أربيل تحمّل بغداد ديون صدام حسين... بأثر رجعي

مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: رفض دفع التعويضات ينسف شرعية الدولة العراقية

عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)
عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)
TT

أربيل تحمّل بغداد ديون صدام حسين... بأثر رجعي

عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)
عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)

بأثر رجعي، تطالب حكومة إقليم كردستان الحكومة الاتحادية بتعويضات عن جرائم نظام الرئيس الراحل صدام حسين بحق الكرد. وينظر إلى هذا التحرك الآن على أنه محاولة ضغط محسوبة من أربيل، تزامناً مع دعوات إلى مساءلتها عن إيراداتها الاقتصادية وآليات إدارتها.

والخميس الماضي، طالبت حكومة أربيل، في بيان صحافي، الحكومة الاتحادية بدفع 384.6 مليار دولار تعويضاً لشعب إقليم كردستان عن أضرار ناجمة عن «جرائم النظام العراقي بين عامَي 1963 و2003»، وهي الفترة التي حكم فيها حزب البعث، منذ انقلابه العسكري على حكومة عبد الكريم قاسم وحتى الغزو الأميركي الذي أطاح به من الحكم.

وليست هذه المرة الأولى التي تطالب فيها أربيل بتعويضات، إذ سبق أن طالبت بالمبلغ نفسه، وفق بيان أصدرته عام 2013 وزارة شؤون المؤنفلين في حكومة الإقليم.

لماذا الآن؟

وعن سبب اختيار هذا التوقيت لتجديد المطالبة بالتعويضات، قال رئيس دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة كردستان العراق، جوتيار عادل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «أربيل لم تختر التوقيت، بل فرضته المفارقة المؤلمة في تعامل بغداد معها». وشدد عادل على أن «الحقوق الدستورية لا تسقط بالتقادم، لكن إثارة ملف التعويضات الآن تأتي لتذكير الشركاء في بغداد بأن شعب كردستان دائن للدولة العراقية بمليارات الدولارات عن دمار شامل وإبادة جماعية»، على حد تعبيره.

ووفق المتحدث الكردستاني، فإن «محاسبة بغداد للإقليم على الإيرادات النفطية وغير النفطية بدقة مجهرية، وتجاهل 4500 قرية مُسحت من الخريطة، هما أمران غير منطقيَّيْن»، في إشارة إلى التجمعات السكنية في كردستان التي تعرضت لحملة عسكرية عام 1988 وتُصنّف على أنها «إبادة جماعية».

وقال عادل: «في توقيت المطالبة بالتعويض رسالة مفادها: قبل أن تقلّصوا قوت شعبنا اليوم، تذكروا ديونكم التاريخية تجاهه». ونفى جوتيار عادل، بشكل قاطع، أن تكون مطالبة الإقليم بالتعويضات مناورة، مؤكداً أنه «ملف حقوقي مفتوح، ليس لإعجاز بغداد، بل لتحقيق العدالة».

جوتيار عادل رئيس دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة كردستان العراق (إعلام حكومي)

معضلة الموارد

تصر بغداد على تنفيذ اتفاقات تتعلّق بآليات توزيع موارد النفط والمنافذ الحدودية قبل صرف مستحقات الإقليم. وغالباً ما تختلط المسائل الفنية في هذا الملف الشائك بالمفاوضات السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة الاتحادية. وينص الدستور العراقي على أن إدارة النفط والغاز مشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة، مع توزيع الإيرادات بشكل عادل حسب التوزيع السكاني، وتخصيص حصص مؤقتة للمناطق المتضررة لضمان التنمية المتوازنة. وكان إقليم كردستان يصدّر النفط عبر ميناء جيهان دون موافقة بغداد، لكن الصادرات توقفت عام 2023 بقرار تحكيم دولي ألزم التصدير عبر شركة «سومو»، مما أدى إلى توترات مع الحكومة الاتحادية.

وعلى الرغم من التوصل لاتفاق في 2025 على تسليم نفط الإقليم، فإنه لم يُنفذ. ولجأت بغداد إلى قطع رواتب موظفي الإقليم بوصفه وسيلة ضغط، وهو ما رفضته حكومة الإقليم وعدّته انتهاكاً لحقوق المواطنين.

كرد عراقيون يستذكرون قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي خلال حكم الرئيس الراحل صدام حسين عام 1988 (أ.ف.ب)

كيف حُدد مبلغ التعويضات؟

وعن الآلية التي اتبعتها أربيل في تقدير مبلغ التعويضات، أوضح رئيس دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة كردستان العراق، أن «الرقم المعلن ليس اعتباطياً، بل هو تقدير علمي مبني على معايير دولية مشابهة لتلك التي اعتمدتها لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة في تعويض الكويت عن أضرار الغزو»، مشيراً إلى أن تلك الحسابات «تستند إلى حجم الضرر المتراكم والقيمة الحالية للنقد». وأضاف عادل أن حكومات ما بعد 2003 التزمت بدفع كامل التعويضات للكويت عن غزو صدام، وبدفع ديون نادي باريس التي استدانها صدام لشراء السلاح، «ما يدفع إلى الاستغراب من قبول بغداد وراثتها ديون صدام تجاه الخارج، في حين ترفض الأمر نفسه تجاه شعبها في الداخل».

تقدير الأضرار؟

تقول حكومة كردستان إنها أعدت ملفاً مفصلاً عن حجم الأضرار البشرية والمادية وكيفية احتسابها. ووفق نسخة من الملف حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن «النظام السابق تسبّب في تدمير أكثر من 250 ألف قرية وبلدة وناحية ومركز مدينة، وهدم 834 مدرسة، ونحو 1700 مكان عبادة، و350 مركزاً صحياً. كما تم القضاء على 24 مليون رأس من الماشية، إلى جانب أضرار جسيمة بقطاعات المياه والكهرباء والطرق». وقدّرت حكومة كردستان العراق «إجمالي التقدير المالي للأضرار المادية وحدها بنحو 33 مليار دولار». وفي حال رفض بغداد مطالب التعويض بدعوى أنها ليست مسؤولة عن جرائم ارتكبها نظام صدام حسين، قال جوتيار عادل، الذي يشغل موقعاً يوازي وزير الإعلام في حكومة كردستان العراق، إن من شأن ذلك «نسف شرعية الدولة العراقية الحالية، إذ إن القانون الدولي ينص على مبدأ الاستمرارية، والدولة الحالية وريث قانوني للجمهورية السابقة بجميع التزاماتها وديونها».


مقالات ذات صلة

وساطة أربيل في سوريا مرهونة بتحييد «العمال الكردستاني»

خاص جنود كرد على عربات عسكرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» يشيرون بعلامات النصر في الحسكة (أ.ب)

وساطة أربيل في سوريا مرهونة بتحييد «العمال الكردستاني»

تنشط في إقليم كردستان العراق وساطات لمنع التصعيد في شمال شرقي سوريا، لكن بعد طمأنة أنقرة ودمشق بتحييد أي تأثير سلبي محتمل لحزب «العمال الكردستاني».

هشام المياني (أربيل)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي (إ.ب.أ)

المفاوضات الكردية حول رئاسة العراق تدخل نفق الغموض

ما زال الغموض يهيمن على الجبهة الكردستانية في العراق، لجهة حسم منصب رئيس الجمهورية الذي يذهب تقليدياً إلى حزب «الاتحاد الوطني» بزعامة بافل طالباني.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي متظاهرون مؤيدون للكرد السوريين يشاركون في احتجاج في أربيل يوم 21 يناير 2026 (رويترز)

بارزاني يحذر من «المساس» بالكرد في كوباني

حذر رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني من أي «مساس» بمدينة كوباني، مؤكداً أنه سيبذل «كل ما بوسعه» للدفاع عن سكانها.

«الشرق الأوسط» (أربيل)
خاص الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

خاص رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

تزعم مصادر مقربة من قيادة «قسد» أن التباين لم يكن داخلياً بقدر ما كان في المقاربة الأميركية، بين رؤية قيادة التحالف الدولي، وما انتهى إليه المبعوث توم براك.

«الشرق الأوسط» (أربيل)
شؤون إقليمية صورة وزعتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» لإطلاق صاروخ إيراني باتجاه كردستان في سبتمبر 2022 (أ.ف.ب)

إيران تضرب مقراً لحزب كردي معارض وسط توتر الاحتجاجات

اتهم حزب «الحرية» الكردستاني الإيراني المعارض، الأربعاء، إيران بتنفيذ هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدف أحد مقاره في إقليم كردستان العراق.

«الشرق الأوسط» (لندن - أربيل)

القوات العراقية تخلي مقراً لفصيل مسلح جنوب بغداد

قوة من الجيش العراقي (أرشيفية - إعلام وزارة الدفاع)
قوة من الجيش العراقي (أرشيفية - إعلام وزارة الدفاع)
TT

القوات العراقية تخلي مقراً لفصيل مسلح جنوب بغداد

قوة من الجيش العراقي (أرشيفية - إعلام وزارة الدفاع)
قوة من الجيش العراقي (أرشيفية - إعلام وزارة الدفاع)

أخلت القوات الأمنية العراقية، يوم السبت، مقراً بمساحة واسعة تابعاً لفصيل «سرايا الجهاد والبناء» المنضوي ضمن «الحشد الشعبي» جنوب العاصمة بغداد، وفق ما أفاد مصدر أمني.

وقال المصدر إن الأرض التي تبلغ مساحتها نحو 10 آلاف متر مربع كان يشغلها اللواء 17 في الفصيل منذ عام 2014، وأضاف أن قراراً قضائياً وأوامر عليا صدرت بإخلاء الموقع، لكن الفصيل لم يستجب، مما اضطر القوات الأمنية لتطويق المقر وإخراج عناصره بالقوة.

تأتي هذه العملية بعد نحو سبعة أشهر من حادثة مشابهة في يونيو (حزيران) الماضي، حين اندلع اشتباك مسلح داخل دائرة حكومية تابعة لوزارة الزراعة في منطقة الدورة بين جناح من «كتائب حزب الله العراق» والقوات الأمنية، ما أسفر عن مقتل شخصين، أحدهما مدني، وإصابة 12 آخرين بجروح متفاوتة.

ويومها، أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، الهجوم على عناصر «كتائب حزب الله» المنتمين للواءين 45 و46 في الحشد الشعبي، وأوضح أنهم تحركوا دون أوامر رسمية واستخدموا السلاح ضد القوات الأمنية.

وأشار النعمان إلى أن الإجراء يندرج ضمن جهود «حصر السلاح بيد الدولة وفرض سلطة القانون»، مؤكداً أنه لا يهدف إلى استهداف أي جهة أو فرد بعينه.

ويرى مراقبون أن العملية تشير إلى قدرة الحكومة على مواجهة بعض الفصائل المسلحة رغم تزايد نفوذها السياسي، خصوصاً مع وجود نحو 80 نائباً مرتبطين بهذه الفصائل في البرلمان الحالي المكون من 329 مقعداً.

وقال رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، في تصريحات سابقة، إن وجود أي سلاح خارج مؤسسات الدولة غير مبرر، مؤكداً التزام الحكومة بالحفاظ على الاستقرار الأمني وإنهاء وجود التحالف الدولي لمحاربة «داعش» بعد انتهاء الحاجة إليه.

طيران مكثف

في سياق متصل، نقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني أن سماء شمال العراق شهدت تحليقاً جوياً مكثفاً لطائرات عسكرية بريطانية.

وذكر وكالة «شفق نيوز» أن «الطائرات العسكرية التي رصدت حركتها في تطبيقات الملاحة الجوية تعود للشحن والاستطلاع والاتصالات، وبعضها ينطلق من قاعدة أكروتيري في قبرص التي تعتبر أكبر قاعدة بريطانية في المنطقة».

وأضاف أن «الغرض من تحليق تلك الطائرات تزويد طائرات مراقبة ومسيرة بالوقود أو تعزيز الاتصالات»، مبيناً أن «المنطقة المتصلة من لبنان وصولاً إلى سوريا وتركيا وامتداداً للعراق حتى حدود إيران تشهد حركة نشطة للمراقبة والاستطلاع مؤخراً في ظل التصعيد المستمر والمناورات بين أميركا وإيران».


هدوء حذر على خطوط التماس في شمال سوريا

عناصر من «قسد» يصلون إلى مدينة عين العرب المعروفة أيضاً باسم كوباني والخاضعة لسيطرة الأكراد 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من «قسد» يصلون إلى مدينة عين العرب المعروفة أيضاً باسم كوباني والخاضعة لسيطرة الأكراد 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

هدوء حذر على خطوط التماس في شمال سوريا

عناصر من «قسد» يصلون إلى مدينة عين العرب المعروفة أيضاً باسم كوباني والخاضعة لسيطرة الأكراد 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من «قسد» يصلون إلى مدينة عين العرب المعروفة أيضاً باسم كوباني والخاضعة لسيطرة الأكراد 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

شهدت خطوط التماس بين الجيش السوري و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) على محاور الحسكة ورأس العين وعين العرب (كوباني) هدوءاً، عقب الإعلان عن التوصل إلى اتفاق جديد، إلا أن حالة من القلق لا تزال تسيطر على أجواء تلك المناطق، خشية فشل الاتفاق المزمع البدء في تنفيذه يوم الاثنين، وفق مصادر كردية في القامشلي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أحزاباً وقوى كردية مستقلة جاهزة للتعاون لتطبيق الاتفاق، ومناقشة الحكومة حول حقوق الشعب الكردي.

ورغم الارتياح الذي أشاعه إعلان الاتفاق، وما لاقاه من ترحيب دولي، فإن القلق ما زال يخيم على مناطق شمال سوريا.

قوات من «قسد» أكملت انسحابها إلى منطقة الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز)

وقال المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سوريا، زيد سفوك، لـ«الشرق الأوسط» إن «الاتفاق الأخير أعطى نوعاً من الطمأنينة مع حذر من الفشل مجدداً بسبب فقدان الثقة بين الأطراف المتصارعة من جهة، والتدخلات الدولية، والإقليمية، وأجنداتها من جهة أخرى»، لافتاً إلى أن القلق ما زال مسيطراً بفعل الأجواء التي كانت مشحونة بسبب التحريض، والتجييش الإعلامي بين العرب والكرد، وعدم الانضباط في عدة جبهات، وخرق الهدن، ما وضع الشارع في حالة ترقب وخوف من الفشل».

وعبّر سفوك عن ترحيب «الحركة الكردستانية المستقلة في سوريا» مؤكداً الترحيب «بكل خطوة تؤدي للسلام، وتنهي الحرب، وتهيئ الأجواء للحوار» من منطلق موقف الحركة الداعي للحوار على أنه سبيل وحيد إلى السلام، معرباً عن الاستعداد «كقوة سياسية كردية للتفاوض مع دمشق، وإنهاء جميع الإشكاليات، ومناقشة حقوق الشعب الكردي» لافتاً إلى أن «الرئاسة السورية بادرت بخطوات جريئة في المرسوم 13 الخاص بالكرد، والذي يفتح المجال للحوار بكل شفافية ونزاهة بعيداً عن الحرب، والخيارات العسكرية التي لن تجلب سوى الدمار لهذا البلد».

نازحون سوريون يفترشون الأرض في مسجد بمدينة القامشلي في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 29 يناير (رويترز)

وأكد سفوك أن الأحزاب والقوى، التي أعلنت موقفها المؤيد للاتفاق، جاهزة للتعاون، لا سيما المجلس الوطني الكردي، والحركة الكردستانية المستقلة، وأحزاب الوحدة الوطنية والتقدمية.

الاتفاق والتطبيق

قال وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، في تصريح لـ«تلفزيون سوريا» إن الاتفاق الحالي متمم لاتفاق 18 يناير (كانون الثاني)، وسوف يباشر مدير أمن الحسكة المعين مهامه الاثنين، كما أعلن أن الحكومة سوف تتسلم حقل رميلان والسويدية ومطار القامشلي خلال 10 أيام.

وحول طريق الدمج العسكري، قال إن عناصر «قسد» سيندمجون «فرادى في الألوية العسكرية التي ستتبع وزارة الدفاع».

قائد «قسد» مظلوم عبدي قال‏ إن الاتفاق يدخل التطبيق العملي الاثنين، وبموجبه تنسحب قوات «قسد» والقوات الحكومية من خطوط الاشتباك في كوباني، والجزيرة.

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح مظلوم عبدي قائد «قوات سوريا الديمقراطية» في دمشق 10 مارس 2025 (سانا)

ونفى عبدي في تصريحاته لقناة «روناهي» نيته تسلم أي منصب حكومي. وقال: «سأبقى بين شعبي وبجانبهم، وأعمل على تشكيل مرجعية سياسية للكرد في سوريا».

وأوضح عبدي أن «قوة محدودة من الأمن الداخلي ستدخل المربع الأمني في الحسكة والقامشلي من أجل التطبيق العملي لاتفاق الاندماج»، وأن القوى الأمنية المحلية «الأسايش» ستمارس مهامها في بسط الأمن داخل المناطق الكردية، كما سيتم العمل باستمرار على دمجهم في وزارة الداخلية السورية، كما أن الموظفين المحليين وسكان المناطق الكردية في كوباني والجزيرة سيديرون مناطقهم بأنفسهم، كما أن موظفي الإدارة الذاتية والمؤسسات الحكومية في المناطق الكردية سيبقون في وظائفهم، ويندمجون في الوزارات الحكومية المعنية.

وكانت حكومة دمشق أعلنت تعيين مروان العلي قائداً للأمن الداخلي في محافظة الحسكة، فيما لم يتم تسمية محافظ للحسكة، ومن المرجح أن يتم ذلك بالتوافق مع «قسد»، على أن يتم تعيين نائب لقائد الأمن العام من «قسد».

وأعلنت الحكومة و«قسد» الجمعة الاتفاق على وقف إطلاق نار شامل بين الجانبين، إضافة إلى التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية.

وينص الاتفاق وفق النص المشترك، الذي تم نشره من الجانبين، على انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار، وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة.

أحد أفراد قوات الأمن السورية يضع سلاحاً على الأرض بجوار أسلحة تم جمعها في الرقة بسوريا في 27 يناير 2025 (رويترز)

كما تم الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من «قسد» إضافة إلى تشكيل لواء لـ«قوات كوباني» (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب. وتضمن الاتفاق دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين. وأشار الاتفاق إلى تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

ويهدف الاتفاق إلى توحيد الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية، وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد.

ورحب بالاتفاق الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وحكومة إقليم كردستان العراق، وفرنسا، والسعودية، والأردن، ومصر، وقطر، وإسبانيا، وسويسرا، وهولندا، والنرويج، وإيطاليا، وألمانيا.

وناشد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش «جميع الأطراف العمل، بصورة عاجلة، لضمان تنفيذ الاتفاق، وخاصة فيما يتعلق بإدماج شمال شرقي سوريا بشكل سلمي، وضمان حقوق المواطنين السوريين الكرد، والعودة الآمنة والكريمة والطوعية للنازحين، والعمل معاً لإعادة إعمار البلاد».


بيروت تستعد لتوقيع اتفاقية مع دمشق للإفراج عن 300 سجين

عائلات الموقوفين اللبنانيين خلال اعتصام أمام السراي الحكومي في وسط بيروت للمطالبة بالإفراج عن السجناء (إ.ب.أ)
عائلات الموقوفين اللبنانيين خلال اعتصام أمام السراي الحكومي في وسط بيروت للمطالبة بالإفراج عن السجناء (إ.ب.أ)
TT

بيروت تستعد لتوقيع اتفاقية مع دمشق للإفراج عن 300 سجين

عائلات الموقوفين اللبنانيين خلال اعتصام أمام السراي الحكومي في وسط بيروت للمطالبة بالإفراج عن السجناء (إ.ب.أ)
عائلات الموقوفين اللبنانيين خلال اعتصام أمام السراي الحكومي في وسط بيروت للمطالبة بالإفراج عن السجناء (إ.ب.أ)

اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة على طريق إيجاد حلول جذرية لقضية المحكوم عليهم والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية تقضي بالإفراج عنهم على دفعات، خصوصاً أن حلها يطول واحدة من أهم المشكلات الشائكة العالقة بين البلدين، ويترتب عليه انفراج يفتح الباب أمام طي صفحة الماضي، وتعبيد الطريق لتعزيز الثقة، وبناء علاقات على أسس متينة لمصلحة البلدين إفساحاً في المجال أمام البحث بترسيم الحدود البرية والبحرية بينهما.

ووافق مجلس الوزراء في جلسته، يوم الجمعة، على مشروع الاتفاقية القضائية التي أعدّها وزير العدل عادل نصّار للبدء بالإفراج على مراحل عن المحكوم عليهم والموقوفين السوريين على نحو يُسهم في تخفيف الاكتظاظ في السجون والنظارات ومراكز التوقيف اللبنانية، لا سيما أنها تتلازم مع خطوات تُعدها وزارة العدل لتشمل السجناء والموقوفين اللبنانيين وبينهم ما يسمى «الإسلاميين».

تعاون لبنانية - سوري

كشف نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري أن الاتفاقية التي أقرها مجلس الوزراء هي نتيجة تعاون لبناني - سوري في لجنة مشتركة اجتمعت 6 مرات، وترأسها وزيرا العدل في البلدين للبدء بالإفراج عن السجناء والموقوفين السوريين على دفعات، وكلفت متري التوقيع عليها مع السلطات القضائية السورية المختصة، وقالت إن التوقيع سيتم، الأسبوع المقبل، على أن تصبح نافذة فور نشرها في الجريدة الرسمية، وتشمل نحو 300 سجين سوري ينتمي معظمهم إلى «جبهة النصرة»، وأمضوا في السجون اللبنانية 10 سنوات سجنية وما فوق، وإن الإجراءات للإفراج عنهم ستتم لاحقاً على دفعات.

وكشف متري لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس الوزراء تطرق أيضاً إلى السجناء السوريين الذين معظمهم لا يزالون قيد المحاكمة من دون أن تصدر بحقهم أحكام، على أساس أنهم محالون أمام محكمة الجنايات أو قاضي التحقيق، ولم يُنظر حتى الساعة في التهم الموجهة إلى معظمهم. وقال إن عددهم يقارب الـ2000 سجين سوري، وأكد أنه سيتم البحث في مصيرهم في وقت لاحق في ضوء العمل على إعداد اتفاقية قضائية لبنانية - سورية ثانية خاصة بهم وتحتاج لموافقة البرلمان اللبناني.

السجناء اللبنانيون

وبالنسبة إلى المحكوم عليهم والموقوفين اللبنانيين، أكد متري أن قضيتهم كانت موضع متابعة ومناقشة من قبل مجلس الوزراء لإيجاد المخارج القانونية للإفراج عمن يستوفي الشروط للإفراج عنه. وقال إن هناك هيئة استشارية في وزارة العدل أوكل إليها النظر في تخفيض الأحكام، وأن هناك ضرورة لتعزيز صلاحياتها بما يمكّنها من خفض مدة العقوبات وربما إلى النصف، خصوصاً أن العدد الأكبر منهم لا يزال موقوفاً ولم يُحل للمحاكمة، ويمكن الإفراج عنهم على دفعات آخذين في الحسبان سلوكهم طوال مدة توقيفهم، أو تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم، ويمكن خفض العقوبة.

عائلات الموقوفين في ملف معركة عبرا بين الجيش اللبناني والشيخ المتسدد أحمد الأسير يطالبون بالإفراج عنهم (إ.ب.أ)

وأكد أن قضية «الإسلاميين» الموقوفين حتى الآن بلا محاكمة مشمولة بما تقرره الهيئة الاستشارية؛ لأنه من غير الجائز الإبقاء عليهم موقوفين بلا محاكمة، ويعود للهيئة أن تقرر خفض العقوبة. وقال إن توقيف معظم «الإسلاميين» جاء على خلفية التهم الموجهة إليهم بانتمائهم لمنظمات إرهابية. ولفت إلى أن الحكومة تولي أهمية لإيجاد حلول جذرية للموقوفين بمن فيهم الإسلاميون؛ ما يسهم في تنفيس الاحتقان، وتحديداً في طرابلس والشمال، على أساس أن غالبيتهم ينتمون لهذه المناطق.

وكشف متري أن قضية الموقوفين اللبنانيين وُضعت على نار حامية، وأن مجلس الوزراء تبنّى اقتراح مشروع القانون الذي أعده في هذا الخصوص الوزير نصّار، وقال إن أمين عام مجلس الوزراء القاضي محمود مكيّة كُلّف بإحالته، الاثنين، على المجلس النيابي لمناقشته والتصديق عليه، بعد أن أبدى كل تجاوب بإقراره لما يترتب عن الإفراج عنهم من تبعات مالية وقضائية لا بد من معالجتها في مشروع القانون بعد التصديق عليه.

جلسة هادئة

وفي هذا السياق، أجمع عدد من الوزراء على أن الجلسة كانت هادئة بامتياز، وربما تكون واحدة من الجلسات التي لم تسجّل احتكاكاً أو تبايناً في العمق بين عدد من الوزراء، وأن تهديد أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم بالتدخل إسناداً لإيران، في حال قررت الولايات المتحدة الأميركية شن حرب عليها، لم يُدرج على جدول أعمالها، وغاب كلياً عن المداولات، رغم أن بعض القوى السياسية كانت قد ألمحت إلى أن وزراء يصنَّفون على خانة خصومة الحزب سيطلبون من الحكومة إصدار بيان رداً على ما قاله قاسم. وقالوا رداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما إذا كانت الاتصالات التي سبقت انعقاد الجلسة كانت وراء تهيئة الأجواء أمام سحب تهديده من التداول بغياب أي موقف مؤيد له، وتحديداً من رئيس المجلس النيابي نبيه بري وقياديين في حركة «أمل» آثروا عدم التعليق أسوة بامتناعهم عن تأييد الحزب لتفرّده بإسناده لغزة، وأكدوا أن حالة من الترقب سيطرت على الجلسة بانتظار ما ستؤول إليه التهديدات الأميركية، وأن الضرورة تقضي بالحفاظ على استقرار البلد، وعدم استدراجه للانزلاق نحو التصعيد السياسي، والدخول في متاهات هم في غنى عنها.

نساء يطالبن بالعفو العام الشامل عن الموقوفين والمحكوم عليهم في السجون اللبنانية (إ.ب.أ)

وبالنسبة لما تتناقله بعض وسائل الإعلام العربية والمحلية من مرئية ومسموعة ومكتوبة حول أن السلطات السورية تقدّمت رسمياً إلى لبنان بلائحة تضم أسماء 200 ضابط سوري من فلول النظام السابق موجودين على الأراضي اللبنانية، ويتحركون ضد النظام الحالي، طالبةً تسليمهم، فقد أكدت مصادر وزارية أن هده المعلومات عارية عن الصحة، ولا أساس لها، وهذا ما تأكد لنا، كما قالت لـ«الشرق الأوسط»، من الزيارات المتعددة للمسؤول عن الشق الأمني في العلاقات السورية بلبنان، العميد عبدالرحمن الدباغ، الذي التقى القيادات الأمنية والعسكرية اللبنانية وعلى رأسهم مدير الأمن العام اللواء حسن شقير، ومدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد طوني قهوجي.

وأكدت أنه لم يحمل معه أي لائحة في هذا الخصوص، وأن اللقاءات اللبنانية - السورية على جميع المستويات تطرقت في العموميات إلى مخاوف من وجود ضباط من فلول النظام السابق يقومون بتحضيرات لتهديد أمن واستقرار سوريا، وأن الرد اللبناني كان واضحاً بأن السلطات المعنية لن تسمح باستخدام أراضيها منصة للإساءة لأمن واستقرار سوريا، وأن حرصها الشديد يكمن في طي صفحة الماضي لمصلحة تمتين العلاقات على قاعدة تعزيز الثقة المتبادلة لإيجاد الحلول لما تبقى من مشكلات عالقة بعد إيجاد حل لقضية المحكوم عليهم والموقوفين السوريين، أبرزها ترسيم الحدود بين البلدين، وتطوير أوجه التعاون على نحو يخدم تطوير العلاقات والارتقاء بها إلى المستوى السياسي المطلوب.