احتدام المعارك للسيطرة على مستودعات الأسلحة والوقود في الخرطوم

اقتحام سفارتي الصين وفلسطين ومنزل السفير العماني... ومجزرة بإحدى الأسواق

أعمدة الدخان تتصاعد من حريق في مستودع جنوب الخرطوم الأربعاء (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من حريق في مستودع جنوب الخرطوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

احتدام المعارك للسيطرة على مستودعات الأسلحة والوقود في الخرطوم

أعمدة الدخان تتصاعد من حريق في مستودع جنوب الخرطوم الأربعاء (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من حريق في مستودع جنوب الخرطوم الأربعاء (أ.ف.ب)

في تطور جديد للمعارك الدائرة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»، اندلع قتال شرس، الأربعاء، حول مجمع اليرموك للأسلحة والذخائر التابع للجيش في منطقة جنوب الخرطوم، قرب مستودعات للوقود والغاز معرضة لخطر الانفجار. وشهد يوم الأربعاء أيضاً مجزرة إثر قصف طال إحدى أسواق أم درمان، أدى إلى وفاة 12 من المدنيين، ووقوع أضرار بالمباني والممتلكات.

وقال شهود إن قوات «الدعم السريع» شبه العسكرية، التي تخوض صراعاً على السلطة ضد الجيش، للأسبوع الثامن، هاجمت المنطقة التي تضم مجمع اليرموك في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء، قبل أن تنسحب بعد قتال عنيف. واستمر دوي الاشتباكات حتى صباح الأربعاء.

وتزامن الحادث مع قصف جوى للطيران الحربي للجيش على مناطق جنوب مدينة أم درمان، خلّف عدداً من القتلى والمصابين وسط المدنيين، وفقاً لبيان صادر عن لجنة المقاومة في المنطقة.

وقال شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» إن الاشتباكات تجددت بين الطرفين منذ الصباح الباكر، في محيط مجمع اليرموك والمناطق المجاورة، وسادت حالة من الكر والفر وسط الأحياء السكنية. كما شهدت مناطق جنوب الخرطوم وشمال أم درمان معارك أيضاً، وقال المواطن محمد المصطفى إن المواجهات العسكرية تمددت إلى داخل ضاحية «الكلاكلة»، وأسفرت عن وقوع مصابين من المدنيين تعذر إسعافهم وسط تبادل إطلاق الرصاص.

دمار لحق بمنزل أصيب بقذيفة مدفعية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

مجزرة المويلح

وقالت لجان المقاومة في منطقة «صالحة» المركزية في مدينة أم درمان (تنظيم شبابي) إن منطقة «المويلح»، غرب «صالحة»، (شمالاً) تعرضت لقصف بالطيران صباح الأربعاء، استهدف جزءاً من تجمعات قوات «الدعم السريع» تعسكر بالقرب من المنطقة. وأضافت في بيان أن القصف أدى إلى مقتل 12 مواطناً، منهم 4 من أسرة واحدة، وإصابة آخرين بجروح خطيرة ومتفاوتة، إضافة إلى وقوع أضرار بممتلكات المواطنين جراء استهداف الغارات الجوية عدداً من حظائر الماشية، مما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الإبل والأبقار. وأشار بيان اللجان إلى أن تحليق الطيران لا يزال متواصلاً في المنطقة، داعية المدنيين إلى الحذر والحيطة والاحتماء بالمنازل والابتعاد عن مناطق الاشتباكات والمواجهات المسلحة بين الجيش و«الدعم السريع».

البرهان متفقداً جنوده (موقع القوات المسلحة على فيسبوك)

اتهامات متبادلة

من جهة ثانية، أكدت مصادر رسمية وقوع اعتداءات جديدة على سفارتي الصين وفلسطين، ووجهت وزارة الخارجية السودانية أصابع الاتهام إلى قوات «الدعم السريع»، مشيرة إلى اقتحام مجموعات تابعة للدعم سفارتي الصين وفلسطين ومنزل السفير العماني في وسط العاصمة الخرطوم، وعدّته انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والأعراف الخاصة بحرمة وحماية مقرات وممتلكات البعثات الدبلوماسية.

وقالت إدارة الإعلام، والناطق الرسمي في الخارجية، في بيان، إن قوات «الدعم السريع» قامت بسرقة السيارات الدبلوماسية التابعة للسفارة الصينية، وعبثت بالمستندات وخربت أثاث السفارة. وأضاف البيان أن عناصر «الدعم السريع» اقتحموا أيضاً مقر سفارة فلسطين ومنزل السفير الفلسطيني للمرة الرابعة، واعتدت بالتعذيب على العمال المحليين الموجودين هناك.

وكررت وزارة الخارجية السودانية إدانتها هذا السلوك، الذي وصفته بـ«الإرهابي والإجرامي»، داعية المجتمع الدولي إلى إدانة تلك الممارسات، واعتبار قوات «الدعم السريع» منظمة إرهابية، وتحميلها المسؤولية القانونية والأخلاقية عن تلك الأفعال.

لكن عضو المكتب الاستشاري لقائد قوات «الدعم السريع»، مصطفى محمد إبراهيم، اتهم الجيش السوداني بتدريب أشخاص للقيام بعمليات سلب ونهب في المناطق التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» في الخرطوم ومدن أخرى.

حميدتي خلال لقاء (قبل الحرب) مع قواته في ولاية نهر النيل (أ.ب)

ونفى إبراهيم قيام قوات «الدعم السريع» بنهب وسرقة السفارات وإتلاف محتوياتها، متهماً هؤلاء الأشخاص بتنفيذ تلك الأعمال لإلصاقها بقوات «الدعم السريع»، مضيفاً أنه تم ضبط كثيرين منهم.

وتعليقاً على قصف منطقة «المويلح» قال إبراهيم إن «شهوداً أكدوا تحليق طائرة فوق السوق قبل قصفها»، مشيراً إلى أن «(قوات الدعم السريع) غير موجودة في هذه المنطقة، ولا تمتلك طائرات». واتهم الجيش السوداني «بقصف أسواق ومناطق مدنية شمال أم درمان بهدف إخلائها واستخدامها لأغراض عسكرية».

مقتل أطباء

إلى ذلك، قالت «لجنة أطباء السودان» إن نحو 18 طبيباً وطبيبة قتلوا بالرصاص، أو إنهم عالقون في منازلهم، منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل (نيسان) الماضي.

وقالت بعثة الأمم المتحدة في السودان (يونيتامس) في تعميم صحافي، إن الاشتباكات تواصلت بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، وإن الوضع في مدن العاصمة السودانية الثلاث (الخرطوم، أم درمان، وبحري) يبعث على قلق كبير.

وأضافت، في إحاطة عن حالة الحرب في البلاد صدرت أمس، أن الحالة في مناطق غرب ووسط وشمال دارفور مستمر في التدهور، مما أثر على المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، والكثير منهم عالقون بين الطرفين المتحاربين.

وأشارت البعثة إلى أن مسؤولي حقوق الإنسان وثّقوا عشرات الحوادث، بما في ذلك القتل والاعتقالات وحالات الاختفاء المحتملة والهجمات على المستشفيات والعنف الجنسي، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، التي ارتكبها طرفا النزاع. وأكدت البعثة أن «مكتب حماية المدنيين» في البعثة الأممية، في تواصل مستمر مع طرفي النزاع، لدعوتهما إلى اتخاذ إجراءات ضد الجناة، وحماية المدنيين وممتلكاتهم.



حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».