من يقود «حزب الله» بعد اغتيال إسرائيل قادته وكوادره؟

جيل «شاب» للميدان... والقرار في إيران

قاسم سليماني وحسن نصر الله وعماد مغنية في لافتة على مبنى بالضاحية الجنوبية لبيروت بالقرب من موقع غارة إسرائيلية بحارة حريك (أرشيفية - إ.ب.أ)
قاسم سليماني وحسن نصر الله وعماد مغنية في لافتة على مبنى بالضاحية الجنوبية لبيروت بالقرب من موقع غارة إسرائيلية بحارة حريك (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

من يقود «حزب الله» بعد اغتيال إسرائيل قادته وكوادره؟

قاسم سليماني وحسن نصر الله وعماد مغنية في لافتة على مبنى بالضاحية الجنوبية لبيروت بالقرب من موقع غارة إسرائيلية بحارة حريك (أرشيفية - إ.ب.أ)
قاسم سليماني وحسن نصر الله وعماد مغنية في لافتة على مبنى بالضاحية الجنوبية لبيروت بالقرب من موقع غارة إسرائيلية بحارة حريك (أرشيفية - إ.ب.أ)

لم تكن الضربات الإسرائيلية المتتالية التي طالت البنية القيادية لـ«حزب الله» خلال السنوات الأخيرة مجرد خسارة أسماء بارزة، بل طالت طبقة كاملة من القيادات التي راكمت خبرة عسكرية وأمنية وسياسية على مدى عقود. ومع غياب عدد كبير من قادة الصف الأول، فإنه يجري الحديث عن تولي أسماء ووجوه أصغر سناً أدواراً في إدارة الملفات العسكرية والأمنية ومتابعة العمل التنظيمي والميداني، بإشراف إيراني مباشر، رغم إصرار قياديي «الحزب» وطهران؛ على حد سواء، على نفي ذلك.

هذا الواقع يطرح السؤال بشأن قدرة «الحزب» على تجديد نخبه القيادية وتعويض الخسائر التي مُني بها، وبشأن طبيعة الجيل الذي يتولى اليوم ملء الفراغ. وفي حين يؤكد مطلعون على واقع «الحزب» أن بنيته قادرة على إنتاج كوادر جديدة، يرى منتقدوه أن خسارة القيادات ذوي الخبرة لا يمكن تعويضها، وأن بروز جيل ثانٍ لا يعني بالضرورة استعادة «الحزب» القدرات التي فقدها.

إعلان رضائي

كان الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني»، محسن رضائي، أكد في مقابلة مع قناة «المنار» التابعة لـ«حزب الله» أن الأخير لم يفقد قدرته القيادية رغم غياب عدد من قادته التاريخيين. وقال إن «الحزب» بات يمتلك كوادر عسكرية قادرة على إدارةِ شؤونه واتخاذِ قراراتها بنفسها، مشيراً إلى بروز جيلين جديدين من القيادات الشابة، مؤكداً أن إيران لا تتدخل في تفاصيل الهيكلية العسكرية لـ«الحزب» أو قراراته الميدانية.

مجموعة من أنصار «حزب الله» يشاهدون حسن نصر الله يلقي خطاباً عبر شاشة كبيرة بأحد مساجد الضاحية الجنوبية لبيروت خلال نوفمبر 2019 (أ.ب)

دعم استراتيجي إيراني

أوضح الكاتب السياسي المقرب من «حزب الله»، قاسم قصير، أن «هناك قيادات شابة تدير العمل العسكري والأمني في (الحزب) من الأجيال الجديدة، وهي تتولى متابعة المعركة»، لافتاً إلى أن أعمارهم في الثلاثينات والأربعينات، وأنهم قد أُعدّوا مسبقاً لتولي مهام قيادية.

وعن الدور الإيراني في إعداد هذه القيادات والإشراف على عملها، يقول قصير لـ«الشرق الأوسط»: «إيران تدعم (الحزب) في كل المجالات، ولكنها لا تتدخل في إدارة المعارك العسكرية أو العمل السياسي. هي تقدم دعماً استراتيجياً من خلال منع استهداف الضاحية الجنوبية وبيروت».

اغتيال قيادات «الحزب»

منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شنّت إسرائيل حملة اغتيالات مركّزة استهدفت القادة في «حزب الله»، بدءاً بقادة ميدانيين، مثل طالب عبد الله ومحمد ناصر، مروراً بقادة «قوة الرضوان» وسام طويل وإبراهيم عقيل وأحمد وهبي، وقائد منظومة الصواريخ إبراهيم قبيسي، وصولاً إلى القائد العسكري الأبرز فؤاد شكر، ثم الأمين العام حسن نصر الله وخليفته المحتمل هاشم صفي الدين، فضلاً عن علي كركي وعدد كبير من القادة الميدانيين. وتواصلت الاستهدافات لاحقاً لتطول قيادات عسكرية جديدة، بينهم هيثم الطبطبائي ويوسف هاشم، وصولاً إلى قيادات في «الرضوان» مثل أحمد غالب بلوط. وبذلك لم تعد الضربات تستهدف أفراداً منفردين فقط، بل أصابت بصور متتالية رأس الهرم السياسي والعسكري، ومراكز العمليات والصواريخ والقوات الخاصة؛ مما أدى إلى تفكيك جزء كبير من البنية القيادية التي راكمها «الحزب» على مدى عقود، وخلق فراغاً واسعاً في منظومة القيادة والسيطرة، رغم استمرار «الحزب» في إعادة تشكيل صفوفه وتعيين بدائل.

دمار واسع ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت... وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أ.ف.ب)

بدائل لا تعوض النقص

في المقابل، يقول الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، إن «(حزب الله) تعرض لتصفية غير مسبوقة للنخبة القيادية السياسية والعسكرية والأمنية، وخسر مئات الكوادر على صعد مختلفة، وتجاوز عدد قتلاه عدة آلاف؛ ما يظهر حجم الخسارة البشرية التي أنهكت (الحزب)».

ويضيف الأمين لـ«الشرق الأوسط»: «هناك جيل ثانٍ من القيادات، ولكن الثابت أيضاً أن (الحزب) فَقَد قدراتٍ، وتراجعت كفاءته، ونشأ تعدد مراكز قوى في داخله مع فقدان القيادات التاريخية والمؤسسية».

ويؤكد الأمين أن «(الحزب) بمعناه العسكري والأمني يتراجع ويتداعى، ولا يمكن للبدائل أن تعوض النقص الهائل في بنيته القيادية وإمكاناته التي دُمرت وخسائره المعنوية، لذا؛ فنحن أمام حالة استنزاف لا تستطيع البدائل الإيرانية التي تدير البنية الأمنية والعسكرية أن تخفف منها، بل إنها تعجّل من انهيار (الحزب) على هذا الصعيد؛ بسبب ربط (الحزب) بشكل كامل بإيران، بما يزيد من حال النفور اللبناني من حوله، وجعله هدفاً دائماً ومبرراً من الجهات الخارجية».

لافتات رُفعت على طريق مطار لبنان لشكر إيران على وقف إطلاق النار (الشرق الأوسط)

ارتباط كامل بإيران

وبشأن قول قياديين إيرانيين ومن «حزب الله» إن إيران لا تتدخل في الهيكلية العسكرية ولا في قراراته، فإن الأمين يَعدّه «غير منطقي، خصوصاً أن (الحزب) يعلن التزامه بقيادة الولي الفقيه ويرتبط بـ(الحرس الثوري)، وإذا كان كلام رضائي فيه شيء من الصحة، فهو أن (حزب الله) ينفذ ما يتناسب مع توجيهات المرشد، لكن طبيعة المواجهة اليوم تفرض عليه الارتباط الكامل بإيران، وهذا ما يقوله مسؤولوه».

ويضيف: «يكفي أن نستحضر مشهد إطلاق الصواريخ الـ6 على إسرائيل من قبل (الحزب) ثأراً لخامنئي لندرك أن مثل هذا القرار لا يمكن أن تحكمه حسابات لبنانية، بل إيرانية بامتياز، رغم علم (حزب الله) مسبقاً أن نتائجه كارثية على لبنان لا إيران».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تغيّر الوقائع الميدانية في جنوب لبنان وسط جمود المفاوضات

المشرق العربي تصاعد الدخان إثر تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بجنوب لبنان قرب مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية (د.ب.أ)

إسرائيل تغيّر الوقائع الميدانية في جنوب لبنان وسط جمود المفاوضات

يتسع الفارق بين جمود المسار التفاوضي وتسارع التحولات الميدانية في جنوب لبنان، مع استمرار القصف والتجريف والتفجير وإحراق المنازل.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في أثينا باليونان (إ.ب.أ)

الرئيس اللبناني من أثينا: الانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح مساران متلازمان

أكد رئيس الجمهورية جوزيف عون أن لبنان حسم خياره لجهة معالجة أزمتي الاحتلال الإسرائيلي والسلاح خارج سلطة الدولة بـ«التلازم والتزامن والتوازي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

جدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون التزامه الكامل بحصرية السلاح الشرعي بيد الدولة اللبنانية، وبسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية ووزير الأشغال والنقل إلى جانب ضابط بالجيش في قاعدة القليعات الجوية خلال افتتاحه في شهر يونيو الماضي (رئاسة الحكومة)

مطار القليعات في الشمال اللبناني... بوابة جوية إضافية للمسافرين السوريين

سيتحول مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات إلى بوابة جوية يستفيد منها اللبنانيون والسوريون على السواء.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يتفقدون أنقاض منزل دُمِّر جراء غارة جوية إسرائيلية يوم الخميس الماضي في قرية عرب صاليم بجنوب لبنان (أ.ب)

إسرائيل تغيّر أسلوبها في جنوب لبنان... تدمير استباقي قبل التوغل البرّي

يوسّع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان نطاق استخدام النيران قبل تحرك قواته البرية، مستهدفاً مواقع ومنشآت يقول إنها قد تشكل خطراً على جنوده.

صبحي أمهز (بيروت)

تقديرات داخلية لفصائل غزة بفشل «حصر السلاح»

فلسطينيون متأثرون خلال تشييع أحد قتلى الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة الاثنين (رويترز)
فلسطينيون متأثرون خلال تشييع أحد قتلى الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة الاثنين (رويترز)
TT

تقديرات داخلية لفصائل غزة بفشل «حصر السلاح»

فلسطينيون متأثرون خلال تشييع أحد قتلى الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة الاثنين (رويترز)
فلسطينيون متأثرون خلال تشييع أحد قتلى الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة الاثنين (رويترز)

تظهر تقديرات داخلية لفصائل فلسطينية أن عملية حصر السلاح التي تنص عليها «خريطة الطريق» التي تم التوصل إليها بين الفصائل والوسطاء، و«مجلس السلام» مؤخراً، قد تطول أكثر من المتوقع، وقد لا تنجح أبداً في ظل المماطلة الإسرائيلية بالتعامل مع محاولات لتنفيذ الاتفاق، وتمسكها باشتراطات غير مقبولة فلسطينياً.

ووردت هذه التقديرات في وثائق داخلية أرسلت من عديد المستويات الأمنية والميدانية والسياسية إلى أعلى المستويات التنظيمية في فصائل فلسطينية، خصوصاً «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وتختلف من فصيل إلى آخر، وفق تقييم كل فصيل للواقع الحالي، لكنها تجمع بشكل كبير على أن عملية حصر السلاح ستواجه عقبات كبيرة بفعل المواقف الإسرائيلية.

نار مندلعة في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بمدينة غزة الاثنين (رويترز)

ووفقاً لتقدير موقف داخلي لدى «حماس»، كما كشف مصدران من الحركة لـ«الشرق الأوسط» عن تفاصيله، فإن هناك حالة تشبه الجمود حالياً في الاتصالات مع جميع الأطراف وسط ترقب لما ستؤول إليه الانتخابات الإسرائيلية التي ستجري نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، متوقعةً استمرار عمليات القصف والخروق اليومية بالقطاع حتى ذلك الحين.

وبحسب ذلك التقدير الموضوع من عدة جهات داخلية، فإن عدم قدرة الوسطاء و«مجلس السلام» على إلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، يعرقل تنفيذ غالبية بنود «خريطة الطريق»، وإن تنفيذ أي بند منها سيأخذ وقتاً أطول مما كان متوقعاً أو مفترضاً.

وتنص «خريطة الطريق» على تنفيذ بنودها في غضون 210 أيام، على أن تتم على 5 مراحل، وألا يتم الانتقال من مرحلة إلى أخرى قبل استكمال تنفيذ السابقة.

إخماد حريق في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بمدينة غزة الاثنين (رويترز)

ولفت تقدير داخلي لحركة «الجهاد الإسلامي» إلى أن عملية حصر السلاح قد تفشل برمتها، لأن الاتفاق ينص على ارتباطها بكثير من البنود التي تلزم إسرائيل بتنفيذها؛ ومنها الانسحاب إلى مناطق محددة، قبل أن يتم استكمال ذلك بانسحاب تدريجي، وهو ما ترفضه، إلى جانب عديد البنود.

ويشكك التقدير، كما يكشف مصدر من الحركة لـ«الشرق الأوسط»، في قدرة الدول الوسيطة و«مجلس السلام»، وأي جهات أخرى قدمت ضمانات لـ«حماس»، في أن تلجم إسرائيل وتوقف خروقاتها وهجماتها المستمرة بقطاع غزة، لافتاً إلى أن تلك الجهات لن تكون قادرة على منح الفلسطينيين مساراً سياسياً واضحاً لتقرير مصيرهم، كما ينص الاتفاق، وهو أمر مرتبط به بشكل أساسي عملية حصر السلاح، وهو ما يشكك في فاعلية هذه العملية وإمكانية تنفيذها بشكل ناجح وحقيقي.

ويقر الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، في مقابلة متلفزة، بأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، هش، محذراً من أن عدم الالتزام بـ«خريطة الطريق» يهدد بانهيار الاتفاق تماماً، مشدداً على أنه لا خيار أفضل من ذلك، وأن العودة إلى الحرب ستكون مدمرة.

فلسطينيون يتابعون إخماد حريق في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بمدينة غزة الاثنين (رويترز)

ويرى كتاب ومحللون مقربون من «حماس» أن ما يقوم به ملادينوف حالياً يهدف للحفاظ على قدر من الهدوء على أمل إبقاء خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الرئيسية المكونة من 20 نقطة، حية لخلق وقائع تدريجية على الأرض يمكن أن تمنحه في الفترة المقبلة القدرة على إيجاد آلية يتم فيها البدء بتنفيذ «خريطة الطريق» بشكل كامل.

ويبدو أن حالة من انعدام الثقة تسيطر على مواقف الفصائل الفلسطينية من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، والتي ترى أن «حماس» لن تنزع سلاحها، وأنها تحاول إعادة بناء نفسها والاستمرار في سيطرتها على قطاع غزة، وهو أمر تنفيه الحركة باستمرار.

تصعيد إسرائيلي

يأتي ذلك كله على وقع تصعيد ميداني مستمر من الجيش الإسرائيلي الذي يسعى لفرض سيطرة أمنية شبه دائمة على قطاع غزة، سواء من خلال عمليات الاغتيال المتواصلة أو غيرها من الوسائل.

وقتل 3 من نشطاء «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، في هجوم من طائرة مسيرة إسرائيلية أطلقت صاروخين على مركبة في حي تل الهوى، جنوب غربي مدينة غزة، فيما أصيب عدد من المارة بجروح متفاوتة. وسبقت ذلك بنحو ساعتين غارة استهدفت اثنين من نشطاء «القسام» عند مدخل بناية سكنية في حي الصبرة بمدينة غزة، ما أدى إلى مقتلهما على الفور.

فلسطينيون متأثرون خلال تشييع أحد قتلى الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة الاثنين (رويترز)

وأصيب 9 فلسطينيين بينهم 3 أطفال، بإطلاق نار من آليات ومسيرات، في مناطق متفرقة بالقرب من الخط الأصفر بخان يونس، ومدينة غزة، وشمال القطاع.

ووسعت القوات الإسرائيلية من عمليات الاغتيال بشكل مكثف في الأيام الأخيرة، وبات يسجل يومياً ما لا يقل عن عمليتي اغتيال، في وقت سُجلت فيه ببعض الأيام 5 أو 6 عمليات، وتطول غالبيتها نشطاء من «القسام».

وبعد توقف دام أكثر من 3 أسابيع عن عمليات توسيع «الخط الأصفر» أقدمت آليات إسرائيلية، صباح الاثنين، على توسيعه في شارع المنشية ببلدة بيت لاهيا شمال القطاع، وسط عمليات تجريف بالمنطقة.

كما توغلت دبابات إسرائيلية لعدة ساعات، في محيط جسر وادي غزة على مقربة أمتار معدودة من شارع صلاح الدين الرئيسي في المنطقة الفاصلة بين مدينة غزة ووسط القطاع، ما منع حركة المواطنين في الشارع سواء عبر المركبات أو سيراً على الأقدام، قبل أن تنسحب من المنطقة لاحقاً.

ونفذت القوات الإسرائيلية، ظهراً، عمليات نسف كبيرة دمرت خلالها منازل في المنطقة الواقعة جنوب شرق دير البلح وسط قطاع غزة.


إسرائيل تغيّر الوقائع الميدانية في جنوب لبنان وسط جمود المفاوضات

تصاعد الدخان إثر تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بجنوب لبنان قرب مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية (د.ب.أ)
تصاعد الدخان إثر تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بجنوب لبنان قرب مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تغيّر الوقائع الميدانية في جنوب لبنان وسط جمود المفاوضات

تصاعد الدخان إثر تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بجنوب لبنان قرب مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية (د.ب.أ)
تصاعد الدخان إثر تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بجنوب لبنان قرب مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية (د.ب.أ)

يتسع الفارق بين جمود المسار التفاوضي وتسارع التحولات الميدانية في جنوب لبنان، مع استمرار القصف والتجريف والتفجير وإحراق المنازل، مما يثير تساؤلات حول فرض وقائع جديدة تسبق أي تفاوض مقبل.

وسجّل يوم الاثنين إحراق القوات الإسرائيلية منازل في حولا وقصفها مدفعياً، وقصف زوطر الشرقية، وتنفيذ تفجيرات في عدشيت القصير وكفرتبنيت وأرنون. وفي القطاع الغربي، يواصل الجيش الإسرائيلي منذ الأحد، تجريف الحي الرابع في المنصوري بالتزامن مع قصف مدفعي، بعدما تعرضت البلدة ومزرعة بيوت السياد للقصف ليلاً وحتى الفجر، فيما سُجل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بيوت السياد وحداثا، وتحليق منخفض للمسيّرات فوق ضاحية بيروت الجنوبية، وفوق صيدا وشرقها.

وتزامن ذلك مع اجتماع وزاري دوري ترأسه رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، بحث ملف «اليونيفيل» وتداعيات انسحابها والفراغ المحتمل، مع تأكيد ضرورة استمرار الوجود الأممي في الجنوب.

وفي موازاة التصعيد، لم يتحدد بعد موعد لجولة تفاوضية جديدة في روما، وسط استمرار الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية.

تصاعُد الدخان إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة المنصوري في جنوب لبنان كما بدا من مدينة صور (أ.ب)

هندسة ميدانية تسبق التفاوض

قال العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال لـ«الشرق الأوسط»: «الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على استغلال الجمود، بل قد يكون تحويل الجمود التفاوضي نفسه إلى أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة الميداني، بحيث تصبح الوقائع الجديدة نقطة الصفر لأي تفاوض لاحق. ومفاوضات روما تناولت الملفات العسكرية والسياسية والقانونية والحدودية من دون اختراق حاسم، فيما استمرت العمليات والتوغلات بالتوازي مع المسار التفاوضي».

وأضاف: «الفكرة المركزية هي جعل الأمر الواقع سابقاً على التفاوض. فهناك فرق كبير بين التفاوض على خريطة قائمة والتفاوض على خريطة أسهمت في رسمها. والجمود يمنح إسرائيل مساحة زمنية، والزمن في الصراعات غير المتكافئة ليس محايداً، إذ يستطيع الطرف الأقوى عسكرياً استخدامه لإعادة تشكيل البيئة وفرض وقائع تتحول لاحقاً إلى أوراق تفاوض».

وتابع: «الأخطر ليس بالضرورة اجتياحاً واسعاً، بل التغيير التدريجي منخفض الوتيرة المتمثّل في تدمير بنى، وإخلاء مناطق، وتثبيت نقاط سيطرة، وتوسيع مجال الحركة العسكرية، وعرقلة الإعمار والعودة، وتحويل بعض المناطق إلى نطاق أمني فعلي، مع تقديم كل خطوة بوصفها إجراءً دفاعياً أو عملية محدودة. ومع تراكمها تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وقائع تحتاج إلى معالجة سياسية».

وأوضح أن «نقطة التحول تُقاس بالجغرافيا والسكان. فتثبيت وجود مستدام في نقاط تمنح إشرافاً نارياً أو سيطرة على طرق الحركة ومراقبة العمق يجعل الجغرافيا ورقة تفاوض، فيما استمرار قرى مدمرة أو خالية من السكان قد يحوّل السؤال من: متى تنسحب إسرائيل؟ إلى: متى تسمح بعودة السكان؟ كما أن استمرار الوجود خلف الخط الأصفر قد يدفع إلى تحويله من خط أمني مؤقت إلى مرجعية تفاوضية».

العقدة في ترتيب الخطوات

يرى حلال أن «إسرائيل قد تسعى في التفاوض المقبل إلى ربط الانسحاب بنزع سلاح (حزب الله) وانتشار الجيش والتحقق الأميركي ومنع إعادة البناء واحتفاظها بحق الرد وفق تقييمها، فيما يريد لبنان وقف الاعتداءات والانسحاب ثم استكمال انتشار الدولة ومعالجة الملف الأمني ضمن السيادة. لذلك فالعقدة الأساسية هي ترتيب الخطوات».

من هنا يقول: «تستطيع إسرائيل تحويل الجمود والتصعيد المحدود والسيطرة الميدانية والزمن إلى وقائع جديدة، ثم استخدام الوساطة الأميركية لتحويلها إلى شروط تفاوضية، ما دام التفوق العسكري قائماً، ولا يوجد ضغط أميركي حاسم، ولا تتحول الوقائع إلى تكلفة سياسية ودبلوماسية عليها. لكنها قد تنجح تكتيكياً وتخسر استراتيجياً، لأن اتساع السيطرة يرفع تكلفة تثبيتها وحمايتها. إنها محاولة لتحويل الجمود إلى مرحلة (هندسة ميدانية) يصبح فيها الانسحاب نفسه ورقة تفاوض. والسؤال اللبناني هو: ما الحد الميداني الذي إذا تجاوزته إسرائيل يصبح التراجع عنه تفاوضياً أصعب من منعه قبل حدوثه؟ وهذه هي معركة المرحلة المقبلة».

تصاعُد الدخان إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفرتبنيت في محافظة النبطية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

تغيير الواقع للضغط على لبنان

من جهته، يقول العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: «من البديهي القول إن الولايات المتحدة ألزمت إسرائيل بعدم زيادة توغلها في الجنوب اللبناني. فعندما بدأت المفاوضات، بدا أن الورقة التي حصل عليها لبنان تمثلت في وقف التوغل الإسرائيلي، لكنه لم يحصل في المقابل على وقف كامل للأعمال القتالية. ذلك ورقة الإطار أتاحت لإسرائيل التعامل مع ما تعده أي تهديد ضمن البقعة التي تسيطر عليها».

وتابع ملاعب: «أصبحت المطالبة الأساسية لرئيس الجمهورية اليوم وقف التدمير. لم يعد الحديث فقط عن وقف الأعمال القتالية أو الانسحاب، بل عن وقف عمليات التدمير والحرق التي تقوم بها إسرائيل. وهذا الواقع يخلق معطى جديداً ستحاول إسرائيل استغلاله على طاولة المفاوضات المقبلة».

سيدة تتفقد منزلها في بلدة عربصاليم بعد تعرضه لقصف إسرائيلي الخميس الماضي (أ.ب)

الحساب الأميركي - الإيراني

يرى ملاعب أن «ما يجري ليس بعيداً عن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة»، موضحاً أن «هذه الاستراتيجية تنطلق من أن الولايات المتحدة لن تقبل بنفوذ إيراني على شاطئ البحر المتوسط. وقد شهدنا ما حصل في سوريا، حيث اتجه الوضع مع الرئيس أحمد الشرع إلى إنهاء الوجود القتالي الروسي على المتوسط وحصر أي وجود محتمل في أطر تدريبية أو لوجستية، ولذلك لن تقبل واشنطن، وفق هذا المنطق، بوجود إيراني على المتوسط بهذه الصورة».

وقال ملاعب: «من هذا المنطلق، فإن ما تفعله إسرائيل يحظى بغطاء أميركي. وعندما نسمع السفير الأميركي يسأل ماذا فعلت الحكومة اللبنانية حتى الآن في ملف «حزب الله»، ويؤكد أن واشنطن تتعامل مع الحكومة اللبنانية، فهذا يعني أن هناك التزاماً لبنانياً ترى الولايات المتحدة أنه يجب تنفيذه فيما يتعلق بسلاح (حزب الله)».

وختم: «كان لبنان يراهن على أن يعمل الوقت لمصلحته، وأن يُصار مستقبلاً إلى معالجة المشكلات الأميركية - الإيرانية بما يسمح له بالاستفادة من أي تبدل يُنهي حالة التوتر بين واشنطن وطهران. لكن إسرائيل، في المقابل، تحاول من خلال ما تقوم به ميدانياً إخضاع لبنان وفرض شروط جديدة في المفاوضات المقبلة».


«الهيئة الوطنية للمفقودين» في سوريا: فتح المقابر الجماعية لم يبدأ بعد

بقايا بشرية اكتُشفت بين إدلب وأريحا شمال غربي سوريا في أغسطس 2026 (سانا)
بقايا بشرية اكتُشفت بين إدلب وأريحا شمال غربي سوريا في أغسطس 2026 (سانا)
TT

«الهيئة الوطنية للمفقودين» في سوريا: فتح المقابر الجماعية لم يبدأ بعد

بقايا بشرية اكتُشفت بين إدلب وأريحا شمال غربي سوريا في أغسطس 2026 (سانا)
بقايا بشرية اكتُشفت بين إدلب وأريحا شمال غربي سوريا في أغسطس 2026 (سانا)

أكد المستشار القانوني في «الهيئة الوطنية للمفقودين» في سوريا، أنور مجني، استمرار الهيئة في البحث عن مصير المفقودين ومعرفة ظروف فقدانهم حتى في الحالات التي تمتلك فيها عائلاتهم معلومات تفيد بوفاتهم.

وأوضح مجني في لقاء على شاشة «الإخبارية» السورية، مساء الأحد، أن الهيئة ترى الملف قائماً ما لم يُكشف مصير المفقود، مشيراً إلى أن واجبها الاستمرار في البحث وكشف المصير والوصول إلى الرفات في حال الوفاة وتسليمه إلى ذوي المفقود. ولفت إلى أن الهيئة لم تبدأ حتى الآن فتح المقابر الجماعية، موضحاً أن ذلك يحتاج إلى تجهيز الكوادر وخبراء الطب الشرعي ومستودعات الرفات ومختبرات تحليل الحمض النووي.

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي يوم 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

وأثنى مجني على منظمات المجتمع المدني التي أدت خلال السنوات الماضية دوراً في توثيق حالات الفقدان، ومن أبرز تلك المنظمات «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، مبيّناً أن تسجيل حالات الفقدان أصبح حالياً حصرياً لدى الهيئة الوطنية للمفقودين، بوصفها الجهة الوطنية الرسمية المعنية بالملف.

وبيّن أن الهيئة ستستفيد من أعمال المنظمات والبيانات التي وثّقتها خلال السنوات الماضية، والتنسيق معها لإدخال هذه البيانات في النظام الذي أطلقته الهيئة، ومتابعة الحالات مع العائلات والتحقق من المعلومات المتعلقة بالفقدان.

البحث في ديسمبر 2024 عن جثث في خندق يُعتقد أنه استُخدم مقبرةً جماعية على مشارف دمشق (أ.ف.ب)

ولطالما دعت الهيئة المواطنين إلى عدم الاقتراب من هذه المواقع أو العبث بها، والإبلاغ فوراً عن أي معلومات أو حالات اشتباه عبر القنوات الرسمية المعتمدة، بما يسهم في حماية الأدلة وضمان سير أعمال التوثيق والتحقيق بشكل مهني ومسؤول.

وكشف المسؤول السوري أن الهيئة استجابت حتى الآن لـ194 بلاغاً عن مقابر جماعية محتملة، موضّحاً أن فرقاً تابعة لها، بالتعاون مع الجهات الأخرى، وخاصة وزارة الداخلية، تتولى الكشف عن الرفات الذي يُعثر عليه أثناء أعمال الحفر أو البناء وحماية المواقع.

شخص يصلي في مقبرة جماعية على أرواح ضحايا هجوم بالسارين عام 2013 في حي زملكا على مشارف دمشق (أ.ب)

وأضاف أن الهيئة أنشأت بالتوازي خريطة للمقابر الجماعية، رغم أنها لا تزال غير مكتملة، وأتاحت عبر منصتها إمكانية الإبلاغ عن مقابر جماعية بهدف تطوير الخريطة وحماية المواقع من العبث أو التخريب، تمهيداً لفتحها عند اكتمال الاستعدادات اللازمة.

وأكد مجني أن جمع البيانات والعينات الجينية وتحليل الحمض النووي يمثلان قضية وطنية، مع استمرار الهيئة في التعاون مع الجهات الدولية، مشيراً إلى توقيع مذكرة تفاهم مع الصليب الأحمر للمساعدة في إنشاء مخبر لتحليل الحمض النووي.

لقطة من «الدرون» لمقبرة جماعية في الصحراء قرب بلدة الضمير بمحافظة ريف دمشق في فبراير 2025 (رويترز)

وأطلقت «الهيئة الوطنية للمفقودين قسراً» في سوريا، الأحد، منصة البرنامج الوطني «أثر»، للإبلاغ عن المفقودين والمختفين قسراً في فترة نظام الأسد والحرب السورية، ودعت عائلات المفقودين إلى الاستفادة من تطبيق «أثر» لتقديم البلاغات وتسجيل البيانات عبر الهواتف الجوالة أو الموقع الإلكتروني.

ويأتي إطلاق البرنامج الوطني «أثر» بمناسبة اليوم العالمي لضحايا ‏الاختفاء القسري، ضمن جهود بناء سجل ‏موحّد يدعم عمليات البحث والكشف عن ‏مصير المفقودين، ويعزز حق العائلات في معرفة الحقيقة.

وقالت الهيئة في بيان عبر معرفاتها الرسمية، إن «كل بلاغ يشكل خطوة في طريق البحث عن المفقودين والوصول إلى الحقيقة»، في حين باشرت عائلات ضحايا مجازر حي التضامن إجراءات إقامة دعاوى قضائية على المتهم الأول أمجد يوسف، ومن ثبت تورطه في تلك المجازر.