انقسام لبناني حيال رأي «هيئة التشريع» بشأن الانتخابات النيابية

وزير الداخلية يرمي كرة اقتراع المغتربين في ملعب الحكومة

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

انقسام لبناني حيال رأي «هيئة التشريع» بشأن الانتخابات النيابية

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

يشهد لبنان انقساماً سياسياً حاداً وجدلاً متجدداً حول قانون الانتخابات النيابية، لا سيما ما يتعلق باقتراع اللبنانيين غير المقيمين، وإنشاء «الدائرة 16»، وذلك على خلفية رأي «هيئة التشريع والاستشارات» في وزارة العدل التي يرى البعض أنها مرجعية قانونية ملزمة للإدارة، فيما يصرّ آخرون على أن القانون النافذ لا يمكن تعديله أو تعليق العمل به إلا بتشريع صريح من مجلس النواب.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (الوكالة الوطنية للإعلام)

وفيما جدد رئيس البرلمان نبيه بري، الاثنين، موقفه لجهة تأكيده في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتخابات بموعدها في شهر مايو (أيار) المقبل، «ولا تأجيل تقنياً أو غيره ولا إمكانية لتعطيل الاستحقاق»، رفع في المقابل وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار نتيجة الاستشارة التي تلقاها لجهة حق اقتراع المغتربين لـ128 نائباً، إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء للاطلاع عليها وإجراء المقتضى.

وزير الداخلية أحمد الحجار (الوكالة الوطنية للإعلام)

وقال الحجار قُبيل مشاركته في جلسة الحكومة: «الهدف الأساسي هو إجراء الانتخابات في موعدها المحدد»، مشدداً على أن أحداً لا يرغب في الخلاف حول هذا الاستحقاق، لافتاً في الوقت عينه «إلى أن هذه الاستشارة غير ملزمة، إلا أن عدم الأخذ بها يستوجب تعليلاً رسمياً وفقاً لإحدى مواد تنظيم العمل في وزارة العدل»، ومؤكداً «أن قطار الانتخابات انطلق وفقاً للقانون الحالي، ولا يوقفه سوى إجراء يُتخذ في مجلس النواب».

جلسة سابقة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

نواب «القوات» ينتقدون بري

وفي هذا السياق، شنّ عضو تكتل حزب «القوات اللبنانية» النائب جورج عقيص هجوماً على بري، عادّاً أن ممارساته «لا تركب على قوس قزح»، ومؤكداً أنهم طالبوا ولا يزالون يطالبون هيئة مكتب المجلس بممارسة ضغط لإقرار التعديلات المرتبطة بقانون الانتخابات.

وقال عقيص في حديث إذاعي إن «هناك إرادة لبنانية واغترابية وشعبية جامعة لمنح الحق للمغتربين بالاقتراع في أماكن وجودهم في الخارج، يقابلها تعنّت شخص واحد هو الرئيس بري»، مضيفاً أن من غير صلاحيات رئيس المجلس «تقييم عمل القاضي أو الإيحاء بوجود ضغوط أدّت إلى صدور قرار هيئة التشريع والاستشارات»، عادّاً أن بري «يصادر حقوق 67 نائباً وإرادتهم».

بدوره، كتب زميله النائب بيار بوعاصي عبر منصة «إكس»: «القول بعدم إلزامية رأي الهيئة بهذا الشكل يشكّل هرطقة قانونية»، مستشهداً بالمادة 14 من قانون تنظيم وزارة العدل (151/83) التي تنص على أن الإدارة غير ملزمة بالرأي، إلا أن مخالفتها له تستوجب قراراً معللاً يُبلّغ إلى وزارة العدل. وعدّ أن الإدارة طالبة الاستشارة هي وزارة الداخلية، ولا يمكن لرئيس المجلس التنصل من مقتضيات القانون. كما أشار إلى تصريح سابق للنائب حسين الحاج حسن حول تأثير تصويت المغتربين على الأحجام النيابية، عادّاً أن الهدف الفعلي هو «زيادة عدد كتلة (حزب الله) من غير الشيعة على حساب اقتراع المغتربين».

في المقابل، رأى «التيار الوطني الحر»، الذي يدعم إنشاء «دائرة 16» للمغتربين على غرار «الثنائي الشيعي»، في بيان له أن ما يُتداول بشأن رأي هيئة التشريع والاستشارات هرطقة دستورية وقانونية. وأكد أن «القانون نافذ والمهل فُتحت والترشيحات بدأت، وأن على وزارتي الداخلية والخارجية والحكومة القيام بالإجراءات اللازمة لإتاحة الترشح من الخارج»، ملوّحاً ببدء تقديم مرشحيه من الخارج، ومحمّلاً الحكومة مسؤولية أي تقصير قد يمس بشرعية العملية الانتخابية.

وكتب رئيس «التيار» النائب جبران باسيل عبر حسابه على «إكس» أن «القانون واضح، ومسؤولية إصدار التقارير أو المراسيم التطبيقية تقع على عاتق الداخلية والخارجية أو الحكومة»، محذراً من أن أي تقصير «سيمس بشرعية الانتخابات».

الصادق: الاستشارة مطابقة للدستور

من جهته، عدّ النائب وضاح الصادق أن الاستشارة الصادرة عن الهيئة جاءت مطابقة للدستور والقانون، متهماً من يسعى إلى حرمان غير المقيمين من الاقتراع بأنه «يسعى إلى تطيير الانتخابات». وذكّر بأن «الدائرة 16» جُمّد العمل بها في انتخابات 2018 و2022 بقرار تشريعي، متسائلاً عما تغيّر اليوم للإصرار على تطبيقها «المستحيل».

وتأتي هذه المواقف في المقابل، بعدما كان قال رئيس البرلمان نبيه بري في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «ما صدر كان عن هيئة التشريع والاستشارات ولا يمكن أن يعلّق قانوناً نافذاً»، عادّاً أن «هذه المرة الأولى التي نسمع فيها أن القاضي يوقف تنفيذ القانون بدلاً من السهر على تطبيقه»، ومشيراً إلى أن الاستشارة «غير ملزمة»، ولا يجوز القفز فوق القانون بها. ولمّح إلى «وجود جهة تمنع إجراء الاستحقاق النيابي في موعده»، مؤكداً رفضه تمديد ولاية المجلس الحالي والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

بدوره، كان قد شدد عضو كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري، النائب علي حسن خليل على أن تعديل قانون نافذ أو تعليق تنفيذه لا يتم عبر استشارة أو قرار إداري، بل عبر المجلس النيابي حصراً، عادّاً في حديث تلفزيوني أن النص واضح لجهة إنشاء «الدائرة 16» ووجوب إجراء الانتخابات فيها، ومحذراً من فرض أمر واقع خلافاً للأصول الدستورية.


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يرفض التنسيق الثنائي مع إسرائيل قبل الانسحاب من الجنوب

المشرق العربي جندي لبناني يستخدم جواله لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

الجيش اللبناني يرفض التنسيق الثنائي مع إسرائيل قبل الانسحاب من الجنوب

يرفض الجيش اللبناني مطالب إسرائيلية بتنسيق ثنائي مباشر بين الجيشين تجنباً لاستباق نتائج المفاوضات ومنعاً لتحويله إلى مادة تجاذب سياسية في الداخل 

نذير رضا (بيروت)
الاقتصاد اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

أبقت مجموعة العمل المالي «فاتف» لبنان على قائمتها الرمادية للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، رغم إقرارها بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية منذ أكتوبر 2024.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية بين قريتي كفر تبنيت وأرنون في جنوب لبنان السبت (أ.ف.ب)

معلومات إسرائيلية تعزز مخاوف اللبنانيين من خطر حرب جديدة

كشفت «معاريف» عن استعدادات للجيش الإسرائيلي لاحتمال احتلال ثلاث مدن رئيسية في جنوب لبنان، هي صور وصيدا والنبطية، في حال استئناف الحرب مع إيران وتدخل «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جزء من شحنة المخدرات التي تم ضبطها في مطار رفيق الحريري (الجمارك اللبنانية)

لبنان يحبط أكبر محاولة تهريب مخدرات عبر مطار بيروت

أحبطت الأجهزة الأمنية والجمركية اللبنانية أكبر محاولة تهريب مخدرات عبر مطار بيروت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق... أولويات مختلفة بين العاصمتين

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
TT

محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق... أولويات مختلفة بين العاصمتين

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)

تركزت محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق، الاثنين، على معالجة الملفات العالقة بين البلدين؛ وأفادت مصادر مطلعة في العاصمة السورية «الشرق الأوسط» بأن الأهمية المحورية لهذه المباحثات تتمثل في الانتقال من الإطار العام إلى بحث الإجراءات العملية والتنفيذية المطلوبة، مبيّنة أن الجانب السوري ركز على ملف ضبط الحدود والتعاون والتنسيق الأمني المشترك، في حين ركز الجانب اللبناني بشكل أساسي على ملف اللاجئين السوريين في لبنان.

واستقبل وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد حسن الشيباني، في العاصمة دمشق، وفداً لبنانياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري.

حضر اللقاء من الجانب السوري كل من: وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي، ووزير التربية والتعليم محمد تركو، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، في حين ضم الجانب اللبناني كلاً من وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، ووزير العمل محمد حيدر، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد.

وزارة الخارجية السورية أوضحت في بيان لها، الاثنين، أن «اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التنسيق المشترك في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الأمني، وضبط الحدود، إلى جانب توسيع آفاق الشراكة في قطاعات التربية والتعليم العالي والشؤون الاجتماعية والعمل، ومتابعة عمل اللجان الفنية المشتركة بما يخدم المصالح المتبادلة».

وفد لبناني رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في قصر الشعب بدمشق بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني ومسؤولين سوريين (الخارجية السورية)

وتأتي زيارة الوفد اللبناني إلى دمشق في سياق تعزيز العلاقات الثنائية، واستكمالاً للمحادثات السابقة، ومتابعةً لعمل اللجان المشتركة التي شُكّلت بين الجانبين لمعالجة الملفات المشتركة، وذلك بعد أن اتفق البلدان في يوليو (تموز) الماضي على تشكيل لجنة عليا مشتركة كإطار مؤسسي لتنسيق عمل الوزارات المعنية، وتطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، وتعزيز التفاهمات الأمنية.

وفي هذا السياق، عقدت الوزارات الثنائية جلسات تخصصية بحثت الملفات المشتركة، كل واحد وفق اختصاصه، بهدف صياغة الإجراءات المطلوبة لمعالجتها، وفقاً لما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

وتضمن الجانب اللبناني وفداً تقنياً مكلفاً من وزارة الداخلية لمناقشة ملف التعاون الأمني بالنيابة عن وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار الذي أبلغ الجانب السوري بتأجيل زيارته إلى دمشق لموعد لاحق، مشيراً في بيان أصدره، الاثنين، إلى أن غيابه عن الاجتماع جاء لأسباب خاصة وطارئة.

توافد النازحين السوريين إلى معبر المصنع لدخول لبنان في 9 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبحسب المصادر المطلعة في دمشق، فقد تصدر ملف ضبط الحدود السورية ـ اللبنانية، وحركة المعابر الحدودية، والتنسيق الأمني لمكافحة التهريب والتسلّل طليعة المحادثات، بموازاة طرح ملف اللاجئين السوريين وأوضاع المقيمين في لبنان، وبالأخص أولئك الذين دخلوا خلسة؛ حيث سعت النقاشات لتناول ملف اللاجئين من زوايا متعددة؛ اجتماعية وأمنية وحقوقية، كما طُرح ملف التلاميذ السوريين في المدارس اللبنانية، وضرورة معالجة ملف معادلة الشهادات العلمية.

يُذكر أن وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيّد، كانت قد زارت سوريا، منتصف الشهر الفائت، لبحث ملف اللاجئين، وأشارت في حينها إلى أن إجمالي العائدين من لبنان إلى سوريا بلغ 700 ألف شخص، بناءً على البيانات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى نهاية سبتمبر (أيلول) 2026.

وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد تتوسط مسؤولين في الأمم المتحدة خلال الإشراف على رحلة عودة النازحين السوريين من لبنان (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه التطورات بدء دمشق وبيروت صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، تقطع مع مرحلة النظام السوري السابق وهيمنته على لبنان، والعمل على معالجة آثار تركة المرحلة السابقة عبر بناء علاقات جديدة تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال البلدين.

وتوجت زيارة الوفد الوزاري اللبناني برئاسة متري، الاثنين، مساراً دبلوماسياً متصاعداً انطلق فعلياً في مارس (آذار) 2025 بلقاء أمني تأسيسي عُقد في مدينة جدة برعاية سعودية، وأثمر اتفاقية بين وزيري دفاع البلدين لتعزيز التنسيق، وضبط الحدود، تلته في أبريل (نيسان) من العام نفسه زيارة تاريخية كانت الأولى لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى العاصمة السورية، صِيغت خلالها أطر تعاون جديدة.

مع حلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بدأ الوزير طارق متري جولة تفاهمات أولية مهدت الطريق لزيارات لاحقة، أبرزها زيارة المتابعة التي قام بها سلام في مايو (أيار) 2026، والتي أعقبها حراك دبلوماسي سوري في يوليو 2026 تمثّل في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، وإعلان تأسيس «اللجنة العليا اللبنانية السورية المشتركة».


«الإطار التنسيقي» الحاكم في العراق أمام مخاطر الانقسام

الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
TT

«الإطار التنسيقي» الحاكم في العراق أمام مخاطر الانقسام

الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)

تشير معظم المصادر العراقية المقربة من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي الحاكم إلى وجود خلافات عميقة وملامح تصدع قد تتسبب في انفراط عقد قواه على المدى القريب أو المتوسط. وينظر بعض المراقبين إلى بعض الخلافات العلنية التي اندلعت بين أقطابه مؤخراً، بوصفها مؤشرات ملموسة على اتساع فجوة الخلافات الإطارية.

وتشير مصادر مقربة من قوى الإطار إلى حالة من الاستقطاب الشديد بين أطرافه فرضتها مجموعة من العوامل والمواقف المتناقضة، سواء على مستوى العلاقة مع رئيس الوزراء علي الزيدي، أو على مستوى التقاطع في وجهات النظر بالنسبة لطائفة من القضايا العامة والخاصة، وضمنها المواقف من قضية نزع سلاح الفصائل والأزمة المالية التي تعاني منها البلاد، أو تلك المتعلقة بالحصص والمناصب الحكومية الشاغرة أو التي وُزعت بين قوى الإطار.

خلاف إطاري معلن

وتفجرت، السبت الماضي، أزمة علنية داخل قوى الإطار حين طالب، خالد المرسومي عضو تحالف «الإعمار والتنمية» الذي يقوده رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، بمحاكمة رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بعد أن اتهمه بـ«تدمير المجتمع ونشر الفتنة»، على خلفية سقوط نحو ثلث أراضي البلاد بيد «داعش» حين كان المالكي يشغل منصب رئاسة الوزراء عام 2014، فرد عليه هشام الركابي، مدير المكتب الإعلامي للمالكي، بالقول: «كفى نفاقاً ومزايدة، من يتحدث اليوم عن سقوط المحافظات والفتنة عليه أن يتوقف عن استثمار مآسي العراقيين في خصوماته السياسية».

جانب من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

كانت كتلة «الإعمار والتنمية» قد قررت، الأسبوع الماضي، تعليق حضورها لجلسات البرلمان؛ احتجاجاً على ما وصفتها بـ«التجاوزات المنهجية والسلوكيات غير المسؤولة التي يُصرّ بعض النواب على انتهاجها»، ورأت أنها «تندرج في إطار حملات التسقيط الكيدية والاستهداف الممنهج لائتلاف (الإعمار والتنمية) وقيادته». وغالباً ما تصدر الانتقادات والاتهامات لكتلة «الإعمار والتنمية» ولرئيسها محمد شياع السوداني من نواب وشخصيات في قوى «الإطار التنسيقي».

امتعاض الزيدي

وتشير مصادر مقربة من الحكومة وقوى «الإطار التنسيقي» إلى «حالة حادة من الاستقطاب تسود داخل هذه القوى».

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «ذلك ناجم عن اصطفاف بعض قوى الإطار مع رئيس الوزراء علي الزيدي، في مقابل قوى أخرى تسعى للتشكيك في إدارته للدولة، وعرقلة مساعيه المتعلقة بنزع أسلحة الفصائل، إضافة إلى الاعتراض على جولاته الخارجية خصوصاً زيارته الأخيرة إلى سوريا ومسألة التنافس على المواقع الحكومية الشاغرة، مثل رئاسة الوزراء وجهاز الأمن الوطني».

وتؤكد أن رئيس الوزراء الزيدي «يشعر بامتعاض من حالة الاستقطاب، وسعي بعض الكتل والأحزاب إلى تقويض كثير من صلاحياته، والضغط عليه في ملف مجابهة الفساد ونزع سلاح الفصائل».

وتضيف المصادر أن «الزيدي يجد نفسه محاصراً بشدة من قوى الإطار التي تصر على الاجتماع به أسبوعياً في سياق موازٍ لاجتماعاته الأسبوعية مع كابينته الحكومية».

وكان رئيس «المجلس الإسلامي الأعلى» همام حمودي، قد قال، السبت الماضي، إن «رئيس الوزراء علي الزيدي هو خيار (الإطار التنسيقي)، والإطار مسؤول أمام الله وشعبه عن رسم الرؤى والسياسات، وفقاً للقانون والدستور، بينما يتولى الزيدي تنفيذها بآلياته الحكومية»، الأمر الذي يشير إلى «هيمنة» قوى «الإطار التنسيقي» على القرار الحكومي و«تواضع» صلاحيات رئيس الوزراء، بحسب مراقبين.

ويرى الأكاديمي ورئيس «مركز التفكير السياسي» إحسان الشمري أن «(الإطار التنسيقي) الذي حافظ على تماسكه خلال حكومتين متعاقبتين، بات يواجه اليوم تقاطعات وخلافات حادة ناجمة عن تصادم المصالح، واختلاف وجهات النظر بشأن عدد من الملفات».

وقال الشمري في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنه «في مقدمة الخلافات مسألة تقاسم المناصب الحكومية، والتعامل مع ملفات الفساد، وقضية السلاح، الأمر الذي قد يضعه أمام خطر الانقسام».

صراع الزعامات

ويشير الزيدي إلى أن «صراع الزعامات داخل (الإطار التنسيقي)، الذي يمتد سنوات، بدأ يتكرس بصورة أكثر وضوحاً في طبيعة الخلاف القائم بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهو ما يعكس صراعاً على الزعامة، ومحاولة فرض النفوذ والقرار داخل الإطار».

ملف السلاح

ويرى الشمري أن «ملف السلاح يبرز بوصفه إحدى أبرز نقاط الخلاف، ليس بين المالكي والسوداني فحسب، وإنما بين مختلف أطراف (الإطار التنسيقي)، خصوصاً أن غالبية قواه تميل إلى الإبقاء على السلاح، وإن لم يكن ذلك موقفاً موحداً لجميع أطرافه. وقد خلق هذا الملف أزمة داخل الإطار، بين توجه رئيس الوزراء نحو تحقيق تقدم سريع في ملف حصر السلاح بيد الدولة، وبين مواقف قوى لا تبدو مستعدة للتخلي عن سلاحها، في ظل الضغوط الأميركية المتصاعدة».

ويعتقد الشمري أن إخفاق «الإطار التنسيقي» في «الاستجابة للاشتراطات الأميركية المتعلقة بتفكيك منظومات السلاح خارج إطار الدولة، لا سيما مع احتمال لجوء إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى ممارسة ضغوط قصوى، قد تشمل فرض عقوبات وسيناريوهات أخرى، فإن ذلك قد يدفع الإطار نحو مزيد من التفكك والانقسام».

التماسك الإيراني

مع ذلك، يتحدث الشمري عن أنه لا يمكن إغفال أن «الإطار التنسيقي» والقوى الشيعية عموماً تعرضت لهزات سياسية وشعبية كبيرة منذ عام 2019. لكن ما ميز المرحلة التي أعقبت تشكيل حكومة محمد شياع السوداني هو وجود «ضابط سياسي كان قادراً على الإمساك بتوازنات الإطار واحتواء خلافاته، والحفاظ على حد أدنى من التماسك بين مكوناته».

تبعاً لذلك، يعتقد الشمري أن «العامل الخارجي الذي حال دون تفكك (الإطار التنسيقي) وهو العامل الإيراني، فطهران لا تزال ترى أن بقاء (الإطار التنسيقي)، رغم ما يشهده من انقسامات وخلافات وتبادل للاتهامات بين مكوناته، يعزز حضورها في عملية صنع القرار العراقي، ويوفر مظلة سياسية تحمي نفوذها داخل العراق».

لذلك، والكلام للشمري، فإنه «ما دام هذا العامل قائماً، فإن إيران ستواصل، على ما يبدو، العمل باتجاه منع تشظي (الإطار التنسيقي)، والإبقاء على تماسكه، ولو على المستوى الشكلي».

ويخلص إلى القول، إن «ذلك لا يعني بالضرورة أن الإطار سيبقى بمنأى عن التفكك، خصوصاً إذا طرأ متغير كبير على المعادلة السياسية، سواء كان داخلياً أو إقليمياً، لا سيما إذا ارتبط بتطورات الحرب الأميركية الإيرانية وانعكاساتها على العراق».


العاهل الأردني يندد بالإرهاب... ويجدد رفض الأطماع التوسعية الإسرائيلية

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مخاطباً النواب في افتتاح أعمال الدورة الثالثة لمجلس النواب (الديوان الملكي)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مخاطباً النواب في افتتاح أعمال الدورة الثالثة لمجلس النواب (الديوان الملكي)
TT

العاهل الأردني يندد بالإرهاب... ويجدد رفض الأطماع التوسعية الإسرائيلية

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مخاطباً النواب في افتتاح أعمال الدورة الثالثة لمجلس النواب (الديوان الملكي)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مخاطباً النواب في افتتاح أعمال الدورة الثالثة لمجلس النواب (الديوان الملكي)

افتتح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أعمال الدورة النيابية الثالثة لمجلس النواب الحالي. مُذكراً بحادثة «كنيسة حمود» التي راح ضحيتها 9 شهداء، ونحو 40 جريحاً، الجمعة قبل الماضي، أثناء مشاركتهم بواجب العزاء لأحد أفراد عشيرة الهلسة، وهي واحدة من أكبر العشائر المسيحية من محافظة الكرك الجنوبية.

قال العاهل الأردني: «قبل أيام، امتدت يد الإرهاب الغادرة لتختبر صلابة دولتنا». مؤكداً بأن بلاده لن تسمح للإرهابيين «الخوارج» بأن «يمسوا أمن الوطن ووحدته». لافتاً إلى أن هؤلاء «ليسوا منا»، وأنهم «خانوا هذه الأسرة»، وأنهم لا مكان لهم بيننا، لا اليوم ولا غداً.

ووسط تصفيق النواب والأعيان وأعضاء الفريق الوزاري، شدد عبد الله الثاني على أن «الأردن كان وسيبقى عصياً على كل معتدٍ غاشم، متغافل عن تاريخ الأردن». مجدداً التأكيد «بأن قوة الأردن في شعب كلما اشتدت الخطوب، ازداد تماسكاً وبصيرة وحكمة»، قائلاً: «لا يزال رهاني على الأردني، وعلى وعيه، وعلى حكمته حين تعلو الانفعالات، وعلى إخلاصه ووفائه حينما تشتد المحن».

القضية الفلسطينية

وأكد العاهل الأردني موقف بلاده بأنه «لا سبيل للأمن والاستقرار في منطقتنا، دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه»، مشيراً إلى أنه «ورغم المطالبات الدولية بوقف الانتهاكات الإسرائيلية، تستمر الكارثة الإنسانية في غزة، وتستمر الاعتداءات المتوالية في الضفة الغربية والقدس، وتبقى الأطماع التوسعية الإسرائيلية أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها».

وخلال الخطاب وقف الجميع مصفقاً للملك عندما قال: «إن الشعوب لن تنسى - موجهاً الحديث لدولة الاحتلال - من ظن أن الطغيان يمنح الشرعية فهو واهم. ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة واهم. وإن من ظن الأردني يتراجع عن مبادئه أيضاً واهم».

الملك يدعم البرلمان ويطالب بالحريات المسؤولة

وعن الحياة السياسية في البلاد ودور السلطات الدستورية، أكد العاهل الأردني أن «مجلس النواب هو ركن أساس ومقدم في الحياة السياسية، فالأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها». وأن هذا المبدأ «يمتّن جبهتنا الداخلية لتظل منيعة ومصانة». فالأردن القوي هو الأقدر على الدفاع عن مصالحه وعن قضايا أمته، ليكون ناهضاً بمسؤولياته.

وطالب عبد الله الثاني مجلس النواب بأن يكون البرلمان «صوتاً للوطن، وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً على الأداء الحكومي». مشدداً على أن اختلاف الرأي قوة، ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية. قائلاً: الأردنيون لا ينظرون إلى ما يصدر عن هذه القبة من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب».

كان واضحاً في خطاب الملك أن عنوان المرحلة المقبلة ستشهد عودة وتفعيلاً لمبدأ التوازن بين السلطات. بعد اتهام الحكومة الحالية بقيادة جعفر حسان بأنها «قامعة للحريات»، مشدداً على أن «التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور ويحميه. فصدر هذا الوطن وصدرنا رحب أمام كل رأي... مخلص ومسؤول».

مستقبل أزمة المياه

كما كان لافتاً في خطاب الملك قوله: «المياه، المياه، المياه!»، ليؤكد أن «أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه».

موجهاً الحكومة بالاستمرار بمشاريع الأمن المائي، والعمل على وضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن، بما يضمن استدامتها وحقوق الأجيال المقبلة.

وفيما يشبه الانتقاد لبعض قيادات العمل العام وموظفيه، أكد العاهل الأردني على أن «لا مكان في بلدنا وبيننا لمن يظن أن الوظيفة العامة هي تشريف يرفّعه عن العمل أو خدمة الناس». مضيفاً لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان؛ فهيبة الدولة وسيادة القانون يتقدمان على كل شيء. مجدداً التأكيد على أن القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مخاطباً النواب في افتتاح أعمال الدورة الثالثة لمجلس النواب (الديوان الملكي)

مقاصد الملك ورسائله

بدا لافتاً في خطاب الملك حديثه عن سر «المنعة الأردنية»، موضحاً أن «سر منعة الأردن وقوته، في شعب يزداد تماسكاً وبصيرة وحكمة حينما تشتد الخطوب».

ومع الإشارة إلى لاعتداء الغاشم في الكرك، والتأكيد على ثبات الأردن ومؤسساته في وجه الإرهابيين الخوارج، الذين «خانوا أسرتهم الأردنية»، وسعيهم لـ«المساس بأمن الوطن ووحدته»، فإن رسالة الملك في استهلال خطابه، أن «ملف مكافحة التطرف لا يزال أولوية لدى الدولة الأردنية».

أعاد الملك الأردني التأكيد على استمرار وقوف بلاده في وجه الأطماع التوسعية لإسرائيل وعدوانها المستمر؛ ما يهدد مستقبل المنطقة وآمالها. وهو ما أكده الملك أيضاً في خطابه بالأمم المتحدة، خلال انعقاد الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

كما شدد الملك على مواقف الأردن الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني بتلبية حقوقه المشروعة، وهي الرسالة التي يحملها داخلياً ومن على المنابر العالمية. ولطالما عدَّ العاهل الأردني أن الأردن القوي هو دعم وسند للشقيق الفلسطيني على أرضه، وصولاً لإعلان قيام الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني.

ليضع الملك ثلاثة عناوين للوهم الإسرائيلي: وهم الشرعية الآتي من الطغيان، ووهم محو الحقيقة بمرور الزمن، ووهم تراجع الأردن عن مبادئه. في نقد يُضاف لسلسلة انتقادات عبد الله الثاني لحكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو.

مجلس النواب الأردني الاثنين (قناة المملكة)

توازن السلطات الدستورية

من المبادئ الدستورية في البلاد، وإعلاءً لشأنه في النظام السياسي الأردني، وصف الملك مجلس الأمة بالركن الأساسي والمُقدّم، ويُذكّر بمبدأ «الأمة مصدر السلطات»، ويعتبره منبع قوتها.

ويُؤشّر الملك إلى هذا المبدأ الفقهي المستقر، ليؤكد أهمية العلاقة بين السلطات على هذا الأساس. داعياً إلى التمسك بهذا المبدأ هو مصدر قوة الجبهة الداخلية للوطن وقدرته في الدفاع عن مصالح أمته.

وجاء من بين رسائل الملك، أن قوة مجلس الأمة عندما تكون مصلحة الوطن هي الغاية، حتى لو كان هناك اختلاف في الرأي. في توجه واضح في دعم مجلس الأمة (مجلسي النواب المنتخب، والأعيان الذين يتم اختيارهم وفق شروط الدستور). موجهاً الملك أن يكون مجلس الأمة «صوتاً للشارع وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً على أداء الحكومة، على أن تكون الأولوية الحفاظ على مصلحة الأردنيين».

على أن الملك لم يُسقِط من حساباته توجيه المجلسين، للانتباه لسلوكهم وخطابهم تحت القبة. مضيفاً أن أداء النواب وسلوكهم واللغة التي يستخدمونها أيضاً تؤثر على صورة الأردن داخلياً وخارجياً. ولفت إلى أن السلطات التشريعية والتنفيذية يجب أن تكون مصلحة الأردني في صُلب كل قرار لا على هامشه؛ لأن التشريع يمس مناحي حياة الموطنين كافة عند تطبيقه.

القانون فوق الجميع

بعث العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني برسالة مفادها أن الخدمة العامة هي تكليف من أجل العمل وليست تشريفاً، ومعنى ذلك أن الإنجاز وخدمة الأردنيين هي المعيار لبقاء المسؤول في موقعه. مشدداً على أهمية سيادة القانون. وأن الجميع تحت المساءلة، فلا حماية لمن يسيء «لا اسماً ولا نفوذاً ولا منصباً».

بدا لافتاً في خطاب الملك توجيهه رسالةً منفردة تتعلق بالحريات. فقد شجع المواطنين على المشاركة في إبداء الرأي بالشأن العام، مؤكداً سعة صدر الدولة أمام كل رأي مخلص ومسؤول وضمن أدب الاختلاف وفروسية الكلمة.