تتواصل موجة الغضب والانتقادات الشعبية ضد رئيس منظمة «بدر»، هادي العامري، على خلفية تصريحات اعترف فيها بتورط ما سماها «المقاومة» في الأحداث التي رافقت «حراك أكتوبر (تشرين الأول)» 2019، الذي استمر نحو سنتين وسقط خلاله أكثر من 600 متظاهر وأصيب فيه أكثر من 20 ألفاً آخرين.
وأعلن كثير من عائلات ضحايا الاحتجاجات نية رفع دعاوى قضائية ضد العامري بعد «اعترافاته» الأخيرة.

وكان العامري قال الاثنين الماضي إن «(المقاومة) هي التي وقفت بشجاعة أمام (فتنة تشرين)، وحفظت الدولة والنظام السياسي»؛ الأمر الذي عدّه معظم الناشطين والمراقبين، «اعترافاً صريحاً بتورط الفصائل المسلحة التي تصف نفسها بـ(المقاومة) في دماء المتظاهرين والمحتجين».
العامري وتناقضات تشرين: من «المطالب المشروعة» إلى وصف المحتجين بـ«الفتنة«أثارت تصريحات هادي العامري بوصفه تظاهرات تشرين بـ«الفتنة» موجة انتقادات واسعة؛ لتناقضها مع مواقفه السابقة المؤيدة لها، وسط اتهامات لفصائل مسلحة بالضلوع في قمع المحتجين واستهداف الناشطين.#العراق #الساعة... pic.twitter.com/icLNu4IoCY
— الساعة (@alssaanetwork) September 1, 2026
وكانت السلطات العراقية شكلت خلال السنوات الماضية كثيراً من اللجان التحقيقية بشأن الاحتجاجات وما وقع فيها، لكن من دون أن تعلن أي نتيجة تذكر، رغم الأعداد الكبيرة للقتلى والجرحى، مما عزز قناعات كثيرين بـ«تورط جماعات الفصائل المسلحة التي تخشاها السلطات في مجازر المحتجين».
وأصدر مكتب المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في سبتمبر (أيلول) 2020، بياناً طالب فيه السلطات بـ«العمل بكل جدية للكشف عن كل مَن مارسوا أعمالاً إجرامية، مِن قتل أو جرح أو غير ذلك، بحق المتظاهرين، أو القوات الأمنية، أو المواطنين الأبرياء»، لكن السلطات لم تستجب، وطرحت بدلاً من ذلك فرضية تورط «طرف ثالث» في المجازر وما رافق الحراك الاحتجاجي وقتذاك من أعمال عنف.

بدوره، قال حسين الغرابي، رئيس حزب «البيت الوطني» المنبثق عن «حراك تشرين»، في تدوينه عبر «فيسبوك»، إن «العامري يعترف علناً بأن الطرف الثالث في (تشرين) هو المقاومة».
وأضاف أن تصريح العامري «خطير جداً ويخالف توجه المرجعية الدينية التي سمت شباب (تشرين) بـ(الأحبة)، ووصفت دماء شهدائها بالدماء الزاكية، لكنه يأتي ويعترف أن مَن قمع (فتنة تشرين - كما يعبر هو ظلماً وعدواناً) هو سلاح المقاومة».
وتساءل الغرابي: «من يقدم له هذه النصائح والكلمات الجارحة والمفرقة للشعب، وكيف حوّل المقاومة، التي ينظر إليها كثير من أبناء الشعب بعين وطنية، إلى قوات رادعة لتطلعات الشعب وقامعة للمطالب الحقة، بل وحمّلها الدماء التي أريقت في (تشرين)».
وفتح الشيخ أوس الخفاجي، القائد السابق لفصيل «أبو الفضل العباس»، النار على العامري، وقال في مقابلة تلفزيونية: «الله يظهر الحق ولو بعد حين، دماء تشرين (لها حوبة)، (عاقبة الظلم)، وبانت (حوبتها) على مراحل عدة وبمستويات كثيرة، منها هذه المحطة التي يعترف فيها زعيم فصيل عراقي بأنه وفصيله شاركا في قتل مئات من شباب العراق، وأنا أتمنى أن يستغل هذا الإعلان بتقديم بيان ودعوى إلى المدعي العام العراقي على مسؤوليته (العامري) عن هذه الدماء».
وتوالت الردود والمواقف الحقوقية والسياسية على مدى يومين، رفضاً لتصريحات العامري؛ المعروف بأنه ومنظمته حليفان وثيقان لإيران، وقد اشتركا معها في حربها ضد العراق من 1980 إلى 1988.

وقالت حركة «نازل آخذ حقي الديمقراطية» المنبثقة عن «حراك تشرين»، في بيان، إنه «في الوقت الذي تتصدى فيه مؤسسات الدولة لترسيخ ثقافة القانون ومكافحة الفساد ومعالجة التحديات، تُطلق بعض الجهات السياسية تصريحات غير مسؤولة تصف (تشرين) بـ(الفتنة)».
وأضافت أن «(تشرين) كانت ولا تزال صوتاً صادقاً لهموم العراقيين وتطلعاتهم نحو الإصلاح والتغيير، وقدم شبابها دماءً زكية دفاعاً عن حريتهم، فيما لا تزال الأسئلة قائمة بشأن الجهات التي استهدفتهم».
ودعا رئيس «مركز العراق لحقوق الإنسان»، علي العبادي، «مجلس القضاء الأعلى» والجهات المختصة، إلى «التصدّي لملف أحداث (تشرين) وفتح تحقيق جدي وشفاف يحدد المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون». وأوضح أن «هذه التصريحات (من العامري) تستوجب التحقق القضائي بجدية؛ بعيداً عن الحسابات السياسية».
ودعا المنظمات الدولية والأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية إلى «متابعة الملف لضمان عدم إفلات المتورطين في جرائم الانتهاكات من المساءلة والعدالة».
أي «مقاومة»؟
وقال الكاتب والمحلل فلاح المشعل، في تدوينة عبر منصة «إكس»، إن «ثوار (انتفاضة تشرين) يمثلون الطليعة الواعية، الشجاعة، المعبرة عن حقيقة الرفض الشعبي الوطني العام لنظام المحاصصة والانحراف عن الدستور والحق والعدالة».

وأضاف: «أهؤلاء يُقتلون باسم (المقاومة) للحفاظ على نظام اللصوص... الذين استباحوا البلاد، ونهبوا خيراتها، وأفقروا شعبها؟ أية (مقاومة) تلك التي تدافع عن أفسد نظام سياسي في التاريخ؟ وهل يُعقل أن يُقتل الثوار من أجل استعادة وطنهم من عصابات الأحزاب والفاسدين؟».
بدوره، قال المحلل والكاتب يحيى الكبيسي، في تدوينة عبر «إكس»، إن «ما قاله هادي العامري عن قتلة محتجي (تشرين)، لم يكن زلة لسان أو اعترافاً متأخراً، بل كان تهديداً مبطناً وأن أي احتجاج قادم ستواجهه الميليشيات بآلة القتل نفسها، وستفلت من العقاب كالعادة».
وفي تدوينة مماثلة، قال النائب السابق سجاد سالم: «أكدّ هادي العامري ما يعرفه الجميع، وما تنكره المقاومة. وما كان سبباً في إغراقنا بالدعاوى القضائية التي تلاحقني اليوم حيثما وجدت محكمة في العراق».
وأضاف: «اعترف العامري اعترافاً كأنه اعتراف المنتصر... اعترف وآلاف الشباب من الجنوب غادروا العراق بعد أن حولته المقاومة جحيماً عليهم وعلى عوائلهم».
إخبار رئيس الادعاء
وقدّم المحامي حازم مازن البدري، الأربعاء، إخباراً رسمياً إلى المدعي العام في محافظة واسط، يطالب فيه بتحريك دعوى قضائية واستدعاء العامري، على خلفية تصريحاته بشأن «فتنة تشرين».

وقال البدري، وفق وثيقة الإخبار المقدمة إلى الادعاء العام، إنه استند إلى مقطع فيديو متداول يظهر فيه العامري صراحة وهو يتحدث عن أن «(المقاومة) هي التي وقفت بشجاعة أمام (فتنة تشرين) وحفظت الدولة والنظام السياسي».
وأضاف أن «تصريح العامري يثير تساؤلات جديّة تستوجب التحقيق القضائي للوقوف على طبيعة المهام والأفعال التي قامت بها الجهات المسماة (المقاومة)، وما إذا كانت قد ارتبطت بالاعتداء على المتظاهرين أو قمعهم أو التسبب في سقوط ضحايا وجرحى خلال المظاهرات».
وطالب البدري القضاء بـ«فتح تحقيق أصولي، وتثبيت التسجيل المرئي الأصلي، إضافة إلى استدعاء العامري للاستماع إلى أقواله ومطابقتها مع التحقيقات السابقة وملفات الضحايا والجرحى».




