نتائج «شبه صفرية» للأحزاب المدنية في انتخابات العراق

مقعد برلماني واحد من 389 مرشحاً و3 تحالفات

جمهور أحزاب فائزة تفاعل مع نتائج أولية للانتخابات العراقية في شوارع بغداد (د.ب.أ)
جمهور أحزاب فائزة تفاعل مع نتائج أولية للانتخابات العراقية في شوارع بغداد (د.ب.أ)
TT

نتائج «شبه صفرية» للأحزاب المدنية في انتخابات العراق

جمهور أحزاب فائزة تفاعل مع نتائج أولية للانتخابات العراقية في شوارع بغداد (د.ب.أ)
جمهور أحزاب فائزة تفاعل مع نتائج أولية للانتخابات العراقية في شوارع بغداد (د.ب.أ)

تكبدت أحزاب وتيارات مدنية في العراق خسارة قاسية وحصلت على نتيجة «شبه صفرية» في الانتخابات العامة التي جرت الأسبوع الماضي، ومن بين 389 مرشحاً ضمتهم التحالفات المدنية الرئيسية؛ «البديل»، و«التيار المدني الديمقراطي»، و«الفاو زاخو»، و«مدنيون»، حصلت هذه التحالفات مجتمعة على مقعد واحد ذهب إلى النائب عن محافظة البصرة، عامر عبد الجبار، الذي يرأس تحالف «الفاو زاخو».

وباستثناء تحالف «مدنيون» الذي نافس في محافظة نينوى (شمالاً)، وضم 60 مرشحاً، توزع مرشحو التحالفات المدنية الثلاثة الرئيسية على محافظات وسط وجنوب البلاد، بغداد، البصرة، النجف، كربلاء، ذي قار، بابل، القادسية، واسط، ونافس تحالف «البديل» في محافظة صلاح الدين (شمالاً).

«نتائج صفرية»

يواصل مدنيون وطيف مثقفين ومنذ إعلان النتائج الأولية للانتخابات مناقشة النتيجة شبه «الصفرية» التي خرجت بها القوى المدنية، وتشير معظم النقاشات إلى «اختلال المعادلة السياسية» بين القوى السياسية المهيمنة، وخاصة الإسلامية منها، وبين القوى المدنية التي تفتقر إلى «السلطة والإمكانيات المالية والنفوذ»، وهي عوامل غالباً ما كانت حاسمةً في توجهات الناخبين العراقيين، من هنا، فإن الخسارة المدنية لم تكن بأي حال من الأحوال خارج التوقعات، لكنها لم تكن مؤكدة إلى هذا الحد، خاصة إذا ما أُخذ بنظر الاعتبار بعض النجاحات التي حققتها القوى المدنية في دورات انتخابية سابقة، حيث فاز الحزب الشيوعي العراقي بمقعدين برلمانيين في أكثر من دورة انتخابية، لكنه خرج خالي الوفاض في هذه الدورة بعد أن كان أحد أركان تحالف «البديل».

وفي الدورات البرلمانية السابقة، تمكن نحو 20 نائباً مدنياً كانوا قد انخرطوا في حراك تشرين الاحتجاجي من الفوز في السباق الانتخابي، لكن جميعهم تقريباً خسروا في الدورة الحالية.

جمهور أحزاب فائزة تفاعل مع نتائج أولية للانتخابات العراقية في شوارع بغداد (د.ب.أ)

شبكات مصالح ونفوذ

يعتقد معظم المراقبين أن الأموال الطائلة التي أنفقت على الحملات الدعائية وشبكات المصالح والنفوذ التي تمتلكها القوى والفصائل وأحزاب السلطة، كانت العوامل الأساسية في فوز مرشحيها، خاصة مع الغياب شبه التام للبرامج الانتخابية، في مقابل تواضع إمكانيات الأحزاب والتحالف المدنية التي تعمل خارج أسوار السلطة ومواقعها منذ سنوات طويلة.

مع ذلك، يسلط المرشح عن تحالف «البديل» الدكتور عماد جاسم الضوء على عوامل أخرى أسهمت في خروج المدنيين بالنتيجة «المؤسفة» على حد قوله.

وتحدث جاسم لـ«الشرق الأوسط» عن «تجاذبات» حدثت داخل التحالفات الثلاثة، وأسهمت بدرجة ما في تراجع حظوظ المدنيين، ومن بين تلك المشاكل «الاختلاف حول رئاسة مشتركة لتحالف جامع، ثم صار الاتفاق على تولي عدنان الزرفي لتحالف البديل المؤلف من نحو 10 أحزاب».

ويعتقد أن «تحالفاً موسعاً ودون خلافات يضم القوى الرئيسية كان سيحقق نتائج أفضل، وقد منحتنا مشاركات سابقة للقوى المدنية في البرلمان بعض الأمل، قبل أن يخيب ظننا في هذه الدورة».

ويقول جاسم: «لا ننكر أننا كنا نتوقع نتائج فوز بسيطة، لكننا لم نتوقع خسارة بهذا الحجم من الخسارة الصفرية، كان لدينا أمل في الفوز بمقعد واحد على الأقل في محافظات النجف وذي قار وواسط».

ويشير جاسم إلى مشاكل تنظيمية كانت من بين أسباب الخسارة، ومنها «عدم وجود تنظيم وتنسيق حقيقي، ولا ننسى أن جمهور المدنيين يشعرون بخيبة وانكسار كبيرين من مجمل المسار السياسي، كنت أرى في عيونهم ذلك حتى خلال التحشيد في الحملات الانتخابية، نسبة عالية من المدنيين لم يحدثوا بياناتهم فكيف تعول على ذلك، وهناك أعداد منهم منقسمة وغير راضية عن بعض الشخصيات التي ضمتها التحالفات الثلاثة».

ويلفت كذلك إلى المشاكل المتعلقة بـ«آليات تعامل الخطاب الجديد مع الجمهور، وغالباً ما يكون هذا الجمهور من الشباب وكان علينا أن نتعامل بجرأة، لقد تعامل خطابنا الإعلامي بخجل، واقتصرت حملاتنا الدعائية على أمور بسيطة وتقليدية لا تتعدى الحديث بدقيقة أو دقيقتين عبر وسائل التواصل الاجتماعي».

وخلص جاسم إلى القول: «بشكل عام، لم نشعر بدهشة كبيرة بعد الخسارة، لكن الغريب عدم فوز شخصيات مهمة ولها جمهور، مثل حسين الغرابي في ذي قار وسجاد سالم في محافظة واسط».

«فشل ذريع»

وقال المرشح عن «التحالف المدني الديمقراطي» المهندس عقيل التميمي، عشية خسارته وتحالفه في السباق الانتخابي عبر منصة «فيسبوك»: «نعلنها بصراحة وعلانية؛ لقد فشلنا، نحن القوى المدنية، فشلاً ذريعاً في إقناع الناس بمشروعنا».

وعزا الخسارة إلى أنه ورفاقه «لم نساوم ولم نرشِ أو نرتشى، لم نتحدث بلغة الطوائف ولم ندافع عنها، لم ننصب موائد انتخابية ولم نوزع الهدايا والعطاءات ولم نفتتح بيوتاً للناخبين لشراء ذممهم».

وأضاف: «فشلنا لأننا لم نُجِد فن التفاوض فيما بيننا ولأن نرجسيتنا كانت أعلى من إيثارنا، وحبنا للتشتت أقوى من تمسكنا ببعضنا، لكننا بارعون في الانشطارات».

وتابع: «أيقنت أننا متراجعون سياسياً، لا القديم منا تنازل عن بعض أفكاره ولا الجديد تقبّل القديم منا، مثقفنا تائه بين زوايا المقاهي، أما نوابنا المستقلون فوجوه للخيبة، شعبنا ما زال يعيش في غياهب الجُب، يقف على أبواب الفساد طمعاً في سلة غذاء، فعاقبنا قبل أن يعاقب الفاسدين والطائفيين».

ناخبة تدلي بصوتها في أحد مراكز الاقتراع في إقليم كردستان العراق (أ.ف.ب)

«عدالة انتخابية»

من جهته، قال المرشح عن تحالف البديل في ذي قار، عبد الرزاق علي، إن غياب العدالة الانتخابية في القوانين وانعدام التمويل وغياب الرقابة على المال السياسي منح ميزة كبيرة للأحزاب التقليدية أو القوية التي تمتلك قدرات مالية ولوجيستية أكبر.

وأوضح المرشح، لـ«الشرق الأوسط»، أن الخروقات التي أشارت إليها تقارير في أن الفصائل المسلحة أو الميليشيات أو الأحزاب المرتبطة بها، مارست الضغط والإكراه على منتسبيها لأجل التصويت لقوائم ولأسماء محددة، مما وضع القوى المدنية في موقف ضعف أمام تمكن هذه الميليشيات من الوصول إلى السلطة عبر آليات مشبوهة.


مقالات ذات صلة

الزيدي يدافع عن خفض الدينار وسط انتقادات نيابية

المشرق العربي رجل يسير أمام مكتب للصرافة في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 بعد خفض البنك المركزي العراقي قيمة الدينار مقابل الدولار (أ.ف.ب)

الزيدي يدافع عن خفض الدينار وسط انتقادات نيابية

دافع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن قرار تغيير سعر صرف الدولار، قائلاً إن الحكومة اتخذته في ظل أزمة مالية تفاقمت بسبب انقطاع صادرات النفط وإغلاق مضيق هرمز.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي خلال جلسة منح الثقة لحكومته في مايو الماضي (واع)

توافق عراقي على تسمية وزارات شاغرة منذ 5 أشهر

ترجح معظم المصادر السياسية في بغداد أن يتمكن رئيس الوزراء علي الزيدي من استكمال المتبقي من الحقائب الوزارية في غضون الأسبوع المقبل.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد اللجنة المالية في مجلس النواب تستمع إلى ملاحظات وزير المالية فالح الساري حول مشروع موازنة عام 2027 (واع)

العراق يفترض 58 دولاراً لسعر النفط في موازنة 2027

اقترحت الحكومة العراقية اعتماد سعر 58 دولاراً للبرميل في مشروع موازنة عام 2027، بينما يُتوقَّع أن يتجاوز إجمالي الإنفاق 217 تريليون دينار عراقي.اقترحت الحكومة ا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال إن حكومته تطمح إلى احتكار قرار الحرب والسلام (أ.ب)

الزيدي: العراق لاحتكار «قرار الحرب» وحصرية السلاح

عرض رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي رؤية بلاده باعتبارها «قوة اقتصادية فاعلة» و«جسراً للحوار والتعاون بين شعوب المنطقة والعالم».

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)

مخاوف تسود بغداد من تداعيات الانسحاب الأميركي

تسود في بغداد مخاوف من تداعيات محتملة للانسحاب الأميركي من البلاد المقرر في 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، فيما تشهد حركة السوق اضطراباً وركوداً.

حمزة مصطفى (بغداد)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.