لبنان يدخل منطقة التجاذب الإسرائيلي – الإيراني حول سلاح «حزب الله»

القاهرة تدعم مبادرة عون وتبذل جهوداً لتجنيب بيروت مخاطر التصعيد

لبنانيون يعودون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 نوفمبر 2024 إثر دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانيون يعودون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 نوفمبر 2024 إثر دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

لبنان يدخل منطقة التجاذب الإسرائيلي – الإيراني حول سلاح «حزب الله»

لبنانيون يعودون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 نوفمبر 2024 إثر دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانيون يعودون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 نوفمبر 2024 إثر دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أرشيفية - إ.ب.أ)

دخل لبنان الأربعاء، منطقة التجاذب بين إيران وإسرائيل، إذ أكدت طهران أن وجود «حزب الله» اليوم، «لا غنى عنه بالنسبة للبنان»، فيما حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الأربعاء من أن لبنان «لن ينعم بالهدوء في حال عدم ضمان أمن إسرائيل»، وسط جهود مصرية للتهدئة، عبّر عنها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بقوله إن بلاده «تبذل جهوداً حثيثة لتجنيب لبنان مخاطر التصعيد».

تهديد إسرائيلي

وقال كاتس في كلمته أمام البرلمان الإسرائيلي، الأربعاء: «لن نسمح بأي تهديد ضد سكان الشمال، وسيستمر فرض إجراءات صارمة بل وستتصاعد». وأضاف: «كما كنا مستعدين قبل عدة أيام لعملية التصفية، لن يكون هناك هدوء في بيروت، ولا نظام واستقرار في لبنان، حتى يتم ضمان أمن دولة إسرائيل»، في إشارة إلى استهداف إسرائيل، الأحد، القائد العسكري لحزب الله هيثم الطباطبائي الذي اغتالته مع عدد من عناصر الحزب في غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت.

وجدد كاتس تأكيد عزم إسرائيل على نزع سلاح «حزب الله». كما لوّح كاتس بالتراجع عن اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، قائلاً: «إن اتفاق الحدود البحرية مع لبنان به نقاط ضعف وقضايا إشكالية وسنعيد النظر بشأنه مع لبنان».

تصعيد إيراني

وفي المقابل، أكد مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، أن وجود «حزب الله» اليوم لا غنى عنه بالنسبة للبنان. وقال ولايتي، في تصريح لوكالة «تسنيم» الدولية للأنباء، إن «الاعتداءات والجرائم المتواصلة التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد لبنان تظهر أن وجود حزب الله بات بالنسبة للبنان أهم من الخبز اليومي»، مضيفاً أن إسرائيل لم تلتزم بتعهداتها في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، وأن «خروقاتها المتكررة واعتداءاتها المتجددة على لبنان تثبت مرة أخرى أنها لا تلتزم بأي من القوانين الدولية».

صحيفة «جوان» التابعة لـ«الحرس الثوري» عنونت«ساعة صفر (حزب الله)» على صفحتها الأولى الصادرة الثلاثاء

وأضاف ولايتي أن «خرق الكيان الصهيوني لوقف إطلاق النار أظهر للجميع النتائج الكارثية لنزع سلاح (حزب الله) بالنسبة للبنان»، مؤكداً أن «إيران دعمت وستواصل دعم (حزب الله) وجبهة المقاومة».

وتابع أن «(حزب الله) كان مراراً سنداً ومنقذاً للشعب اللبناني، ووضع حداً لتجاوزات الاحتلال الصهيوني»، مشدداً على أن «شراسة هذا الكيان في القتل ونهب أراضي الآخرين تجعل وجود (حزب الله) اليوم أكثر ضرورة للبنان من الماء والخبز».

وأثارت تصريحات ولايتي، استنكاراً في لبنان. وقال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع: «سيد خامنئي ومستشاره العزيز، لو أنكما تهتمان بشؤون الإيرانيين وسجونهم لكان ذلك أفضل لنا جميعاً. فلبنان دولة مستقلة لها دستورها، وتحكمها سلطة لبنانية منتخبة شعبياً وديمقراطياً، ولا يحق لكم التدخل في شؤونها. ويا ليت الشعب الإيراني ينعم بما ينعم به الشعب اللبناني، عندما لا تتدخلون في شؤونه».

وزير الخارجية يرد

وكذلك رد وزير الخارجيّة والمغتربين يوسف رجّي على نظيره الإيراني، قائلاً: «عزيزي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كنت فعلاً أرغب بتصديق ما تفضلّتم به من أنّ إيران لا تتدخّل بشؤون لبنان الداخلية، إلى أن خرج علينا مستشار مُرشدكم الأعلى ليرشدنا إلى ما هو مهمّ في لبنان وحذّرنا من عواقب نزع سلاح (حزب الله). وهنا أوضح ما يلي: ما هو أهمّ من الماء والخبز بالنسبة إلينا هي سيادتنا وحريتنا واستقلال قرارنا الداخلي بعيداً عن الشعارات الايديولوجية والسياقات الاقليمية العابرة للحدود التي دمّرت بلدنا ولا زالت تمعن في أخذنا نحو الخراب».

عبد العاطي في بيروت

ووسط هذا التجاذب، حمل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بيروت، رسالة دعم للمبادرة التي طرحها الرئيس اللبناني جوزيف عون في عيد الاستقلال، وتأكيد الجهد المصري «المكثف لتجنيب لبنان أيّ عدوان».

وأعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن الخشية من أي احتمالات للتصعيد في لبنان، مؤكداً أننا لن نتوقف عن أي جهد لتجنيبه المخاطر. وقال: «نقلت للرئيس عون توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتقديم مصر كل سبل الدعم والمساعدة وتسخير شبكة علاقات مصر لدعم التهدئة ودعم تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية والعمل على نزع فتيل أيّ نزاع محتمل»، مؤكداً «أهمية التنسيق القائم بين البلدين الشقيقين». وقال: «أكدت دعم مصر الكامل لمبادرة الرئيس عون التي أطلقها خلال عيد الاستقلال لجهة استعداد الجيش اللبناني لتسلّم كل النقاط في الجنوب».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (إ.ب.أ)

وأضاف: «أكّدت دعم مصر الكامل لقرارات الحكومة اللبنانية المتعلقة بمسألة حصر السلاح والمقاربات التي يتبناها الرئيس عون لدعم هذا الهدف»، مشيراً إلى أن «بسط سلطة الدولة أمر مهمّ جداً وهناك تناغم بين الموقفين المصري واللبناني وفق طرح الرئيس عون».

وقال: «نوظف شبكة علاقاتنا الإقليمية بكل الأطراف للعمل على الدفع لصالح الحل الدبلوماسي». وأوضح أننا «نقوم بجهد مكثف لتجنيب لبنان أي عدوان ونحن معنيون باستقرار لبنان وضرورة وقف خروقات إسرائيل لسيادته ووحدة أراضيه».

وعدّ عبد العاطي أن «الدولة اللبنانية والجيش اللبناني بذلا جهداً كبيراً في الجنوب لبسط سلطة الدولة وعلى الجميع أن يقدر هذا الأمر»، محذراً من «أن المنطقة برمّتها على شفا التصعيد الكامل وهذا لا يخدم أيّ طرف والدبلوماسية هي الحل». وأضاف: «كلنا حرص على أمن واستقرار لبنان ونحن نحترم القرار اللبناني بكل مكوناته وعلى الجميع أن يرتقي إلى مستوى المسؤولية والعمل على خفض التصعيد».

بري يؤكد دعمه للمبادرة

وانتقل عبد العاطي إلى عين التينة حيث استقبله رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث أكد «تعويلنا دائماً على حكمته في تحقيق الاتزان المطلوب والتوازن وأيضاً العمل على تحقيق الاستقرار وخفض التصعيد في لبنان».

وقال الوزير المصري إن بري «أعلن دعمه الكامل للمبادرة التي طرحها الرئيس عون في ذكرى الاستقلال»، مشيراً إلى أن «التوجه المصري ثابت لجهة أن يكون السلاح في لبنان محصوراً تحت المظلّة الشرعية للدولة والجيش». وأضاف: «على الإسرائيلي أن يتوقف عن الاعتداءات وترك الفرصة للجيش اللبناني للقيام بمهامه بكل مسؤولية ووطنية».

ورداً على سؤال عما إذا ما كان قد نقل تحذيراً للبنان عن احتمال شن إسرائيل لحرب قريبة، قال عبد العاطي: «العمل الأساسي ليس التحذير ولكن التواصل مع الأشقاء في لبنان، وننقل رؤيتنا وما يصل إلى مسامعنا ونعمل بطبيعة الحال على سد أي ذرائع أو تصعيد محتمل، الهدف الأساسي هو مصلحة لبنان والشعب اللبناني».

وخلال لقائه رئيس الحكومة نواف سلام، أكد عبد العاطي مواصلة بلاده بذل كل جهد ممكن لحماية لبنان، وشدّد على أهمية دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته للقيام بالمهام الموكلة إليه، مجدّداً تأييد القاهرة قرار الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة.

بدوره، أشار الرئيس سلام إلى أنّ الجيش اللبناني يقوم بواجبه في تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة وتنفيذ قرارات الحكومة، إلا أنّ إسرائيل تستمر في خرق الاتفاق من خلال الاعتداءات اليومية واحتلال عدد من النقاط في الجنوب. ولفت الرئيس سلام إلى أنّه يثمّن جميع الجهود التي تبذلها مصر لخفض التصعيد.


مقالات ذات صلة

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

الولايات المتحدة​ عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

لم تعد صورة الخلاف بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو قابلة للاختزال في أن واشنطن تنحاز إلى إيران على حساب إسرائيل.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي 
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام (الرئاسة اللبنانية)

تطمينات أميركية للبنان حول الاتفاق مع إيران

تلقّى الرئيس اللبناني جوزيف عون تطمينات أميركية، عبر اتصال هاتفي من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، أكدا فيه دعم واشنطن للدولة.

علي بردى (واشنطن) «الشرق الأوسط» ( بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

أفادت ​الرئاسة اللبنانية بأن نائب الرئيس الأميركي ووزير ‌الخارجية أبلغا ‌الرئيس ⁠اللبناني بأن ⁠واشنطن تتابع التفاهمات التي تسنى التوصل إليها في سويسرا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن- بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض قبيل توجهه إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)

انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات مع إسرائيل وسط رفض لبناني لـ«الاحتلال والوصايات الخارجية»

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن «تطورات الأيام الماضية أثبتت صحة خيارنا بالذهاب إلى التفاوض؛ لأنه السبيل الوحيد المعتمد على مستوى العالم كله لتحقيق الأهداف».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مشهد لدمار طال مبنى وسيارات استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (إ.ب.أ)

إسرائيل تختبر «حرية الحركة» بهجمات متفرقة… و«حزب الله» يندّد ولا يهدّد بالرد

يتجدّد الجدل حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان مع تمسك حكومة بنيامين نتنياهو بما تسميه «المنطقة الأمنية» واستمرار العمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)

بدء محاكمة وسيم الأسد بتهم «جرائم حرب»

وسيم الأسد
وسيم الأسد
TT

بدء محاكمة وسيم الأسد بتهم «جرائم حرب»

وسيم الأسد
وسيم الأسد

انطلقت في «محكمة الجنايات الرابعة» بدمشق، الأربعاء، أولى جلسات محاكمة المتهم وسيم الأسد ‏المتورط في جرائم عدة بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد، وذلك بحضور النائب العام ‏للجمهورية، حسان التربة، وممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية.‏

ترأس الجلسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وشارك في عضويتها المستشاران عبد ‏الحميد الحمود، وحسام عبد الرحمن، بحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود ‏الراضي.‏

ووفق «الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)»، فقد تلا القاضي العريان لائحة التهم الموجهة إلى وسيم الأسد؛ ومن بينها: تشكيل وإدارة مجموعات ‏مسلحة غير نظامية بتكليف من العميد غياث دلا، قائد أحد الألوية في «الفرقة الرابعة» التابعة للنظام البائد ‏بقيادة ماهر الأسد، منذ مطلع عام 2011، والمشاركة في عمليات عسكرية واسعة استهدفت ‏مناطق مدنية في الغوطة الشرقية، لا سيما بلدة المليحة، وأسفرت عن مقتل عدد كبير من ‏المدنيين، إضافةً إلى مسؤوليته عن حادثة قتل في جرمانا، وضلوعه في مجازر وقعت خلال ‏تلك العمليات، إضافةً إلى التحريض العلني على العنف، والتورط في تهريب المخدرات والاتجار بها، وارتكاب ‏جرائم سلب وابتزاز.‏‏

وأشار القاضي إلى أن هذه الأفعال «تندرج ضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن مخالفتها ‏أحكام قانون العقوبات السوري».‏

وبعد تلاوة لائحة الاتهام، أُوقف البث المباشر للمحاكمة، وأوضحت وزارة العدل أن ذلك جاء ‏ضمن إجراءات «برنامج حماية الشهود»، مع استمرار جلسة المحاكمة، واستكمال جميع الإجراءات ‏القضائية بشكل اعتيادي دون عرضها على الهواء؛ حفاظاً على سرية الشهادات وسلامة ‏المشاركين في القضية.‏

وفي 21 يونيو (حزيران) 2025، أعلنت وزارة الداخلية القبض على وسيم الأسد على الحدود ‏السورية - اللبنانية في عملية أمنية محكمة بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة.‏

سوريون في حالة غضب خارج قاعة المحكمة حيث عُقدت الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد... بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (أ.ب)

وفي إطار تحقيق العدالة الانتقالية، يواصل القضاء السوري إجراء محاكمات بحق متهمين ‏بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد. وعُقدت الثلاثاء الجلسة الرابعة من محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا، المتهم بارتكاب انتهاكات في عام 2011.

وعقدت «محكمة الجنايات الرابعة» المختصة، في دمشق الاثنين، الجلسة الثانية من محاكمة عبد الناصر براقي بن أيمن، المتهم بأنه كان مخبراً لدى النظام السابق، وقد ارتكب جرائم قتل عمد، وكذب افترائي، وسلب بالعنف، وطالبت النيابة العامة في الجلسة الثانية بإنزال أقصى العقوبات المنصوص عليها قانوناً وهي الإعدام على المتهم، إلا إن المتهم طلب منحه مهلة لإبداء دفوعه الأخيرة، وقررت المحكمة منحه مهلة أخيرة وحددت 13 يوليو (تموز) المقبل موعداً للجلسة الأخيرة قبل النطق بالحكم.


برَّاك يسرِّع التفاهم بين بغداد وأربيل لتسوية الخلاف النفطي

رئيس إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني مستقبلاً المبعوث الأميركي توم برَّاك في أربيل يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني مستقبلاً المبعوث الأميركي توم برَّاك في أربيل يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
TT

برَّاك يسرِّع التفاهم بين بغداد وأربيل لتسوية الخلاف النفطي

رئيس إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني مستقبلاً المبعوث الأميركي توم برَّاك في أربيل يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني مستقبلاً المبعوث الأميركي توم برَّاك في أربيل يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

قال سياسيون كرد إن المبعوث الأميركي توم برَّاك بحث إمكانية تسوية الخلاف النفطي مع بغداد حين زار أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق الأسبوع الماضي، إلا أنهم استبعدوا أن تدفع الأزمة المالية الخانقة في البلاد إلى تشريع قانون اتحادي ينظم الثروات الطبيعية بشكل دائم.

ومنذ مارس (آذار) 2007، حين قدمت الحكومة الاتحادية برئاسة نوري المالكي أول مسودة للقانون، لم ينجح البرلمان بدوراته المتعاقبة في التصويت على تشريع كان من المفترض أن يحدد الطريقة التي يتم فيها إنتاج الوارد الطبيعية، وتوزيعها، وعوضاً عن ذلك لجأت القوى السياسية إلى اعتماد تفاهمات سياسية هشة.

وعاد النقاش حول القانون بعد زيارة برَّاك إلى أربيل، في 16 يونيو (حزيران) 2026، حيث عقد اجتماعات مع المسؤولين في الحكومة الإقليمية، والحزبين الرئيسين، وتداولت منصات محلية أن المبعوث الأميركي كان «متفائلاً بقدرة رئيس الحكومة علي الزيدي على حل الخلافات التقليدية مع أربيل».

وأكد النائب الكردي السابق في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «برَّاك بحث في أربيل تعزيز التعاون الأميركي العراقي في مجال الطاقة، سواء مع بغداد، أو أربيل، إلى جانب تحديث أنبوب كركوك-بانياس الذي يمر عبره النفط العراقي إلى سوريا، ثم إلى البحر المتوسط».

وقالت النائبة السابقة في البرلمان، ميادة النجار، إن «الخلاف النفطي بين بغداد وأربيل انتقل من مرحلة الجمود إلى مرحلة التفاوض الجدي».

وأوضحت النجار، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه في «الأسابيع الأخيرة شهدت الاتصالات بين بغداد وأربيل زخماً واضحاً، مع تبادل الزيارات واللقاءات بين كبار المسؤولين، تركزت على إعادة تصدير النفط، وتسوية الملفات المالية، وتهيئة الأرضية لإقرار قانون النفط والغاز».

ما أصل الخلاف؟

يميل مراقبون إلى الاعتقاد بأن الخلاف السياسي دائماً ما كان السبب الفعلي وراء عرقلة تشريع القانون، إلا أن مشكلات تتعلق بتفسير مواد الدستور، منها صلاحيات إقليم كردستان، لم تجد حلاً في غالبية التسويات السياسية.

ولا يزال الخلاف قائماً حول ما إذا كان لإقليم كردستان الحق في التعاقد مباشرة مع شركات أجنبية، وتنفيذ مشروعات نفطية مستقلة، أم أن الحكومة الاتحادية هي الجهة الوحيدة المخوّلة بذلك بموجب الدستور، والقوانين، إلى جانب تباينات حادة حول الحقول المستكشفة، ونوع العقود الموقعة، سواء كانت بنظام الخدمة، أو المشاركة.

وحاول إقليم كردستان معالجة الثغرة القانونية، حين شرّع برلمان الإقليم في أغسطس (آب) 2007 قانون النفط والغاز الإقليمي، لكن المحكمة الاتحادية في بغداد أبطلت مفعول القانون حين أصدرت قراراً طعن في شرعية إصداره في فبراير (شباط) 2022.

و«ليس هناك أمل في المنظور القريب لتشريع قانون للنفط والغاز»، كما يقول النائب شنكالي، بسبب «ميل بغداد الشديد نحو تكريس سيطرتها على نحو مركزي وكامل على المقدرات النفطية في الإقليم».

وأوضح شنكالي، وهو عضو عن «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، أن رئيس الحكومة علي الزيدي «لن يستطيع تمرير قانون النفط والغاز في البرلمان العراقي دون اتفاق الكتل السياسية الممثلة في البرلمان»، معرباً عن أسفه أن «البرلمان الحالي لم يصل بعد لصيغة يتم التوافق عليها بين أربيل، وبغداد، والمحافظات المنتجة للنفط لتمرير القانون، وتشريعه، للتخلص من الخلافات القائمة منذ أكثر من 20 عاماً».

ورجح شنكالي أن تواصل القوى السياسية «إدارة الأزمة، كما السابق، وفق اتفاقات وقتية بين كل الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم»، ما يعني «سريان الاتفاق الأخير الذي أفضى إلى تشريع قانون الموازنة الثلاثية خلال فترة حكومة محمد شياع السوداني».

وكانت القوى السياسية في بغداد، على رأسها تحالف «الإطار التنسيقي» و«الحزب الديمقراطي الكردستاني» قد توافقا في يونيو 2023، على تسوية حسابية تقضي بأن يسلم إقليم كردستان 250 ألف برميل يومياً بعد استقطاع حصة الإقليم من النفط للاستخدام المحلي، وأيضاً السماح بمرور نفط كركوك من أنبوب الإقليم إلى ميناء جيهان التركي، مقابل التزام الحكومة الاتحادية بدفع مستحقات الإقليم من موازنة الدولة.

وقال شنكالي: «في المرحلة المقبلة، قد يكون هناك تطوير لهذا الاتفاق بين بغداد وأربيل، نظراً لرغبة جميع الأطراف في مواجهة الأزمة المالية الخانقة».

مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال محادثات مع المبعوث الأميركي توم برَّاك في أربيل (أرشيفية - الحزب الديمقراطي الكردستاني)

مؤشرات إيجابية

يلاحظ صبحي المندلاوي، عضو «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، ما وصفها بـ«المؤشرات الإيجابية» منذ تسلم الزيدي منصبه رئيساً للحكومة.

وقال المندلاوي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «الحكومة العراقية الجديدة، وفي وقت مبكر من عملها، تفاعلت بشكل إيجابي مع المحيط الوطني والداخلي، ومع قضايا خلافية منها العلاقة مع أربيل»، مضيفاً أن «حكومة إقليم كردستان برئاسة مسرور بارزاني تنظر بإيجابية لهذه المؤشرات».

لكن المندلاوي رجح أن «تتحرك مسارات حل الخلافات بين الحكومتين بشكل جدي جراء ضغوط المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية».

وأكد المندلاوي أن «(الحزب الديمقراطي الكردستاني) كان يشترك على الدوام مع كل حكومة جديدة في بغداد في تشريع قانون النفط والغاز»، ورغم أنه يأمل تمريره في الدورة التشريعية الحالية فإنّ «القوى السياسية التي كانت تعارض التسوية التشريعية هي نفسها ستعمل على منع تشريع القانون بشتى الوسائل»، على حد تعبيره.

وقالت النائبة السابقة، ميادة النجار، «إن هناك بوادر مشجعة لإنهاء الخلافات يمكن رصدها من التحركات المشتركة بين الطرفين على مستوى التنسيق الأمني، والاقتصادي».

ومنتصف يونيو 2026، أجرى وفد عسكري عراقي برئاسة رئيس أركان الجيش الفريق عبد الأمير رشيد يارالله لقاءات وزيارات ميدانية في أربيل شملت عدداً من الحقول النفطية، لتقييم الأوضاع الأمنية، ومناقشة الإجراءات الكفيلة بحماية المنشآت، والعاملين فيها.

ومع المؤشرات السياسية التي تقرب بغداد وأربيل أكثر من تسوية الخلاف النفطي، تربط النائبة ميادة النجار أي تقدم مؤكد في هذا الملف بإعلان رسمي عن اتفاق نهائي أو شامل بين رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني وعلي الزيدي رئيس الحكومة لحسم أزمة النفط والغاز بشكل كامل.

اقرأ أيضاً


إسرائيل ولبنان يبحثان خطة أميركية لتسليم أراضٍ جنوبية للجيش اللبناني

سيدة وسط منازل مدمَّرة في بلدة النبطية الفوقا جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيدة وسط منازل مدمَّرة في بلدة النبطية الفوقا جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل ولبنان يبحثان خطة أميركية لتسليم أراضٍ جنوبية للجيش اللبناني

سيدة وسط منازل مدمَّرة في بلدة النبطية الفوقا جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيدة وسط منازل مدمَّرة في بلدة النبطية الفوقا جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أفاد ثلاثة مسؤولين إسرائيليين بأن إسرائيل ولبنان يناقشان مشروعاً تجريبياً مدعوماً من الولايات المتحدة، تُسلِّم بموجبه القوات الإسرائيلية السيطرة على بعض الأراضي في جنوب لبنان إلى القوات المسلّحة اللبنانية.

وأوضح المسؤولون لوكالة «رويترز» للأنباء أن القوات اللبنانية المشاركة ستخضع لتدريب وفحص أمني أميركيين، للتأكد من عدم ارتباطها بـ«حزب الله»، في حين ستحتفظ إسرائيل بوجود عسكري في المنطقة العازلة.

يأتي ذلك بعدما اختتمت الولايات المتحدة وإيران الجولة الأولى من المفاوضات في سويسرا، في إطار مذكرة التفاهم لوضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط تشمل لبنان. واتفق الطرفان، خلال المباحثات، على إنشاء «خلية لفضّ النزاعات» في لبنان؛ لضمان عدم حصول تصعيد جديد بين إسرائيل و«حزب الله».

وتجري مناقشة المشروع التجريبي المقترح خلال أحدث جولة من المحادثات بين المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين، التي انطلقت في واشنطن أمس (الثلاثاء). وقُوبل هذا المسار الدبلوماسي برفض من «حزب الله»، وتضاءلت أهميته بعد أن جعلت ‌طهران من ‌لبنان محوراً لمفاوضاتها مع الولايات المتحدة.

ورداً ​على ‌سؤال ⁠بشأن تعليقات ​المسؤولين ⁠الإسرائيليين، قال مسؤول أمني لبناني كبير إن المناقشات جارية في واشنطن، وإن اليوم سيشهد مباحثات بين الجيشين، تتناول المناطق التجريبية ضمن أمور أخرى.

وأضاف المسؤول اللبناني أن المناقشات ستركز على جدول زمني للانسحاب، وأن أي خطة لن تظهر إلا بعد اليوم الأخير من المحادثات غداً الخميس. ولم يرد المسؤول على طلب للتعليق على ما ⁠ذكره المسؤولون الإسرائيليون بشأن التدقيق الأميركي للقوات اللبنانية.

ويصر مسؤولون ‌لبنانيون على أن المفاوضات المباشرة ‌مع إسرائيل هي السبيل الوحيد لإنهاء الحرب ​التي تدور رحاها منذ الثاني ‌من مارس (آذار)، عندما أطلقت جماعة «حزب الله» صواريخ وطائرات ‌مسيّرة على إسرائيل دعماً لإيران، مما أدى إلى شن هجمات جوية وبرية إسرائيلية أدت إلى مقتل أكثر من 4 آلاف شخص في لبنان. لكن أربع جولات من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية منذ أبريل (نيسان) لم تفضِ إلى التوصل ‌إلى وقف دائم لإطلاق النار.

وصمد وقف إطلاق النار الحالي بين الجانبين، بموجب اتفاق مبدئي بين طهران ⁠وواشنطن، إلى ⁠حد كبير منذ يوم الأحد، حتى مع بقاء القوات الإسرائيلية منتشرة في عمق جنوب لبنان، حيث سيطرت على أجزاء أعلنتها من جانب واحد «منطقة أمنية»، قائلة إنها بحاجة إليها لحماية شمال إسرائيل من هجمات «حزب الله».

وينص الاتفاق المؤقت الذي وقعته إيران والولايات المتحدة الأسبوع الماضي على أن يعلن كلا البلدين وحلفاؤهما إنهاء فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان مع ضمان «سلامة أراضيه وسيادته».