تأويلات مختلفة لتهديد البرهان باستخدام «الأسلحة المميتة»

خبراء عدوها حرباً نفسية... والسودان لا يملك أسلحة كيماوية

TT

تأويلات مختلفة لتهديد البرهان باستخدام «الأسلحة المميتة»

الناطق باسم القوات المسلحة السابق العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد (سونا)
الناطق باسم القوات المسلحة السابق العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد (سونا)

قال قائد الجيش السوداني في بيان، نهاية مايو (أيار) الماضي، إن قواته «تخوض معركة الكرامة نيابة عن شعبها»، وتوعد باستخدام ما أطلق عليه «القوة المميتة» ضد قوات «الدعم السريع»، وأضاف: «القوات المسلحة لم تستخدم بعد كامل قوتها المميتة، لكنها ستضطر إلى ذلك إذا لم ينصَع العدو أو يستجب لصوت العقل».

وقابل مواطنون هذا التهديد بدهشة، لأنه لم يوضح معنى «القوة المميتة» الذي قصده البرهان، بعد نحو شهرين من استخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة والطيران الحربي. وظل التساؤل قائماً: ما القوة المميتة التي سيضطر الجيش للجوء إليها في حربه مع «الدعم السريع»، ولم يستخدمها حتى الآن؟

«تصريح» كرتي ونفيه

وتداولت وسائط التواصل الاجتماعي بكثافة مقطعاً صوتياً منسوباً للأمين العام للحركة الإسلامية، علي أحمد كرتي، دعا فيه الجيش لاستخدام أسلحة محرمة دولياً ضد «الدعم السريع». لكن الرجل نفى صحة التسجيل، ونقل مقرب منه لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمين العام للحركة الإسلامية لا يمكن أن يدعو إلى استخدام هذا النوع من الأسلحة، بل وليس من حقه إعطاء أوامر للجيش ليخوض معركة بأسلحة جرثومية، لأنه لا سلطة له على القوات المسلحة.

أرشيفية للأمين العام للحركة الإسلامية في السودان علي أحمد كرتي

ويدور جدل طويل بين السياسيين والنشطاء حول علاقة الإسلاميين وأنصار النظام السابق بإشعال شرارة الحرب. وتوجه أصابع الاتهام إلى كرتي، الذي ظل مختفياً عن الأنظار منذ سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، ولم يظهر للعلن مباشرة إلاّ بعد انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021. ويقال إنه من حرك عناصر الإسلاميين في الجيش لإفشال الاتفاق الإطاري الموقع من القوى المدنية والجيش و«الدعم السريع»، باعتبار تنفيذه يمثل نهاية لحركته، لا سيما وأن المعلومات المتداولة، حتى قبل سقوط نظام البشير، تفيد بأن الرجل من مجموعة صغيرة تتواصل مع العسكريين الإسلاميين.

لكن بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي ربطوا بين تصريح القوات المسلحة وتصريح علي كرتي، وتوقعوا أن تشهد الفترة القادمة استخدام أسلحة لم تستخدم منذ بداية الحرب بين الطرفين.

خبراء: الجيش لا يملك أسلحة كيماوية

غير أن سياسيين وخبراء عسكريين اعتبروا تصريح «القوة المميتة» الذي جاء في بيان الجيش، مجرد «مصطلح مناسبة» لا يمكن المبالغة في تفسيره، لأن القوات المسلحة لا يمكن أن تلجأ لاستخدام الأسلحة الكيماوية أو الجرثومية لحسم المعركة. ويقول هؤلاء إنه «توجد وحدة للوقاية من الأسلحة الكيماوية في الجيش السوداني، لكنه لا يملك تلك الأسلحة، إضافة إلى أن السودان ملتزم بالاتفاقيات الدولية بشأن الأسلحة المحرمة دولياً».

الناطق باسم القوات المسلحة السابق العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد (سونا)

وقال الناطق باسم القوات المسلحة في عهد النظام السابق، العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجيش السوداني لم يسبق له أن استعمل أسلحة جرثومية، حتى في أعنف المعارك مع متمردي «الحركة الشعبية» التي حاربها الجيش في الأدغال، بعيداً عن القرى والمدن. وتساءل: «كيف يستخدم الجيش أسلحة جرثومية كيماوية وسط الأحياء السكنية وبين المواطنين؟»، مضيفاً: «لو استخدمها لمات المواطنون قبل جنود الدعم السريع». وتابع: «المواد الكيماوية والجرثومية أصبحت مفضوحة جداً يسهل اكتشافها في مهدها وقبل أن تستعمل».

وتمنع اتفاقيات جنيف، المتعلقة بالقانون الدولي للحرب والحياد، استهداف المدنيين وتعمد التعذيب حتى بالنسبة للمحاربين، وتحرم الأسلحة الكيماوية والجرثومية، لأنها تصيب غير المحاربين وتسبب آلاماً غير ضرورية، ما يدخلها في تصنيف الأسلحة القاسية والتعذيب المحرم دولياً.

ويقول العميد الصوارمي: «كل الدول تركز على صنع وإنتاج مضادات لأسلحة التدمير الشامل، والجيش السوداني لديه وحدة متخصصة في هذا المضمار، لكنها لا تنتج أسلحة جرثومية».

وفسر الصوارمي استخدام الجيش للطيران ضد قوات «الدعم السريع» بقوله: «إذا دخلت الأهداف الأحياء السكنية، فإن الطيران يرصدها ويراقبها ولا يقصفها إلا للضرورة القصوى». وتابع: «المعروف أن الطيران السوداني لم يلجأ قط لقصف المدنيين، رغم اتخاذ المتمردين لهم دروعاً بشرية».

ورغم نفي العميد الصوارمي، فإن وقائع الحرب تشهد على استخدام سلاح الطيران الحربي بكثافة، وأن العديد من المواطنين قتلوا جراء إصابتهم بقذائف الطيران، أو قذائف مضادات الطيران الصادرة من الجهة المقابلة.

دعوة للتدخل الدولي

وذهب المحلل السياسي، الحاج حمد، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعهدات الدولية ألزمت الجميع بمنع استخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية. وقال: «السودان عضو في الأمم المتحدة، وملزم بعدم استخدامها والتخلص منها، وفرق الجيش مدربة على الوقاية منها وليس استخدامها». وأشار إلى أن «الأسلحة الكيماوية تصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل، ولا يقتصر تأثيرها على العسكريين، لأنها تسبب تلوث الهواء والماء وتغطي دول الجوار».

أحد المنازل وقد تحول إلى ركام بعد أن طاله قصف مدفعي بحي أزهري بالخرطوم (أ.ف.ب)

وتطرق حمد إلى اعتقاد البعض أن «القوة المميتة» التي قصدها البرهان ربما تكون «أسلحة كيماوية أو جرثومية»، قائلاً: «بدأ الحديث عن الكيماوي في الوسائط الاجتماعية، وأشعله التسجيل الصوتي المنسوب لعلي كرتي، وهو تصريح يمكن أن يكون مفبركا. فالتجربة مع وسائط التواصل أنها مستخدمة بكثافة من قبل بقايا نظام الإنقاذ وأعدائهم أيضاً».

وأشار حمد إلى اتهام العراق فيما مضى بصناعة وتطوير أسلحة كيمياوية، وقال: «الرئيس العراقي صدام حسين، بسبب الادعاء بأنه استخدم غاز الخردل ضد الأكراد، واجه غزواً لبلاده، ولاحقاً اتضح أن الموضوع مفبرك»، وأضاف: «المقلق في هذا التفسير أنه قد يكون دعوة إما للتدخل الدولي تحت الفصل السابع، أو لتدخل أحادي من قبل الولايات المتحدة، التي تلعب الدور الرئيسي في محاولات وقف إطلاق النار في حرب السودان».

ويستدل حمد على هذا الاحتمال ببيان القمة الأميركية الخليجية التي انعقدت في السعودية لمكافحة الإرهاب، وبالفقرة منه المتعلقة بالأزمة في السودان، ويقول: «كل هذا يرجح اقتراب المجتمع الدولي والإقليمي من التدخل المباشر في الأزمة، ومثل هذا التفسير لاستخدام القوة المميتة، دون تحديد نوع السلاح، قد يعجل بقرب هذا التدخل».

لكنه أضاف: «لحسن الحظ، هو ادعاء أكثر من كونه حقيقة، وأظن أن دخول المدفعية بعيدة المدى إلى مسرح العمليات هو المقصود».

آثار المعارك خلف أحد المباني في جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

وحول مخاطر استخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية بصورة عامة، قال الخبير في القانون الدولي، نبيل أديب، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسلحة الكيماوية محرمة دولياً، وبالتالي لا يمكن استخدامها، وهي مجموعة من المواد السامة شديدة الفتك عظيمة الخطر، توجه باستخدام صواريخ تحمل رؤوساً محشوة بالمواد الكيماوية، تنفجر داخل المنطقة المستهدفة وتستفيد من الريح في نشر سمومها، وتقتل أو تصيب الإنسان بتأثيرها السام والمباشر على الجسم البشري بأجهزته الحيوية المختلفة، وتبقى في أماكن استخدامها لساعات أو أسابيع، وبعضها يهاجم الجهاز التنفسي ويسبب الاختناق أو البثور والقروح، وبعضها يستهدف الدم، وأخرى تستهدف الأعصاب.

حرب نفسية

أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية، بشير الشريف، فقد وصف تصريحات البرهان بشأن اللجوء لـ«الأسلحة المميتة»، بأنها تصريحات في إطار الحرب النفسية بين الطرفين. وقال الشريف: «لو كان الجيش يمتلك أسلحة كيماوية أو جرثومية، لكان استخدمها في الأيام الأولى للحرب، لحماية البلاد من الخسائر البشرية والمادية التي تعرضت لها».



تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.