الجهود الأميركية لتوجيه السودان نحو الديمقراطية انتهت إلى حرب

الحرب الأهلية ستجعل صراعات سوريا واليمن وليبيا تبدو مجرد «مسرحية صغيرة»

متظاهرون في الخرطوم للتنديد باحتجاز الجيش لأعضاء في الحكومة المدنية أكتوبر 2021 (أ.ف.ب)
متظاهرون في الخرطوم للتنديد باحتجاز الجيش لأعضاء في الحكومة المدنية أكتوبر 2021 (أ.ف.ب)
TT

الجهود الأميركية لتوجيه السودان نحو الديمقراطية انتهت إلى حرب

متظاهرون في الخرطوم للتنديد باحتجاز الجيش لأعضاء في الحكومة المدنية أكتوبر 2021 (أ.ف.ب)
متظاهرون في الخرطوم للتنديد باحتجاز الجيش لأعضاء في الحكومة المدنية أكتوبر 2021 (أ.ف.ب)

يرى نقّاد أن مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن وشركاءهم كانوا سُذّجاً حيال نيات الجنراليْن المتناحرين في السودان، وأخفقوا في تمكين القيادات المدنية.

قبل أسابيع فقط، ساور دبلوماسيين أميركيين اعتقاد بأن السودان على وشك إبرام اتفاق تاريخي سيعزز عملية انتقاله من نظام ديكتاتوري عسكري إلى ديمقراطية كاملة، ليتحقق بذلك هدف الثورة التي اشتعلت في البلاد خلال عام 2019.

وتحوَّل السودان إلى حالة اختبار مهمة للهدف المحوري للسياسات الخارجية للرئيس بايدن، والذي تمثَّل في تعزيز الأنظمة الديمقراطية بمختلف أرجاء العالم، الأمر الذي رأى فيه بايدن أنه سيضعف القادة الفاسدين، ويسمح للدول بالوقوف بقوة أكبر، والتصدي لنفوذ الصين وروسيا، وقوى استبدادية أخرى.

ومع ذلك نجد أنه، في 23 أبريل (نيسان) الماضي، وجد الدبلوماسيون الأميركيون، الذين شاركوا في المفاوضات التي جرت بالسودان، أنفسهم فجأة يغلقون سفارتهم، ويفرّون من الخرطوم في رحلات جوية ليلية سرية في طائرات مروحية، مع انزلاق البلاد باتجاه حرب أهلية محتمَلة.

واليوم، يكافح مسؤولو إدارة بايدن وشركاؤهم لدفع الجنراليْن المتقاتلين نحو الالتزام بوقف إطلاق نار هش، ووقف أعمال القتال، بينما تُجلِي حكومات أجنبية رعاياها المدنيين، في خضمّ قتال خلّف 528 قتيلاً على الأقل، وأكثر عن 330 ألف مشرَّد.

في الواقع، يكاد يكون في حكم المؤكَّد أن الحصيلة الحقيقية أعلى بكثير من الأرقام المعلَنة من جانب الحكومة السودانية.

العمل مع جنرالين متناحرين

ثمة تساؤل مُلحّ في قلب الأزمة يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة أخطأت في حساباتها، بشأن مدى صعوبة إرساء الديمقراطية في بلد لديه تاريخ طويل من الحكم العسكري، ومخاطر الدخول في مفاوضات مع رجال أقوياء يتشدقون بالحديث عن الديمقراطية، لكنهم لا ينفذون أبداً ما يقولونه.

ويرى نقّاد أن إدارة بايدن، بدلاً من تمكين قيادات مدنية، جعلت أولويتها العمل مع جنرالين متناحرين؛ الجنرال عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، والجنرال محمد حمدان دقلو، زعيم مجموعة شبه عسكرية، حتى بعد أن دبّرا معاً ونفّذا انقلاباً عسكرياً عام 2021.

في هذا الصدد، أعرب أمجد فريد الطيب، مستشار رئيس الوزراء السوداني المعزول عبد الله حمدوك، عن اعتقاده أن كبار الدبلوماسيين الأميركيين «اقترفوا خطأ تدليل الجنرالين، وقبول مطالبهما غير العقلانية، ومعاملتهما باعتبارهما لاعبين سياسيين طبيعيين. وكان من شأن ذلك تأجيج شهوتهما تجاه النفوذ، ووهم الشرعية الذي يعيشان فيه».

ويتساءل بعض المحللين حول ما إذا كان المسؤولون الأميركيون قد اتبعوا نهجاً واضحاً إزاء جهود بايدن العالمية لتعزيز الديمقراطية.

فراغ السلطة واللاعبون

الحقيقة أن العنف في السودان يخلق تماماً نمط فراغ السلطة، الذي كان يأمل مساعدو بايدن في تجنبه. ويُعدّ مرتزقة «فاغنر غروب» الروس من بين اللاعبين الذين يحاولون ملء هذه الفجوة، وفقاً لما أفاد به مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون.

عن ذلك قال جيفري دي. فيلتمان، المبعوث الأميركي السابق لمنطقة القرن الأفريقي، والذي عمل على مفاوضات من أجل إرساء الحكم المدني: «إذا استمر هذا القتال، فسيكون ثمة إغراء هائل بين عناصر خارجية لأن تقول: إذا كان هؤلاء الرجال سيتقاتلون حتى الموت، فمن الأفضل أن نشارك؛ لأننا نفضل فوز هذا الرجل أو هذا الفريق».

وأضاف فيلتمان: «إذا لم يجرِ الوصول إلى وقف لإطلاق النار، فإن هذا لن يتسبب في بؤس 48 مليون شخص فحسب، وإنما سيزداد الإغراء أمام قوى خارجية لأن تزيد القتال اشتعالاً عبر التدخل المباشر».

من جهته قال حمدوك إن الحرب الأهلية في السودان ستجعل الصراعات في سوريا واليمن وليبيا تبدو وكأنها مجرد «مسرحية صغيرة».

ورفضت وزارة «الخارجية» و«البيت الأبيض» التعليق.

جدير بالذكر أن وثيقة استراتيجية نشرها «البيت الأبيض»، في أغسطس (آب) الماضي، أكدت أنه «من خلال تأكيد أن الديمقراطية تحقق فوائد ملموسة» يمكن للولايات المتحدة المساعدة في تقليص النفوذ «السلبي» لدول خارجية، والجماعات غير التابعة لدول محددة، والحد من الحاجة لعمليات تدخُّل مكلِّفة، ومعاونة الأفارقة على تحديد ملامح مستقبلهم.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الجهد المبذول لمنع عودة السودان المحتملة للاستبداد، بدا دوراً غير محتمل، بعد عقود كانت خلالها البلاد معروفة، على نطاق واسع، بالمذابح الجماعية، وباعتبارها ملاذاً آمناً للإرهابيين؛ ومنهم أسامة بن لادن، الذي قضى حوالي 5 سنوات بالسودان خلال التسعينات. وفي عام 1998، أصدر الرئيس بيل كلينتون أوامره بتوجيه ضربة صاروخية لمصنع كيميائيات في الخرطوم قال إن «تنظيم القاعدة» استغلّه في صنع أسلحة كيميائية، على الرغم من أن وكالات الاستخبارات شككت، لاحقاً، في هذا الادعاء.

ترمب والديمقراطية الجديدة

في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أيْ بعد عام على الثورة، أعلن الرئيس دونالد جيه. ترمب أنه سيلغي وضع السودان باعتباره بلداً راعياً للإرهاب، بعدما أقدم الأخير على تطبيع علاقاته مع إسرائيل.

وقال ترمب: «اليوم، أصبح شعب السودان العظيم في موقع المسؤولية، وثمة ديمقراطية جديدة يجري بناؤها». وقال فيلتمان ومسؤولون أميركيون حاليون وسابقون إن دعم الديمقراطية ينبغي أن يبقى حجر الزاوية في السياسة الأميركية تجاه السودان؛ نظراً إلى الطموحات التي جرى التعبير عنها، خلال المظاهرات التي أدت إلى الإطاحة عام 2019 بالرئيس عمر البشير؛ الدكتاتور الذي حكم البلاد طوال 30 عاماً. واليوم، يدعو قادة في «الكونغرس» بايدن و«الأمم المتحدة» لتعيين مبعوثين خصوصيين للسودان.

تأتي الانتكاسات في السودان، في أعقاب إحباطات ديمقراطية أخرى في شمال أفريقيا.

وأدى سقوط البشير، منذ 4 سنوات، إلى خروج السودانيين للاحتفال، إذ كانوا يأملون في أن تترسخ جذور الديمقراطية في البلاد، على الرغم من الإخفاقات التي مُنيت بها في أرجاء أخرى من المنطقة. وبعد شهور عدة من حكم مجلس عسكري، وقّعت قيادات عسكرية ومدنية في السودان على اتفاق للتشارك في السلطة، نصَّ على تشكيل حكومة مؤقتة، برئاسة حمدوك، الخبير الاقتصادي. ونصّت الخطة على إجراء انتخابات بعد 3 سنوات.

ومع ذلك، جرى تشكيل مجلس للمساعدة في إدارة الفترة الانتقالية، لكنه، في واقع الأمر، بات أقرب لكونه «ورقة توت»، حيث كان يضم عناصر عسكرية أكثر من المدنية، وفقاً لما أكدته سوزان دي. بيدج، السفيرة الأميركية السابقة لدى جنوب السودان، والبروفيسورة لدى ميتشيغان، في منشور لها عبر الموقع الإلكتروني، التابع للكلية التي تعمل فيها.

وجرى إقصاء أصوات مدنية مهمة، وهي مشكلة ظلت قائمة حتى المفاوضات التي جرت، هذا العام.

وبعد الانقلاب العسكري، في أكتوبر 2021، جمّدت الولايات المتحدة 700 مليون دولار من المساعدات المباشرة للحكومة السودانية، وعلّقت العمل بتخفيف أعباء الديون، في حين جمّد «البنك الدولي»، و«صندوق النقد الدولي» 6 مليارات دولار من المساعدات الفورية، مع خطط لإلغاء 50 مليار دولار من الديون. كما اتخذت حكومات ومؤسسات أخرى، بما في ذلك «بنك التنمية الأفريقي»، خطوات مماثلة.

وقال نيد برايس، المتحدث باسم «الخارجية» الأميركية في ذلك الوقت، إنه قد يُعاد تقييم «علاقتنا الكاملة» مع الحكومة السودانية، ما لم يُعِد الجيش الحكومة الانتقالية.

الانقلاب من دون عوائق

وحتى مع انتشار شائعات الانقلاب في أكتوبر، حذَّر مسؤولون أميركيون الجنرال حمدان بأنه سيواجه «عواقب محددة» إذا استولى على السلطة، وفق إفادة مسؤول أميركي بارز سابق، لكن بعد الانقلاب، قادت السيدة مولي في، أكبر مسؤولي «الخارجية» الأميركية بشأن السياسات الأفريقية، الدبلوماسيين الأميركيين، في محاولة للعمل مع الجنرالات، بدلاً من الدخول في مواجهة معهم.

ورفضت المسؤولة الأميركية تحديد العقوبات المقترحة ضد الجنرال حمدان، إلا أنها قالت إنها (العقوبات) تستهدف، بشكل واسع، ثروته الشخصية.

لم تعاقب الولايات المتحدة الجنرال حمدان بالعقوبات بعد الانقلاب، أو حتى بعد زيارته موسكو، في اليوم الأول من الهجوم الروسي على أوكرانيا، في العام الماضي، لإسعاد كبار المسؤولين في «الكرملين».

وجاءت الضغوط لمعاقبة الجنرالات من أعضاء بارزين في «الكونغرس»، فقد شارك عضو «مجلس الشيوخ» كريس كونز، وهو ديمقراطي من ولاية ديلاوير، والعضو في «اللجنة الفرعية للشؤون الأفريقية»، التابعة لـ«لجنة العلاقات الخارجية» بـ«مجلس الشيوخ»، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، في فبراير (شباط) 2022، قال فيه إن إدارة بايدن يجب أن تفرض «مجموعة شاملة من العقوبات على قادة الانقلاب وشبكاتهم»؛ لإضعاف قبضتهم.

وفي حديثه مع الصحافيين، خلال رحلة إلى شرق أفريقيا مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قال أحد كبار مسؤولي «الخارجية» إن الجنرالات أشاروا إلى أنهم على استعداد لتقاسم السلطة مرة أخرى مع المدنيين. ورأى المسؤول، الذي أصرّ على عدم ذكر اسمه، لحديثه عن المفاوضات، أن حجب المساعدات قد لا يكفي للضغط على الجنرالات، ولذلك ناشدت الإدارة شعورهم بالإرث الشخصي المشرف، من بين أمور أخرى.

واعتبر كاميرون هدسون، الذي شغل منصب رئيس موظفي المبعوثين الرئاسيين الأميركيين المتعاقبين إلى السودان، أن هذا النهج خطأ.

وقال هدسون: «إنهم يثقون أكثر مما ينبغي بما يقوله لهم هؤلاء الجنرالات. كان هؤلاء الرجال يخبروننا بما نريد سماعه، منذ أن وافقوا على الحكم المدني بعد الإطاحة بالبشير. كانت هناك ثقة مطلقة لدى وزارة الخارجية بأننا على أعتاب التوصل إلى اتفاق يحقق تقدماً كبيراً».

مساومة مع الجنرالات

وخذلان حمدوك

وأوضح هدسون أن استعداد واشنطن للمساومة مع الجنرالات بعد الانقلاب، كان له أثر في إضفاء الشرعية عليهم.

وأضاف أن الولايات المتحدة خذلت أيضاً حمدوك قبل الانقلاب، عندما أبطأ الجمود البيروقراطي من صرف المساعدات الاقتصادية، التي تهدف جزئياً إلى إظهار فوائد الحكم المدني.

حمدوك

في حالة ضعف شديد

لقد ترك الانقلاب فيلتمان، المبعوث السابق، يشعر بالخيانة، وقال إن الجنرالات أكدوا له، شخصياً، قبل ساعات من إلقاء القبض على حمدوك، أنهم لن يمسكوا زمام السلطة.

لكن حتى لو فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليهم، «فلستُ متأكداً من أنها كانت ستُحدث فارقاً كبيراً»، مضيفاً «ينظر الجنرالان إلى هذه المعركة باعتبارها معركة وجودية، فإذا كنت في معركة وجودية، فربما تكون منزعجاً من العقوبات، لكنها لن تمنع كلاً منهما من ملاحقة الآخر».

جاء الاختراق الأول بعد الانقلاب، في ديسمبر (كانون الأول) 2022، عندما توسطت «الأمم المتحدة»، و«الاتحاد الأفريقي»، وكتلة إقليمية، في اتفاق لانتقال السودان إلى حكم مدني في غضون أشهر.

لكن كانت هناك قضايا هائلة لا تزال تحتاج إلى حل، ولا سيما مدى سرعة دمج «قوات الدعم السريع»، التابعة للجنرال حمدان، مع الجيش النظامي، ومن سيكون مسؤولاً أمام رئيس الدولة المدني. ووقع العمل على تجسير هذه الخلافات، إلى حد كبير، على عاتق القوى الأجنبية ذات النفوذ في السودان: الولايات المتحدة، وبريطانيا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة.

لكن مع تقدم المفاوضات، ازدادت الفجوة اتساعاً بين الجنرالين. وبدأت التعزيزات العسكرية من المعسكرين دخول الخرطوم.

وبحلول أواخر مارس (آذار) الماضي، قدم دبلوماسيون أميركيون وبريطانيون للجنرالات مقترحات تهدف إلى تسوية أكبر لخلافاتهم. لكن بدلاً من ذلك، بدا الأمر كأن الخطة تعمل على زيادة حِدة التوترات.

وبعد أسابيع، في 12 أبريل، سيطرت قوات الجنرال حمدان على قاعدة جوية على بُعد 200 ميل، شمال الخرطوم، في أول إشارة علنية إلى أن سنوات الدبلوماسية بلغت ذروتها بالحرب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أسر وعائلات في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور فرّت من العنف في الفاشر (الهلال الأحمر)

«الصليب الأحمر»: 11 ألف مفقود خلال 3 سنوات من الحرب في السودان

عدد الأشخاص المفقودين في السودان الذين سُجّلوا حتى الآن بلغ 11 ألفاً، بزيادة قدرها 40 في المائة خلال عام 2025 وحده.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

مع دخول الحرب بالسودان عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 صحافي ومؤسسة إعلامية لانتهاكات، بحسب نقابة الصحافيين السودانيين.

أحمد يونس (كمبالا)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.