خلاف أميركي - إسرائيلي يتعمّق حول «سوريا الجديدة»

واشنطن تدفع نحو التعاون الأمني مع دمشق

قوات الجيش الإسرائيلي تتوغل في قرية صيدا الحانوت وتعتقل مواطناً من عين القاضي بريف القنيطرة الجنوبي الأربعاء (سانا)
قوات الجيش الإسرائيلي تتوغل في قرية صيدا الحانوت وتعتقل مواطناً من عين القاضي بريف القنيطرة الجنوبي الأربعاء (سانا)
TT

خلاف أميركي - إسرائيلي يتعمّق حول «سوريا الجديدة»

قوات الجيش الإسرائيلي تتوغل في قرية صيدا الحانوت وتعتقل مواطناً من عين القاضي بريف القنيطرة الجنوبي الأربعاء (سانا)
قوات الجيش الإسرائيلي تتوغل في قرية صيدا الحانوت وتعتقل مواطناً من عين القاضي بريف القنيطرة الجنوبي الأربعاء (سانا)

يشهد الملف السوري تحولاً لافتاً في المقاربة الأميركية بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث باتت واشنطن تدفع نحو توسيع التعاون الأمني مع دمشق الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. هذا المسار، الذي يهدف إلى مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة وتحقيق الاستقرار، يتصادم حالياً مع نهج إسرائيل الميداني المندفع؛ ما يكشف عن خلاف آخذ في الاتساع بين الحليفين التقليديين حول مستقبل الدولة السورية.

جانب من لقاء ترمب ونتنياهو بالبيت الأبيض يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وخلال مؤتمر خُصّص لتقييم المرحلة الجديدة في سوريا، وضع قائد القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) الأدميرال براد كوبر، مستقبل التعاون مع دمشق في صدارة النقاش حول السياسة الأميركية تجاه «سوريا ما بعد الأسد».

وشدد كوبر على أن واشنطن تعمل «بشكل متزايد» مع الجيش السوري لمواجهة تهديدات أمنية مشتركة، مؤكداً، أن دمج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) داخل الجيش السوري سيعزّز الاستقرار الداخلي، ويُحسّن قدرات الدولة على ضبط الحدود وملاحقة تنظيم «داعش».

الرئيس الشرع مستقبلاً قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس برّاك (الرئاسة السورية)

وأشار كوبر إلى أن القوات الأميركية قدّمت منذ أكتوبر (تشرين أول) الماضي «المشورة والمساعدة والتمكين» للسلطات السورية في أكثر من 20 عملية ضد (داعش)، وإحباط شحنات أسلحة متجهة إلى (حزب الله)»، لافتاً إلى أن هذه المكاسب «لا تتحقق إلا عبر تنسيق وثيق مع القوات الحكومية السورية».

لكن هذا المسار الذي تتبنّاه واشنطن يتقاطع حالياً مع خلاف آخذ في الاتساع بينها وبين تل أبيب حول ملامح «سوريا الجديدة»، وفق ما كشفت عنه صحيفة «وول ستريت جورنال». فقد رصدت تناقضاً نادراً بين البلدين حول مستقبل الدولة السورية بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد، في وقت يدفع فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب نحو مسار منفتح على دمشق، بدعم سعودي - تركي. فقد رفع العقوبات عن الرئيس أحمد الشرع، واصفاً إياه بأنه «شاب مقاتل يقوم بعمل جيد»، في إشارة إلى استعداد واشنطن لتغيير جذري في سياستها.

ترمب والشرع في البيت الأبيض 10 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

وأشارت الصحيفة إلى أنه على النقيض من التوجه الأميركي، سارعت إسرائيل بعد الانهيار السريع للنظام السابق إلى تثبيت وجود عسكري في جنوب سوريا، مسيطرة على مساحة تُقدّر بـ250 كيلومتراً مربعاً. وتحولت هذه المنطقة نقطة انطلاق لسياسة توسّع أمني شملت اعتقالات، ومصادرة أسلحة، وتنفيذ غارات داخل الأراضي السورية، وصولاً إلى استهداف مقر القيادة العسكرية في دمشق بذريعة حماية الطائفة الدرزية.

وتُرجِع الصحيفة هذا النهج الميداني المندفع إلى تحوّل في العقلية الأمنية الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر 2023. فصانعو القرار في تل أبيب باتوا مقتنعين بأن أي تنازل أمني قد يشكّل ثغرة خطيرة.

ويشير يعقوب أميدرور، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، إلى أن «اتخاذ القرارات من واشنطن أسهل بكثير من اتخاذها من مرتفعات الجولان»؛ ما يعكس رغبة إسرائيل في تأمين مصالحها بشكل أحادي.

القوات الإسرائيلية في بيت جن بريف دمشق الجمعة الماضي (الجيش الإسرائيلي)

وبينما تعمل الإدارة الأميركية على رعاية مفاوضات أمنية بين دمشق وتل أبيب بهدف إنهاء الخلاف السوري - الإسرائيلي بالتوازي مع محاولات التهدئة في غزة وأوكرانيا، يدعو ترمب تل أبيب إلى «حوار قوي وصادق» مع دمشق.

لكن هذه الجهود اصطدمت بعقبات أساسية، أبرزها، رفض الشرع المطالب الإسرائيلية بإقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد من جنوب دمشق حتى الحدود؛ لما قد تسببه من فراغ أمني كبير.

وتُحذّر أصوات مؤثّرة داخل إسرائيل من الإفراط في استخدام القوة؛ خشية أن تصطدم سياسات الحكومة برغبة واشنطن في إعادة تأهيل الدولة السورية الجديدة وتقريبها من منظومة «اتفاقات إبراهيم».

ويقترح بعض الخبراء الإسرائيليين قبول صيغة أمنية تسمح بانتشار الجيش السوري بالقرب من الحدود مقابل منع الأسلحة الثقيلة والقوات التركية، والانتقال من «استعراض القوة العسكرية إلى بناء القوة الدبلوماسية». ويتوقع دبلوماسيون أن يشبه أي اتفاق مرتقب صيغة 1974 التي أرست منطقة فصل للقوات، مع تعديلات تناسب المرحلة الجديدة.

الوحدات الأمنية بإدلب تستهدف خلايا تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي في منطقة الدانا يوم الاثنين (سانا)

وتضيف الصحيفة أن الخلافات السياسية ترافقت مع توترات ميدانية متزايدة، أبرزها اشتباكات في بلدة بيت جن بعد دخول قوات إسرائيلية لاعتقال مطلوبين؛ ما أدى إلى سقوط قتلى سوريين وجرحى إسرائيليين. وزادت الاحتفالات الشعبية في دمشق بذكرى «سقوط الأسد»، التي شملت حرق أعلام إسرائيل، من حدّة الاحتقان.

وتتهم إسرائيل الحكومة السورية بزيادة «النبرة العدائية»، في حين يتهم الشرع تل أبيب بتوسيع منطقتها العازلة و«الهروب من مسؤولياتها» في غزة. ووفق مسؤولين أميركيين، فإن استمرار النهج الإسرائيلي الحالي يدفع دمشق نحو مزيد من التقارب مع تركيا، الخصم الإقليمي لتل أبيب.

وتؤكد «وول ستريت جورنال» أن الخلاف الأميركي - الإسرائيلي حول سوريا ليس مسألة عابرة، بل هو اختبار لصلابة التحالف التقليدي في منطقة تتشكل ملامحها من جديد. فـ«سوريا الجديدة» تبدو ساحة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط، وسط سياسة أميركية تحاول الجمع بين مكافحة الإرهاب، وإعادة بناء الدولة السورية، ورسم صيغة أمنية جديدة بين دمشق وتل أبيب.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي تجمع الأهالي حول مقبرة الكم الصيني الجماعية التي كشفتها الأمطار في الحسكة شمال شرقي سوريا (مديرية إعلام الحسكة)

السيول تكشف المقابر الجماعية في الحسكة

كشفت السيول التي شهدتها المحافظات الشرقية مؤخراً عن عدد من المقابر الجماعية في منطقة الشدادي، جنوب الحسكة، شمال شرقي سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يغادر مقر رئاسة الوزراء البريطانية عقب اجتماع مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بلندن 31 مارس 2026 (د.ب.أ)

الشرع يلتقي الملك تشارلز وستارمر خلال زيارته بريطانيا

استقبل الملك البريطاني تشارلز الثالث، الثلاثاء، الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر باكنغهام، والتقى الشرع أيضاً برئيس الوزراء كير ستارمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا اجتماع الشرع ورئيس الوزراء البريطاني في مقر الحكومة بداوننغ ستريت بحضور مسؤولين من الطرفين (حساب الرئاسة السورية)

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود ويشيد بجهود التصدي لـ«داعش»

ذكر مكتب رئيس ​الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الثلاثاء)، أنه بحث مع الرئيس السوري ‌أحمد ‌الشرع، خلال ​اجتماع ‌في ⁠لندن، ​قضايا الهجرة.

«الشرق الأوسط» (لندن - دمشق)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يرفع العلم السوري فوق مبنى السفارة في العاصمة البريطانية لندن أكتوبر 2025 (حساب الخارجية)

الرئيس السوري في لندن... فماذا تتوقع الجالية السورية من الزيارة؟

الجاليات السورية حول العالم شريك فاعل في جهود إعادة البناء، والتنمية، وقد أظهرت التزاماً واضحاً في دعم إعادة الإعمار، والمساعدة في تسريع التعافي

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسرائيل ترسم معالم «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
TT

إسرائيل ترسم معالم «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)

ترسم إسرائيل معالم «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان، في ظل تصعيد ميداني متدرّج وتوسّع نحو البقاع الغربي، بما يعكس تحوّلاً في مسار العمليات. وفي هذا السياق، شدد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، على أن «وقف إطلاق النار لن يكون إلا بقرار مستقل من إسرائيل»، فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، نية إقامة «منطقة عازلة» حتى نهر الليطاني.

وأشار مصدر مطّلع إلى تركيز العمليات على بلدات جنوب البقاع الغربي؛ «نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية».

في المقابل، كشف مصدر أمني عن أن الجيش اللبناني دخل في «مطلع عام 2025 منشأة عسكرية كبيرة بين بلدتي جويا وعيتيت»، حيث تبيّن وجود «مخارط كبيرة للفّ الصواريخ تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات»، مشيراً إلى أن «حزب الله» يعمل على تصنيع مسيّرات وعبوات وتعديل ذخيرة، إلى جانب تجهيز منصات إطلاق واستخدام أنفاق ميدانية.


اختطاف صحافية أميركية في بغداد

الصحافية المختطفة في العراق شيلي كيتلسون (من أرشيف كيتلسون)
الصحافية المختطفة في العراق شيلي كيتلسون (من أرشيف كيتلسون)
TT

اختطاف صحافية أميركية في بغداد

الصحافية المختطفة في العراق شيلي كيتلسون (من أرشيف كيتلسون)
الصحافية المختطفة في العراق شيلي كيتلسون (من أرشيف كيتلسون)

اختطف مسلحون مجهولون، مساء أمس، الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون وسط بغداد.

وأفادت مصادر أمنية عراقية لـ«الشرق الأوسط» بأن مسار تحرك الخاطفين يرجّح نقل كيتلسون إلى بلدة جرف الصخر، التي تعدّ من أبرز معاقل الفصائل الموالية لإيران.

وأعلنت وزارة الداخلية أن قواتها تعقبت الخاطفين وحاصرت إحدى عرباتهم، ما أتاح اعتقال أحد المتورطين. ووفق مصادر أمنية، فإن المعتقل «منتسب إلى جهة أمنية»، ويُعتقد أنه كان ضمن فريق الحماية الخاص بالصحافية.


ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود

رئيس الوزراء ستارمر مستقبلا الرئيس الشرع أمس (رويترز)
رئيس الوزراء ستارمر مستقبلا الرئيس الشرع أمس (رويترز)
TT

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود

رئيس الوزراء ستارمر مستقبلا الرئيس الشرع أمس (رويترز)
رئيس الوزراء ستارمر مستقبلا الرئيس الشرع أمس (رويترز)

بحث الرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائهما في لندن أمس، تعزيز العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.

وقال ‌متحدث ​باسم ‌«داوننغ ستريت» ‌إن ستارمر رحَّب بالخطوات التي تتخذها الحكومة ‌السورية ضد تنظيم «داعش»، وبالتقدم المحرَز في التعاون الثنائي في مجال مكافحة الإرهاب. وتناول الطرفان كذلك قضايا أوسع نطاقاً تتعلق باستقرار ​المنطقة والقضايا ​الاقتصادية والهجرة وتأمين الحدود.

وأفادت رئاسة الجمهورية السورية، في تدوينتين على حسابها بمنصة «إكس»، بأن الشرع التقى خلال زيارته الرسمية إلى المملكة المتحدة، رئيس الوزراء ستارمر، بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الاقتصاد نضال الشعار، وأكدا «أهمية تطوير التعاون في مجالات التنمية والاستثمار»، كما تطرقا إلى «مستجدات القضايا الإقليمية والدولية».