أربيل تحمّل بغداد ديون صدام حسين... بأثر رجعي

مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: رفض دفع التعويضات ينسف شرعية الدولة العراقية

عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)
عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)
TT

أربيل تحمّل بغداد ديون صدام حسين... بأثر رجعي

عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)
عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)

بأثر رجعي، تطالب حكومة إقليم كردستان الحكومة الاتحادية بتعويضات عن جرائم نظام الرئيس الراحل صدام حسين بحق الكرد. وينظر إلى هذا التحرك الآن على أنه محاولة ضغط محسوبة من أربيل، تزامناً مع دعوات إلى مساءلتها عن إيراداتها الاقتصادية وآليات إدارتها.

والخميس الماضي، طالبت حكومة أربيل، في بيان صحافي، الحكومة الاتحادية بدفع 384.6 مليار دولار تعويضاً لشعب إقليم كردستان عن أضرار ناجمة عن «جرائم النظام العراقي بين عامَي 1963 و2003»، وهي الفترة التي حكم فيها حزب البعث، منذ انقلابه العسكري على حكومة عبد الكريم قاسم وحتى الغزو الأميركي الذي أطاح به من الحكم.

وليست هذه المرة الأولى التي تطالب فيها أربيل بتعويضات، إذ سبق أن طالبت بالمبلغ نفسه، وفق بيان أصدرته عام 2013 وزارة شؤون المؤنفلين في حكومة الإقليم.

لماذا الآن؟

وعن سبب اختيار هذا التوقيت لتجديد المطالبة بالتعويضات، قال رئيس دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة كردستان العراق، جوتيار عادل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «أربيل لم تختر التوقيت، بل فرضته المفارقة المؤلمة في تعامل بغداد معها». وشدد عادل على أن «الحقوق الدستورية لا تسقط بالتقادم، لكن إثارة ملف التعويضات الآن تأتي لتذكير الشركاء في بغداد بأن شعب كردستان دائن للدولة العراقية بمليارات الدولارات عن دمار شامل وإبادة جماعية»، على حد تعبيره.

ووفق المتحدث الكردستاني، فإن «محاسبة بغداد للإقليم على الإيرادات النفطية وغير النفطية بدقة مجهرية، وتجاهل 4500 قرية مُسحت من الخريطة، هما أمران غير منطقيَّيْن»، في إشارة إلى التجمعات السكنية في كردستان التي تعرضت لحملة عسكرية عام 1988 وتُصنّف على أنها «إبادة جماعية».

وقال عادل: «في توقيت المطالبة بالتعويض رسالة مفادها: قبل أن تقلّصوا قوت شعبنا اليوم، تذكروا ديونكم التاريخية تجاهه». ونفى جوتيار عادل، بشكل قاطع، أن تكون مطالبة الإقليم بالتعويضات مناورة، مؤكداً أنه «ملف حقوقي مفتوح، ليس لإعجاز بغداد، بل لتحقيق العدالة».

جوتيار عادل رئيس دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة كردستان العراق (إعلام حكومي)

معضلة الموارد

تصر بغداد على تنفيذ اتفاقات تتعلّق بآليات توزيع موارد النفط والمنافذ الحدودية قبل صرف مستحقات الإقليم. وغالباً ما تختلط المسائل الفنية في هذا الملف الشائك بالمفاوضات السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة الاتحادية. وينص الدستور العراقي على أن إدارة النفط والغاز مشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة، مع توزيع الإيرادات بشكل عادل حسب التوزيع السكاني، وتخصيص حصص مؤقتة للمناطق المتضررة لضمان التنمية المتوازنة. وكان إقليم كردستان يصدّر النفط عبر ميناء جيهان دون موافقة بغداد، لكن الصادرات توقفت عام 2023 بقرار تحكيم دولي ألزم التصدير عبر شركة «سومو»، مما أدى إلى توترات مع الحكومة الاتحادية.

وعلى الرغم من التوصل لاتفاق في 2025 على تسليم نفط الإقليم، فإنه لم يُنفذ. ولجأت بغداد إلى قطع رواتب موظفي الإقليم بوصفه وسيلة ضغط، وهو ما رفضته حكومة الإقليم وعدّته انتهاكاً لحقوق المواطنين.

كرد عراقيون يستذكرون قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي خلال حكم الرئيس الراحل صدام حسين عام 1988 (أ.ف.ب)

كيف حُدد مبلغ التعويضات؟

وعن الآلية التي اتبعتها أربيل في تقدير مبلغ التعويضات، أوضح رئيس دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة كردستان العراق، أن «الرقم المعلن ليس اعتباطياً، بل هو تقدير علمي مبني على معايير دولية مشابهة لتلك التي اعتمدتها لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة في تعويض الكويت عن أضرار الغزو»، مشيراً إلى أن تلك الحسابات «تستند إلى حجم الضرر المتراكم والقيمة الحالية للنقد». وأضاف عادل أن حكومات ما بعد 2003 التزمت بدفع كامل التعويضات للكويت عن غزو صدام، وبدفع ديون نادي باريس التي استدانها صدام لشراء السلاح، «ما يدفع إلى الاستغراب من قبول بغداد وراثتها ديون صدام تجاه الخارج، في حين ترفض الأمر نفسه تجاه شعبها في الداخل».

تقدير الأضرار؟

تقول حكومة كردستان إنها أعدت ملفاً مفصلاً عن حجم الأضرار البشرية والمادية وكيفية احتسابها. ووفق نسخة من الملف حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن «النظام السابق تسبّب في تدمير أكثر من 250 ألف قرية وبلدة وناحية ومركز مدينة، وهدم 834 مدرسة، ونحو 1700 مكان عبادة، و350 مركزاً صحياً. كما تم القضاء على 24 مليون رأس من الماشية، إلى جانب أضرار جسيمة بقطاعات المياه والكهرباء والطرق». وقدّرت حكومة كردستان العراق «إجمالي التقدير المالي للأضرار المادية وحدها بنحو 33 مليار دولار». وفي حال رفض بغداد مطالب التعويض بدعوى أنها ليست مسؤولة عن جرائم ارتكبها نظام صدام حسين، قال جوتيار عادل، الذي يشغل موقعاً يوازي وزير الإعلام في حكومة كردستان العراق، إن من شأن ذلك «نسف شرعية الدولة العراقية الحالية، إذ إن القانون الدولي ينص على مبدأ الاستمرارية، والدولة الحالية وريث قانوني للجمهورية السابقة بجميع التزاماتها وديونها».


مقالات ذات صلة

العراق يقترب من تشغيل خط كركوك - جيهان بطاقة 250 ألف برميل يومياً

الاقتصاد خط أنابيب كركوك-جيهان في ميناء جيهان التركي (رويترز)

العراق يقترب من تشغيل خط كركوك - جيهان بطاقة 250 ألف برميل يومياً

قال وزير ​النفط العراقي حيان عبد الغني إن ‌العراق يعمل ​على ‌تحديث ⁠خط ​أنابيب يسمح ⁠بضخ النفط مباشرة إلى ميناء جيهان التركي دون ⁠المرور عبر ‌إقليم كردستان.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي علم كردستان العراق أمام حقل نفط في الإقليم (رويترز)

حكومة إقليم كردستان العراق: بغداد تفرض علينا حصاراً اقتصادياً خانقاً

قالت حكومة إقليم كردستان العراق إن حكومة بغداد تفرض منذ مطلع شهر يناير (كانون الثاني) حصاراً اقتصادياً خانقاً على إقليم كردستان.

«الشرق الأوسط» (أربيل)
المشرق العربي عامل يفحص صمامات الأنابيب المرتبطة بخزانات النفط في ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط (رويترز)

هل تربط أربيل تصدير النفط العراقي بوقف هجمات الفصائل؟

أكدت وزارة النفط العراقية، الأحد، أن السلطات في إقليم كردستان رفضت السماح بعبور شحنات النفط الاتحادي عبر أنابيب الإقليم وصولاً إلى ميناء جيهان التركي.

فاضل النشمي (بغداد)
شؤون إقليمية مسلح تابع لحزب الحرية الكردستاني داخل منزل عائلي دُمّر بسبب الغارات في مخيم بأربيل (د.ب.أ)

مقتل عنصرين في حزب كردي إيراني معارض شمال العراق

قُتل عنصران في حزب مسلح إيراني كردي معارض يتمركز في شمال العراق في هجوم بالطيران المسيّر على أحد مقارّه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي تصاعد عمود من الدخان بعد اعتراض طائرة مسيّرة في أربيل يوم 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الحرب تتسع في العراق مع تزايد الهجمات على الغربيين

قُتل جندي فرنسي وأُصيب 6 آخرون، الخميس، في هجوم بطائرة مسيّرة استهدف قاعدة عسكرية على أطراف إقليم كردستان العراق.

«الشرق الأوسط» (أربيل - بغداد)

قتيل و4 جرحى من الجيش اللبناني في غارة إسرائيلية على جنوب البلاد

تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

قتيل و4 جرحى من الجيش اللبناني في غارة إسرائيلية على جنوب البلاد

تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)

أعلن الجيش اللبناني، اليوم الثلاثاء، مقتل أحد العسكريين الذين أُصيبوا في غارة إسرائيلية استهدفت منطقة قعقعية الجسر – النبطية في جنوب لبنان.

وكان الجيش قد أفاد في بيان سابق بإصابة خمسة عسكريين بجروح متفاوتة، اثنان منهم في حال خطرة، أثناء تنقلهم بواسطة سيارة ودراجة نارية، وقد نُقلوا إلى أحد المستشفيات لتلقي العلاج.

تأتي الغارة وسط تصاعد الهجمات الإسرائيلية على مناطق مختلفة من لبنان، والتي تقول السلطات اللبنانية إنها أسفرت عن مقتل أكثر من 880 شخصا وتشريد ⁠أكثر من مليون آخرين.وسجل ‌الجيش اللبناني ‌خسائر بشرية في الأيام ​القليلة الماضية، وهو ‌ما شمل واقعة في وقت ‌سابق من الشهر الجاري أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود في غارات إسرائيلية.

وأرسل الجيش الإسرائيلي، الذي احتل خمسة مواقع ‌في جنوب لبنان منذ وقف إطلاق النار مع حزب الله ⁠في ⁠نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، قوات إضافية إلى البلاد بعد أن أطلق «حزب الله» سلسلة من الصواريخ في الثاني من مارس (آذار)، مما جر لبنان إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية المتوسعة مع إيران.وحذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لبنان من أنه قد يواجه خسائر في ​أراضيه ما ​لم يتم نزع سلاح «حزب الله».


الأمم المتحدة تطالب «بوضع حد» للاستيطان في الضفة: نزوح 36 ألف فلسطيني

جنود إسرائيليون يتمركزون في رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
جنود إسرائيليون يتمركزون في رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
TT

الأمم المتحدة تطالب «بوضع حد» للاستيطان في الضفة: نزوح 36 ألف فلسطيني

جنود إسرائيليون يتمركزون في رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
جنود إسرائيليون يتمركزون في رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

حضّت الأمم المتحدة اليوم (الثلاثاء)، إسرائيل، على وضع حد فوري لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، ما يفاقم المخاوف من «التطهير العرقي» مع نزوح أكثر من 36 ألف فلسطيني خلال عام واحد.

وجاء في تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أن «نزوح أكثر من 36 ألف فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة (على فترة 12 شهراً)، يمثّل تهجيراً قسرياً للفلسطينيين على نطاق غير مسبوق... ويبدو أنه يشير إلى سياسة إسرائيلية منسّقة للنقل القسري الجماعي في جميع أنحاء الأرض المحتلة، بهدف التهجير الدائم، مما يثير مخاوف من التطهير العرقي».

وتتصاعد الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، تزامناً مع زيادة وتيرة أعمال الهدم والاعتداءات.

والشهر الماضي، حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن خطط الاستيطان والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية تهدد بتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية، وحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

وقال مكتب الأمم المتحدة إن المستوطنات تتوسع بوتيرة غير مسبوقة، وإن عمليات القوات الإسرائيلية في مناطق بالضفة يبدو أنها تمهيد لمشاريع استيطانية ضخمة.

اقرأ أيضاً


هيئة محلفين أميركية تُدين مسؤولاً سورياً من عهد الأسد بالتعذيب

مسؤول السجن السابق أمر مرؤوسيه بإلحاق ألم ‌ومعاناة جسدية ونفسية شديدة بالسجناء السياسيين (أرشيفية - رويترز)
مسؤول السجن السابق أمر مرؤوسيه بإلحاق ألم ‌ومعاناة جسدية ونفسية شديدة بالسجناء السياسيين (أرشيفية - رويترز)
TT

هيئة محلفين أميركية تُدين مسؤولاً سورياً من عهد الأسد بالتعذيب

مسؤول السجن السابق أمر مرؤوسيه بإلحاق ألم ‌ومعاناة جسدية ونفسية شديدة بالسجناء السياسيين (أرشيفية - رويترز)
مسؤول السجن السابق أمر مرؤوسيه بإلحاق ألم ‌ومعاناة جسدية ونفسية شديدة بالسجناء السياسيين (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة العدل الأميركية إن هيئة محلفين اتحادية في لوس أنجليس أدانت مسؤولاً حكومياً سورياً سابقاً، كان ​مديراً لسجن دمشق المركزي في عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، بتهمة التعذيب.

وقالت وزارة العدل، في بيان، أمس الاثنين، إن سمير عثمان الشيخ (73 عاماً) أُدين بتهمة واحدة بالتآمر لارتكاب التعذيب وثلاث تهم بالتعذيب لمشاركته في تعذيب نزلاء سجن عدرا، وهو الاسم الذي يُعرف به السجن المركزي باللغة الدارجة.

وأظهرت وثيقة قضائية أن الشيخ، الذي كان مدير ‌السجن من ‌عام 2005 إلى عام 2008، دفع ببراءته. ​وأعرب ‌فريقه ⁠القانوني، ​أمس، عن «خيبة ⁠أمل» من الحكم، وقال إن الشيخ «سيسلك جميع سبل الاستئناف وطعون ما بعد المحاكمة».

وذكرت الوزارة أن هيئة المحلفين أدانت الشيخ أيضاً بالكذب على سلطات الهجرة الأميركية بشأن ارتكابه هذه الجرائم، والحصول على بطاقة إقامة خضراء، ومحاولة الحصول على الجنسية الأميركية عن طريق الاحتيال.

ووجهت إليه اتهامات في أواخر عام 2024، وقال ⁠ممثلو الادعاء العام إنه أمر مرؤوسيه بإلحاق ألم ‌ومعاناة جسدية ونفسية شديدة بالسجناء السياسيين ‌وغيرهم. وذكرت وزارة العدل الأميركية أنه ​كان يشارك بنفسه أحياناً في ‌هذه الأفعال.

وقالت الوزارة إن التعذيب كان يهدف إلى ردع ‌الناس عن معارضة حكومة الأسد.

وقال ممثلو الادعاء إن الشيخ، الذي شغل مناصب في الأجهزة الأمنية، كان مرتبطاً بحزب البعث السوري الذي ينتمي إليه الأسد، وعينه الرئيس المخلوع محافظاً لدير الزور في عام 2011.

وقالت ‌وزارة العدل إن الشيخ يواجه عقوبة قصوى تصل إلى 20 عاماً في السجن لكل تهمة ⁠من ⁠تهم التعذيب الثلاث وتهمة التآمر لارتكاب التعذيب.

وأضافت الوزارة أنه يواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن 10 سنوات لكل تهمة من تهم الاحتيال في مسألة الهجرة ومحاولة الحصول على الجنسية، وسيبقى رهن الاحتجاز في الولايات المتحدة في انتظار صدور الحكم عليه في موعد تحدده المحكمة.

ووضعت المعارضة السورية حداً لحكم عائلة الأسد الذي استمر لأكثر من 50 عاماً في أواخر عام 2024 عقب تقدم خاطف. وأسفرت الحرب الأهلية التي استمرت لأكثر من عقد عن مقتل مئات الآلاف، وأشعلت أزمة لاجئين، ​وحولت مدناً إلى ركام.

وتولى ​الرئيس أحمد الشرع الحكم بعد الإطاحة بالأسد وسعى إلى تحسين العلاقات مع الغرب.