تأويلات مختلفة لتهديد البرهان باستخدام «الأسلحة المميتة»

خبراء عدوها حرباً نفسية... والسودان لا يملك أسلحة كيماوية

TT

تأويلات مختلفة لتهديد البرهان باستخدام «الأسلحة المميتة»

الناطق باسم القوات المسلحة السابق العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد (سونا)
الناطق باسم القوات المسلحة السابق العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد (سونا)

قال قائد الجيش السوداني في بيان، نهاية مايو (أيار) الماضي، إن قواته «تخوض معركة الكرامة نيابة عن شعبها»، وتوعد باستخدام ما أطلق عليه «القوة المميتة» ضد قوات «الدعم السريع»، وأضاف: «القوات المسلحة لم تستخدم بعد كامل قوتها المميتة، لكنها ستضطر إلى ذلك إذا لم ينصَع العدو أو يستجب لصوت العقل».

وقابل مواطنون هذا التهديد بدهشة، لأنه لم يوضح معنى «القوة المميتة» الذي قصده البرهان، بعد نحو شهرين من استخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة والطيران الحربي. وظل التساؤل قائماً: ما القوة المميتة التي سيضطر الجيش للجوء إليها في حربه مع «الدعم السريع»، ولم يستخدمها حتى الآن؟

«تصريح» كرتي ونفيه

وتداولت وسائط التواصل الاجتماعي بكثافة مقطعاً صوتياً منسوباً للأمين العام للحركة الإسلامية، علي أحمد كرتي، دعا فيه الجيش لاستخدام أسلحة محرمة دولياً ضد «الدعم السريع». لكن الرجل نفى صحة التسجيل، ونقل مقرب منه لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمين العام للحركة الإسلامية لا يمكن أن يدعو إلى استخدام هذا النوع من الأسلحة، بل وليس من حقه إعطاء أوامر للجيش ليخوض معركة بأسلحة جرثومية، لأنه لا سلطة له على القوات المسلحة.

أرشيفية للأمين العام للحركة الإسلامية في السودان علي أحمد كرتي

ويدور جدل طويل بين السياسيين والنشطاء حول علاقة الإسلاميين وأنصار النظام السابق بإشعال شرارة الحرب. وتوجه أصابع الاتهام إلى كرتي، الذي ظل مختفياً عن الأنظار منذ سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، ولم يظهر للعلن مباشرة إلاّ بعد انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021. ويقال إنه من حرك عناصر الإسلاميين في الجيش لإفشال الاتفاق الإطاري الموقع من القوى المدنية والجيش و«الدعم السريع»، باعتبار تنفيذه يمثل نهاية لحركته، لا سيما وأن المعلومات المتداولة، حتى قبل سقوط نظام البشير، تفيد بأن الرجل من مجموعة صغيرة تتواصل مع العسكريين الإسلاميين.

لكن بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي ربطوا بين تصريح القوات المسلحة وتصريح علي كرتي، وتوقعوا أن تشهد الفترة القادمة استخدام أسلحة لم تستخدم منذ بداية الحرب بين الطرفين.

خبراء: الجيش لا يملك أسلحة كيماوية

غير أن سياسيين وخبراء عسكريين اعتبروا تصريح «القوة المميتة» الذي جاء في بيان الجيش، مجرد «مصطلح مناسبة» لا يمكن المبالغة في تفسيره، لأن القوات المسلحة لا يمكن أن تلجأ لاستخدام الأسلحة الكيماوية أو الجرثومية لحسم المعركة. ويقول هؤلاء إنه «توجد وحدة للوقاية من الأسلحة الكيماوية في الجيش السوداني، لكنه لا يملك تلك الأسلحة، إضافة إلى أن السودان ملتزم بالاتفاقيات الدولية بشأن الأسلحة المحرمة دولياً».

الناطق باسم القوات المسلحة السابق العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد (سونا)

وقال الناطق باسم القوات المسلحة في عهد النظام السابق، العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجيش السوداني لم يسبق له أن استعمل أسلحة جرثومية، حتى في أعنف المعارك مع متمردي «الحركة الشعبية» التي حاربها الجيش في الأدغال، بعيداً عن القرى والمدن. وتساءل: «كيف يستخدم الجيش أسلحة جرثومية كيماوية وسط الأحياء السكنية وبين المواطنين؟»، مضيفاً: «لو استخدمها لمات المواطنون قبل جنود الدعم السريع». وتابع: «المواد الكيماوية والجرثومية أصبحت مفضوحة جداً يسهل اكتشافها في مهدها وقبل أن تستعمل».

وتمنع اتفاقيات جنيف، المتعلقة بالقانون الدولي للحرب والحياد، استهداف المدنيين وتعمد التعذيب حتى بالنسبة للمحاربين، وتحرم الأسلحة الكيماوية والجرثومية، لأنها تصيب غير المحاربين وتسبب آلاماً غير ضرورية، ما يدخلها في تصنيف الأسلحة القاسية والتعذيب المحرم دولياً.

ويقول العميد الصوارمي: «كل الدول تركز على صنع وإنتاج مضادات لأسلحة التدمير الشامل، والجيش السوداني لديه وحدة متخصصة في هذا المضمار، لكنها لا تنتج أسلحة جرثومية».

وفسر الصوارمي استخدام الجيش للطيران ضد قوات «الدعم السريع» بقوله: «إذا دخلت الأهداف الأحياء السكنية، فإن الطيران يرصدها ويراقبها ولا يقصفها إلا للضرورة القصوى». وتابع: «المعروف أن الطيران السوداني لم يلجأ قط لقصف المدنيين، رغم اتخاذ المتمردين لهم دروعاً بشرية».

ورغم نفي العميد الصوارمي، فإن وقائع الحرب تشهد على استخدام سلاح الطيران الحربي بكثافة، وأن العديد من المواطنين قتلوا جراء إصابتهم بقذائف الطيران، أو قذائف مضادات الطيران الصادرة من الجهة المقابلة.

دعوة للتدخل الدولي

وذهب المحلل السياسي، الحاج حمد، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعهدات الدولية ألزمت الجميع بمنع استخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية. وقال: «السودان عضو في الأمم المتحدة، وملزم بعدم استخدامها والتخلص منها، وفرق الجيش مدربة على الوقاية منها وليس استخدامها». وأشار إلى أن «الأسلحة الكيماوية تصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل، ولا يقتصر تأثيرها على العسكريين، لأنها تسبب تلوث الهواء والماء وتغطي دول الجوار».

أحد المنازل وقد تحول إلى ركام بعد أن طاله قصف مدفعي بحي أزهري بالخرطوم (أ.ف.ب)

وتطرق حمد إلى اعتقاد البعض أن «القوة المميتة» التي قصدها البرهان ربما تكون «أسلحة كيماوية أو جرثومية»، قائلاً: «بدأ الحديث عن الكيماوي في الوسائط الاجتماعية، وأشعله التسجيل الصوتي المنسوب لعلي كرتي، وهو تصريح يمكن أن يكون مفبركا. فالتجربة مع وسائط التواصل أنها مستخدمة بكثافة من قبل بقايا نظام الإنقاذ وأعدائهم أيضاً».

وأشار حمد إلى اتهام العراق فيما مضى بصناعة وتطوير أسلحة كيمياوية، وقال: «الرئيس العراقي صدام حسين، بسبب الادعاء بأنه استخدم غاز الخردل ضد الأكراد، واجه غزواً لبلاده، ولاحقاً اتضح أن الموضوع مفبرك»، وأضاف: «المقلق في هذا التفسير أنه قد يكون دعوة إما للتدخل الدولي تحت الفصل السابع، أو لتدخل أحادي من قبل الولايات المتحدة، التي تلعب الدور الرئيسي في محاولات وقف إطلاق النار في حرب السودان».

ويستدل حمد على هذا الاحتمال ببيان القمة الأميركية الخليجية التي انعقدت في السعودية لمكافحة الإرهاب، وبالفقرة منه المتعلقة بالأزمة في السودان، ويقول: «كل هذا يرجح اقتراب المجتمع الدولي والإقليمي من التدخل المباشر في الأزمة، ومثل هذا التفسير لاستخدام القوة المميتة، دون تحديد نوع السلاح، قد يعجل بقرب هذا التدخل».

لكنه أضاف: «لحسن الحظ، هو ادعاء أكثر من كونه حقيقة، وأظن أن دخول المدفعية بعيدة المدى إلى مسرح العمليات هو المقصود».

آثار المعارك خلف أحد المباني في جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

وحول مخاطر استخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية بصورة عامة، قال الخبير في القانون الدولي، نبيل أديب، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسلحة الكيماوية محرمة دولياً، وبالتالي لا يمكن استخدامها، وهي مجموعة من المواد السامة شديدة الفتك عظيمة الخطر، توجه باستخدام صواريخ تحمل رؤوساً محشوة بالمواد الكيماوية، تنفجر داخل المنطقة المستهدفة وتستفيد من الريح في نشر سمومها، وتقتل أو تصيب الإنسان بتأثيرها السام والمباشر على الجسم البشري بأجهزته الحيوية المختلفة، وتبقى في أماكن استخدامها لساعات أو أسابيع، وبعضها يهاجم الجهاز التنفسي ويسبب الاختناق أو البثور والقروح، وبعضها يستهدف الدم، وأخرى تستهدف الأعصاب.

حرب نفسية

أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية، بشير الشريف، فقد وصف تصريحات البرهان بشأن اللجوء لـ«الأسلحة المميتة»، بأنها تصريحات في إطار الحرب النفسية بين الطرفين. وقال الشريف: «لو كان الجيش يمتلك أسلحة كيماوية أو جرثومية، لكان استخدمها في الأيام الأولى للحرب، لحماية البلاد من الخسائر البشرية والمادية التي تعرضت لها».



انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
TT

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

هزّ انفجار عنيف، ليل الجمعة، وسط العاصمة السودانية الخرطوم، وأثار حالة من الذعر والترقب بين السكان، بعدما ارتجّت على أثره حوائط المنازل في عدد من الأحياء، فيما سُمع دويه في مناطق بعيدة داخل ولاية الخرطوم وخارجها.

ووقع الانفجار في ضاحية «البراري» القريبة من مبنى القيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، في وقت متأخر من ليل الجمعة، وفقاً لشهود عيان، قالوا إن جسماً مجهولاً انفجر داخل المنطقة، مخلفاً ألسنة لهب كثيفة وسحابة من الدخان، إلى جانب حفرة عميقة في موقع الحادث.

وقال سكان إن صوت الانفجار سُمع في أنحاء واسعة من ولاية الخرطوم، ووصل كذلك إلى أطراف ولاية الجزيرة المجاورة، الأمر الذي أثار تكهنات واسعة بشأن طبيعته، في ظل وقوعه بالقرب من مواقع استراتيجية وحساسة.

روايات متضاربة

وتباينت الروايات الرسمية والفنية بشأن سبب الانفجار. ففي حين أعلنت الشرطة أن الحادث نجم عن انفجار «لغم أرضي» من مخلفات الحرب، أشعل مواطنون النار بالقرب منه أثناء حرق نفايات، نفى المركز القومي لمكافحة الألغام أن يكون الجسم المتفجر لغماً أرضياً. فيما رجحت مصادر أخرى أن ما حدث كان بسبب هجوم بمسيّرة كانت تستهدف القيادة العامة أو المطار، وتم التشويش عليها فأخطأت الهدف.

وقالت الشرطة، في بيان، إن عدداً من المواطنين أشعلوا النيران لحرق النفايات في الموقع، ما أدى إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض، بالقرب من القيادة العامة ومطار الخرطوم.

لكن المركز القومي لمكافحة الألغام رجّح، في تقرير فني، أن يكون الجسم المتفجر عبارة عن مقذوف مدفعي من عيار 130 أو 155 ملليمتراً، أو صاروخ تابع لطائرة مسيّرة كان مدفوناً تحت الأرض، مشيراً إلى أن الحرارة الناتجة عن حرق جذع نخلة مع النفايات قرب الموقع تسببت في تفجيره.

وأكد المركز، في بيان صحافي، أن معاينته الميدانية وفحص الشظايا والحفرة الناجمة عن الانفجار لا يدعمان فرضية أنه «لغم أرضي»، مضيفاً أن وصف الجسم المتفجر بهذه الصفة غير دقيق.

وأشار إلى أن فرق المركز تواصل عمليات المسح الميداني في المنطقة، بهدف إزالة مخلفات الحرب وتأمين الموقع، بالتنسيق مع السكان المحليين، داعياً إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء المعلومات غير المؤكدة.

صورة متداولة لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة

من جانبه، قال والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، خلال تفقده موقع الحادث، إن الصوت الذي سمعه سكان الولاية أثار كثيراً من التساؤلات، ورافقته معلومات غير دقيقة. وأوضح أن فرقاً فنية من المركز القومي لمكافحة الألغام، والدفاع المدني، والشرطة الجنائية، والأجهزة الفنية في القوات النظامية، إضافة إلى جهاز المخابرات العامة، باشرت التحقيق في الموقع، وعثرت على حفرة في مكان الانفجار.

وأضاف الوالي أن الحادث، على الرغم من قوة الانفجار، لم يسفر عن خسائر في الأرواح أو الممتلكات، ناقلاً عن مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان، أن الجسم الذي انفجر كان مدفوناً تحت الأرض ولم يكن مرئياً.

وفي المقابل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات تحدثت عن احتمال أن يكون الانفجار ناجماً عن قصف بطائرة مسيّرة مجهولة كانت تستهدف مطار الخرطوم أو مبنى القيادة العامة، قبل أن تخطئ هدفها نتيجة التشويش وتسقط داخل الحي السكني. غير أن والي الخرطوم نفى هذه الفرضية، مؤكداً أن الانفجار لا يرتبط بأي عملية عسكرية أو استهداف جوي أو تدخل من الدفاعات الأرضية، ومشدداً على أن سببه يعود إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض. ورغم النفي الرسمي، فإن تضارب الروايات بين الجهات المختصة، إلى جانب شدة الانفجار واتساع نطاق سماع دويه، أبقى على حالة من الشك والتساؤل في أذهان كثير من السكان.


رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
TT

رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)

تبدأ إثيوبيا، الثلاثاء، رئاسة مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لشهر أبريل (نيسان) الحالي، وسط خلافات عميقة مع مصر وإريتريا في ملف السد الإثيوبي، والمنفذ البحري على البحر الأحمر، وصراعات معقدة بالقارة.

وتتولى إثيوبيا رئاسة «مجلس السلام» للمرة الأولى منذ انضمامها إليه، ومن المقرر أن تبدأ رسمياً رئاسة جدول أعمال المجلس في 7 أبريل الحالي، بحسب ما ذكرت وكالة «الأنباء الإثيوبية».

وخلال فترة رئاستها «ستقود إثيوبيا المداولات حول مجموعة واسعة من قضايا السلام والأمن الحاسمة في جميع أنحاء القارة، وستغطي هذه المناقشات كلاً من الأوضاع الخاصة بكل دولة والقضايا الأوسع التي تؤثر على أفريقيا»، وفق الوكالة. وتأتي قيادة إثيوبيا في «وقتٍ لا تزال فيه الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في جميع أنحاء أفريقيا»، بحسب الوكالة الإثيوبية.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن «إثيوبيا ستبدأ اختباراً صعباً لإدارة (قضايا حاسمة)، خصوصاً وهي ستواجه مجموعة من التحديات والمشكلات التي تقتضي أن تبدي مواقف مغايرة لما سلكته في معظم القضايا السابقة بالقارة».

ويوضح حليمة لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجهات الإثيوبية تخرج عن إطار المواثيق والاتفاقية الدولية مثل التصرفات الأحادية في السد الإثيوبي، ونهجها في الوجود على البحر الأحمر رغم أنها دولة غير مشاطئة بخلاف خلافاتها العميقة مع مصر وإريتريا». ويتوقع أنها ستواجَه عند تناول هذه القضايا وغيرها بموقف صعب، وعليها أن تتغير في مواقفها لترعى مصالح الدول كافة باعتبار أن المصالح المشتركة هي أساس عمل مجلس السلم وغيره، وليس المصالح الذاتية.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، ما جعلها تعتمد على موانئ جيرانها، ولا سيما ميناء جيبوتي الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وسط رفض مصري - إريتري - صومالي لمساعي الحصول على منفذ باعتبارها دولة غير مشاطئة على البحر الأحمر.

وأشار نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» إلى أن الأوضاع المشتعلة في الصومال، وإثيوبيا طرف فيها، ومحاولتها إيجاد منفذ بحري وتهديداتها لإريتريا باستخدام القوة، ومطالب إقليم تيغراي الإثيوبي التي تتنصل منها أديس أبابا، بخلاف انغماسها في تطورات السودان، تعد قضايا ذات أهمية بالغة، مثل السد الإثيوبي، ولن تستطيع إثيوبيا طرحها بأسلوب يعبر عن مصالح الجميع.

وفي 2 مارس (آذار) الماضي، اتهمت الحكومة السودانية، إثيوبيا، بانتهاك سيادتها، قائلة إنها «ظلت تتابع خلال الشهر الأخير دخول طائرات من جانب الأراضي الإثيوبية تتعامل مع أهداف داخل السودان»، مؤكدة حينها أن «هذا السلوك العدائي مستنكر ومرفوض، ويمثل انتهاكاً سافراً وعدواناً صريحاً لسيادة السودان».

في المقابل، قال المحلل الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، إن اختيار الدول لهذه الرئاسة تكليف ومسؤولية، وعادة الدول لا توظف أجندتها الخاصة بهذه الفترة، وبالتالي «لا يتوقع أن تستغل أديس أبابا هذا الظرف ضد دول الجوار أو القارة بشكل نهائي».

وأوضح عبد الصمد لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون بين الدول في «مجلس السلم» يتم وفق آليات وضوابط، ومصر سبق أن ترأست هذا المجلس ولم يحدث شيء، وإثيوبيا أيضاً لن تقوم بموقف أو إجراء يحسب عليها، خاصة وهي حريصة على نجاح الاتحاد الأفريقي الذي تستضيفه.

ويُعد مجلس السلام والأمن، الذي تأسس عام 2004 في إطار الاتحاد الأفريقي، الهيئة المركزية للاتحاد الأفريقي المعنية بمنع النزاعات وإدارتها وحلها، وانضمت إثيوبيا إلى المجلس منذ تأسيسه، وشغلت عضوية المجلس لأربع دورات سابقة قبل انتخابها مجدداً عام 2025.


أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

عاد شبح الانقسام ليخيّم مجدداً على المؤسسة القضائية في ليبيا، منذراً بأزمة جديدة، على وقع تحذير أحد الطرفين المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء مما وصفه بتداول قرارات تتعلق بنقل وإنهاء انتداب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، مؤكداً أنها صادرة عمّن لا يملك حق إصدارها قانوناً، وتُعد منعدمة ولا يترتب عليها أي أثر.

ويعكس هذا السجال حالة من الارتباك المؤسسي، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على تمثيل المجلس الأعلى للقضاء في كل من طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، مما يفاقم المخاوف من انقسام الجهاز القضائي، على غرار ما شهدته مؤسسات سيادية أخرى خلال السنوات الماضية.

وأصدر «المجلس الأعلى للقضاء» بياناً شديد اللهجة، مساء الجمعة، من مدينة بنغازي، جاء فيه أن القرارات المتعلقة بنقل وإنهاء انتداب أعضاء الهيئات القضائية «وصلت إلى مستوى غير مسبوق من العبث، وتعد دعوة صريحة للمساس بوحدة الجهاز القضائي، وتقسيمه والإساءة إلى سمعته».

وأوضح المجلس أنه كان عازماً على عدم الرد بقرارات مضادة، لكنه اضطر إلى التحذير «للمرة الأخيرة»، مطالباً بوقف هذه القرارات، التي تهدف فقط إلى الإرباك والتقسيم.

يأتي هذا البيان في سياق أزمة قضائية حادة تعصف بليبيا منذ نهاية العام الماضي، تعكس الانقسام السياسي العميق بين الشرق والغرب، في بلد يعاني تشظّياً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وبدأت الشرارة الأولى للأزمة القضائية العام الماضي، حين أصدر مجلس النواب سابقاً عدة قوانين لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه صلاحية تعيين رئيسه، وإنشاء محكمة دستورية مستقلة في بنغازي، في حين عدَّت طرابلس هذه الخطوات محاولة للسيطرة على القضاء، مما أدى إلى إصدار أحكام بإبطال عدة قوانين تتعلق بالسلطة القضائية، أثارت ردود فعل غاضبة من السلطات في الشرق.

وازداد المشهد القضائي الليبي تأزماً مع محاولات اقتحام مقر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، من جهات مرتبطة بالمحكمة العليا، التي يرأسها عبد الله بورزيزة، فيما أعلن المجلس برئاسة مفتاح القوي، المدعوم من مجلس النواب، نقل بعض الإدارات مؤقتاً إلى بنغازي لما وصفها بالظروف القاهرة، وأدان الاقتحام.

وقاد هذا الوضع، حسب مراقبين، إلى ازدواجية مؤسسية، وصدور قرارات متضاربة، ومخاوف من انقسام الجهاز القضائي، الذي ظل موحداً نسبياً طوال سنوات الصراع السياسي منذ 2014. وحذرت الأمم المتحدة وجهات قضائية ونقابية من أن أي انقسام قد يُفقد الأحكام القضائية مصداقيتها، ويهدد وحدة الدولة.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)

في ملف آخر، تواصلت تداعيات تقرير مسرّب للجنة الخبراء الأممية، تحدث عن «وقائع فساد» طالت مسؤولين سابقين وحاليين وقيادات عسكرية، وزعماء كتائب مسلحة، في ملف مرتبط بجدل حول شركة «أركنو» النفطية الخاصة.

وفي هذا السياق، وجّه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج، أو ترتيبات مماثلة للحقول المنتجة حالياً، مع طلب تزويده بجميع التفاصيل القانونية والفنية والاقتصادية لاتخاذ القرارات المناسبة، حسب رسالة تداولتها وسائل إعلام محلية.

وسبق أن وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، بإنهاء ما سمّاها «اتفاقية التطوير» مع شركة «أركنو»، بعد أن كشف التقرير عن أن الشركة حوَّلت نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات بنكية خارج ليبيا، بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

على صعيد آخر، شددت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على أن الألغام ومخلفات الحروب تشكل تهديداً مستمراً للمدنيين، مع تسجيل 63 ضحية عام 2025، بينهم 21 طفلاً. وأوضحت البعثة أن الصراعات السابقة، والانفجارات العرضية في المخازن، تزيد من خطورة التلوث، مما يعوق التعافي والتنمية.

وبمناسبة «اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام»، جددت البعثة الأممية، السبت، التزامها بدعم جهود السلطات الليبية في إدارة المخزونات، وتطهير المخلفات المتفجرة، داعيةً المجتمع الدولي والمدني إلى تكثيف الدعم المنسق والمستدام، حمايةً للمدنيين، وتعزيزاً للأمن والسلام في مختلف أنحاء ليبيا.