في وقت يتعثر فيه مسار معالجة سلاح «حزب الله»، ويتعثر معه الحوار الداخلي حول هذا الملف، يتراجع بالتوازي الحديث عن السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، بعدما كانت عملية سحب هذا السلاح قد بدأت فعلياً خلال الفترة الماضية.
ومع إنجاز مراحل أساسية من تسليم سلاح فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، باتت الأنظار تتجه بشكل أساسي إلى سلاح الفصائل القريبة من «حزب الله»، وفي مقدمها حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، اللتان رفضتا التجاوب مع التفاهم الرسمي اللبناني - الفلسطيني حول هذا الملف، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان مصير هذا السلاح سيُبحث في إطار مستقل، أم أنه أصبح مرتبطاً بصورة أو بأخرى بمصير سلاح «حزب الله» نفسه.
وتسلم الجيش اللبناني منذ أغسطس (آب) 2025 قسماً كبيراً من سلاح فصائل «منظمة التحرير الفلسطينية» المتوسط والثقيل. وقد تم ذلك على مراحل تطبيقاً لمقررات القمة اللبنانية - الفلسطينية التي عُقدت بتاريخ 21 مايو (أيار) 2025 بين الرئيسين اللبناني جوزيف عون والفلسطيني محمود عباس، والتي أكدت سيادة لبنان على كامل أراضيه، وبسط سلطة الدولة، وتطبيق مبدأ حصرية السلاح.
إلا أن حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وفصائل أخرى حليفة لها رفضت مقررات القمة اللبنانية - الفلسطينية، وهي ترى أنه يفترض بالدولة اللبنانية حل الملف الفلسطيني في لبنان سلةً واحدةً؛ أي عدم إعطاء الأولوية للسلاح على الحقوق والمطالب الفلسطينية.

ورقة تفاوض
ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نهاية يوليو (تموز) الماضي، أن «مجلس السلام» الذي يرأسه توصل إلى اتفاق يقضي بـ«نزع سلاح» حماس والجماعات المسلحة الأخرى في قطاع غزة بـ«الكامل»، برز تساؤل حول ما إذا كان مصير سلاح «حماس» في لبنان مرتبط بمصير سلاحها في غزة.
إلا أن مصدراً رسمياً لبنانياً قال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يعوق استكمال عملية تسلم السلاح الفلسطيني المنتشر داخل المخيمات وبالتحديد سلاح (حماس) و(الجهاد الإسلامي) وحلفاؤهما، هو ربط إيران و(حزب الله) مصير هذا السلاح بمصير سلاح الحزب، بحيث يعتقدان أنه ورقة يمكن لعبها في أي مفاوضات مقبلة»، لافتاً إلى أنه «عندما تطالب (حماس) بتسليم سلاحها في لبنان تقول إن الأمر في عهدة (حزب الله)، وعندما يُسأل الحزب عن الموضوع يقول إن الوقت غير مناسب لبتّ هذا الملف».
ويوضح المصدر أن «نحو 60 في المائة من سلاح فصائل منظمة التحرير الفلسطينية تم تسليمه، ومعظم السلاح المتبقي هو سلاح فردي تقول الفصائل إنه يلزمها للحفاظ على أمن المخيمات وللدفاع عن نفسها في أي صراع فلسطيني - فلسطيني داخلي»، لافتاً إلى أن «سلاح (حماس) الأساسي يتركز في مخيم الرشيدية جنوب الليطاني والصواريخ الموجودة هناك من نوع (غراد)».

موقف «حماس»
وعن احتمال ارتباط مصير سلاح حركة «حماس» في لبنان بمصير سلاحها في غزة، توضح مصادر الحركة أنه بخصوص السلاح الفلسطيني في قطاع غزة، «كان الحديث عن حصر السلاح وجمعه، وليس عن تسليمه على أن يتم جمعه بيد طرف فلسطيني، سواء الإدارة المحلية في قطاع غزة أو الفصائل الفلسطينية»، مشددةً على أنه «لا تجوز المقارنة بين السلاح الموجود في قطاع غزة والسلاح الموجود في لبنان، لأن هناك احتلالاً إسرائيلياً في غزة، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يقاوم الاحتلال بكل ما أوتي من قوة. أما بالنسبة إلى السلاح الموجود في لبنان، فلا يوجد سلاح ثقيل بيد الحركة في لبنان، وهناك عديد من الفصائل الفلسطينية التي تمتلك السلاح، وهي أقدم من حركة (حماس) من حيث وجودها في المخيمات، وقد تكون لديها كميات من السلاح أكبر بكثير مما تمتلكه (حماس). ولذلك قلنا إن الحديث في حالة (حماس) في لبنان يتعلق أساساً بسلاح فردي موجود لدى المقاومة الفلسطينية أو لدى الحركة، وليس بسلاح ثقيل بالمعنى المتداول».
ويؤكد المصدر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحركة تؤيد أي خطوات من شأنها تعزيز استقرار لبنان وأمنه، وقد عقدت لقاءات عدة مع لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني للتوصل إلى معالجة شاملة لأوضاع الفلسطينيين، تشمل الجوانب الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. لكننا لاحظنا أخيراً إجراءات جديدة تُضيّق على الفلسطينيين، خلافاً لما تم التفاهم عليه، من بينها منع تملك العقارات، وحرمان الفلسطيني من بعض الحقوق المهنية والاجتماعية».

ويضيف: «أما السلاح، فهو موجود منذ عقود ومرتبط تاريخياً بمسألة الاحتلال الإسرائيلي، ووجوده اليوم رمزي أكثر منه سلاحاً لمواجهة الاحتلال. وإذا كانت الدولة اللبنانية تريد معالجة هذا الملف، فنحن منفتحون على الحوار والتفاهم للوصول إلى حلول ترضي الجميع، بعيداً عن أي توتر أو صدام».
توزُّع القوى الفلسطينية في لبنان
وتنقسم القوى الفلسطينية المسلحة في لبنان عملياً إلى ثلاث مجموعات رئيسية، مع اختلاف كبير في وضع كل منها اليوم.
المجموعة الأولى تضم فصائل «منظمة التحرير الفلسطينية» أبرزها «فتح» وهي القوة الفلسطينية الكبرى في لبنان، و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، و«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، و«جبهة التحرير الفلسطينية»، إضافةً إلى فصائل أصغر.
المجموعة الثانية تضم «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وهما أبرز القوى الفلسطينية الإسلامية المسلحة خارج «منظمة التحرير».
وهاتان الحركتان كانتا ضمن تحالف القوى الفلسطينية الذي يضم أيضاً فصائل كانت مرتبطة تاريخياً بسوريا. وقد أعلنتا في 2025 أن سلاحهما مرتبط بـ«القضية الفلسطينية» وليس بسلاح «منظمة التحرير»، وبالتالي لم تدخلا في عملية التسليم التي بدأت في أغسطس 2025، بالطريقة نفسها.

أما المجموعة الثالثة فتضم الفصائل التي كانت مرتبطة بالنظام السوري السابق وأصبح وجودها شكلياً داخل المخيمات. وهنا تحديداً توجد ثلاث قوى أساسية هي: «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة»، وهي أبرز الفصائل الفلسطينية التي كانت مرتبطة بشكل وثيق بنظام الأسد، وكانت تمتلك قواعد عسكرية خارج المخيمات، أهمها «قوسايا» و«السلطان يعقوب» في البقاع.
كذلك، كانت «فتح الانتفاضة» على علاقة وثيقة بسوريا، واحتفظت بمواقع وسلاح خارج المخيمات، أبرزها مواقع في الناعمة (جنوب بيروت) والبقاع (شرق لبنان). وتُضاف إليهما منظمة «الصاعقة»، وهي فصيل فلسطيني أنشأته القيادة السورية السابقة، وكان ارتباطه بالنظام السوري مباشراً، لكنه كان أضعف من القيادة العامة و«فتح الانتفاضة» في لبنان.
هذه الفصائل الثلاثة فقدت عملياً الغطاء السياسي والعسكري السوري بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024. ولم تنتظر الدولة اللبنانية اتفاقاً شاملاً لنزع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، بل بدأ الجيش اللبناني بالتعامل مع القواعد العسكرية التابعة للفصائل المرتبطة بسوريا خارج المخيمات، فتسلم الجيش اللبناني مواقع القيادة العامة في «قوسايا» و«السلطان يعقوب»، بما فيها الأسلحة والعتاد والصواريخ. كما جرى تفكيك عدد من المواقع التابعة للفصائل الأخرى.
واللافت أن هذا حصل في نهاية 2024 وبداية 2025، أي قبل بدء عملية تسليم سلاح مخيمات منظمة التحرير في أغسطس 2025.
أما «فتح الانتفاضة»، فقد بقي لها وجود داخل بعض المخيمات، ولم تكن عملية تسليم سلاحها مرتبطة مباشرة بتسليم قواعد «القيادة العامة». وقبل شهر بدأت الحركة تسليم سلاحها الثقيل والمتوسط للجيش اللبناني في مخيم البداوي في شمال لبنان، في خطوة وُصفت بأنها الأولى لفصيل فلسطيني خارج «منظمة التحرير» يقْدم على تسليم سلاحه.
