هل تسببت قوى «الحرية والتغيير» باندلاع القتال في السودان؟

بعد رفعها شعار «إما الإطاري وإما الحرب»

 من تحرك احتجاجي في الخرطوم ضد الاتفاق الإطاري (أ.ف.ب)
من تحرك احتجاجي في الخرطوم ضد الاتفاق الإطاري (أ.ف.ب)
TT

هل تسببت قوى «الحرية والتغيير» باندلاع القتال في السودان؟

 من تحرك احتجاجي في الخرطوم ضد الاتفاق الإطاري (أ.ف.ب)
من تحرك احتجاجي في الخرطوم ضد الاتفاق الإطاري (أ.ف.ب)

ربما لم تكن بعض قيادات «الحرية والتغيير - المجلس المركزي» تعلم أن الجملة التي أطلقتها في ندوات جماهيرية، والتي تقول: «إما الإطاري وإما الحرب»، سيتخذها معارضو ذلك الاتفاق دليلاً على أن القوى المدنية هي السبب في الحرب المشتعلة في السودان، منذ أبريل (نيسان)، بين الجيش وقوات «الدعم السريع»»، والتي استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، وأدت إلى مقتل مئات المواطنين، وجرح آلاف آخرين، وتهجير مئات الآلاف، إضافة إلى عدد كبير من المفقودين.

يشير محللون سياسيون سودانيون إلى أن ورشة الإصلاح الأمني والعسكري التي كانت ضمن القضايا الخمس التي تمت مناقشتها قبل التوقيع على الاتفاق النهائي بين «الحرية والتغيير - المجلس المركزي» والعسكريين، هي السبب في إشعال حرب أبريل. ويقولون إن أنصار النظام السابق ومجموعة «التوافق الوطني» التي دعمت انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول)، يروجون أن قوى «الحرية والتغيير - مجموعة المجلس المركزي» هي السبب في اندلاع الحرب، وينتقدون عدم إدانتها للانتهاكات التي قامت بها قوات «الدعم السريع» خلال الحرب.

وذهب محللون آخرون إلى القول إن الاتفاق الإطاري هو الذي فجّر الحرب؛ لأنه أقصى قوى سياسية فاعلة في المشهد السوداني، لافتين إلى أن دور رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان، فولكر بيرتس، شكل تدخلاً في الشأن الداخلي شبهوه بأنه استعمار جديد، وخرجت بعض المظاهرات تطالب بطرده من البلاد.

خالد عمر يوسف المتحدث باسم العملية السياسية ووزير شؤون الرئاسة في حكومة حمدوك الأولى (سونا)

القوى المدنية ليست السبب

رئيس «مؤتمر الأمم المتحدة للأقليات»، السفير طارق الكردي، قال لـ«الشرق الأوسط»: «من خلال الوقائع التي عايشناها في السودان في الفترة السابقة، فإن البعض يقول إن الحرية والتغيير - المجلس المركزي هي سبب الحرب، لكن بالرجوع إلى الوراء قليلاً، نسأل: من المستفيد من الفوضى والحرب في السودان؟».

ويتابع الكردي: «إذا قلنا مجازاً إن قوى الحرية والتغيير هي السبب، فما الذي يمكن أن تستفيده من الحرب؟، لقد جاءت هذه القوى بوثيقة الاتفاق الإطاري، وهو عمل بشري معرض للخطأ والصواب، وبالتأكيد هناك نواقص، لكن الاتفاق استطاع إيجاد حل للانسداد السياسي، باعتباره الوحيد المطروح ويمثل حلاً للمشكلة التي تعيشها البلاد. وإذا كانت هناك كيانات سياسية لديها حل غير الاتفاق الإطاري، كان عليها طرحه في الساحة السياسية أو للشعب السوداني ليقيّم الأطروحات الأفضل».

وأضاف الكردي أن كل بنود الاتفاق الإطاري تقود إلى أشياء وجدت إجماعاً من أغلب الشعب السوداني، وهو ضرورة وجود حكومة مدنية تليها انتخابات حرة نزيهة يقرر فيها الشعب من يحكمه، إضافة إلى معالجة خمس قضايا هي: تفكيك تمكين النظام السابق، اتفاق جوبا للسلام، قضية الشرق، الإصلاح الأمني والعسكري، والعدالة الانتقالية».

وأوضح الكردي أن «حصيلة الاتفاق أمران هما: إصلاح المؤسسة العسكرية، بما فيها دمج الدعم السريع في القوات المسلحة، لكن الاختلاف حصل في التفاصيل، ولا يمكن لقوى الحرية والتغيير - المجلس المركزي، التي نجحت في توقيع اتفاق مع القوى العسكرية التي تهيمن على البلاد، أن تفجر الحرب في السودان، ومن يدعي ذلك لا يقرأ الواقع كما يجب».

البرهان و«حميدتي» في أحد لقاءاتهما قبل اندلاع النزاع (أ.ف.ب)

صراع بين العسكريين

المتحدث باسم «الحرية والتغيير»، شهاب إبراهيم، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «حرب أبريل هي بين طرفين عسكريين. وبما أننا نمثل الطرف المدني في المعادلة السياسية، فإن مسؤوليتنا، بالتالي، سياسية وليست حزبية».

وأوضح إبراهيم أن «قوى الحرية والتغيير نبهت إلى احتمالات الصراع العسكري منذ وقت مبكر، وكانت تضع الحلول على طاولة العسكريين من أجل وجود جيش واحد». وأضاف: «أزمة الصراع العسكري هي نتيجة لتعدد الجيوش، وهو أمر جرى استغلاله من قبل النظام السابق لقطع الطريق أمام أي حل سياسي بعد انقلاب 25 أكتوبر، وقاد الأوضاع للحرب».

وتابع إبراهيم: «النظام السابق هو المتهم الأول في الوصول إلى مرحلة الحرب»، معتبراً أن إطلاق التهم ضد مجموعة «المجلس المركزي» هو محاولة لعزل القوى المدنية التي بادرت بالعملية السياسية، لتكريس سيطرة العناصر العسكرية.

وإذا كانت مجموعة «الحرية والتغيير - المجلس المركزي»، لا تلقى إجماعاً من قبل الشعب السوداني، فإنه يمكن القول إنها تمثل أكثر من 50 في المائة منه، وتضم «شباب ثورة ديسمبر المجيدة»، بالإضافة إلى قوى ثورية أخرى، وقدمت أطروحات لحل المشكلة السودانية، واتبعت أساليب العمل السياسي الديمقراطي المبنية على اختلاف الآراء والرؤى والاستراتيجيات.

وهذا ما يؤكده رئيس «مؤتمر الأمم المتحدة للأقليات»، السفير طارق الكردي، موضحاً أن «العمل السياسي ليس فيه إجماع، لكن هناك فترة انتقالية ببرامج معينة تقود إلى انتخابات يختار فيها الشعب من يحكمه». ويتابع: «لا يوجد أي حزب أو جهة سياسية تجد إجماعاً من الشعب. وحتى الجيش، فإنه لا يمثل الشعب السوداني، ونتيجة لممارساته في المواكب الرافضة لانقلاب 25 أكتوبر، ظهرت جفوة بينه وبين الشعب، لكن هذا لا يعني أن الشعب سيقف ضد الجيش».

أعمدة دخان تتصاعد بعد حريق في مستودع جنوب الخرطوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

قانون «الدعم السريع»

وقبل سقوط نظام الثلاثين من يونيو (حزيران)، لم تكن علاقة بعض الأحزاب والقوى السياسية بقوات «الدعم السريع» جيدة، ومن بينها «قوى الحرية والتغيير». ولأن السياسة لا عدو أو صديق ثابتاً فيها، تحولت العلاقة من العداء إلى الصداقة، وأصبح قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وقادة أحزاب المجلس المركزي، متفقون حول ضرورة الحكم المدني في السودان، وعودة العسكر للثكنات، ومحاسبة قادة النظام السابق المفسدين، وغيرها من القضايا.

وبعد التوقيع على الاتفاق الإطاري في الخامس من ديسمبر الماضي، وعقد 5 ورش سبقت توقيع الاتفاق النهائي الذي كان مقرراً له تاريخ 6 أبريل الماضي، علت الأصوات الرافضة للإصلاح الأمني والعسكري، باعتبار أن القوى المدنية ليست مؤهلة للحديث عن هذا الأمر.

ولاقت العلاقة المتينة بين «الدعم السريع» و«الحرية والتغيير - مجموعة المجلس المركزي» رفضاً من بعض لجان المقاومة وأحزاب سياسية أخرى، التي اعتبرت أن حميدتي شارك في انقلاب 25 أكتوبر، وبالتالي يجب إسقاط الانقلاب وما ترتب عليه، أي الاتفاق الإطاري، ووصفت قوات «الدعم السريع» بـ«الميليشيا».

لكن السفير الكردي قال إنه «يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها»، وتساءل عن معنى كلمة «ميليشيا»، وعلى من تنطبق قانونياً؟ وقال: «إن (الدعم السريع) موجودة بقانون أجازه البرلمان، كما أن حميدتي هو نائب رئيس الدولة. فهل هو من الميليشيات؟». وأضاف أن «(الدعم السريع) استطاعت إدخال آليات إلى العاصمة بعلم القيادة العسكرية والسياسية، وفي الفترة الأخيرة كان يخرج آلاف الضباط من الكليات».

وأشار الكردي إلى أن «حميدتي حاول أن يبدو بأنه مع الديمقراطية، واختطف الخطاب الثوري، وهو ارتكب جرائم حرب في الخرطوم ومناطق أخرى. فهل يمكن أن يحقق الديمقراطية؟»، لافتاً إلى أن «الجيش السوداني أيضاً ارتكب جرائم باستخدام الطائرات التي أدت إلى مقتل مدنيين».

ورأى الكردي أن «اختطاف ثورة ديسمبر مشكلة كبيرة، شاركت فيها كل الأحزاب السياسية»، لكنه أضاف: «أنا مؤمن بأن شباب الثورة السودانية متقدمون فكرياً وسياسياً على جميع الأحزاب السياسية في السودان بسنوات ضوئية، ويسعون إلى تغيير وجه السودان».

الصراع على الذهب

عضو «الحزب الشيوعي» السوداني، صديق فاروق، يذهب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن صراع بعض الدول على الذهب هو أحد العوامل الرئيسية لاشتعال الحرب، وليس «مجموعة المجلس المركزي»، مؤكداً أن تنظيم «الإخوان المسلمين» يحاول ترويج فكرة أن مجموعة «الحرية والتغيير» مسؤولة عن اندلاع الحرب، «لكن هذا الأمر هو ذر للرماد في العيون».

وأضاف فاروق: «يجب أن نفهم سياقات قوى (الحرية والتغيير) ومراحلها ومكوناتها المختلفة. فمعظم مكوناتها لم يسبق أن صنفت (الدعم السريع) على أنها ميليشيا، غير أن حزب الأمة، تحت قيادة الصادق المهدي، وبعض القوى الأخرى، تعاملوا قبل الثورة في 2018 - 2019 معها بهذا التصنيف، ووحدهم الشيوعيون في دورة اللجنة المركزية أبريل 2019 نادوا بضرورة حل هذه الميليشيا مع الميليشيات الأخرى، من دفاع شعبي وغيره، وتسريحها، وضرورة قيام جيش مهني واحد، لكن رأت أغلبية قوى الحرية والتغيير التعاطي مع واقع وجود (الدعم السريع) كمكون عسكري».

دمار لحق بمنزل أصيب بقذيفة مدفعية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

دور «الإخوان»

فاروق أوضح أنه وبعد انقلاب 2021، كشف رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، عن ارتباطاته مع تنظيم الإخوان، عبر تبنيه قرارات تعيدهم إلى السلطة، مخالفاً قرارات لجنة تفكيك تمكين نظامهم، الأمر الذي خلق تقارباً بين حميدتي وقوى «الحرية والتغيير» المعزولة عن السلطة بفعل الانقلاب.

ويرى محللون أنه منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، استهدفتها سهام النقد، وانشغلت الحاضنة السياسية بصراعات تسببت في إضعاف الحكومة، ما سهل للعسكريين السيطرة على ملفات هي من اختصاص الحكومة المدنية. وأتاح هذا الأمر لأنصار النظام السابق الترويج بأن المواطن كان ينعم في عهدهم بالأمن والاستقرار والحياة الكريمة، على العكس من عهد حمدوك الذي شهد ارتفاعاً لأسعار السلع والخدمات، لدرجة أصبح معها المواطن عاجزاً عن توفير أبسط احتياجاته.

عن هذا الأمر، قال محمد أبو زيد، رئيس «منبر السلام العادل»، لـ«الشرق الأوسط»: «إن فترة حكم قوى الحرية والتغيير هي من أفشل فترات حكم السودان، وشهدت تدهوراً أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، وتمزقت فيها البلاد وتشظت». وأضاف: «فشلت قوى الحرية والتغيير حتى في الحفاظ على تحالفها، وفشلت حكومتهم الأولى والثانية في إكمال الفترة الانتقالية».

ويختم أبو زيد قائلاً: «أعتقد أن الحرب بين الجيش والدعم السريع محصلة لحكمهم وممارستهم السياسية البائسة».



الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)
TT

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، قال إنها أسفرت عن خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري.

وذكر، في بيان، أن هذا التقدم يأتي في سياق عمليات «الفرقة الرابعة مشاة» التابعة له، ضمن نشاط ميداني لتأمين المنطقة وتطهيرها، مشيراً إلى تدمير معدات عسكرية وسيارات قتالية، وبث مقاطع مصورة تُظهر انتشار قواته داخل البلدة.

وتكتسب منطقة «مقجة» أهمية استراتيجية لوقوعها على الطريق الحيوي الرابط بين مدينتي الكرمك والدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق، وكانت قد سقطت في مارس (آذار) الماضي بيد قوات تحالف «تأسيس» بقيادة «الدعم السريع»، التي كانت قد سيطرت أيضاً على مدينة الكرمك القريبة من الحدود مع إثيوبيا، قبل أن تتقدم بوتيرة متسارعة، مسنودة بقوة من «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وتستولي على عدد من البلدات الصغيرة في الولاية.

وفي المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع» على هذه التطورات العسكرية الأخيرة، التي تأتي بعد أيام قليلة من اشتباكات عنيفة دارت بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في منطقتي كازقيل والحمادي بولاية جنوب كردفان.

العطا يدافع عن الكباشي

سياسياً، أكد رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، ياسر العطا، أن القوات النظامية «قومية ومهنية»، وتخضع لضوابط ولوائح صارمة لا مجال فيها للمحاصصات والانتماءات الجهوية والقبلية الضيقة، وذلك في سياق الرد على الجدل الواسع الذي أثير أخيراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن إعفاء شمس الدين كباشي من منصبه نائباً للقائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان.

الفريق العطا رئيس هيئة أركان الجيش السودان لدى زيارة سابقة لمصابين في قاعدة وادي سيدنا (مجلس السيادة على تلغرام)

وقال العطا، في تسجيل مصور نُشر على الصفحة الرسمية للجيش عبر «فيسبوك»، إن «التراتبية من ثوابت القوات المسلحة التي لا تتغير، وفي إطارها تأتي الرتب والوظائف»، مشدداً على أن المعايير المهنية هي الأساس في شغل المناصب القيادية.

وكان البرهان قد أجرى في مطلع أبريل (نيسان) الماضي تعديلاً على القيادة العليا للجيش، يُعد الأول منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، نافياً حينها «وجود أي معايير جهوية في التعيين»، ومؤكداً أن هذه التغييرات تهدف إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة ورفع كفاءتها. وبعد أيام قليلة من تعيين الفريق ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان، أصدر البرهان قرارات أخرى بإعادة توزيع بعض المناصب القيادية في الجيش، شملت إعفاء نائبه في قيادة الجيش، شمس الدين كباشي، وإعادة تعيينه مساعداً لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي. كما تضمنت القرارات إعفاء مساعده الفريق إبراهيم جابر، وتعيينه مساعداً لشؤون العلاقات الدولية والتعاون العسكري، كما تم تعيين الفريق ميرغني إدريس سليمان مساعداً لشؤون الصناعات العسكرية، وأوضح العطا أن هيئة الأركان تُعد جزءاً لا يتجزأ من قيادة الجيش، وأن شمس الدين كباشي، بحكم الأقدمية، لا يزال يحتفظ بموقع الرجل الثاني في القيادة، رغم إعادة توزيع مهامه.

وكان العطا قد وصف هذه التغييرات، في وقت سابق، بأنها «إجراءات روتينية سنوية» تأتي وفقاً للتراتبية العسكرية، نافياً أن تكون مرتبطة بأي اعتبارات أخرى خارج الإطار المؤسسي.

وفي سياق متصل، تعهد رئيس هيئة الأركان، ياسر العطا، بتحقيق «انتصارات كبيرة» على الأرض قبل موسم الأمطار في السودان، الذي يبدأ فعلياً في يونيو (حزيران)، في ظل استمرار العمليات العسكرية في عدد من ولايات البلاد.


«حرية شخصية» أم «وسيلة تًخًفٍّ» قد يستغلها مجرمون؟ جدل النقاب يعود للواجهة بمصر

منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)
منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)
TT

«حرية شخصية» أم «وسيلة تًخًفٍّ» قد يستغلها مجرمون؟ جدل النقاب يعود للواجهة بمصر

منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)
منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)

صعَّدت حادثة اختطاف رضيعة من داخل مستشفى جامعي في مصر، نفّذتها قبل أيام سيدة كانت ترتدي «نقاباً»، دعوات إلى حظر تغطية الوجه في المنشآت والأماكن العامة، بعدما تستر خلفه من قبل سارقون ومجرمون، رجالاً ونساءً.

ورغم نجاح السلطات الأمنية في تحديد هوية الخاطفة في وقت قصير، فإن عملية التوقيف استنزفت جهداً كبيراً «قادته 8 فرق وشمل فحص 122 كاميرا مراقبة»، مما سلّط الضوء على تحديات جمة ترتبط بـ«إخفاء الهوية».

وأعقب توقيف المتهمة قرار فوري من مستشفى الحسين التابع لجامعة الأزهر، الذى شهد الحادثة، بـ«تنظيم دخول المنتقبات، وفحصهن في غرفة مخصصة منعاً لحدوث وقائع مماثلة».

وسرعان ما تجدد الحديث في الأوساط المصرية حول «النقاب»، بين مؤيد لحظره «للمصلحة العامة»، ورافض يرى أن في منعه «تعارضاً مع الحريات»، وفريق ثالث تحدث عن «ضرورة تشديد إجراءات التأمين داخل المنشآت».

«لا مفروض ولا مرفوض»

يقول أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة، إن النقاب «يعد من العادات وليس من العبادات». ويتابع في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «أكرر ما قاله الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي بأن النقاب ليس مفروضاً وليس مرفوضاً».

وأضاف أن ارتداء النقاب «حرية شخصية، لكن ما دام أنه عادة مباحة، فالمقرر فقهياً أنه يجوز لولي الأمر تقييد المباح للمصلحة». وهو يرى ضرورة منع النقاب في المنشآت العامة فقط؛ أما في الطرق والشوارع والمنازل «فلهنّ الحرية».

وسبق أن أثار قرار لوزارة التربية والتعليم المصرية في سبتمبر (أيلول) 2023 بحظر النقاب بين طالبات المدارس حالة من الجدل الواسع.

مصريون يزورون حديقة الأزهر في القاهرة (رويترز)

وحسب الكاتبة فريدة الشوباشي، عضو مجلس النواب المصري سابقاً، فإنه «ليس من حق أحد أن يخفي ملامحه عن الآخرين، لأن من حق من هو في جواره أن يعرف من هذا». وهي ترى أن حادثة خطف «رضيعة مستشفى الحسين» تكشف عن إمكانية تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً واستخدام النقاب في التخفي لتنفيذ جرائم وسرقات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «إذا تحدثنا عن الحرية الشخصية، فلا بد أن تكون للجميع. فمن حق أي سيدة ارتداء النقاب، ومن حقي أن أعرف من هي».

وانتقلت دعوات الحظر إلى الأوساط الإعلامية، حيث طالب الإعلامي المصري عمرو أديب بحظر ارتداء النقاب في المنشآت والأماكن العامة «حرصاً على الأمن العام».

في مقابل ذلك، رفض مساعد رئيس حزب «النور» للشؤون القانونية، طلعت مرزوق، الدعوات التي تنادي بمنع النقاب أو حظره من الأماكن العامة ومؤسسات الدولة، قائلاً إن هذه المطالب «تكشف عن خلل في ترتيب الأولويات. والشق القانوني والدستوري يحسم المسألة بعدم جواز إصدار مثل هذه القرارات». وأكد في تصريحات تناولتها مواقع محلية أن «دعوات منع النقاب مخالفة للدستور والحقوق والحريات».

هل المنع ممكن؟

وحول إمكانية صدور قرار حكومي بمنع المنتقبات من دخول الأماكن العامة، قال الدكتور كريمة: «نفترض أن من المصلحة العامة منع النقاب دفعاً للمفاسد، لأن لصاً يمكن أن يتخفى ويرتدي النقاب، لذا تُقدَّم المصلحة العامة على الخاصة».

فيما يرى مراقبون أنه من الصعب أن تُصدر الحكومة قراراً يحظر النقاب في المنشآت، معللين ذلك بأن الأمر يحتاج إلى خطوات كثيرة وحوار مجتمعي.

وفي عام 2015، اتخذت جامعة القاهرة قراراً يمنع الطبيبات والممرضات بالجامعة من التعامل مع المرضى وهن مرتديات النقاب؛ لينتقل الأمر بعد ذلك إلى ساحات القضاء ويظل منظوراً حتى إصدار الحكم النهائي في 2020.

وأصدرت المحكمة الإدارية العليا حينها حكماً نهائياً يحظر على عضوات هيئة التدريس في جامعة القاهرة ارتداء النقاب. وتبعاً للحكم القضائي، أصدرت جامعة عين شمس هي الأخرى قراراً بحظر النقاب عام 2020.

مصلون في الجامع الأزهر بالقاهرة الشهر الماضي (رويترز)

وبعيداً عن الجدل الدائر، يرى البعض أن تطبيق إجراءات التأمين على أبواب المنشآت هو الحل.

الغالب... والحوادث الفردية

وقال أمين عام هيئة كبار العلماء بالأزهر، الدكتور عباس شومان، إن «استخدام بعض الفاسدين والفاسدات النقاب للتخفي وارتكاب الجرائم يمكن علاجه باتخاذ خطوات التحقق من شخصية مرتدية النقاب، ولا يحتاج الأمر إلى المطالبة بمنعه، فالعبرة بالغالب، والغالب في ارتداء النقاب طلب الستر المشروع».

وأضاف عبر منشور على صفحته على «فيسبوك»: «النقاب ترتديه سيدات فضليات طلباً للستر والصيانة مع أنه ليس مفروضاً عليهن، وهذا أمر يُمدح للمنتقبة بحق، وهو من الحريات الشخصية».

كما أشارت الدكتورة إلهام شاهين، الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية لشؤون الواعظات، إلى واقعة خطف الرضيعة من مستشفى الحسين، قائلةً إنها أثيرت بشكل غير مسبوق بناءً على حادثة فردية، وتمثل خطراً كبيراً هو «خطر توظيف الحوادث الفردية مبرراً لسنّ تشريعات عامة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «لو سارت المجتمعات بهذا المنطق لتغيّرت قوانينها مع كل حادثة، فالعدالة تقتضي أن يُبنى الحكم على قواعد عامة وإحصاءات دقيقة، لا على وقائع جزئية مهما كانت مؤلمة».

سيدات خلال حضور ملتقى ديني للمرأة بالجامع الأزهر في القاهرة الشهر الماضي (المركز الإعلامي للأزهر)

ومضت قائلةً: «الحكمة أن ندرك أن حماية المجتمع لا تكون بمصادرة الحقوق، كما أن صيانة الحقوق لا تعني إهمال الأمن، وإنما يتحقق التوازن حين نضع لكل منهما حدّه، دون إفراط أو تفريط».

وأضافت: «لقد أثبتت سلطات الأمن أنها قادرة على ضبط الجناة في أسرع وقت، ورغم طول مسافة التتبع ومع وجود النقاب. وهذا ينسف دعوى منع النقاب لتحقيق الأمن».

واستطردت: «الحوادث الفردية لا تُبنى عليها قوانين عامة، وإلا سنقع في قرارات متسرعة. وبدلاً من المنع المطلق أو الإباحة المطلقة، هناك حلول أكثر واقعية مثل التحقق من الهوية عند الحاجة في المطارات، والبنوك، والمستشفيات، والامتحانات، والأكمنة الأمنية، ويتم ذلك بواسطة سيدات مختصات مع استخدام التكنولوجيا من كاميرات لبصمة الوجه وبصمة العين».


ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)
اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)
TT

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)
اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)

بينما شدد رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، على ضرورة الالتزام بالمرجعيات الدستورية وضمان مسار انتخابي محدد زمنياً، واصلت البعثة الأممية تحركاتها ضمن مسار «الحوار المهيكل» لمناقشة العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية.

وأكد المنفي، خلال لقائه مساء الاثنين في العاصمة طرابلس نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري، أن المجلس الرئاسي «ينظر بإيجابية إلى الجهود الأممية، الهادفة إلى تيسير التوافق بين الأطراف الليبية، مع التشديد على أهمية أن تُبنى أي مبادرة على أساس المرجعيات القانونية والدستورية القائمة، وبما يضمن وضوح المسار، وعدم الخروج عن الإطار المنظم للعملية السياسية».

كما جدّد المنفي موقف المجلس المبني على الملكية الوطنية، والداعم لأي مسار يفضي إلى إجراء الانتخابات في إطار زمني محدد، مع «التأكيد على ضرورة أن يحافظ المسار المقترح على وحدة المؤسسات، وإشراك جميع المكونات الوطنية في أي ترتيبات تقود إلى تسوية شاملة، وبما يكفل استدامته وقبوله من مختلف الأطراف».

كما أوضح المنفي أن خوري أطلعته على ملامح التحرك الأممي خلال المرحلة المقبلة فيما يخص مسارات «الحوار المهيكل»، مؤكدة استمرار جهود البعثة في تيسير الحوار، وتقريب وجهات النظر، وصولاً إلى توافق شامل يمهّد لإنهاء المرحلة الانتقالية.

وكان المنفي قد نقل عن بعض أعيان مدينة مصراتة، الذين التقاهم مساء الاثنين، دعمهم للخطوات التي يتخذها لتعزيز التوافق الوطني، ومساندتهم للمبادرات كافة، الهادفة إلى بناء الدولة المدنية وترسيخ مؤسساتها، وتحقيق تطلعات الليبيين في الأمن والاستقرار والتنمية.

بدورها، أعلنت بعثة الأمم المتحدة استئناف أعضاء مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان في «الحوار المهيكل»، مساء الاثنين، جولتهم الثالثة من المداولات المباشرة في طرابلس، مشيرة إلى أنهم بصدد مناقشة واقع العدالة الانتقالية، وعلاقتها بالمصالحة الوطنية والمبادرات والجهود الحالية، وكيفية تعزيزها لضمان انتقال ديمقراطي، قائم على الحقوق لجميع الليبيين.

وقالت خوري إن فريق البعثة أطلع أعضاء المسار على نتائج استطلاع «أعطِ رأيك»، الذي شارك فيه نحو 6 آلاف شخص، وسلطوا الضوء على قضايا أساسية تتعلق بحقوق الإنسان، والمصالحة الوطنية والمسارات الأخرى التي يتناولها «الحوار المهيكل»، موضحة أنهم سيضعون بحلول نهاية الأسبوع توصيات عملية وقابلة للتنفيذ، قبل اجتماعهم الحضوري النهائي الشهر المقبل.

اجتماع الدبيبة مع الزوبي بحضور رئيس وأعضاء لجنة «3+3» (مكتب الدبيبة)

من جهة أخرى، أكد رئيس حكومة «الوحدة»، ووزير دفاعها عبد الحميد الدبيبة، في اجتماع موسع، الثلاثاء، مع وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، بحضور رئيس وأعضاء لجنة «3+3»، ضرورة البناء على نتائج تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي شاركت فيه قوات من شرق وغرب البلاد للمرة الأولى، برعاية القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم».

ودعا الدبيبة إلى العمل على تحويل مخرجات التمرين إلى برامج تنفيذية عملية تسهم في رفع مستوى الجاهزية القتالية، وتعزز كفاءة قوات الجيش في أداء مهامها بكفاءة واحترافية، لافتاً إلى أن الزوبي أطلعه على نتائج التمرين، الذي شاركت فيه بعض الدول.