سيول وأمطار غزيرة تودي بحياة مواطنين اثنين وطفلة بالعراق

بغداد توجّه بتوفير متطلبات الإغاثة للسكان في كردستان

جسر تضرر نتيجة السيول في طوز خورماتو على الطريق بين بغداد وكركوك الأربعاء (رويترز)
جسر تضرر نتيجة السيول في طوز خورماتو على الطريق بين بغداد وكركوك الأربعاء (رويترز)
TT

سيول وأمطار غزيرة تودي بحياة مواطنين اثنين وطفلة بالعراق

جسر تضرر نتيجة السيول في طوز خورماتو على الطريق بين بغداد وكركوك الأربعاء (رويترز)
جسر تضرر نتيجة السيول في طوز خورماتو على الطريق بين بغداد وكركوك الأربعاء (رويترز)

تسببت الأمطار الغزيرة والسيول في مقتل مواطنَين اثنين وطفلة واحدة، إلى جانب إصابة عدد من المواطنين، في محافظة كركوك شمال العراق؛ مما دفع برئيس الحكومة، محمد شياع السوداني، إلى إصدار توجيهات بتوفير متطلبات الإغاثة للمواطنين في المناطق المتضررة.

وهطلت في اليومين الماضيين أمطار غزيرة في معظم مناطق البلاد، وتركزت شِدّتها في المناطق الشمالية، بعد سنوات من الجفاف الشديد؛ مما أنعش الآمال بموسم شتوي غزير يغطي حاجة البلاد من المياه، ويحوّل الفائض إلى السدود والبحيرات التي تراجعت مخزوناتها خلال فصل الصيف الماضي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 90 عاماً، وفق وزارة الموارد المائية. وأدى هذا التراجع إلى نقص شديد في إمدادات المياه، واضطرت السلطات إلى تقليص الخطط الزراعية إلى حدها الأدنى وتركيز الجهود على أولوية توفير مياه الشرب للسكان.

مياه الأمطار والسيول غمرت شوارع النجف وسط العراق الأربعاء (أ.ف.ب)

وفي حين قدم رئيسا الإقليم والحكومة في كردستان، نيجيرفان بارزاني ومسرور بارزاني، التعزية في وفاة المواطنَين والطفلة بناحية ليلان بمحافظة كركوك جراء السيول والأمطار، وجّه رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، الأربعاء، بتوفير جميع متطلبات الإغاثة لأبناء إقليم كردستان نتيجة السيول.

وذكر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، في بيان، أن السوداني «وجّه (المركز الوطني لإدارة الأزمات والكوارث) في وزارة الداخلية، والجهات المختصة بتقديم المساعدة والدعم، ووزارة المالية بتخصيص مبلغ طوارئ؛ لتوفير جميع متطلبات الإغاثة التي يحتاجها أبناء شعبنا في إقليم كردستان العراق».

وفي توجيه لاحق، قال بيان من رئاسة الوزراء إن السوداني «تابع بحرص كبير مع القيادة (العسكرية) والجهات ذات العلاقة، أحوال المواطنين والمناطق التي شهدت موجة من الأمطار والسيول؛ مما أدى إلى غرق بعضها وتضرر أخرى، بالإضافة إلى محاصرة عدد من المواطنين نتيجة هذه السيول، خاصة في محافظات كركوك وصلاح الدين وأربيل والسليمانية ومناطق أخرى».

وأمر السوداني، وفق البيان، بـ«فتح مقر متقدم من خلال (مركز إدارة الأزمات والكوارث) بين محافظتي كركوك وصلاح الدين بإمرة ممثلين عن الجهات المختصة، من بينها (الهندسة العسكرية) و(هندسة الحشد الشعبي) ودوائر الطرق والجسور، وبتنسيق مع الحكومات المحلية والقيادات الأمنية في تلك المناطق».

ووجه أيضاً بـ«تأمين طائرات من قيادة طيران الجيش للقيام بعمليات إجلاء فور تحسن الأجواء، بالتزامن مع الشروع في فتح الطرق وترميم بعض الجسور المتضررة، وتوفير كل ما من شأنه تسهيل حركة المواطنين في هذه المناطق».

وتسببت الأمطار والسيول في غرق مناطق واسعة شمال البلاد، وتضرر كثير من الطرق والجسور؛ الأمر الذي أعاق حركة العبور والتنقل في بعض تلك المناطق. ويُتوقع أن تستمر موجة الأمطار حتى الأسبوع المقبل.

سيول غمرت شوارع النجف وسط العراق الأربعاء (أ.ف.ب)

وتقدمت مديرية الدفاع المدني، في وقت سابق، بـ5 وصايا وتحذيرات للمواطنين تزامناً مع الحالة الجوية وتوقعات هطول الأمطار، ضمنها تجنب السفر بين المحافظات إلا للضرورة القصوى.

تعزيز الموارد المائية

بدورها، أكدت وزارة الموارد المائية أن موجة الأمطار الغزيرة المصحوبة بالسيول التي تشهدها البلاد حالياً تمثّل فرصة مهمة لتعزيز الموارد المائية الوطنية، بعد التراجع الذي أصابها خلال المواسم السابقة.

وذكرت الوزارة، في بيان، أن «كميات التساقط تجاوزت في بعض المناطق 120 مليمتراً؛ مما أدى إلى حدوث موجات فيضانية، لا سيما في الأجزاء الشمالية والشمالية الشرقية من العراق».

وأضافت أن «الأحواض العليا لنهرَي دجلة والفرات، لا سيما حوضَيْ الزاب الأعلى والزاب الأسفل، وحوض الفرات، تأثرت بشكل كبير؛ الأمر الذي أسفر عن ورود سيول بمعدلات متفاوتة».

وأكدت الوزارة أنها تعمل حالياً على توجيه هذه السيول والأمطار المتساقطة نحو سدود وخزانات البلاد؛ بهدف تعزيز المخزون المائي، الذي تراجع إلى مستويات متدنية خلال مواسم الجفاف السابقة مع قلة الإيرادات المائية.

ولفتت إلى أن مثل هذه الأمطار «تمثّل فرصة لإعادة التوازن إلى الموارد المائية، وتأمين احتياجات الري للمناطق الزراعية في جميع المحافظات، لا سيما محافظات الوسط والجنوب، واستكمال الريّة الأولى للموسم الشتوي الحالي؛ بما يسهم في دعم الإنتاج الزراعي وتقليل آثار الشح المائي».

منزل غمرته السيول في النجف الأربعاء (رويترز)

ارتفاع مناسيب السدود

وأدت موجة الأمطار، التي شهدها العراق خصوصاً في إقليم كردستان، إلى ارتفاع مناسيب المياه في الأنهار ومعظم السدود، وضمنها سد الموصل الاستراتيجي.

وتحدث «مدير السدود» في إقليم كردستان، رحمن خاني، عن ارتفاع منسوب مياه سدَّيْ دوكان ودربنديخان بـ«أكثر من 100 مليون متر مكعب»، خلال الـ48 الساعة الماضية من هطول الأمطار.

وقال خاني، الأربعاء، في تصريحات لشبكة «رووداو» الإعلامية، إن «منسوب المياه في سد دوكان ارتفع 57 سنتيمتراً، وفي سد دربنديخان 150 سنتيمتراً، كما امتلأت أو فاضت جميع السدود والبرك الصغيرة، خصوصاً تلك الواقعة في حدود محافظة السليمانية مع إدارتَيْ كرميان ورابرين المستقلتين».


مقالات ذات صلة

حصة مصر المائية تحت ضغوط «تراجع» تدفقات نهر النيل

شمال افريقيا السد العالي في جنوب مصر (رويترز)

حصة مصر المائية تحت ضغوط «تراجع» تدفقات نهر النيل

ترقُب مصر التدفقات المائية القادمة من إثيوبيا، التي شيدت سداً على المنبع الرئيس لنهر النيل، خاصة مع تحذيرات من جفاف قد تسهم فيه ظاهرة «النينيو» المناخية.

محمد محمود (القاهرة)
صحتك الماء يعد عنصراً أساسياً للحفاظ على وظائف الجسم (بيكسلز)

7 علامات تكشف أن جسمك لا يحصل على ما يكفي من الماء

يحذر الخبراء من أن كثيراً من الأشخاص يعانون من الجفاف بدرجات بسيطة دون أن يدركوا ذلك وهو ما قد يؤثر في التركيز والحالة النفسية والأداء البدني

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

تحليل إخباري بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

هل سنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية؟

أنطوان الحاج
صحتك الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)

5 أسباب لشعورك بالتعب بعد تناول مشروبات الطاقة

الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق بدلاً من زيادة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سيدة تمر أمام ملصق إعلاني عملاق على شكل علم إيران في ساحة ولي العصر بطهران اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)

سقوط أمطار للمرة الأولى منذ شهور في العاصمة الإيرانية

تساقطت أمطار للمرة الأولى منذ أشهر في العاصمة الإيرانية، اليوم الأربعاء، مما تسبب في حالة من الارتياح في بلد يعاني من أشد خريف جفافاً منذ أكثر من قرن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حقوقيون: تدهور صحة مدير مستشفى بغزة معتقَل لدى إسرائيل

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
TT

حقوقيون: تدهور صحة مدير مستشفى بغزة معتقَل لدى إسرائيل

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)

أفاد محامٍ ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، يوم السبت، بأن مدير مستشفى كمال عدوان بقطاع غزة حسام أبو صفية يواجه خطراً كبيراً خلال احتجازه لدى إسرائيل.

وكان أبو صفية، الذي ترأس مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، قد اعتُقل قبل نحو 18 شهراً خلال حرب غزة، حيث اتهمته إسرائيل بالارتباط بحركة «حماس» الفلسطينية.

وبعد زيارة أبو صفية، يوم الخميس الماضي، قال محاميه ناصر عودة إن هناك تدهوراً خطيراً قد طرأ على صحته. وجرت الزيارة في منشأة راكيفت التي تقع تحت الأرض والمخصصة للاستجواب في سجن نيتسان، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ودعت منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل» والمحامي عودة إلى نقل أبو صفية الفوري من المنشأة، وإجراء زيارة قضائية عاجلة لتقييم حالته الصحية.

وأفادت المنظمة الحقوقية بأن عودة ذكر في إفادته المكتوبة أن أبو صفية أحضر إلى الاجتماع مكبل اليدين والقدمين، وتظهر عليه إصابات حديثة وبالغة في الرأس وحول العينين وعلى الأذنين والرقبة، «إلى الحد الذي جعل محاميه يجد صعوبة في التعرف عليه في البداية».

وأضافت المنظمة أن أبو صفية كان يعاني من صعوبة في التنفس والتحدث بشكل متواصل، وبدا في حالة وهن شديد.


الأردن: تساؤلات عن استقالة وزير العمل ودستورية نفاذها

الأردن: تساؤلات عن استقالة وزير العمل ودستورية نفاذها
TT

الأردن: تساؤلات عن استقالة وزير العمل ودستورية نفاذها

الأردن: تساؤلات عن استقالة وزير العمل ودستورية نفاذها

توسعت دوائر الجدل حول دستورية الإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة الأردنية على لسان مصدر مسؤول، وانتهت بالطلب من وزير العمل تقديم استقالته، وهي صيغة دبلوماسية للتسمية الدستورية «إقالة»، وتاريخ الطلب الذي امتد منذ الأحد الماضي، وأُعلن عنه مساء الخميس.

وتطورت قضية الطلب الحكومي من وزير العمل خالد البكار الاستقالة، وتضخمت نخبوياً إلى حدود المطالبة بمحاسبة الحكومة كاملة، بعد تداول إشاعات على نطاق واسع تتحدث عن شبهات فساد بحق مسؤولين تنفيذيين، وارتباط أبناء لهم بصفقات وعطاءات حكومية.

رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان يؤدي اليمين الدستورية بعد تكليفه تشكيل الحكومة أكتوبر 2024 (بترا)

ولفت مراقبون إلى أن الخطوات التي أعلنتها الحكومة، مساء الخميس، لم تجب على أبرز التساؤلات، ومن أهمها سؤال ما إذا كان البيان الحكومي يمثل إخطاراً للنائب العام لملاحقة وزير العمل قانونياً بتهمة الاستثمار الوظيفي بعد كشف الحكومة عن «تضارب المصالح».

إقالة من موقع المونديال

تطورات تم الكشف عنها مؤخراً، بعد دخول وزير الصحة إبراهيم البدور على خط الأزمة، وأنه صاحب الفضل في تحذير رئيس الوزراء جعفر حسان من خطورة إحالة عطاء حكومي على نجل وزير عامل، وهو ما سيؤثر على سمعة الحكومة على صعيد النزاهة، بعد تسريب كتب رسمية. مما استدعى طلب الرئيس حسان من وزير العمل أن «يجلس في منزله» إلى حين اتخاذ القرار المناسب. لكن أسباباً خفية، لم يُكشف عنها بعد، دفعت رئيس الوزراء للإعلان، ومن مكان إجازته خارج البلاد، عن طلبه من الوزير الاستقالة.

كل تلك التطورات حدثت والرئيس جعفر حسان يمضي إجازته السنوية خارج البلاد، إذ شوهد في الثامن والعشرين من الشهر الماضي، وهو موعد الطلب من البكار الاستقالة على ذمة البيان الحكومي، على مدرجات المشجعين خلال مباراة الأردن والأرجنتين في مونديال كأس العالم.

ويبدو أن الأمر يتعلق بسباق الشعبية التي اشتد التنافس عليها بين الرئيس ووزرائه، وهناك من تحدث عن إغفال الرئيس حسان أن الدستور الأردني وضع السلطة التنفيذية تحت ولاية الملك. في حين قلص الرئيس من مساحات التوجيه الملكي لصالح فرض سماته كصاحب قرار على رأس حكومة تمتلك ورقة الإنجاز. لكن البحث عن الشعبية خلف الطلب من الوزير الاستقالة أمر يصعُب تنفيذه ما دام العاهل الأردني صاحب الصلاحية الدستورية الحصرية في تعيين الحكومة والوزراء وقبول استقالاتهم أو إقالتهم.

رواية مفقودة

مقربون من الوزير البكار قالوا لـ«الشرق الأوسط»، إن نجل البكار يملك حصصاً من الشركات التي تتقدم لعطاءات حكومية حسب الأصول، ومنذ سنوات. وأن القضية التي أثيرت على أرضية «تضارب المصالح» ليست دقيقة، وأن الحقيقة الكاملة أخفتها الحكومة في بيانها المقتضب.

وابتعد الوزير البكار عن التعليق للإعلام أو الإدلاء بتصريحات صحافية، لكنه ظهر عبر فيديو قصير نشره على منصات التواصل الاجتماعي، نفى فيه إشاعات مغادرته البلاد، مؤكداً أنه لا ينوي السفر، واعداً بنشر تفاصيل أكثر خلال الساعات المقبلة. لكنه عاد وأكد أنه لا يزال وزيراً عاملاً في الحكومة، إلى حين صدور الإرادة الملكية بقبول استقالته بعد عودة العاهل الأردني من إجازته.

وتسببت الحكومة، بعد كشفها أسباب الطلب من البكار الاستقالة، بإشعال منصات التواصل الاجتماعي التي طالبت بـ«محاكمة الفاسدين»، وتفعيل دور منظومة النزاهة ومكافحة الفساد، متهمين وزراء آخرين بـ«تضارب المصالح» والاستثمار الوظيفي، كما بدأت منصات بشن هجوم على شخصيات نيابية تطالب بمحاسبتهم بعد انتشار شائعات عن ترضيات حكومية لعدد منهم ومنحهم أراضي وخدمات.

والحكومة اليوم من وجهة نظر مراقبين، عليها «تبرئة» نفسها من جميع الاتهامات التي أصبحت أحكاماً لدى جمهور منصات التواصل الاجتماعي، وهو جمهور لا يأخذ بالاعتبار ولا يكترث بمسؤولية التحقق من دقة المعلومات المتداولة، والبحث عن الأدلة والوثائق. وهو جمهور يخافه الرسميون ولا يحسنون الرد عليه بالمعلومات والوثائق.

وزير العمل الأردني خالد بكار (بترا)

ولا أحد يعرف سبب انقلاب العلاقة بين البكار ورئيسه حسان، بعد أن جرى تقديم البكار على أنه واحد من عرابي تشريعات منظومة التحديث السياسي، التي تسببت بلغط واسع في البلاد، ونتج عنها اكتساح الحركة الإسلامية لنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2024. وقبلها بأشهر قاد البكار نفسه، وبدعم رسمي صريح، جهود تأسيس «حزب تقدم» الذي اندمج لاحقاً مع «حزب إرادة» تحت مسمى جديد «حزب مبادرة» الذي يمثله اليوم 28 نائباً في البرلمان الحالي، وسط شكوك في أن تشاغب كتلة البكار النيابية على الحكومة من خلال نواب محسوبين على البكار نفسه.

يقول مسؤولون سابقين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن رئيس الوزراء جعفر حسان مطلوب منه «إعادة ترتيب أولوياته» من خلال تعديل وزاري عنوانه الرئيس «تعزيز جهود مكافحة الفساد»، وقطع الطريق على الإشاعات من خلال الاعتماد على الإعلام المحلي في بث الرواية الرسمية والحقائق كاملة وليست مجتزأة، ومحاولة استعادة المصداقية والثقة لدى الرأي العام، بدلاً من كتم الحريات الصحافية في البلاد وفرض اتجاه واحد على الإعلام المحلي وإجبار الإعلام على تصدير الإنجازات الحكومية، وتقليص مساحات النقد واستضافة الرأي الآخر.

سيناريو مرتبك

تتهم نخب سياسية، بطانة الرئيس حسان، بأنها لم تُحسن إخراج خطوات الطلب من الوزير الاستقالة، لتُسجل سابقة في تاريخ الحكومات الأردنية، إذ كان باستطاعة الرئيس التريث في كشف عناوين قصة الوزير، التي لم تُجب على استفسارات الرأي العام حول تفاصيل القضية، خصوصاً، والحديث على لسان مصادر مطلعة، أن تعديلاً وزارياً اضطرارياً سقفه الزمني لن يتجاوز منتصف الشهر المقبل؛ فلماذا الاستعجال؟ خصوصاً وأن الوزير وإن قدم استقالته لرئيس الوزراء بالوكالة، لكن استقالته ستظل غير نافذة.

ما سبق دفع متابعين إلى طرح السؤال التالي: لماذا الاستعجال؟ الأولى: الاستعجال في طلب الاستقالة من الوزير، وهي خطوة مجمدة حُكماً إلى حين عودة العاهل الأردني من إجازته في الخارج؟

والثانية: لماذا استعجل الرئيس حسان طلب الاستقالة من الوزير، وهو على بعد أيام أو أسابيع قليلة من رغبة حسان في إجراء تعديل وزاري، قِيلَ إنه كان سيشمل البكار بالضرورة؟ والثالثة: لماذا الاستعجال ورئيس الوزراء نفسه خارج البلاد في إجازته الصيفية السنوية، التي تزامنت مع وجود الملك الأردني في الخارج.

صورة جوية لمبنى رئاسة الوزراء (رئاسة الوزراء الأردنية)

وتستطيع «الشرق الأوسط» أن تؤكد على لسان أكثر من مصدر أن نصيحة تلقاها حسان، منذ وقت مُبكر، بضرورة إجراء تعديل وزاري يشمل الوزراء الذين أُثير حولهم جدل شعبي، ومنهم البكار الذي ثارت عليه منصات التواصل الاجتماعي في أكثر من مناسبة، واستهلك رصيده الشعبي بفعل مشروع قانون الضمان الاجتماعي الذي اختفى في أدراج مجلس النواب. وكان البكار قد استعد سلفاً لتمرير القانون من النواب، معتمداً على خبرته البرلمانية التي استمرت لثلاثة مجالس نيابية. وهو ما لم يحدث وشعر عندها الرئيس حسان بأن «مكيدة دُبرت له»، لأن القانون لم يكن من أولوياته خلال السنة الحالية على الأقل. فلدى الرئيس حسان حساسية عالية من مشاغبات مراكز القوى بعد «عام العسل» الذي تعيشه أي حكومة.

شخصية الرئيس تنعكس على حكومته

عِملَ رئيس الوزراء جعفر حسان مديراً للمكتب الخاص للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني على فترتين، ويبدو، حسب مقربين منه، أن حسّان حاول أن ينقل نظام العمل في القصر الملكي إلى مقر الحكومة، ويُدرك البيروقراط الأردني، حجم التباين بين البيئتين، إذ يختلف طبيعة عمل كل منها جذرياً عن باقي عمل المؤسسات الدستورية، التي يجب عليها الاشتباك مع الجمهور العام.

يعمل الرئيس لأكثر من 12 ساعة يومياً، وينقل عنه عاملون معه أنه عصبي المِزاج، لا يحب المماطلة والتسويف في أداء المهمات وإنجازها. كما قيل على لسان عارفين إنه وجّه ملاحظات قاسية بكلمات لا تليق لوزرائه، دون أخذه أي اعتبار لمكانة الوزير بين الحضور والمستمعين.

رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان (أ.ف.ب)

يقول وزراء من حكومته لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس لا يزال يحتمي بحصانة وظيفته السابقة كمدير مكتب الملك. في حين أن كرسي الحكومة لا حصانة له من النقد. وهو ما لم يَرُق لحسان.

لا يحب رئيس الوزراء الظهور الإعلامي غير المُعد سَلفاً، ويُعتبر من الرؤساء الأقل حضوراً في الإعلام، باستثناء الأخبار الرسمية البروتوكولية، في حين أن حسان، لكي لا يخذله ارتجاله، أو يتصيد له مراقبون، يُفضل القراءة عن ورق تم التحضير له بدقة منعاً للخطأ مستفيداً من خبرته عندما جاء نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في حكومة هاني الملقي (2016 - 2018)، عندما لم يدم بقاؤه حتى غادرت الحكومة تحت ضغط احتجاجات الشارع على قرارات اقتصادية كان وراءها حسان نفسه، وتحديداً عشية اتخاذ قرار رفع أسعار المحروقات في يونيو (حزيران) من عام 2018، وهو قرار دعمه حسان إلى جانب دعمه قوانين غير شعبية كقانون ضريبة الدخل.

ولاحظ مراقبون أن رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، لا يظهر في المواجهات المباشرة في القضايا المحلية، إلا إن كان وراءها ما يحصده شعبياً، مثل افتتاح مشاريع استراتيجية كان أُعد لها في زمن الحكومة السابقة، ويوم تنفيذ الإعدامات بحق مهربي مخدرات، وآخرين قتلوا رجال أمن خلال مداهمات لجماعات إرهابية، انتصاراً لردع المخربين والإرهابيين وانتقاماً لأسر الشهداء، وأخيراً إعلانه زيادة رواتب الموظفين الحكوميين الذين يتقاضون أقل من 600 دينار شهرياً، في حين يغيب الرئيس ويُصدّر وزراءه في القضايا التي تلقى انتقاداً عند الرأي العام ومنها قانون الضمان الاجتماعي، على سبيل المثال.


ماكرون في دمشق... زيارة سريعة في طريقه إلى اجتماع «الناتو»

 مدخل معهد فرنسي معروف محلياً باسم «معهد الحرية» في دمشق تأسس عام 1929 بالاتفاق بين الحكومة السورية والبعثة العلمانية الفرنسية (أ.ف.ب)
مدخل معهد فرنسي معروف محلياً باسم «معهد الحرية» في دمشق تأسس عام 1929 بالاتفاق بين الحكومة السورية والبعثة العلمانية الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

ماكرون في دمشق... زيارة سريعة في طريقه إلى اجتماع «الناتو»

 مدخل معهد فرنسي معروف محلياً باسم «معهد الحرية» في دمشق تأسس عام 1929 بالاتفاق بين الحكومة السورية والبعثة العلمانية الفرنسية (أ.ف.ب)
مدخل معهد فرنسي معروف محلياً باسم «معهد الحرية» في دمشق تأسس عام 1929 بالاتفاق بين الحكومة السورية والبعثة العلمانية الفرنسية (أ.ف.ب)

يصل إلى دمشق، الاثنين، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة هي الأولى لرئيس أوروبي منذ الإطاحة بالنظام السابق، وقالت مديرية الإعلام في الرئاسة السورية إن الزيارة تهدف إلى بحث «سبل تعزيز العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية (سانا).

علمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة أن الزيارة ستكون لعدة ساعات قبل توجه الرئيس الفرنسي إلى أنقرة، وقالت إنه رغم الطابع الاقتصادي للزيارة فإنها قد تشكل فرصة لإعادة موازنة المصالح في المنطقة.

ويرافق الرئيس الفرنسي إلى دمشق وفد يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، في مؤشر إلى «توجه الجانبين لتعزيز التعاون الاقتصادي إلى جانب الملفات السياسية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال المؤتمر الدولي حول سوريا في باريس في فبراير 2025 (إ.ب.أ)

وأفادت «سانا» بأن الرئيسين السوري والفرنسي سيجريان جلسة حوار مستديرة بحضور الوفدين. وستتناول المباحثات تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وآفاق التعاون الثنائي في مختلف المجالات، في إطار الحرص المشترك على مواصلة الحوار السياسي، وتعزيز العلاقات بين البلدين.

ورغم الطابع الاقتصادي للزيارة فإنها تكشف عن رغبة فرنسية في تجديد حضورها شرق المتوسط، حيث تأتي بعد أيام قليلة من زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان والمساعي إلى إعادة تعريف العلاقات السورية ـ اللبنانية.

المؤتمر الدولي لدعم سوريا الذي استضافته باريس في فبراير 2025 (أ.ف.ب)

وبحسب الباحث في مركز الدراسات (جسور) وائل علوان، فإن «الدور الفرنسي تاريخي ومستجد في منطقة شرق المتوسط» أي سوريا ولبنان. وترى فرنسا أن وجودها مهم جداً في المنطقة، ولكن ليس الوجود المباشر وإنما وجود عبر «طريق القوة الناعمة سواء باستثمارات اقتصادية أو بدور سياسي».

أضاف علوان لـ«الشرق الأوسط» أن سوريا بعد عملية الانتقال السياسي «تشهد تدخلات من فرنسا عبر اشتراطات ضمن الفترة الانتقالية، ربما أكثر صراحة ومباشرة من اشتراطات الولايات المتحدة الأميركية وبقية الدول الغربية الأوروبية، مثل بريطانيا التي تراقب فترة الانتقال السياسي دون أن يكون لها تدخلات مباشرة»، مشيراً إلى أن فرنسا تدخلت في عملية الاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كما تدخلت في قضايا أخرى مهمة وحساسة.

مشيعون يحملون نعش المحامي فتحي محمد سعيد قباني الذي قُتل الثلاثاء عندما انفجرت عبوة ناسفة في مقهى بالقرب من مجمع المحاكم الرئيسي في دمشق (أ.ب)

يؤكد علوان أن سوريا لا تزال تمثل بالنسبة لفرنسا ولكثير من الدول منها الولايات المتحدة الأميركية «مساراً أمنياً»، أي أن الاستقرار فيها مرتبط بالاستقرار في المنطقة. ولا تزال مقاربة تلك الدول للشأن السوري مقاربة أمنية.

لهذا، فإن حضور تلك الدول خصوصاً فرنسا ضمن المشهد لن يكون بشكل مباشر، وإنما «حضور عبر الملفات السياسية والاقتصادية والاستثمار»، مرجحاً ألا تكون هناك مكتسبات اقتصادية مباشرة بمقدار ما سيكون الاقتصاد طريقاً لتعزيز الدور السياسي.

ويمكن اعتبار زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق مع وفد اقتصادي، فرصة إلى إعادة موازنة المصالح في المنطقة بعدما تقلص دورها على نحو كبير جراء التغييرات التي حصلت في لبنان وسوريا والعراق، مقابل صعود وهيمنة الدور الأميركي. ولعل حاجة سوريا الملحة إلى تعافٍ سريع واستقطاب الاستثمار الأجنبي، تشكل مدخلاً لفرنسا لاستعادة جزء من دورها التقليدي في المنطقة.

وكان الرئيس أحمد الشرع قد زار فرنسا، العام الماضي، تلبيةً لدعوة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أول زيارة للشرع إلى دولة أوروبية، وأكد الجانبان خلال مباحثات عُقدت في قصر الإليزيه أهمية احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وتعزيز الحوار والتعاون بما يخدم مصالح البلدين، ودعم جهود التعافي وإعادة الإعمار، وتوسيع مجالات التعاون.