«اعترافات وكشف دلالة» يشعلان «ليلة الاعتقالات» في العراق

دبابات حاصرت «الخضراء»... والأمن داهم منازل و«فلل»... و«النزاهة» تتوعد بالمزيد

صورة متداولة تظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026
صورة متداولة تظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026
TT

«اعترافات وكشف دلالة» يشعلان «ليلة الاعتقالات» في العراق

صورة متداولة تظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026
صورة متداولة تظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026

في أكبر تحرك من نوعه منذ سنوات، شنت السلطات العراقية حملة أمنية وقضائية واسعة النطاق ضد متهمين بقضايا فساد، شملت مداهمات واعتقالات في بغداد وعدد من المحافظات، وسط إجراءات أمنية مشددة وإغلاق المنطقة الخضراء، بينما أكدت هيئة النزاهة الاتحادية أن الإجراءات نُفذت بموجب أوامر قبض قضائية ووفق أحكام القانون، متوعدة بالمزيد، وفق بيان حكومي.

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، إن قوة مشتركة ضمت جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي وأجهزة أمنية مختصة بقضايا النزاهة انتشرت ليل السبت - الأحد، في مواقع عدة داخل المنطقة الخضراء وسط بغداد، مع تشديد الإجراءات الأمنية عند عدد من المداخل والطرق المؤدية إليها.

وأضافت المصادر أن القوة باشرت تنفيذ أوامر قبض قضائية استهدفت مسؤولين سياسيين وحكوميين ونواباً وأمنيين ورجال أعمال، على خلفية ملفات تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ «وردت في اعترافات وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي»، الذي سبق أن تم اعتقاله الأسبوع الماضي، ولا يزال يخضع للتحقيق.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الاعتقالات جاءت بعد ساعات قليلة من إجراء قوة أمنية كشف دلالة، مساء السبت، برفقة الجميلي داخل المنطقة الخضراء، شمل منازل ومواقع يُشتبه بأنه زارها أو سلم فيها أموالاً لشخصيات.

وفي وقت مبكر الأحد، قال مسؤول عراقي لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد المعتقلين بلغ 38 شخصاً، بينهم أصحاب درجات خاصة ونواب ومحافظون، موضحاً أن أوامر الاعتقال استندت إلى اعترافات الجميلي، مشيرة إلى أن عدداً من الموقوفين نُقل إلى هيئة النزاهة الاتحادية، والقسم الآخر نقل إلى محكمة جنح الفساد في الكرخ، ببغداد.

إلا أن أرقام المعتقلين تباينت مع تقدم العمليات؛ إذ نقلت «وكالة الأنباء العراقية» عن مصادر رفيعة، أن عدد المعتقلين ارتفع إلى 47 متهماً من نواب ومسؤولين بتهم فساد، مؤكدة أن عمليات الملاحقة ما زالت مستمرة في بغداد والمحافظات، وقد تشمل أكثر من 100 شخصية.

وفي المقابل، قال مصدر مطلع لوسائل إعلام محلية، إن المرحلة الأولى من العملية أسفرت عن اعتقال 43 مسؤولاً وسياسياً، أُفرج عن عدد منهم لاحقاً، مضيفاً أن الحملة ستستكمل في مرحلة ثانية، وستطول شخصيات من «الدرجة الأولى». ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام أو هوية الموقوفين، إلا أن مصدراً من هيئة النزاهة أبلغ «الشرق الأوسط»، بأن اوامر القبض قد تصل إلى مزيد من المشتبه بهم.

وقال مسؤول حكومي لـ«الشرق الأوسط»، إن رئيس الوزراء علي الزيدي، أشرف بصورة مباشرة على حملة الاعتقالات التي استهدفت متورطين بشبهات فساد، مؤكداً أن جميع الإجراءات نُفذت استناداً إلى مذكرات قبض قضائية.

وأضاف أن الفرقة الخاصة وجهاز مكافحة الإرهاب شاركا في تنفيذ الحملة التي لم تقتصر على بغداد؛ بل امتدت إلى محافظات أخرى.

ووفق مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، شملت العمليات في داخل بغداد المنطقة الخضراء واليرموك والقادسية والشعب ومدينة الصدر وزيونة، إضافة إلى تنفيذ اعتقالات في محافظات ميسان وبابل وديالى وصلاح الدين، داهمت فيها الأمن منازل و«فلل».

كما داهمت قوة أمنية مقر شركة نفط الوسط جنوب بغداد، بحسب مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، في حين أفادت مصادر أخرى بأن العمليات امتدت أيضاً إلى أربيل، دون صدور تأكيد رسمي لذلك.

إجراءات «النزاهة»

أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، في بيان، أنها باشرت «إجراءاتها الحازمة» لتنفيذ مذكرات القبض القضائية الصادرة بحق عدد من المتهمين بالتجاوز على المال العام.

وقالت الهيئة إن «هذا الإنجاز جاء ثمرة لتضافر الجهود المشتركة والتكاملية بين السلطات الثلاث (القضائية والتنفيذية والتشريعية) مع جهود الهيئة، التي أفضت بشكل مباشر إلى تنفيذ تلك الأوامر بوصفها حصيلة عمليات متابعة وتدقيق ومراقبة دؤوبة ومستمرة».

وأكدت أن «جميع إجراءاتها تجري بدقة بموجب أحكام القانون وتحت مظلته»، مضيفة أنها تستمد «قوتها وعزيمتها من التأييد الشعبي المطلق وسلطة القانون، والدعم اللامحدود والمؤازرة المستمرة من رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب».

وجددت الهيئة التأكيد على التزامها «بإطلاع الرأي العام على تفاصيل عملها وإجراءاتها بدقة وشفافية، وفقاً لما تسمح به القوانين والأنظمة النافذة».

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، ظلت المنطقة الخضراء مغلقة حتى ساعات الأحد، بينما واصلت القوات الأمنية عمليات التفتيش في محيطها.

لقطة مأخوذة من فيديو وثقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

وقال شهود عيان إن عربات مدرعة وعناصر أمن مدججين بالسلاح انتشروا حول منازل وفلل داخل المنطقة الخضراء.

وأضاف أحدهم أن قوة من جهاز مكافحة الإرهاب اشتبكت مع عناصر حماية إحدى الشخصيات أثناء محاولة تنفيذ مذكرة توقيف بحقها، دون أن تتضح طبيعة الاشتباك، أو ما إذا أسفر عن إصابات أو اعتقالات إضافية.

لكنّ مصدراً مطلعاً قال لوسائل إعلام محلية، إن العملية لم تشهد أي خروقات أمنية أو مقاومة أو تبادل لإطلاق النار، وإن تحريك المدرعات اقتصر على إغلاق مداخل المنطقة الخضراء تحسباً لأي طارئ، وهو ما لم يتسنَّ التحقق منه بشكل مستقل.

كما أفادت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، بأن القوات الأمنية نفذت مداهمات إضافية في مناطق متفرقة من العاصمة، وسط أنباء عن اعتقال مسؤول رفيع ومداهمة منزل مسؤول بارز في حكومة سابقة، دون تأكيد رسمي.

وقال مسؤول أمني إن ما جرى يمثل «حملة اعتقالات» استهدفت شخصيات مطلوبة بموجب مذكرات قضائية.

وتداول مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قالوا إنها تظهر إغلاق بوابات المنطقة الخضراء وانتشار دبابات ومدرعات داخلها، إلا أنه لم يتسنَّ التحقق من صحة تلك المقاطع بشكل مستقل.

اعترافات الجميلي

تأتي الحملة بعد أسابيع من توقيف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ومدير عام شركة «مصافي الشمال» ومصفاة بيجي، عدنان الجميلي، في محافظة صلاح الدين، في قضية تعدّ من أبرز ملفات الفساد التي فتحتها السلطات العراقية خلال الفترة الأخيرة.

وكان قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية أعلن الأسبوع الماضي، استمرار التحقيقات في القضية، مشيراً إلى ارتفاع قيمة الأموال المضبوطة إلى 10 ملايين دولار و31 مليار دينار عراقي، بعد ضبط مبالغ إضافية وإحباط محاولة تهريب 5 مليارات دينار.

وقال عضو لجنة النزاهة البرلمانية حامد الفتلاوي، إن التحقيقات في قضية الجميلي لا تزال سرية، مضيفاً أنه «لا يوجد حتى الآن أي إعلان رسمي بأسماء المعتقلين، لكن تم اعتقال مسؤولين سياسيين ونؤكد ذلك، كما أن هناك أسماء وردت في التحقيقات لم تُكشف إلى الآن، والتحقيقات مستمرة منذ 15 يوماً».

وأضاف أن لجنة النزاهة تدعم مسار الحكومة في مكافحة الفساد، معتبراً أن الحملة الحالية تمثل «اختلافاً جذرياً» في استهداف كبار المسؤولين، داعياً إلى عدم الرضوخ لأي ضغوط سياسية قد تعرقل التحقيقات.

وفي ردود الفعل السياسية، قال رئيس «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي، إنه «يدعم رئيس الوزراء والقضاة في حملة لملاحقة الفاسدين الذين عبثوا بأموال الشعب العراقي»، مؤكداً أهمية «ترسيخ العدالة ومحاسبة كل من أساء الأمانة».

من جانبه، دعا رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، لأن تكون «مكافحة الفساد شاملة ومستمرة، وغير خاضعة للتوازنات السياسية أو المصالح الضيقة، وأن يخضع الجميع للمعيار»، مشدداً على «إنهاء الفوضى والمحاصصة والتخادم، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون».

وطالب العبادي، الجميع، بـ«دعم هذه الإجراءات، تأييداً للإصلاح، وترسيخاً للأمانة الشرعية والوطنية والأخلاقية».

إلا أن «ائتلاف الإعمار والتنمية» الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، حذر مما وصفها بـ«حملات التشويه» وتداول المعلومات المغلوطة من قبل الفاسدين، وذلك في معرض تعليقه على حملة الاعتقالات التي طالت مسؤولين متهمين بالفساد.

وأكد الائتلاف «مساندته لمسار إحالة الملفات المتعلقة بقضايا مكافحة الفساد إلى القضاء، والسير بها وفق الأطر الدستورية والقانونية، بما يرسخ مبدأ المساءلة والمحاسبة، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية».

أفراد من الأمن العراقي يطوِّقون أحد المنازل داخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026 (إكس)

الحصانة البرلمانية

تزامنت الاعتقالات مع إجراءات قانونية خاصة بالحصانة البرلمانية. وقال مصدر برلماني لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة قدمت إلى القضاء قائمة بأسماء عدد من النواب المطلوب رفع الحصانة عنهم، مضيفاً أن رئيس مجلس النواب وافق على رفع الحصانة خلال العطلة التشريعية، وقبل سفره إلى القاهرة للمشاركة في مؤتمر البرلمان العربي.

وأوضح الخبير القانوني سيف السعدي لـ«الشرق الأوسط»، أن المادة (63) من الدستور تنظم إجراءات رفع الحصانة، مبيناً أن اعتقال النائب خارج الفصل التشريعي يتطلب موافقة رئيس مجلس النواب إذا كان متهماً بجناية، ما لم يكن متلبساً بالجريمة.

وأضاف أن قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (90/اتحادية/2019) قصر الحاجة إلى موافقة البرلمان أو رئيسه على حالات محددة تتعلق بالجنايات غير المشهودة، بما يسمح باتخاذ إجراءات قانونية مباشرة في قضايا أخرى.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (رويترز)

دعم سياسي وتحذيرات

قال رئيس هيئة النزاهة الأسبق موسى فرج لـ«الشرق الأوسط»، إن الاعتقالات الحالية تمثل حصيلة ملف فساد واحد مرتبط باعترافات الجميلي، مرجحاً استمرار الحملة واتساعها خلال الفترة المقبلة.

وأضاف أن الحملة أظهرت أن الاعتقالات شملت سياسيين من مكونات مختلفة، نافياً أن تكون مقتصرة على طرف سياسي بعينه.

وفي سياق متصل، نقلت تقارير محلية أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بعث برسالة إلى رئيس الوزراء أعلن فيها دعمه الكامل لاستمرار حملة مكافحة الفساد ومحاسبة جميع المتورطين، بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم، إلا أن هذه الرسالة لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي من مكتب الصدر.

من جانبه، قال المحلل السياسي نزار حيدر لـ«الشرق الأوسط»، إن السلطات تمتلك قائمة تضم نحو ألف مسؤول بدرجة مدير عام فما فوق، يشتبه بتورطهم في قضايا فساد منذ عام 2003، مضيفاً أن القائمة استندت، بحسب قوله، إلى معلومات ووثائق قدمتها وزارة الخزانة الأميركية.

وأضاف أن رئيس الوزراء أبلغ مسؤولين التقاهم، بأن حملة مكافحة الفساد «لن تتوقف عند أحد»، لكنه اعتبر أن تفكيك شبكات الفساد المتراكمة «لن يتحقق خلال أسابيع أو أشهر»، واصفاً الاعتقالات الحالية بأنها «الخطوة الأولى على طريق طويل».

بدوره، قال رئيس «مركز التفكير السياسي» إحسان الشمري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حكومة الزيدي تسعى لإثبات مصداقيتها في ملف مكافحة الفساد، خصوصاً أن الاعتقالات شملت شخصيات مؤثرة ومهمة سياسية، وربما هذا يكون تمهيداً لاعتقالات لاحقة»، مرجحاً «تغييراً في موازين القوى السياسية الداخلية، خصوصاً إذا طالت الحملة رؤوساً كبيرة».

وتعدّ مكافحة الفساد أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003؛ إذ تحتل البلاد مراتب متأخرة في مؤشرات الشفافية الدولية، بينما تعهدت حكومة الزيدي بجعل هذا الملف أولوية رئيسية، في وقت يترقب فيه الشارع العراقي نتائج التحقيقات، وما إذا كانت ستقود إلى محاكمات وإدانات بحق مسؤولين كبار.


مقالات ذات صلة

برنامج عراقي جديد لحصر السلاح يبدأ في أكتوبر المقبل

المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه مساء الاثنين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)

برنامج عراقي جديد لحصر السلاح يبدأ في أكتوبر المقبل

لن يكون 30 سبتمبر (أيلول) الحالي موعداً لاكتمال حصر السلاح في العراق، بل منطلقاً لبدء عملية جديدة تمتد إلى يونيو (حزيران) من العام المقبل.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (يساراً) يتحدث مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع متعدد الأطراف لـ«مجلس التعاون الخليجي» في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ترتيبات ما بعد الحرب تتصدر مباحثات الزيدي في نيويورك

يحاول رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، استعادة العلاقات الطبيعية بدول الجوار، عبر لقاءات في نيويورك التي يزورها للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عراقي يمر أمام لوحة إعلانية تحمل العلم العراقي في ساحة التحرير بوسط بغداد 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

تفاهم عراقي - أميركي على نزع السلاح منتصف 2027

أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خطة جديدة لنزع سلاح الفصائل «تبدأ بـ90 يوماً تضمن وقف الهجمات».

فاضل النشمي (بغداد)
خاص رجل يستعد للإدلاء بصوته في الانتخابات النيابية لإقليم كردستان العراق أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

خاص «أساس للتفاهم» يقرب كردستان العراق من حكومة جديدة

يقترب الحزبان الرئيسان في إقليم كردستان العراق من «أساس للتفاهم» يقربهما من تشكيل حكومة جديدة بعد تأخير دام أكثر من عامين.

هشام المياني (أربيل)
المشرق العربي واجهة مطار بغداد الدولي (رويترز)

سماء العراق مفتوحة للطيران المدني بعد سنوات من الحظر العسكري

​بعد 10 سنوات على حظرها، أعلن العراق، الجمعة، فتح مناطق، كانت مخصصة للعمليات العسكرية ضد تنظيم «داعش»، أمام المجال الجوي المدني في البلاد.

حمزة مصطفى (بغداد)

أكراد العراق يخشون «فراغاً أمنياً» بعد انسحاب «التحالف الدولي»

جنود أميركيون يتجمّعون في قاعدة عسكرية شمال الموصل بالعراق (أرشيفية - رويترز)
جنود أميركيون يتجمّعون في قاعدة عسكرية شمال الموصل بالعراق (أرشيفية - رويترز)
TT

أكراد العراق يخشون «فراغاً أمنياً» بعد انسحاب «التحالف الدولي»

جنود أميركيون يتجمّعون في قاعدة عسكرية شمال الموصل بالعراق (أرشيفية - رويترز)
جنود أميركيون يتجمّعون في قاعدة عسكرية شمال الموصل بالعراق (أرشيفية - رويترز)

مع اقتراب موعد انسحاب «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة، يعبّر مزيد من المواطنين الأكراد عن قلقهم من فقدان الحماية التي يؤمنها هذا «التحالف» من هجمات الطائرات المسيّرة التي يتعرّض لها باستمرار إقليم كردستان العراق المتمتع بحكم ذاتي، وفق تقرير من «وكالة الصحافة الفرنسية».

وعام 2024، توصلت بغداد وواشنطن إلى اتفاق على إنهاء مهمة «التحالف» ضد تنظيم «داعش» في العراق، علماً بأن وجود هذه القوات يقتصر حالياً على مطار أربيل.

ومن المقرر أن تستكمل قوات «التحالف» انسحابها من العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، بعدما أنهت مهمتها ضد تنظيم «داعش».

وقال شيرزاد فرهادي (47 عاماً)، وهو صاحب متجر للإلكترونيات في سوق أربيل القديمة: «مما لا شك فيه أن انسحابهم أمرٌ بالغ الخطورة»، مضيفاً: «لا يمكننا اعتراض الصواريخ الآتية من إيران بمفردنا».

دخان يتصاعد من موقع انفجار بالقرب من منطقة المطار في أربيل بكردستان العراق يوم 20 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

مخاوف من المسيّرات

وأسقطت قوات «التحالف» على مر الأعوام كثيراً من الطائرات المسيّرة المحمّلة بالمتفجرات في أجواء إقليم كردستان، التي استهدف بعضها قواعد عسكرية لـ«التحالف» أو منشآت نفطية ومواقع أخرى.

وتكثفت تلك الهجمات خلال الحرب في الشرق الأوسط التي بدأت بهجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وتوزّعت الضربات بين هجمات أعلنت فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران شنّها على مصالح أميركية، وضربات إيرانية على مواقع للمعارضة الكردية الإيرانية المسلحة المتمركزة منذ سنوات في شمال العراق، فيما تعرّضت مبانٍ في قلب أربيل أيضاً للاستهداف.

وتساءل هاشم سعيد، وهو بائع مسابح (62 عاماً): «لو لم تكن القوات الأميركية هنا، فكيف كنا سنعترضها؟»، في إشارة إلى المسيّرات، مؤكداً: «الأسلحة التي نمتلكها غير قادرة على إسقاطها».

مشهد عام من مدينة أربيل في كردستان العراق (أرشيفية - رويترز)

نهاية مهمة «التحالف»

وكان تنظيم «داعش» سيطر على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه بدءاً من عام 2014، إلى أن تمكنت القوات العراقية من دحره في 2017، بدعم من «التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن.

وفي سوريا؛ حيث هَزمت القوات الكردية التنظيم في عام 2019، احتُجز آلاف المشتبه في انتمائهم للجماعات المتطرفة مع عائلاتهم، وبينهم أجانب، في سجون ومخيمات تولت إدارتها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» حتى يناير (كانون الثاني) 2026. وغادرت قوات «التحالف» سوريا في وقت سابق من هذا العام.

وبعد الهزيمة التي مُني بها تنظيم «داعش»، أصبح وجود «التحالف» موضع خلاف بين السلطات العراقية والفصائل المسلحة المدعومة من طهران.

ورأى جيرفان سعيد (41 عاماً)، وهو بائع إلكترونيات في أربيل، أن انسحاب «التحالف» يسلب الفصائل ذريعة مهاجمة كردستان، قائلاً: «هذا هو الجانب الإيجابي».

وفي بغداد، بدت الأجواء مختلفة؛ ففي شارع الكرادة المزدحم، قال عبد الله الكناني إن «السيادة لن تتحقق بالكامل إلا بخروج جميع القوات الأجنبية من الأراضي العراقية».

وكان رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، قد أعلن أنه سيُحتفل بيوم 1 أكتوبر (تشرين الأول)؛ أي اليوم الذي يلي مغادرة قوات «التحالف» البلاد، بوصفه «يوم السيادة».


الاقتصاد والأمن يتصدران مباحثات رئيس الوزراء اللبناني في نيويورك

الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال لقاء على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال لقاء على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة اللبنانية)
TT

الاقتصاد والأمن يتصدران مباحثات رئيس الوزراء اللبناني في نيويورك

الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال لقاء على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال لقاء على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة اللبنانية)

تصدرت ملفات الإصلاح، والانفتاح الاقتصادي، والاستقرار الأمني لائحة أولويات مباحثات رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في مباحثاته على هامش الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث ناقش مع المسؤولين العرب والدوليين توسيع التعاون الاقتصادي، والاستثماري، والربط الإقليمي، والضغط الدولي لتحقيق الاستقرار، والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.

وأعلن سلام أنه ركز في لقاءاته على «تكثيف الجهود لخفض التصعيد، وتجنيب لبنان والمنطقة المزيد من المواجهات، وتعزيز علاقات لبنان العربية والإقليمية والدولية على قاعدة احترام السيادة، وعدم التدخل، والمصالح المشتركة»، و«توسيع التعاون الاقتصادي، والاستثماري، والربط الإقليمي، ولا سيما في مجالات الطاقة، والكهرباء، والنقل، والبنى التحتية، والاستفادة من الخبرات الدولية في تحديث الإدارة، ورقمنة الخدمات الحكومية».

جانب من لقاء رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وأشار إلى «مواصلة عملنا في لبنان على الإصلاح، وتعزيز مؤسسات الدولة، وعلى بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصر السلاح، وقرار الحرب والسلم بيدها وحدها»، مشدداً على «ضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، ووقف اعتداءاتها، بما يساهم في تثبيت الاستقرار، وعودة الأهالي إلى بلداتهم، وقراهم».

ما بعد «اليونيفيل»

احتلت مرحلة «ما بعد اليونيفيل» جانباً من محادثات سلام، ولفت إلى «العمل من الآن على التحضير لمرحلة ما بعد (اليونيفيل)، وتفادي أي فراغ في الجنوب، من خلال صيغة تؤمن استمرار وجود دولي يقوم بمهام المراقبة، والإفادة، والتواصل، تحت مظلة قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي». وأشار إلى «حشد الدعم لمسار العودة، والتعافي، وإعادة الإعمار، بما يساهم في استعادة الخدمات الأساسية، وتثبيت عودة أهلنا، وتعزيز صمودهم في المناطق المتضررة».

وأشار سلام إلى أهمية استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، بما يساهم في الحفاظ على الاستقرار، ويضمن استمرار مهام المراقبة، والإفادة، والتواصل، ويدعم مسار بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

وعلى مدى يومين، شارك سلام في افتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي القمة الأميركية متعددة الأطراف إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر، والأردن، وسوريا، وتركيا، كما ترأّس الاجتماع رفيع المستوى تحت عنوان «ما بعد الأزمات» الذي عُقد بدعوة مشتركة من لبنان، والاتحاد الأوروبي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ولي عهد دولة الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (رئاسة الحكومة)

اللقاء مع الشرع

التقى سلام خلال وجوده في نيويورك عدداً من المسؤولين العرب، والدوليين، وفي مقدمهم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وولي عهد دولة الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والرئيس السوري أحمد الشرع. وقال سلام: «منذ فترة نعمل على فتح صفحة جديدة مع الإخوة السوريين، وأن نبني العلاقات بين بلدينا على الثقة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمصالح المشتركة».

وأضاف: «ناقشنا ضرورة الانتهاء من مراجعة الاتفاقات بين البلدين، لتكون قاعدة لأول اجتماع للجنة العليا المشتركة اللبنانية - السورية التي أنشأناها في بيروت، كي لا تبقى هذه الخطوة حبراً على ورق. وإن شاء الله، إذا لم يكن الاجتماع مطلع الشهر المقبل، فسيكون في الشهر الذي يليه».

الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال لقاء على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وتابع سلام: «كما ناقشنا أهمية تعزيز مشاريع الربط الإقليمي، ولا سيما في مجالات الكهرباء، والسكك الحديدية، والطاقة، لما فيها من مصالح مشتركة للبلدين».

من جهته، أشار الشرع بعد لقاء سلام إلى أن «الإرث القديم صعب، ونحاول إنشاء علاقات جديدة مبنية على الاقتصاد، والعلاقات السياسية الجيدة التي تؤثر في المستقبل على الوضع الأمني»، مؤكداً أن «الهموم واحدة بين لبنان وسوريا، ويجب أن تجمعنا دائماً أفضل العلاقات».


سيلفي لوزير الخارجية السوري في طائرة العودة من نيويورك

سيلفي وزير الخارجية السوري يظهره والشرع في طائرة العودة من نيويورك إلى دمشق (حساب إنستغرام)
سيلفي وزير الخارجية السوري يظهره والشرع في طائرة العودة من نيويورك إلى دمشق (حساب إنستغرام)
TT

سيلفي لوزير الخارجية السوري في طائرة العودة من نيويورك

سيلفي وزير الخارجية السوري يظهره والشرع في طائرة العودة من نيويورك إلى دمشق (حساب إنستغرام)
سيلفي وزير الخارجية السوري يظهره والشرع في طائرة العودة من نيويورك إلى دمشق (حساب إنستغرام)

أعلن وزير الخارجية والمغتربين في الجمهورية العربية السورية، أسعد الشيباني، اختتام مشاركة الجمهورية العربية السورية في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك.

وقال الشيباني في تغريدة عبر منصة «إكس»، إنه للمرة الثانية منذ تحرير سوريا واستعادتها لمكانتها الإقليمية والدولية، صعدت سوريا المنبر الأممي متمثلة بالرئيس أحمد الشرع، وقد حملت إلى هذه الدورة حصيلة من الإنجازات الوطنية الداخلية والخارجية، بعد أن قطعت خلال هذه الفترة خطوات عملية في تنفيذ رؤيتها الشاملة لملفات جوهرية على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية، وفي ترسيخ انفتاحها على المجتمع الدولي ومنظماته، منتقلة من طرح الرؤى والتعهدات إلى ترجمتها على أرض الواقع.

كما نشر الوزير صورة سيلفي له وللرئيس السوري في طائرة العودة إلى دمشق وقد تحللا من الملابس الرسمية وأربطة العنق بارتداء تيشيرتات قطنية بيضاء، وعلق: «كانت رحلة متعبة، لكنها تهون في خدمة أهلنا وشعبنا ولأجل سوريا التي نطمح لها»،

وسرعان ما التقطتها حسابات إعلامية وشخصية لتصبح أكثر رواجاً من صورهما في الأنشطة الرسمية التي قاما بها في نيويورك خلال أربعة أيام.

اجتماع طاولة مستديرة مع أعضاء من غرفة التجارة الأميركية وممثلين لكبرى الشركات الأميركية بحضورالرئيس الشرع ووزير الخارجية على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الرئاسة السورية)

يذكر أن آخر نشاط للرئيس السوري قبل مغادرته المحفل الأممي السنوي، كان اجتماع طاولة مستديرة مع عدد من أعضاء غرفة التجارة الأميركية وممثلين لكبرى الشركات الأميركية، بحضور وزير الخارجية والمغتربين.

وجرى خلال الاجتماع بحث فرص الاستثمار في سوريا، وتوسيع التعاون والشراكات في عدد من القطاعات الاقتصادية والتنموية، ولا سيما قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والرعاية الصحية والخدمات المصرفية، بما يسهم في دعم إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

صورة تذكارية للوفد السوري إلى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يتوسطهم الرئيس أحمد الشرع 23 سبتمبر (الخارجية السورية)

أما الفريق المرافق للشرع، فقد حضر ندوة رفيعة المستوى بعنوان «الاستقرار الإقليمي والأمن والعودة المستدامة: حتمية سوريا بلا مخيمات»، نظّمتها البعثة الدائمة للجمهورية العربية السورية لدى الأمم المتحدة، ​وشاركت في الندوة قيادات أممية ودولية، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، والمنظمة الدولية للهجرة، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

وعُقدت الندوة بحضور وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي، ومدير إدارة التعاون الدولي بوزارة الخارجية قتيبة قاديش. ​

وركزت أعمال الندوة على ربط رؤية «سوريا بلا مخيمات» بأولويات التعافي الوطنية، لدعم العودة المستدامة للنازحين، وإعادة بناء المجتمعات المحلية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.