثق الزوج الطلاق في هذه المدة فسيقع عبء إثباته على الزوجة، أي أننا نظل أمام المعضلة نفسها الخاصة بوقوعه شرعاً وعدم الاعتراف به قانوناَ ما لم يوثق»، مضيفاً: «ما دام الدولة لا تعترف بالزواج إذا تم شفهياً وتشترط التوثيق، فلا بد أن يُعامل الطلاق بالمِثل».

وسبق أن اقترح الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2017 إلغاء الطلاق الشفهي، وإصدار قانون ينص على عدم الاعتداد بالطلاق ما لم يوثق، وهو ما أثار حفيظة المؤسسات الدينية آنذاك، وقوبل بحملة رفض واسعة.


ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
TT

ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)

انخرطت قوات «الجيش الوطني» الليبي بكل وحداتها العسكرية البرية والبحرية والجوية في «مناورات درع الكرامة 2»، التي انطلقت بعد ظهر الثلاثاء، بحضور دبلوماسي عربي ودولي.

وأطلق صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش، المناورة حسب «تلفزيون المسار»، بعد أخذ الإذن من القائد العام، لتبدأ وفق الخطة الموضوعة، التي تشرف عليها رئاسة الأركان العامة بقيادة الفريق خالد حفتر.

واطّلع حفتر على سير المناورة جواً، وأثنى على عزيمة جنود «الجيش الوطني» وبسالتهم خلال التدريبات، التي بدأت قبل أربعة أيام.

صدام حفتر يتفقد غرف العمليات ومواقع تمركز «فرقة 309» والوحدات المشاركة في المناورة (القيادة العامة)

وقُبيل انطلاق المناورة التي تحتضنها منطقة «رأس العلبة»، تفقّد خالد حفتر، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، سير تدريبات وحدات القوات المسلحة المشاركة في العملية، وتشمل تدريبات المشاة والدبابات، واقتحام المباني.

وقالت رئاسة الأركان إن خالد حفتر عقد اجتماعاً مع قيادات «الفرقة 309» وآمري الوحدات والألوية المشاركة في المناورة. وفيما أشاد بـ«المستوى المتقدم» الذي ظهر به منتسبو القوات المسلحة، شدّد على أن «بناء قوات مسلحة حديثة ومتطورة يرتكز على التدريب المستمر، والانضباط ورفع مستوى التأهيل العسكري».

جانب من المناورة العسكرية (القيادة العامة للجيش)

ويحرص «الجيش الوطني» على تحديث ترسانته العسكرية من خلال تطوير أنظمة الدفاع الجوي والبري، بالإضافة إلى إبرام صفقات تسليح وتدريب موسعة مع شركاء دوليين لتعزيز جاهزية قواته. ويعد من أبرز ملامح هذا التطوير تعزيز القوات البرية بمركبات من نوع «BTR-82A» الروسية، ومركبات «Spartak»، إلى جانب تطوير دبابات القتال الرئيسية.

وتضم المناورة، التي يجري التحضير لها منذ السبت الماضي في منطقة «رأس العلبة»، قرابة 25 ألف جندي وضابط، وتُوصف بأنها «الأكبر في تاريخ الجيش الوطني»، وتأتي تزامناً مع الاحتفالات التي تجريها «القيادة العامة» بذكرى «معركة الكرامة».

وتقع منطقة «رأس العلبة» في شمال شرقي ليبيا، جنوب بلدة العزيات التابعة لبلدية درنة.

وسبق أن اجتمع صدام حفتر، في الرابع من مايو (أيار) الحالي، مع قادة الألوية والوحدات المشاركة في المناورة، واطّلع على مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الوحدات المشاركة، كما جرى استعراض التصور العام للمناورة، والخطة التنظيمية لتنفيذها، وآلية التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية المشاركة.

تدريبات بواسطة الهليكوبتر (القيادة العامة)

وأكد صدام حفتر «ضرورة المحافظة على أعلى درجات الجاهزية والانضباط، وتنفيذ مراحل المناورة كافة وفق الخطة المعتمدة، بما يؤكد كفاءة وجاهزية القوات المسلحة، وقدرتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار».

و«معركة الكرامة» عملية عسكرية واسعة، سبق أن شنّتها قوات «الجيش الوطني» في 16 مايو عام 2014، في مواجهة جماعات إرهابية، من بينها «تنظيم داعش»، بسطت قبضتها على مدن ليبية، بينها بنغازي ودرنة.

وقال اللواء عمر مراجع المقرحي، القائد بـ«الجيش الوطني»، إن مناورة «رأس العلبة ليست مجرد استعراض قوة، بل رسالة واضحة بأن الجاهزية واقع، وأن الإرادة لا تُكسر، وأن من يحمل شرف المسؤولية لا يتراجع».

وعدّ المقرحي، في تصريح صحافي، هذه المناورة «تجسيداً لانضباط، وقوة تُبنى بصمت وتثبت بالفعل، ورسالة لكل من يراهن على ضعف الدولة بأن الجيش حاضر وقادر، وستبقى رأس العلبة علامة فارقة في تاريخ الجيش الليبي الحديث».

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع خليفة حفتر، في مدينة بنغازي مساء الاثنين، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا. وقالت البعثة إن تيتيه أطلعت حفتر على «التقدم المحرز» في «الحوار المُهيكل»، حيث تعمل مساراته الأربعة حالياً على استكمال وصياغة توصياتها النهائية.

خالد حفتر شدّد على أن «بناء قوات مسلحة حديثة ومتطورة يرتكز على رفع مستوى التأهيل العسكري» (القيادة العامة للجيش)

كما قدمت إحاطة بشأن المشاورات الجارية ضمن «الاجتماع المصغّر»، الذي يعمل على تجاوز العقبات، التي تحول دون التوصل إلى اتفاق بشأن أول محطتين في خريطة الطريق الأممية، والمتمثلتين في استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وقالت البعثة إن حفتر جدد تأكيد دعم «الجيش الوطني» لجهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية قدماً، بما يحفظ وحدة ليبيا، وينهي الانقسام المؤسسي، ويدعم مسار بناء الدولة.