كيف سيطرت قوات حميدتي على مناطق بالخرطوم واقتحمت مقر البرهان؟

حارس شخصي يقول إن البرهان قاوم الهجوم ببندقية كلاشينكوف... قبل أن ينقله مرافقوه إلى مكان آمن

TT

كيف سيطرت قوات حميدتي على مناطق بالخرطوم واقتحمت مقر البرهان؟

دخان يتصاعد وسط المعارك في السودان
دخان يتصاعد وسط المعارك في السودان

حينما اندلع الصراع في العاصمة السودانية الخرطوم، قبل شهر تقريباً، بين الجيش بأسلحته الثقيلة وقوات «الدعم السريع»، التي وُلدت من رحم ميليشيا صحراوية ماهرة مزوَّدة بأسلحة خفيفة، بدا الأمر وكأن الحرب محسومة لصالح قوات الجيش، على ما أوردت وكالة «رويترز»، في تقرير لها، الأربعاء.

لكن سرعان ما أدرك الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة، أن سلاحي الجو والمدفعية وحدهما لن يُوقفا جنود خَصمه الذين تمكّنوا من اقتحام مقر إقامته داخل مجمع قيادة الجيش في الساعات الأولى للقتال، وفقاً لما قالته 10 مصادر من طرفي الصراع، لـ«رويترز»

وقال أحد حراس البرهان الشخصيين إن قائد الجيش والرئيس الفعلي للبلاد «حمل بندقية كلاشينكوف، وفتح النار بنفسه، قبل أن ينقله رجال الأمن إلى مكان آمن»، كاشفاً عن تفاصيل لم تُنشر من قبل، توضح كيف «كان من الممكن قتل البرهان أو الإطاحة به»، في الأيام الأولى للصراع، الذي اندلع في 15 أبريل (نيسان).

وقال الحارس، الذي طلب عدم نشر اسمه، إن مقاتلي قوات «الدعم السريع» قتلوا أكثر من 30 من حُرّاس البرهان، في المعركة التي تَلَت ذلك، قبل أن ينسحبوا من المقر في العاصمة.

وتسلِّط هذه الرواية الضوء على الأسلوب المفضَّل لخَصم البرهان، الفريق أول محمد حمدان دقلو، قائد قوات «الدعم السريع»، الشهير باسم حميدتي، وهو القتال من مسافات قريبة، واستغلال نقاط القوة لدى قواته.

وبعد قرابة شهر من تفجر القتال، وعلى الرغم من الضربات الجوية شبه اليومية، لم يتمكن الجيش من طرد قوات «الدعم السريع» من العاصمة، حيث يتمركز رجال حميدتي في مناطق سكنية وعدّة مؤسسات رئيسية.

وعلى مدار السنوات العشر الماضية، تحولت قوات «الدعم السريع» من مجرد قوة متشرذمة من مقاتلي الصحراء، إلى جيش موازٍ تقريباً، له قواعده في العاصمة، ويملك ما يكفي من الإمدادات لإجبار البرهان على إجراء محادثات، دون أمل في تحقيق نصر سريع.

حميدتي خلال لقاء سابق مع قواته في ولاية نهر النيل (أ.ب)

ودفع الصراع الكثير من أبناء السودان إلى الهرب من العاصمة، وذهب بعضم إلى أقاربهم وأصدقائهم في مناطق ريفية، وفرَّ البعض الآخر عبر الحدود إلى دول مجاورة.

وتهدف قوات «الدعم السريع» إلى جرّ الجيش إلى حرب شوارع في المدن، تتمتع فيها مركباتهم المزوَّدة بسلاح خفيف، بأفضلية على الدبابات والطائرات الحربية. وخرجت قوات «الدعم السريع» من رحم ميليشيا الجنجويد العربية، التي ساعدت الحكومة على إخماد انتفاضة سابقة في إقليم دارفور بغرب البلاد، وكافأتها السلطة بتحويلها إلى قوة شبه عسكرية، بموجب قانون.

وقال أحد مقاتلي قوات «الدعم السريع»، عند نقطة تفتيش تابعة لهم في الخرطوم: «على البرهان وقواته أن يكونوا شجعاناً ويحاربونا على الأرض، وجهاً لوجه، بدلاً من استخدام الطيران».

دبابة تتبع الجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم أمس (أ.ف.ب)

ويقول سكان في الخرطوم إن قوات «الدعم السريع» تُوقف مركباتها قرب المنازل؛ حتى لا يستهدفها الجيش بالضربات الجوية.

ولحميدتي عشرات الآلاف من المقاتلين في الخرطوم، لكن قوات البرهان، الأكبر عدداً، منتشرة في جميع أنحاء البلاد، ونادراً ما تظهر في العاصمة، مما يعطي قوات «الدعم السريع» فرصة للتحصن.

واحتلّ رجال حميدتي مباني حكومية؛ مثل مقر وزارة الداخلية، ومقرّات الشرطة، واستولوا على إمدادات كبيرة من الوقود من مصفاة للنفط، ونشرت قوات «الدعم السريع» قنّاصة على أسطح المنازل،

واستولى مقاتلون آخرون في قوات «الدعم السريع» على منازل في حي راقٍ بالخرطوم. وعدد من عناصر «الدعم السريع»، مِثلهم مثل قائدهم حميدتي، ينتمون لقبيلة الرزيقات؛ أكبر القبائل العربية في دارفور، ويَدينون له بالولاء.

تصاعدت أعمدة الدخان في مناطق عدة من العاصمة السودانية جراء قصف بالطيران أمس (رويترز)

ولتشديد سيطرتهم على العاصمة، نصبوا نقاط تفتيش في جميع أنحاء الخرطوم، وراحوا يدققون في بطاقات الهوية، ويفتشون السيارات والأمتعة. وقال سكان إنهم يفتحون الهواتف المحمولة؛ للبحث عن اتصالات بالجيش.

واتهم سكان العاصمة قوات «الدعم السريع» بارتكاب أعمال نهب، وهو ما تنفيه.

حليفان سابقان

اندلع الصراع بعد انهيار خطة مدعومة دولياً للانتقال إلى الديمقراطية.

وعلى مدى السنوات الأربع، التي تَلَت الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في انتفاضة شعبية، تَقاسم الجيش وقوات «الدعم السريع» السلطة بتوجس.

وترأّس البرهان «مجلس السيادة» الحاكم، الذي تشكَّل بعد الإطاحة بالبشير عام 2019، وأعيد تشكيله بعد انقلاب عسكري في عام 2021. وكان نائب رئيس المجلس هو حميدتي، الذي صنع اسمه في صراع دارفور.

وقبل اندلاع الصراع بين الرجلين، كان حميدتي يتخذ بعض الخطوات؛ ومن بينها التقرب من تحالف «قوى الحرية والتغيير»، وهو تجمُّع سياسي مدني يقود عملية الانتقال إلى الحكم المدني.

وألمح هذا التحالف إلى أن لحميدتي خططاً سياسية بعد تعثر العملية الانتقالية، وحمَّل البرهان ما وصفها بطموحات حميدتي مسؤولية اندلاع الصراع.

الدخان يغطي سماء العاصمة السودانية جراء الاشتباكات (أ.ف.ب)

وقالت مصادر مقرَّبة من حميدتي إن الرجل يخوض معركة نفَس طويل وحرب استنزاف.

وأسفر القتال، منذ منتصف أبريل، عن مقتل ما لا يقل عن 500 شخص، وإصابة الآلاف، وعرقل وصول المساعدات، ودفع 100 ألف شخص إلى الفرار للخارج، وحوَّل المناطق السكنية في الخرطوم إلى ساحات حرب.

معبر قسطل الحدودي بين مصر والسودان (الشرق الأوسط)

وتعهّد حميدتي بالقبض على البرهان أو قتْله، وانتهك الجانبان كثيراً من فترات وقف إطلاق النار التي وافقا عليها.

ولم تتمكن «رويترز» من تحديد المكان الذي يقيم فيه حميدتي حالياً، أو ما إذا كان البرهان لا يزال يستخدم مقرّات الجيش لقيادة عملياته.

كما لم يكشف أي طرف عن عدد قتلاه.



أكبر الدول العربية سكاناً... مصر تعد بـ«عام حاسم» لخفض الإنجاب

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال أحد الاجتماعات في نوفمبر الماضي (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال أحد الاجتماعات في نوفمبر الماضي (وزارة الصحة)
TT

أكبر الدول العربية سكاناً... مصر تعد بـ«عام حاسم» لخفض الإنجاب

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال أحد الاجتماعات في نوفمبر الماضي (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال أحد الاجتماعات في نوفمبر الماضي (وزارة الصحة)

وعدت السلطات الصحية في مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، بـ«عام حاسم» لخفض الإنجاب، حيث تستهدف وزارة الصحة الوصول إلى 2.1 طفل لكل أم مع نهاية 2026.

وتصف الحكومة المصرية القضية السكانية بأنها «معركة بقاء»، إذ عدّها الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً التحدي الأكبر أمام الدولة، ومن «أخطر القضايا التي تواجهها مصر».

وقالت نائبة وزير الصحة المصري لشؤون السكان وتنمية الأسرة، عبلة الألفي، إن عام 2026 «يُعد عاماً حاسماً في مسار العمل السكاني، حيث يستهدف الوصول إلى معدل إنجاب كلي 2.1 طفل لكل سيدة بحلول 2027». وتحدثت عن أن المعدل بلغ 2.4 طفل لكل سيدة في 2024، ما يعكس حجم التحدي القائم.

وأوضحت خلال فعاليات اليوم العلمي المتخصص في «الولادة الآمنة وشائعات وسائل تنظيم الأسرة»، في القاهرة الخميس، أن «دور الدولة يتركز في توفير جميع وسائل تنظيم الأسرة مجاناً، وتعزيز حقوق المرأة والطفل، مع التأكيد على مسؤولية الأسرة في التخطيط السليم للحياة الأسرية».

وشددت على أن «الصحة الإنجابية من أولويات الدولة، وأن منع الحمل غير المرغوب فيه، واختيار الوسيلة المناسبة في التوقيت المناسب يمثلان أساس الحفاظ على صحة الأم والطفل». ولفتت إلى أن «نحو 20 في المائة من المواليد يدخلون الحضَّانات دون داعٍ طبي حقيقي بسبب الحمل غير المخطط».

طفلان لكل أسرة

مقرر «المجلس القومي للسكان المصري» الأسبق، عاطف الشيتاني، قال إن الهدف الذي أعلنته نائبة وزير الصحة لشؤون السكان بخفض معدلات الإنجاب خلال الفترة المقبلة يتحقق طبقاً لـ«الخطة القومية للسكان».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن آخر قياس لمعدل الإنجاب كان 2.6 طفل لكل سيدة في عام 2021، وإن «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» أجرى دراسات، وبدأ يستفيد من البيانات المتوفرة من تسجيل المواليد إلكترونياً.

وتابع: «باستخدام بعض الإحصاءات، من الممكن تقدير معدل الإنجاب من دون عمل المسوح الوطنية»، مشيراً إلى أن المعدل انخفض في 2024 إلى 2.4 طفل». وواصل حديثه: «بعرض هذه النتائج على القيادات السياسية، تم البدء في عمل خطة عاجلة، بأهداف مرحلية قصيرة وطموحة».

جانب من فعاليات «اليوم العلمي المتخصص في الولادة الآمنة» بالقاهرة الخميس (مجلس الوزراء)

ووفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة والسكان المصري، خالد عبد الغفار، حققت مصر «انخفاضاً ملحوظاً في المتوسط اليومي للمواليد بمعدل 220 مولوداً يومياً، حيث انخفض من 5385 إلى 5165»، حسب إحصاءات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في أغسطس (آب) الماضي.

وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في يناير (كانون الثاني) 2025 إن حكومته «تستهدف خفض معدل النمو السكاني إلى 2.1 في المائة بحلول عام 2028 بدلاً من عام 2030 لتحسين المستوى المعيشي للمواطنين».

وحول إمكانية تحقيق هذا الهدف في 2027 للوصول إلى 2.1 (أي طفلين لكل أسرة)، أجاب الشيتاني أن الدولة «تكثف جهودها بقيادة وزارة الصحة لتحقيق هذا الهدف. وهناك شِقان لتحقيق هذا، الأول خاص بتقديم خدمات تنظيم الأسرة وتوفيرها للسيدات، ووزارة الصحة تقدمها من خلال وحداتها في العيادات والمستشفيات بالمجان؛ لكن التحدي الأكبر في القطاع الخاص، لأن العيادات والمستشفيات (الخاصة) لا تقدم خدمات تنظيم الأسرة مجاناً، فـ(الصحة) تركز على توفير وسائل تنظيم الأسرة بعيدة المدى لتحقيق الهدف».

وأضاف: «لا بد كذلك من تغيير المفاهيم في المجتمع، وأن يتبنى الأهالي فكرة الأسرة الصغيرة لمصلحة الأطفال، فضلاً عن تعزيز دور المرأة في المجتمع، وتشجيع الفتيات على منع التسرب من التعليم». ولفت إلى أن وزارة الصحة تقوم بحملات إعلانية لتغيير المفاهيم عن خفض الإنجاب.

ندوات تثقيفية في أغسطس الماضي لنشر الوعي بقضية تنظيم الأسرة في مصر (المجلس القومي للسكان)

«جودة حياة المواطن»

من جانبه، أكد محافظ القاهرة، إبراهيم صابر أن الدولة «تولي اهتماماً بالغاً بالقضية السكانية بوصفها من أكبر التحديات التي تواجه مسيرة التنمية». وذكر في تصريحات، نُشرت منتصف يناير الحالي، أن الزيادة السكانية تؤثر بشكل مباشر على نتائج المشروعات القومية والخدمية التي تستهدف تحسين جودة حياة المواطنين، مشيراً إلى أن القاهرة تُعد من أكثر المحافظات جذباً للسكان، حيث يتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، بالإضافة إلى ملايين المترددين عليها يومياً.

وتصدرت مصر دول إقليم شمال أفريقيا من حيث عدد السكان خلال عام 2025، وذلك بعد أن سجلت تعداداً بلغ 119 مليوناً موزعين على مواطني الداخل والخارج.

وقال «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في تقرير أصدره في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن بلوغ عدد السكان في مصر 107.8 مليون نسمة بالداخل، جعلها «الأعلى من حيث عدد سكان إقليم شمال القارة، وهي نسبة تمثل 7.0 في المائة من جملة عدد سكان أفريقيا، و1.4 في المائة من جملة سكان العالم، وترتيبها الثالثة أفريقياً ورقم 13 عالمياً من حيث عدد السكان».

وزارة الصحة المصرية خلال إحدى حملات التوعية في سبتمبر الماضي للتعريف بأضرار «الولادة القيصرية» (وزارة الصحة)

«مخاطر القيصرية»

وخلال فعاليات اليوم العلمي، الخميس، تحدثت نائبة وزير الصحة المصري لشؤون السكان وتنمية الأسرة عن توسع وزارة الصحة في تنفيذ برنامج تنظيم الأسرة بعد الولادة منذ 2021 من خلال تدريب مقدمي الخدمة، وتوفير نحو 4000 غرفة مشورة أسرية بوحدات الرعاية الأولية، وتشغيل عيادات متنقلة مجهزة، بهدف خفض وفيات الأمهات والأطفال.

كما شددت على «أهمية التعامل الجاد مع الولادات القيصرية غير المبررة»، مؤكدة أن مسؤولية طبيب النساء والتوليد تشمل توعية السيدة بمخاطرها وفوائد الولادة الطبيعية، بما ينعكس إيجاباً على صحة الأم والطفل والمجتمع بأكمله.

وحسب الشيتاني، هناك حوالي 70 إلى 80 حالة ولادة قيصرية من كل 100 حالة ولادة في مصر، «وهذا له أبعاد اجتماعية واقتصادية وصحية».

وأضاف أن مصر هي الأولى على مستوى العالم في معدل الولادات القيصرية، داعياً إلى «معايير حاكمة لهذا الإجراء، وفرض رقابة طبية وبيانات موثقة عن حجم هذه الجراحات».

وأصدرت «الصحة المصرية» في نهاية أغسطس الماضي «حزمة إجراءات تنظيمية ملزمة لجميع المنشآت الطبية الخاصة، بهدف تعزيز الولادة الطبيعية الآمنة، وخفض معدلات العمليات القيصرية غير المبررة طبياً».


بنغازي تُفكّك شبكة لتهريب البشر إلى اليونان

مهاجرون غير نظاميين من نيجيريا قبيل ترحيلهم من العاصمة طرابلس في ديسمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)
مهاجرون غير نظاميين من نيجيريا قبيل ترحيلهم من العاصمة طرابلس في ديسمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)
TT

بنغازي تُفكّك شبكة لتهريب البشر إلى اليونان

مهاجرون غير نظاميين من نيجيريا قبيل ترحيلهم من العاصمة طرابلس في ديسمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)
مهاجرون غير نظاميين من نيجيريا قبيل ترحيلهم من العاصمة طرابلس في ديسمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)

أمرت النيابة العامة الليبية بحبس اثنين من تشكيل عصابي لاتهامهما بتهريب مهاجرين غير نظاميين إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما تسبب في مقتل 59 شخصاً من مصر وبنغلاديش.

متطوعو جمعية الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة ألقت بها أمواج "المتوسط" (المكتب الإعلامي للجمعية)

وأوضح مكتب النائب العام المستشار الصديق الصور (الخميس) أن المحامي العام لدى محكمة استئناف طبرق، حقق في ضلوع التشكيل في تهريب المهاجرين من شواطئ طبرق إلى شمال المتوسط على متن قارب متهالك، وذلك في يوليو (تموز) الماضي.

وكان القارب قد انطلق من طبرق بـ(أقصى الشرق الليبي) وعلى متنه 79 مهاجراً من مصر وبنغلاديش، وأُعلن عن غرق 59 مهاجراً في 30 يوليو، فيما تم إنقاذ الباقين.

وقالت النيابة في بيانها، إن التشكيل العصابي - الذي أمرت بسجن اثنين من أفراده وتتبع الباقين - «تورط في ترتيب نقل الباحثين عن فرص الحياة من شواطئ مدينة طبرق إلى شمال المتوسط على متن قارب متهالك فشل في حملهم»، مشيرة إلى أن المحقق «واجه المتهميْن بالوقائع المنسوبة إليهما وفق القانون، ثم أصدر أمراً باحتجازهما احتياطياً على ذمة التحقيق، وأمر بضبط بقية أفراد التشكيل العصابي وإحضارهم للمتابعة القضائية».

وفي السياق ذاته، فكّك جهاز أمني في بنغازي (شرق ليبيا) شبكة لتهريب المهاجرين غير النظاميين عبر البحر المتوسط إلى اليونان، وألقى القبض على عناصرها وهم ليبيون.

وقال جهاز البحث الجنائي في أمساعد بشرق البلاد، إن عناصره ضبطوا 76 مهاجراً غير نظامي من مصر وسودان وبنغلاديش، وأوقفوا «المتورطين في عملية تهريبهم»، وأشار إلى أنه «وجه ضربة قوية لشبكات تهريب البشر بالمنطقة».

وأوضح الجهاز أن العملية جاءت «بعد ورود معلومات دقيقة عن احتجاز المهاجرين داخل مخازن بالمنطقة لمدة قاربت السبعين يوماً، فتم إعداد خطة أمنية محكمة ومداهمة الموقع، لتنتهي العملية بنجاح»، لافتاً إلى أنه تم نقل المهاجرين إلى مقر الفرع في أمساعد، وفتح محضر بالواقعة، مع تقديم الرعاية الصحية والإنسانية اللازمة لهم وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

وكانت أجهزة أمنية وعسكرية، أعلنت عن وجود سجن سري تحت الأرض في مدينة الكفرة، جنوب شرقي ليبيا، يُستخدم في الاتجار بالبشر، وذلك عقب مداهمة أسفرت عن تحرير 221 مهاجراً، بينهم نساء وأطفال ورضيع، في جريمة وصفت بأنها «واحدة من أخطر القضايا الإنسانية».

وتوسعت ليبيا في عمليات ترحيل المهاجرين في إطار ما أطلقت عليه سلطات طرابلس «البرنامج الوطني»، بعدما أحصت وجود نحو 3 ملايين مهاجر داخل البلاد، فيما تواصل السلطات في بنغازي شرق ليبيا إجراءات مماثلة.

السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا 2 يناير (الخارجية المصرية)

وفي مطلع يناير (كانون الثاني) الحالي، قالت وزارة الخارجية المصرية إن جهودها أسفرت عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن مصري من ليبيا، خلال عام 2025، «ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1200 مواطن من السجون الليبية»، لافتاً إلى «نقل 300 جثمان على نفقة الدولة، إثر غرق مراكب للهجرة قبالة السواحل الليبية».


السودان: المسرح القومي يسترد شخوصه وخشبته من ركام الحرب

TT

السودان: المسرح القومي يسترد شخوصه وخشبته من ركام الحرب

مشاهد احتفالية ورقصات شعبية فرحاً بإعادة افتتاح المسرح القومي (الشرق الأوسط)
مشاهد احتفالية ورقصات شعبية فرحاً بإعادة افتتاح المسرح القومي (الشرق الأوسط)

بعد سنوات طويلة من دوي المدافع وصوت الرصاص وما خلّفته الحرب من دمار وتخريب وكبت وقهر نفسي، بدأت الحياة الفنية والثقافية في العاصمة الخرطوم تنهض من جديد وتستعيد عافيتها لإحياء ما دمرّته الحرب وإنعاش الأنشطة الثقافية والفنية، وفي هذا الإطار شرعت «جماعة إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون»، في افتتاح المرحلة الأولى من إعادة ترميم وتأهيل المسرح القومي بمدينة أم درمان، إيذاناً بعودة النشاط الفني والثقافي إلى الواجهة.

ورصدت «الشرق الأوسط» مراسم الافتتاح، التي حضرها عضو مجلس السيادة الانتقالي، رئيس اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى ولاية الخرطوم إبراهيم جابر، ورئيس الوزراء كامل إدريس، ووالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر ومجموعة من المسرحيين والدراميين وأهل الثقافة وجمهور كبير من مدينة أم درمان.

ترسيخ قيم التسامح

عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر وعلى يمينه رئيس الوزراء كامل إدريس ووزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر (الشرق الأوسط)

وقال والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، في كلمته خلال حفل الافتتاح: «الثقافة يمكن أن تحسم المعركة برتق النسيج الاجتماعي وعقد المصالحات المجتمعية».

وتعهد حمزة بالمطالب التي قدّمتها جماعة «إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون»، المتمثلة في التمويل المسرحي الحكومي، وإعادة الليالي الثقافية، وتوفير أجهزة الصوت والإضاءة والكراسي وكل متطلبات خشبة المسرح وإعادة الصرح العملاق إلى سيرته الأولى.

وشملت فعاليات حفل افتتاح المرحلة الأولى من المسرح القومي، تقديم عدد من العروض الثقافية والمسرحية والأغنيات الوطنية والفواصل الشعرية التي تدعو إلى ترسيخ قيم التسامح والسلام ونبذ الكراهية والعنصرية وإلى الوحدة والسلام.

وقال وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الإعيسر، في كلمته خلال الاحتفال، إن «عودة المسرح القومي إعلان لعودة الثقافة إلى قلب الحياة السودانية وإلى عاصمة البلاد، وتجديد للعهد بأن الفن والمعرفة ركيزتان في بناء السودان الذي ينشده الجميع».

وأوضح أن المسرح عنصر مهم في حفظ ذاكرة الوطن، معتبراً مشروع التأهيل واحداً من المشروعات المحورية، نفّذته حكومة الولاية بالتعاون مع الوزارة الاتحادية، عبر شراكة برعاية شرطة الولاية وجهاز المخابرات العامة وجماعة إعمار المسارح للثقافة والفنون.

نبذ خطاب الكراهية

مدخل المسرح القومي السوداني في مدينة أم درمان بعد إعادة ترميمه (الشرق الأوسط)

يُعدّ المسرح القومي من أبرز المعالم الثقافية في مدينة أم درمان، ويقع على شارع النيل. وقد افتُتح المسرح رسمياً عام 1959 في عهد الرئيس إبراهيم عبود.

وقال رئيس جماعة «إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون»، طارق البحر، إن المسرح جمع كل أهل السودان بفنونهم المختلفة في مشاهد جسدت عمق وعراقة الحضارة السودانية.

وطالب البحر، في كلمته خلال الاحتفال، بتوفير أجهزة الإضاءة والصوت وجميع مستلزمات المسرح، واعتماد التمويل المسرحي وإعادة أيام الخرطوم المسرحية للتنافس بين كل مبدعي السودان، داعياً الجميع للمساهمة في إعمار المسرح باعتباره قناة للتواصل والمعرفة وبناء الإنسان.

وأشار إلى ضرورة إنتاج حزمة من الأعمال المسرحية تحت عنوان «مهرجان مسرح الكرامة» للتعبير عن نبذ خطاب الكراهية والدعوة للوحدة ورتق النسيج الاجتماعي ومعالجة آثار الحرب.

وأوضح وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، أن الثقافة والفنون تقود مسيرة الحياة، وأن الخطاب المباشر قد لا يكون ذا أثر كبير وفعّال، بينما تحمل الرسائل الصادرة من فضاء ثقافي نابض بالفعل الإبداعي دلالة واضحة على عودة الحياة.

وأشار سعد الدين، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الوصول إلى مرحلة استئناف الأنشطة الثقافية والفنية يعني تجاوز الاهتمام بالخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والأمن والنظافة، والانتقال إلى مرحلة الإبداع، وأن الحراك الثقافي والإبداعي يسهم بشكل فاعل في تشجيع عودة اللاجئين والنازحين إلى العاصمة الخرطوم».

تعزيز قيم الإنسانية

جانب من إعادة افتتاح المسرح القومي في العاصمة السودانية (الشرق الأوسط)

وألحقت الحرب، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، أضراراً بالغة بالقطاع الثقافي والفني في السودان، وطالت آثار الصراع عدداً من المؤسسات والمساحات الإبداعية التي شكّلت لسنوات منصات للتعبير الفني والثقافي والتفاعل المجتمعي.

من جهته، قال الفنان محمد المهدي الفادني إن جماعة «إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون» تعمل على «إعادة تفعيل أنشطة جميع المسارح في السودان، لتستعيد دورها في تقديم الفعاليات الثقافية والفنية والإبداعية، والمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب».

وأكّد الفادني، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة المسرح تمثل إشارة قوية ودلالة عميقة على عودة الحياة إلى طبيعتها، فالكلمة والعمل المسرحي قادران على الإسهام في إيقاف الحرب وبناء السلام».

بدوره، رأى الفنان فيصل أحمد سعد أن افتتاح المسرح القومي بمدنية أم درمان بمشاركة الجمهور «يبعث الأمل بعد سنوات من الإحباط، فالمسرح يؤدي دوراً محورياً في غرس القيم، وإحياء الفضائل، وتقديم الترفيه والثقافة والفن والإبداع».

وأضاف سعد لـ«الشرق الأوسط»: «هذا هو نهج المسرح منذ تأسيسه عام 1959. وبعد سنوات طويلة من التوقف والدمار، ينهض المسرح من جديد ليقدم الفن والفكر والثقافة والإبداع، في دعوة مفتوحة للجميع للحضور والمشاركة في أنشطة تعزز القيم الإنسانية وتحتفي بالإبداع».

وتابع: «ليس من السهل أن يكون أبو المسارح هو ضربة البداية لإنعاش الحركة الثقافية والفنية، وإحياء ما دمرته الحرب وما خلفته من آلام وفظائع ومشكلات. لذلك يأتي افتتاح المسرح القومي كبداية خير، تحمل الأمل في عودة الناس جميعاً للمشاركة في مسيرة التنمية والإعمار».

في ظل استمرار الحرب وتفاقم المعاناة الإنسانية، يمكن أن تؤدي خشبة المسرح والثقافة والفنون دوراً أساسياً للحدّ من النزاعات وترميم النسيج الاجتماعي وتجاوز الانقسامات السياسية والعرقية والدينية، خاصة أن الفنون تفتح مساحة آمنة بعيداً عن الخوف والألم دون اللجوء إلى حمل السلاح.