«مناصب الترضية» تُفجر خلافات قبيل التصويت على الحكومة العراقية

أنباء عن تمرير «حكومة جزئية»... وعقوبات أميركية على شركات نفط

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية
لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية
TT

«مناصب الترضية» تُفجر خلافات قبيل التصويت على الحكومة العراقية

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية
لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية

تتصاعد في العراق مؤشرات الخلاف المبكر حول الحكومة الجديدة التي يسعى رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي إلى تمريرها داخل البرلمان، وسط ضغوط متزايدة تتعلق بتوزيع الحقائب السيادية، واستحداث ما بات يُعرف بـ«مناصب الترضية»، بالتزامن مع أول طعن قضائي يواجه تكليفه منذ اختياره من قبل قوى «الإطار التنسيقي» أواخر أبريل (نيسان) الماضي.

كان الرئيس العراقي نزار آميدي قد كلّف الزيدي، مرشح «الإطار التنسيقي»، بتشكيل الحكومة الجديدة في 27 أبريل، بعد توافق داخل التحالف الشيعي، أعقب تضاؤل فرص كل من رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وزعيم «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي.

وقال رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي إن مجلس النواب سيتسلم البرنامج الحكومي للزيدي، في وقت تتحدث فيه تقديرات عن إمكانية عقد جلسة منح الثقة منتصف الأسبوع المقبل رغم استمرار الخلافات بشأن عدد من الوزارات، والمناصب العليا.

ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الزيدي أو فريقه بشأن اكتمال تشكيلته الوزارية، أو طبيعة أولويات برنامجه الحكومي، غير أن نواباً وقوى سياسية بدأوا الكشف عن ملامح التفاوض الدائر خلف الكواليس، خصوصاً ما يتعلق بتوزيع الحقائب السيادية، وآلية اختيار الوزراء.

وقال نواب من كتل مختلفة إن الزيدي قد يُقدم إلى البرلمان تشكيلة جزئية تضم نحو 14 وزيراً، على أن تُحسم بقية الوزارات لاحقاً بسبب استمرار الخلافات بين القوى السياسية على مرشحيها.

ويرى مراقبون أن هذا السيناريو يعكس بداية صدام مبكر بين رئيس الوزراء المكلف والأحزاب الرئيسة التي تسعى إلى فرض مرشحين محددين للوزارات ضمن نظام المحاصصة الذي حكم تشكيل الحكومات العراقية منذ عام 2003.

عقوبات

ومع الحديث عن الشرط الأميركي المتمثل في عدم مشاركة ممثلي الفصائل في الحكومة، أدرجت الخزانة الأميركية، الخميس، 4 أفراد وشركات عراقية على قائمة العقوبات، لارتباطهم بإيران، فيما بينت أن أغلبها شركات لها علاقة بالنفط.

وقال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، التابع للوزارة، إنه أضاف أفراداً إلى قائمة العقوبات الخاصة بمكتب مراقبة الأصول الأجنبية، وهم: محمد عيسى كاظم الشويلي، المعروف أيضاً باسم «أبو مريم»، من مواليد 19 مايو (أيار) 1982، وذلك بموجب لوائح العقوبات المالية لـ«حزب الله»، وهو مرتبط بعلي قصير.

والشخص الثاني المعاقب هو علي معارج البهادلي، من مواليد 01 يوليو (تموز) 1966 في ميسان، ومرتبط بسعيد سالم أحمد. وأيضاً مصطفى هاشم لازم البهادلي، ويعرف أيضاً باسم البهادلي، ومصطفى هاشم لازم، وأيضاً باسم آخر هو «السيد عون»، من مواليد 21 أغسطس (آب) 1980. وآخر المعاقبين هو أحمد خضير المكصوصي، من مواليد 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1970، ومرتبط بفصيل «كتائب سيد الشهداء».

رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي (واع)

«مناصب الترضية»

وتتركز واحدة من أبرز نقاط الخلاف حول مقترحات باستحداث 4 مناصب جديدة لنواب رئيس الوزراء، خارج إطار الوزارات السيادية التقليدية التي تمنح شاغليها صفة نائب رئيس الوزراء، مثل «الخارجية»، و«النفط»، و«التخطيط». ويقول منتقدون إن هذه المناصب تُمثل «ترضيات سياسية» من شأنها زيادة الترهل الإداري، وتشتيت مراكز القرار داخل السلطة التنفيذية.

كما برزت مقترحات أخرى تتعلق باستحداث منصب «وزير دولة للشؤون الخارجية»، في خطوة يراها خصومها محاولة للحد من نفوذ وزارة الخارجية التي ظل الأكراد يتولونها منذ عام 2014، عبر شخصيات من بينها هوشيار زيباري، وفؤاد حسين.

ويأتي الجدل بشأن «الخارجية» في ظل مفاوضات معقدة بين القوى الشيعية والأحزاب الكردية حول توزيع الحقائب السيادية، خصوصاً بعد زيارة رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني إلى بغداد، والتي وصفتها أطراف سياسية بأنها أسهمت في تهدئة التوتر بشأن الوزارة.

وحسب مصادر مطلعة، فإن بعض قوى «الإطار التنسيقي» تُفضل إبقاء إدارة ملف العلاقات الخارجية تحت إشراف مباشر من رئيس الوزراء، عبر استحداث منصب يرتبط بمكتبه، بما يمنح القوى الشيعية نفوذاً أوسع في إدارة السياسة الخارجية.

وفي موازاة ذلك، يتمسك «الإطار التنسيقي» بوزارة المالية، رافضاً مقترحات منحها للأكراد مقابل التخلي عن وزارة الخارجية. وقالت مصادر إن الزيدي يسعى أيضاً إلى الإبقاء على السيطرة المباشرة على الملف المالي والنقدي، عبر دعم استمرار وزيرة المالية الحالية طيف سامي، ومحافظ البنك المركزي علي العلاق في منصبيهما.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أجرى اتصالاً هاتفياً مع الزيدي، هنأه خلاله بتكليفه، ودعاه إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، مؤكداً رغبة الولايات المتحدة في «علاقة جديدة وقوية» مع العراق.

كما رحَّبت واشنطن رسمياً بتكليف الزيدي، في وقت تحدثت فيه تقارير وتصريحات أميركية عن انتظار «إجراءات ملموسة» من الحكومة الجديدة للحد من نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران داخل مؤسسات الدولة العراقية.

وأثارت هذه التطورات ردود فعل حذرة داخل بعض الفصائل المسلحة، خصوصاً بعد تصريحات لأكرم الكعبي، زعيم حركة «النجباء»، رفض فيها تسليم سلاح الفصائل إلى الدولة، في مؤشر على استمرار التوتر بشأن مستقبل العلاقة بين الحكومة الجديدة والفصائل المقربة من طهران.

إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد - مارس 2026 (واع)

اعتراضات سياسية وقانونية

في الداخل، بدأت أصوات سياسية تُعلن صراحة رفضها لما تصفه بعودة «المحاصصة»، و«مناصب الترضية».

وقالت كتلة «إشراقة كانون» البرلمانية إنها ترفض استحداث مناصب جديدة لنيابات رئاستي الوزراء والجمهورية، أو وزارات دولة بلا حقائب فعلية، معتبرة أن هذه الترتيبات تُعيد إنتاج نظام المحاصصة السياسية الذي تتسبب، حسب الكتلة، في تعطيل مؤسسات الدولة، وتصاعد مستويات الفساد.

وقال النائب حيدر المطيري، خلال مؤتمر صحافي في البرلمان، إن القوى السياسية «تتعامل مع مناصب الدولة كأنها غنائم سياسية»، مضيفاً أن التفاهمات الجارية بشأن الحكومة الجديدة تُمثل «ارتداداً» عن الوعود بالإصلاح الإداري، والسياسي.

وفي مؤشر آخر على تعقيد مفاوضات تشكيل الحكومة، لوَّح نواب محافظة البصرة بمقاطعة جلسة التصويت على الكابينة الوزارية إذا لم تحصل المحافظة على ما وصفوه بـ«استحقاقها» في الحكومة المقبلة.

وقال النائب علاء الحيدري، خلال مؤتمر صحافي مع نواب من البصرة، إن المحافظة تُطالب بإسناد وزارات النفط والنقل والموارد المائية إلى شخصيات تمثلها، مشيراً إلى أن البصرة تؤمن نحو 93 في المائة من إيرادات الموازنة العامة للعراق. وأضاف أن نواب المحافظة قد يمتنعون عن التصويت للحكومة إذا لم تؤخذ مطالبهم في الاعتبار.

وفي تطور موازٍ، سجلت المحكمة الاتحادية العليا أول دعوى قضائية تطعن في صحة تكليف الزيدي، قدمها النائب السابق رائد المالكي بصفته «مواطناً وسياسياً مستقلاً»، معتبراً أن التكليف شابه «خلل دستوري وقانوني».

وقال المالكي إن الدعوى تستند إلى 4 أسباب، بينها «عدم توفر بعض شروط الترشيح»، و«وجود تضارب مصالح»، إضافة إلى اعتراضه على آلية ترشيح الزيدي من قبل تحالف سياسي بدلاً من كتلة نيابية محددة.

وأضاف أن «موقع رئيس الوزراء يتطلب شخصية تمتلك خبرة سياسية وإدارية»، قائلاً إن «الدستور اشترط الخبرة السياسية، وليس العلاقات».

ويواجه الزيدي، الذي جاء إلى الواجهة السياسية من خارج الأسماء التقليدية المتداولة لرئاسة الحكومة، اختباراً معقداً يتمثل في قدرته على تشكيل حكومة متوازنة ترضي القوى المتنافسة دون أن تبدو خاضعة بالكامل لمنطق المحاصصة الذي يواجه انتقادات متزايدة داخل العراق.


مقالات ذات صلة

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض الأربعاء (واس)

نقاشات سعودية ـ عراقية في الرياض حول أمن المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تطورات الأحداث الإقليمية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية المصري محمد شريف يحتفل بهدف الزوراء في مرمى قطر (نادي الزوراء)

«أبطال الخليج»: المصري شريف يسجل... والزوراء يتعادل مع قطر

تعادل نادي قطر بصعوبة مع ضيفه الزوراء العراقي بنتيجة 1 - 1 الثلاثاء، في افتتاح مشوار الفريقين بدوري أبطال الخليج لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عربية فرحة لاعبي الشرطة بالتسجيل في مرمى إيست بنغال (الاتحاد الآسيوي)

«أبطال آسيا 2»: الشرطة العراقي يفوز في الهند

واصل فريق الشرطة العراقي انطلاقته القوية في دور المجموعات من بطولة دوري أبطال آسيا الثاني، ليفوز خارج ملعبه على مضيّفه الهندي إيست بنغال.

«الشرق الأوسط» (كالكوتا (الهند))

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.