سجناء «داعش» بين حسابات الأمن وتقاطعات السياسة في العراق

عبء أمني حدودي يتحول إلى تحدٍّ سياسي داخلي

ينتشر حرس الحدود العراقي على طول الحدود السورية في ظل تشديد الإجراءات الأمنية (أ.ب)
ينتشر حرس الحدود العراقي على طول الحدود السورية في ظل تشديد الإجراءات الأمنية (أ.ب)
TT

سجناء «داعش» بين حسابات الأمن وتقاطعات السياسة في العراق

ينتشر حرس الحدود العراقي على طول الحدود السورية في ظل تشديد الإجراءات الأمنية (أ.ب)
ينتشر حرس الحدود العراقي على طول الحدود السورية في ظل تشديد الإجراءات الأمنية (أ.ب)

يحتل ملف عناصر تنظيم «داعش»، المنقولين من السجون الواقعة شمال شرقي سوريا إلى العراق، موقعاً متقدماً في المشهدين الأمني والسياسي في بغداد، بالتزامن مع حراك مكثف لتشكيل الحكومة المقبلة وحسم هوية رئيس الوزراء.

ودخل الملف، الذي ظلَّ لسنوات يناقَش في أُطر أمنية وفنية ضيقة، دائرة التفاعل السياسي الأوسع، بعد خطوات عراقية للتعامل مع قضية نقل عدد من هؤلاء السجناء إلى داخل الأراضي العراقية، بالتنسيق مع أطراف دولية معنية بالملف. ويُنظَر إلى هذا التطور بوصفه تحركاً ذا أبعاد أمنية مباشرة، لكنه، في الوقت نفسه، تقاطع مع مناخ سياسي داخلي يتسم بحساسية عالية.

ودعا رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقية محمد شياع السوداني، الجمعة، في مكالمة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، «دول العالم، ولا سيّما دول الاتحاد الأوروبي» إلى استعادة مواطنيها من معتقلي «تنظيم الدولة الإسلامية»، بعد نقلهم من سوريا إلى العراق.

أحد أفراد حرس الحدود العراقي في نقطة مراقبة على طول الحدود السورية بسنجار 22 يناير 2026 (أ.ب)

من عبء حدودي إلى تحدٍّ داخلي

طوال الفترة الماضية، كان وجود آلاف من عناصر التنظيم في سجون تقع خارج السيطرة العراقية المباشرة يُعد مصدر قلق أمني دائم لبغداد، نظراً لقرب تلك السجون من الحدود العراقية السورية، وطبيعة الأوضاع غير المستقرة في المنطقة. ومع نقل عدد منهم إلى العراق، انتقل التحدي من كونه مرتبطاً بالمخاطر العابرة للحدود إلى ملف داخلي يتطلب ترتيبات أمنية وقضائية ولوجستية معقدة.

وتؤكد الجهات العراقية المعنية أن التعامل مع هذا الملف يندرج ضمن مسؤوليات الدولة فيما يتعلق بمواطنيها أو مَن ارتكبوا جرائم على أراضيها، إضافة إلى تقليل مخاطر أي انهيار أمني محتمَل في أماكن الاحتجاز خارج الحدود.

في المقابل، تبرز تساؤلات داخل الأوساط السياسية حول الكلفة الأمنية والانعكاسات المجتمعية والقدرة على إدارة هذا الملف على المدى الطويل.

تقاطع أمني سياسي

وتزامن تحريك ملف السجناء مع مرحلة حساسة من المفاوضات بين القوى السياسية داخل تحالف «الإطار التنسيقي» بشأن تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء.

ورغم أن الملف في جوهره أمني، لكن توقيته جعله حاضراً في النقاشات السياسية، ولا سيما مع صدور مواقف دولية رحّبت بالخطوات العراقية لرئيس الحكومة محمد شياع السوداني في هذا الاتجاه، مقابل متابعة إقليمية حذِرة لتطورات المشهد السياسي في بغداد.

وثمَّن المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، نيابة عن الرئيس الأميركي ووزير الخارجية، الجمعة، ما وصفه بالقيادة الاستثنائية لبغداد واستعدادها الراسخ للمساهمة في حماية المجتمع الدولي من التهديد المستمر الذي يشكله معتقلو التنظيم.

وتنظر بعض القوى إلى التعامل مع ملف سجناء «داعش» بوصفه اختباراً لقدرة الحكومة العراقية على إدارة ملفات معقدة، بالتنسيق مع المجتمع الدولي، بينما تراه أطراف أخرى ملفاً شديد الحساسية يجب أن يُعالَج بعيداً عن الضغوط السياسية أو الرسائل المتبادلة بين العواصم المؤثرة في الشأن العراقي.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يلتقي المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك في بغداد 22 يناير 2026 (رويترز)

حسابات داخلية معقدة

داخلياً، لا ينفصل الجدل حول السجناء عن المخاوف المرتبطة بإعادة تنشيط الخلايا المتطرفة أو استهداف السجون ومحاولات الهروب، وهي سيناريوهات سبق أن شهدها العراق في مراحل سابقة، لذلك يتركز النقاش الأمني حول جاهزية المنظومة الاستخبارية، وتأمين مراكز الاحتجاز، وتسريع الإجراءات القضائية الخاصة بالمتهمين.

سياسياً، يحرص أغلب الأطراف على تجنب الظهور بموقفٍ قد يُفهم على أنه تهاون في ملف الإرهاب، وفي الوقت نفسه تتباين تقديراتها حول توقيت وخطوات إدارة هذا الملف، خصوصاً في ظل مرحلة انتقال سياسي لم تُحسم نتائجها بعد.

ويعكس الملف أيضاً طبيعة التوازن الذي تحاول بغداد الحفاظ عليه بين الاستجابة لاعتبارات الأمن الدولي، وبين تأكيد أن قراراتها تنطلق من حسابات السيادة والمصلحة الوطنية. فالدول المعنية بملف المقاتلين الأجانب وتنظيم «داعش» عموماً تدفع باتجاه حلول دائمة، في حين تسعى الحكومة العراقية إلى تفادي أن يتحول العراق مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتداعيات صراعات إقليمية ودولية.

بهذا المعنى، لم يعد ملف سجناء «داعش» مجرد قضية أمنية معزولة، بل بات عقدة تتداخل فيها اعتبارات الحدود والسيادة، والجاهزية الأمنية، والتجاذبات السياسية الداخلية، والاهتمام الدولي المستمر بملف التنظيم.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
خاص صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب) p-circle 03:03

خاص «داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

تشكل الأشهر القادمة مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة وأجهزتها الأمنية وتنظيم «داعش».

سلطان الكنج
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل... 4 مارس الحالي (أرشيفية - أ.ف.ب)

دوي انفجار قرب مطار أربيل في كردستان العراق

دوّى انفجار صباح اليوم (الثلاثاء) قرب مطار أربيل الدولي الذي يستضيف قوات تابعة للتحالف الدولي.

«الشرق الأوسط» (أربيل (العراق))

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
TT

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس (آب) عام 2013.

وقال خطاب، في تدوينة عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المسؤولين عن (مجزرة الكيماوي) في الغوطة الشرقية عام 2013 بات اليوم في قبضة إدارة مكافحة الإرهاب».

ما نعرفه عن عدنان حلوة

وفق وسائل إعلام محلية، فإن عدنان حلوة كان المسؤول عن منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، ونائب مدير إدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

اتُّهم حلوة بضلوعه خلال الثورة في إطلاق صواريخ «سكود» تجاه مدن الشمال السوري خلال عمله نائباً لإدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

وكان مسؤولاً في الوحدتين «155» و«157»، اللتين ارتكبتا انتهاكات ضد المدنيين واستخدمت الصواريخ والأسلحة الكيماوية ضدهم.

وأصبح بعد ذلك المسؤول العسكري في منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، وكان مسؤولاً عن إدارة الحواجز العسكرية في المنطقة، المتهمة باحتجاز وإخفاء مئات المدنيين.

وشارك الحلوة ضمن وفد النظام السوري في مفاوضات آستانة عام 2017، وهو ضمن 13 شخصية سمتهم الولايات المتحدة الأميركية مسؤولين عن جرائم قتل ضد المدنيين.

وُضع على قائمة العقوبات الأوروبية في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2016.

«مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية

وقعت المجزرة بمنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس 2013، في هجوم أسفر عن مقتل أكثر من 1400 مدني بينهم مئات الأطفال والنساء.

وفي ذلك اليوم، استيقظ السوريون من أهالي عدد من بلدات الغوطة الشرقية على مشهد لمئات الجثث في الشوارع والمنازل لأشخاص قتلوا بغاز «السارين» السام، في واحدة من أعنف المجازر التي ارتكبتها قوات نظام الأسد بحق المدنيين على مدار سنوات الحرب.

ووفق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فإن نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد نفذ 217 هجوماً بأسلحة كيمياوية ضد مناطق سكنية كانت تحت سيطرة المعارضة في سوريا منذ بدأت الثورة عام 2011.

القبض على «سفاح التضامن» قبل أيام

يأتي هذا الإعلان بعد أيام من إعلان وزارة الداخلية القبض على أمجد يوسف، الملقب «سفاح التضامن»، وذلك بعملية أمنية في منطقة سهل الغاب بريف حماة.

والثلاثاء، نشرت وزارة الداخلية السورية على منصاتها، مقطع فيديو يظهر جانباً من تحقيقات مع 3 طيارين بالنظام السوري السابق، بينهم ميزر صوان الملقب «عدو الغوطتين»، الذي قال إن أمر القصف كان يأتي من الرئيس المخلوع بشار الأسد.


اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.