السلطات التونسية تحقق مع الغنوشي في 9 قضايا تتصل بالإرهاب

الغنوشي رئيس حركة النهضة (أ.ف.ب)
الغنوشي رئيس حركة النهضة (أ.ف.ب)
TT

السلطات التونسية تحقق مع الغنوشي في 9 قضايا تتصل بالإرهاب

الغنوشي رئيس حركة النهضة (أ.ف.ب)
الغنوشي رئيس حركة النهضة (أ.ف.ب)

أكد سامي الطريقي، عضو هيئة الدفاع عن راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية، أن التحقيق معه يتمحور حول تسع قضايا، معظمها على اتصال بملف الإرهاب في انتظار قضايا أخرى، مؤكداً استمرار غلق المقر المركزي لحركة النهضة في العاصمة التونسية منذ أكثر من شهر، دون التوصل إلى أدلة إدانة ضده، على حد تعبيره.

وأضاف الطريقي خلال مؤتمر صحافي عقدته الهيئة اليوم (الثلاثاء) في أحد فنادق العاصمة، أن محاكمات الغنوشي تتم ليلاً، وبمعزل عن محامييه، موضحاً أن رئيس الحركة قضى ساعات عدة أمام القضاء داخل المقرات الأمنية، ومثُل أمام مختلف الفرق الأمنية، دون أن تتوصل الجهات الرسمية إلى أي دليل يؤكد تورطه في أي أعمال مشبوهة، سواء كانت ذات طبيعة إرهابية، أو على علاقة بشبهات تبييض الأموال، وقال إنه «موقوف من أجل فيديو مفبرك ومجتزأ، وكل الإجراءات تمت خارج القانون».

وفنّد الطريقي مجمل التهم الموجهة لرئيس حركة النهضة، مؤكداً أنه جرى إيقافه «من أجل مجرّد تصريح سياسي وقعت فبركته وتدليسه»، على حد تعبيره. لكنه نوّه في المقابل بالمعاملة الحسنة التي تقدمها إدارة السجون التونسية (وزارة العدل) لرئيس حركة النهضة.

وبشأن قرار مقاطعة الغنوشي جلسات المحكمة، أكد الطريقي أنه اتخذ هذا القرار بعد إعلامه مرات عدة بالتوجه إلى المحكمة ليلاً، دون علم أعضاء هيئة الدفاع عنه؛ ولإيمانه بأن المحاكمة سياسية وهي تستهدف المعارضة. وكشف عن تحرك النيابة العامة، استناداً إلى تصريح ورد على صفحة «فيسبوكية» معادية لحزب حركة النهضة، معتبراً أنها قامت بإجراءات خارج القانون، من بينها التفتيش والإيقاف، و الاحتفاظ بالغنوشي، وحرمانه من التواصل مع المحامين، الذين توجهوا إلى مقر احتجازه شمالي العاصمة، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات لا يمكن أن تتم إلا في حالة التلبّس، وفق ما ينص عليه الفصلان الـ33 والـ34 من القانون الجزائي التونسي، على حد قوله.


مقالات ذات صلة

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

شمال افريقيا جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

تُجمع أحدث القراءات التحليلية والتقارير الحكومية في الجزائر على أن الدولة تواجه «منعطفاً أمنياً غير مسبوق»؛ جراء الوضع المتفجر في مالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أفريقيا وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو يوم 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب) p-circle

روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

ترفض روسيا مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي، ويتعرض نفوذها لهزة بعد انسحاب «الفيلق الأفريقي» من شمال البلاد...

رائد جبر (موسكو)
أفريقيا يستقل متمردو الطوارق التابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب) p-circle

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي وتطلب من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي دون إبطاء... المتمردون الطوارق يعلنون عن التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الروس

ميشال أبونجم (باريس)
شمال افريقيا آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

يترقب ليبيون، باهتمام متزايد، تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية.

علاء حموده (القاهرة)
أفريقيا مصابون يتلقون العلاج بعد تعرض السوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو لضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ في 12 أبريل (أ.ب)

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة، والشرطة النيجيرية تتعقب منفذي الهجوم، وتعد بتحرير المختطفين

الشيخ محمد (نواكشوط)

البرهان: المعركة توسعت وازداد استهداف السودان

البرهان والعطا يكرِّمان رئيس هيئة الأركان السابق (صفحة الجيش السوداني على «فيسبوك»)
البرهان والعطا يكرِّمان رئيس هيئة الأركان السابق (صفحة الجيش السوداني على «فيسبوك»)
TT

البرهان: المعركة توسعت وازداد استهداف السودان

البرهان والعطا يكرِّمان رئيس هيئة الأركان السابق (صفحة الجيش السوداني على «فيسبوك»)
البرهان والعطا يكرِّمان رئيس هيئة الأركان السابق (صفحة الجيش السوداني على «فيسبوك»)

شدد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مجدداً على عدم وجود أي تفاوض مع «قوات الدعم السريع». وقال «إن هذه المعركة توسعت، واستهداف الدولة السودانية في ازدياد».

وأضاف البرهان لدى مخاطبته، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، حفل تكريم رئيس هيئة أركان الجيش السابق، أن القوات المسلحة والقوات المساندة لها، عازمة على استكمال هذه المسيرة، وتخليص الشعب السوداني من «المرتزقة والجنجويد الرباطة».

ودعا الرأي العام السوداني إلى عدم الانسياق وراء الشائعات، قائلاً: «لم نذهب إلى أي مفاوضات، ولن نتفاوض مع هؤلاء المتمردين... ولا مع كل شخص داعم لهم». وتابع: «لا تفاوض إلا مع من يستسلم ويضع السلاح».

وأكد أن القوات المسلحة تقاتل حالياً في جميع الجبهات، وأن العدو مستمر في استقدام المرتزقة والمساندة الخارجية.

وقال قائد الجيش إن هذه المعركة توسعت، وازداد استهداف الدولة السودانية، وهو ما يتطلب من الجميع التكاتف والتعاضد لإنهاء هذا التمرد.

إلى ذلك، تعهَّد عضو «مجلس السيادة»، رئيس هيئة الأركان ياسر العطا، باستكمال مسيرة النصر في كل المحاور حتى «أم دافوق» في دارفور وولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.


الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
TT

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)

تُجمع أحدث القراءات التحليلية والتقارير الحكومية في الجزائر على أن الدولة تواجه «منعطفاً أمنياً غير مسبوق»؛ جراء الوضع المتفجر في مالي؛ وهو واقعٌ يفرض بالضرورة صياغة مقاربة شاملة، تتجاوز الحلول العسكرية الصرفة لتشمل الأبعاد السياسية والدبلوماسية.

عساكر ماليون في الميدان لمواجهة تحالف المتطرفين مع المعارضة (باماكو بامادا)

شهد شهر أبريل (نيسان) 2026، وتحديداً يوم 25 منه، تصعيداً خطيراً في مالي، تمثل في هجمات منسقة قادها متطرفون إسلاميون ومعارضون طوارق، استهدفت مراكز حيوية ومواقع عسكرية تابعة للجيش المالي وحلفائه، واتسمت لاحقاً بتوسع رقعة الاشتباكات، وانتقال الثقل العسكري من أقصى الشمال نحو مناطق في الوسط وبالقرب من العاصمة باماكو. كما طرد المهاجمون القوات الروسية؛ التي تدعم القوات الحكومية، من بلدة كيدال الاستراتيجية بالشمال.

مشكلة في الفناء الخلفي

بالنسبة إلى الجزائر، لا تعدّ الأزمة المالية شأناً بعيداً؛ فهي تدور في الفناء الخلفي لحدودها الجنوبية، وفي فضاء هش يعاني منذ عشرات السنين من التهريب، والهجرة غير الشرعية، وتدفق السلاح. لذا؛ تتابع الجزائر هذه التطورات بحذر بالغ؛ خصوصاً أن خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب علّمتها أن أي أزمة تُترَك «لتتخمر»، فستنتهي حتماً بالانفجار وتجاوز الحدود، وفق ما جاء في تقارير حكومية جزائرية بشأن الأزمة المالية.

مسلحون من المعارضة «الطرقية» بمنطقة كيدال شمال مالي (أزواد نيوز)

بهذا الخصوص، يقول الخبير الجزائري في الشؤون السياسية، الكاتب الصحافي بشير جعيدر، إن 3 تهديدات رئيسية مرتبطة بالوضع في مالي وارتداداته بالمنطقة والجزائر، تلوح في الأفق: الأول «العدوى الأمنية»؛ ذلك أن أي زعزعة استقرار مستدامة في شمال مالي، الحدودي مع الجزائر، ترفع من خطر تحول المنطقة إلى «ملاذات مسلحة متنقلة»، قادرة على التمدد نحو النيجر، وموريتانيا وليبيا، وبالتبعية نحو الجزائر. كما يشير أيضاً إلى «التدفقات البشرية والإجرامية»، إذ نادراً ما تقتصر أزمات الساحل على نوع واحد من النزوح؛ «فمع اللاجئين المدنيين، قد يتسلل المهربون، وتجار البشر، وعناصر مسلحة تسعى لإعادة الانتشار»... وهذا هو التهديد الثاني في نظره، كما تتضمنه التقارير الحكومية نفسها، على سبيل أن احتمال مواجهته يحدده مدى تسارع التطورات في الميدان.

عناصر من حركة «أزواد الطرقية» المعارضة (أزواد نيوز)

ومن التهديدات المطروحة، حسب جعيدر، «التنافس الجيوسياسي»... ففي تقديره، «أصبح الساحل ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية، أبرزها: روسيا، والغرب، وتركيا، والفاعلون غير الحكوميين. وكل فراغ سياسي يجذب رعاة جدداً، أو مصادر تهديد جديدة».

مواجهة الأزمة بدم بارد

في هذا السياق، تملك الجزائر أوراقاً رابحة، وفق الخبير السياسي نفسه: «تجربة في مكافحة الإرهاب، ودبلوماسية مشهود لها في الساحل، ومعرفة دقيقة بالتوازنات القبلية والتشعبات العرقية في المنطقة، وقدرة على الوساطة. ورغم أنها لا تستطيع الحلول محل الدولة المالية، أو فرض حل بمفردها، فإنها قادرة على منع السيناريو الأسوأ، وذلك من خلال دعم حل سياسي شامل بين باماكو ومكونات الشمال، وتعزيز التعاون الإقليمي لتأمين الحدود، ومنع أي تدويل فوضوي للصراع، وترقية التنمية العابرة للحدود بوصفها ترياقاً ضد الاستقطاب المسلح».

الخبير السياسي بشير جعيدر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وأضاف جعيدر موضحاً أن ما يحدث في مالي «يذكرنا بحقيقة غالباً ما تُهمل: الإرهاب لا يزدهر على الدين بقدر ما يزدهر على الفراغ؛ فراغ الحوكمة، والفراغ الاجتماعي، والفراغ الاقتصادي، والفراغ الاستراتيجي. فحيثما انسحبت الدولة، تقدم الآخرون: الميليشيات، والمهربون، والدعاة المتطرفون، أو القوى الأجنبية».

وزير الثقافة سابقاً عبد العزيز رحابي (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ويقدم الوزير والسفير الجزائري السابق، عبد العزيز رحابي، قراءة للمشهد، قائلاً إن الأزمة في مالي «أدت إلى ازدياد عدد الأطراف الأجنبية على حدودنا مع منطقة الساحل، وحولت المنطقة ساحةَ مواجهة بين القوى العظمى... وهذه التدخلات المرخص بها، تجعل تسوية الأزمات أشد تعقيداً، كما هي الحال في ليبيا، حيث جرى تهميش الجزائر وتونس؛ الجارتين المباشرتين، في البحث عن تسوية للأزمة، لمصلحة عشرات الأطراف الأخرى».

وصرح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، للصحافة، الاثنين الماضي، بأن بلاده «تتعهد بدعم وحدة مالي؛ أرضاً وشعباً ومؤسسات»، مشدداً على رفضها «القاطع كل أشكال الإرهاب ومظاهره»، موضحاً أن «موقف الجزائر (حيال الأوضاع في مالي) ينبع من تجربتها المريرة مع آفة الإرهاب؛ إذ لا يمكن تبريرها، أو التسامح معها، تحت أي ظرف أو اسم»، داعياً إلى «ضرورة تعزيز الصف الداخلي في مالي الشقيقة، فذلك هو الرادع الحقيقي، والدرع المتين الكفيل بالتصدي للإرهاب وضمان النجاعة في مواجهته».

صراع النفوذ والحدود

تُشكّل الأحداث في مالي، وفق مصادر أمنية جزائرية، ما هو أبعد بكثير من مجرد حوادث أمنية عابرة؛ فهي «تعبر عن تحول عميق في أزمة منطقة الساحل، التي دخلت منذ الآن مرحلة جديدة. وتتجلى هذه المرحلة في مواجهة لم تعد تكتفي فيها الجماعات المسلحة بمهاجمة الدول من مناطقها المعزولة، والجيوب البعيدة، بل تسعى إلى إثبات قدرتها على تهديد المركز، وزعزعة استقرار السلطة، وفرض ميزان قوى على المستوى الوطني»، وفق المصادر نفسها.

مسلحون من تنظيم «أزواد الطرقي» (أزواد نيوز)

والمعروف أن علاقة الجزائر بالسلطة العسكرية في باماكو تدهورت بشكل مفاجئ في بداية 2024، إثر إعلان رئيس السلطة الانتقالية، العقيد عاصيمي غويتا، انسحابه من «اتفاق السلام» مع المعارضة الطوارقية الموقّع في الجزائر عام 2015. وعدت الجزائر هذه الخطوة موجهة ضدها، بوصفها الوسيط في الأزمة الداخلية، كما تترأس «اللجنة الدولية» المكلفة تنفيذ الاتفاق.

أحدث صورة للعقيد عاصيمي غويتا (باماكو بامادا)

وتصاعد الخلاف مع الجزائر في نهاية مارس (آذار) 2025، إثر تفجير سلاحها الجوي طائرةً مسيّرة مالية، كانت تتعقب تحركات المعارضة المسلحة بالحدود؛ مما خلف أزمة دبلوماسية حادة مع باماكو وجارتيها بوركينافاسو والنيجر، اللتين انحازتا إليها بحكم اشتراك البلدان الثلاثة في حلف سياسي وأمني، يطلَق عليه «تحالف دول الساحل».


عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
TT

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

سجّلت عودة السودانيين النازحين من مصر إلى بلادهم زخماً متزايداً مؤخراً، مع استئناف رحلات العودة المجانية، واتساع قوائم الانتظار، وفق مبادرة شعبية مهتمة بالملف، بالتزامن مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي في مصر، وذلك بعد ثلاثة أعوام من حرب خلّفت أزمات معيشية وإنسانية واسعة، وفق تقديرات منظمات دولية.

وقال السفير عبد القادر عبد الله، قنصل السودان في أسوان (جنوب مصر)، لـ«الشرق الأوسط»، إن القنصلية تتلقى بشكل دوري آلاف الطلبات من السودانيين الراغبين في العودة، مشيراً إلى أن قوائم الانتظار تضم أعداداً كبيرة في ظل تزايد الإقبال على برامج العودة الطوعية.

وأوضح أن القنصلية تعمل بتنسيق مباشر مع «لجنة الأمل للعودة الطوعية للاجئين والنازحين»، لتسهيل واستكمال الإجراءات التنظيمية الخاصة بالرحلات، علماً بأن اللجنة مبادرة شعبية تضم شخصيات سياسية ومجتمعية سودانية، وتعمل بالتعاون مع السفارة السودانية في القاهرة لضمان تنظيم عمليات العودة بصورة سلسة ومنسقة.

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد في أكتوبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

لكن هذا الزخم لا يزال محفوفاً بهواجس إنسانية ومعيشية معقدة، تتعلق بنقص الأمن والخدمات والتعليم والرعاية الصحية، ما يجعل قرار العودة بالنسبة إلى آلاف الأسر معادلة شديدة الحساسية بين الحنين إلى الوطن والخوف من المجهول.

ورغم قسوة الظروف، لا يغيب السودان عن أحاديث كثير من المقيمين في مصر، الذين يتابعون باهتمام أخبار قوافل «العودة الطوعية» التي بدأت في التحرك خلال الأشهر الأخيرة، أملاً في استعادة حياتهم الطبيعية داخل بلادهم.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، هرب أكثر من مليون و200 ألف سوداني إلى مصر، وفق تقديرات رسمية، بينما كان يقيم فيها بالفعل نحو خمسة ملايين سوداني قبل الحرب، لتتحول مصر إلى إحدى أبرز وجهات اللجوء للسودانيين الفارين من المعارك.

وحتى نهاية العام الماضي، عاد إلى السودان نحو 428 ألفاً و676 شخصاً بصورة طوعية، وفق أرقام سبق أن كشفها السفير عبد القادر عبد الله، بعد مبادرة أطلقتها السلطات المصرية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لنقل السودانيين الراغبين في العودة عبر قطار مخصص من القاهرة إلى أسوان.

وشجّع اقتراب انتهاء الموسم الدراسي في المدارس السودانية بمصر كثيراً من الأسر على العودة، انتظاراً لانتهاء امتحانات المرحلة المتوسطة، حتى إن بعضهم بدأ في بيع أثاث منزله تمهيداً للمغادرة.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم لدى تفقده إحدى لجان الثانوية العامة في مصر (السفارة السودانية في القاهرة)

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، تمكنت «لجنة الأمل للعودة الطوعية للاجئين والنازحين» من تسيير رحلات مجانية ضمت 34 حافلة أقلّت نحو 1610 عائدين من القاهرة والإسكندرية وأسوان.

وقال الناطق الرسمي باسم اللجنة، عاصم البلال، لـ«الشرق الأوسط»، إن اللجنة تتلقى آلاف الطلبات من راغبين في العودة، مشيراً إلى نية اللجنة إطلاق رحلات جديدة خلال الأيام المقبلة وهو ما يرتبط بصورة أساسية بتوفر التمويل، إذ تعتمد الموارد الحالية على تبرعات رجال أعمال سودانيين وجهود فردية.

ورغم صعوبة الأوضاع المعيشية داخل السودان، أشار البلال إلى أن المرحلة الحالية تشهد تركيزاً على عودة بعض الفئات المهنية، مثل القضاة والأطباء والإعلاميين العاملين في الإذاعة والتلفزيون، للمساهمة في استعادة الخدمات والمشاركة في جهود إعادة الإعمار.

وأضاف أن اللجنة تلقت تطمينات من الحكومة السودانية بشأن العمل على توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، لا سيما في قطاعي التعليم والصحة، بما يساعد على تهيئة الظروف المناسبة للعائدين.

ووفق تقديرات غير رسمية للجنة، قد يصل عدد الراغبين في العودة الطوعية من مصر إلى نحو 900 ألف شخص، فيما تحتاج عمليات العودة إلى ميزانية أولية تقارب نصف مليون دولار. وسبق أن أعلنت السفارة السودانية في القاهرة عن تسهيلات جديدة لدعم العودة الطوعية، من بينها تدشين منصة إلكترونية لتسريع إجراءات السفر والعودة.

ومن منظور الإعلامية السودانية هنادي عبد اللطيف، فإن طموح العودة إلى السودان بات يتزايد بقوة لدى قطاعات واسعة من السودانيين المقيمين في مصر، متحدثة لـ«الشرق الأوسط» عن تلقيها آلاف الاستفسارات بشأن تفاصيل العودة، فضلاً عن الطلبات المتزايدة التي استقبلتها «لجنة العودة الطوعية» من سودانيين يرغبون في العودة إلى بلادهم.

وتعتقد الإعلامية السودانية، المهتمة بهذا الملف، أن تقديرات توقيت العودة تختلف من أسرة إلى أخرى وفق الظروف المعيشية والاجتماعية لكل فرد، موضحة أن كثيراً من الأسر لا تزال مترددة، خصوصاً من لديهم أبناء في مراحل التعليم المختلفة أو يحتاجون إلى خدمات صحية مستقرة، إلى جانب آخرين تمكنوا من بناء قدر من الاستقرار النسبي في مصر بعد شراء أثاث ومستلزمات معيشية، ما يجعل فكرة العودة بالنسبة إليهم مرتبطة بمخاوف من مستقبل غير واضح.

يقول حسن، وهو شاب (19 عاماً) قدم من جنوب الخرطوم قبل عام، لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة العودة إلى السودان تراوده باستمرار، لكنه يتردد في حسم القرار في ظل تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأوبئة مثل حمى الضنك، إلى جانب النقص الحاد في الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والرعاية الطبية».

سودانيون يستعدون لرحلة عودة طوعية من مصر هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وبحسب أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، يتزايد القلق إزاء استمرار انتشار حمى الضنك في أنحاء السودان، مع تسجيل أكثر من 75 ألف إصابة و169 حالة وفاة في 15 ولاية من أصل 18 حتى 24 أبريل (نيسان) الحالي.

ويبدو أن تحسن بعض ظروف المعيشة في عدد من المدن كفيل باتخاذ قرار العودة، وفق حسن، الذي أشار إلى أن كثيراً من السودانيين باتوا مقبلين على وضع أسمائهم على قوائم انتظار الرحلات المتجهة إلى السودان.

أما أم محمد، وهي سودانية من ولاية الفاشر، فتقول إن كثيراً من معارفها وأقاربها شرعوا بالفعل في إجراءات العودة، غير أن الوضع الصحي المتدهور وغياب الخدمات الأساسية يرجئان اتخاذ هذه الخطوة حالياً، خصوصاً أن طفلها يحتاج إلى رعاية صحية يصعب توفيرها داخل السودان في الوقت الراهن.

ويرى إبراهيم بشير، وهو رب أسرة يقيم في مصر منذ اندلاع الحرب، أن القرار لا يزال بالغ الصعوبة بالنسبة إلى كثير من العائلات، موضحاً أن أبناءه موزعون على مراحل دراسية مختلفة، في وقت تعرضت فيه مدارس عديدة داخل السودان للدمار أو التوقف عن العمل، ما يجعل مستقبلهم الدراسي مهدداً في حال العودة الآن.