فوز السوداني بانتخابات العراق «غير ضامن»... والحلبوسي «عاد من بعيد»

واشنطن «ملتزمة بالحد من السلاح»... و«التنسيقي» يتحرك نحو «الكتلة الأكبر»

جمهور الأحزاب المتنافسة تفاعل مع النتائج الأولية للانتخابات في شوارع بغداد (أ.ب)
جمهور الأحزاب المتنافسة تفاعل مع النتائج الأولية للانتخابات في شوارع بغداد (أ.ب)
TT

فوز السوداني بانتخابات العراق «غير ضامن»... والحلبوسي «عاد من بعيد»

جمهور الأحزاب المتنافسة تفاعل مع النتائج الأولية للانتخابات في شوارع بغداد (أ.ب)
جمهور الأحزاب المتنافسة تفاعل مع النتائج الأولية للانتخابات في شوارع بغداد (أ.ب)

أظهرت النتائج غير النهائية للانتخابات البرلمانية في العراق أن ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، تصدر السباق، لكنه فوز قد يتحول إلى خسارة مع مواجهة معركة سياسية معقدة لتجديد ولايته، وسط تحركات داخل تحالف «الإطار التنسيقي» لتشكيل «الكتلة الأكبر»، وتباين المواقف حول شكل الحكومة المقبلة وهوية رئيسها.

نتائج أولية

وفقاً لبيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فقد حصد ائتلاف السوداني نحو 1.3 مليون صوت في 12 محافظة من أصل 18، ليحصل على نحو 46 مقعداً، متقدماً على تحالف «تقدم» بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، وائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي.

وتصدر السوداني نتائج ثماني محافظات رئيسية بينها بغداد، والنجف، وكربلاء، وذي قار، وميسان، وبابل. كما شكل فوز الحلبوسي في الأنبار وصلاح الدين وديالى، فضلاً عن مقاعد في مدن جنوب العراق، علامة فارقة على عودة سياسيٍّ سنيٍّ من بعيد، كان قد أُقيل من منصبه عام 2023 رئيساً للبرلمان.

وأعلن السوداني، مساء الأربعاء، أن تحالفه «منفتح على الجميع دون استثناء لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة».

وقال في خطاب متلفز بعد إعلان النتائج الأولية: «سنعمل على تحقيق إرادة ومصلحة كل الشعب، ومنهم المقاطعون، لأن العراق للجميع»، في إشارة إلى التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر.

من جهته، أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق مارك سافايا، بـ«نجاح» الانتخابات، قائلاً: «أهنئ الشعب العراقي على نجاح انتخاباته البرلمانية... الشعب العراقي أثبت مرة ثانية التزامه بالحرية وسيادة القانون وبناء مؤسسات دولة قوية». وأكد أن الولايات المتحدة «تبقى ملتزمة بشكل قوي بدعم العراق وسيادته وجهوده في الإصلاح بالحد من التدخلات والمجاميع المسلحة».

فوز السوداني بنحو 46 مقعداً قد لا يكفيه لتشكيل تحالف «الكتلة الأكبر»... (أ.ف.ب)

صدارة بلا ضمان

رغم تصدره النتائج، يرى محللون أن السوداني لا يملك ضمانات كافية للبقاء في رئاسة الحكومة. وقال غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في جامعة الكوفة، لـ«الشرق الأوسط» إن «التكهن بالسيناريوهات المقبلة يبدو صعباً حتى الآن، لكن مع ذلك يمكن القول إن السوداني لا يزال هو الأكثر ترجيحاً لو تمكن من إقناع بعض أطراف الإطار التنسيقي، لأنه ليس عليه فيتو دولي بعكس منافسين آخرين قد يكونون مقبولين من الخارج لكن عليهم اعتراضات كبيرة من بعض قوى الداخل».

وأضاف الدعمي أن «هناك منافسين آخرين محتملين للمنصب من بينهم رئيسا الوزراء السابقان حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي، ولا يُستبعد أن يُطرَح أحد قادة الأجهزة الأمنية أيضاً كخيار لتولي رئاسة الحكومة، خصوصاً أن المتغيرات الإقليمية والدولية يمكن أن تكون حاكمة في هذا السياق».

ورغم أن هوية رئيس الحكومة شأن داخلي توافقي، فإن اللاعبين الأساسيين يراعون توازنات داخلية تتعلق بموقف المرجعية الدينية في النجف، وإجماع عواصم مؤثرة في المسرح العراقي أبرزها واشنطن وطهران.

«التنسيقي» يتحرك لـ«الكتلة الأكبر»

في المقابل، دعا مجلس القضاء الأعلى في العراق، الخميس، الأحزاب السياسية الفائزة في نتائج الانتخابات التشريعية إلى سرعة إجراء الحوارات والتفاهمات من أجل سرعة تشكيل السلطتين التشريعية (مجلس النواب) والتنفيذية (الحكومة) الجديدة ضمن السقوف الزمنية الدستورية.

من جهتها، بدأت قوى «الإطار التنسيقي» الذي يضم أبرز القوى الشيعية في البلاد، تحركات لتشكيل «الكتلة النيابية الأكبر» بعد المصادقة على نتائج الانتخابات، في مسعى لاحتواء نفوذ السوداني داخل البرلمان وربما الدفع باتجاه اختيار بديل له.

وقال مختار الموسوي، القيادي في منظمة «بدر»، وهي من مكونات الإطار، في تصريح صحافي، إن «قوى (التنسيقي) ستعلن تشكيلها (الكتلة النيابية الأكبر) بعد المصادقة على النتائج الرسمية للانتخابات»، مضيفاً أن «قوائم التحالف حصلت على أصوات ومقاعد تُمكِّنها من المضيّ بـ(الكتلة الأكبر)، التي يقع على عاتقها دستورياً تسمية رئيس الحكومة الجديدة، وليس بالضرورة أن تكون هذه الكتلة مع ائتلاف الإعمار والتنمية».

وحسب مصادر سياسية مطلعة، عقدت قوى الإطار اجتماعاً مغلقاً بعد إعلان النتائج مساء الأربعاء، في بغداد، لمناقشة توزيع المناصب وتحديد هوية المرشح لرئاسة الحكومة المقبلة. ووفقاً للمصادر، فإن المجتمعين ناقشوا أيضاً ملف العلاقة مع التيار الصدري المقاطع للانتخابات، وإمكانية إشراكه في التسوية السياسية لتجنب أي توتر في الشارع.

مؤيدون لرئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني يحتفلون وسط بغداد (د.ب.أ)

خريطة متشابكة

تُظهر نتائج الاقتراع توازنات دقيقة داخل البيت الشيعي، إذ حصل ائتلاف دولة القانون على نحو 28 مقعداً، وكتلة «صادقون» التابعة لـ«عصائب أهل الحق» على 27 مقعداً، فيما نالت «منظمة بدر» بزعامة هادي العامري، وتيار «قوى الدولة» بزعامة عمار الحكيم، 18 مقعداً، لكل منهما.

وتعزز هذه النتائج من موقع «الإطار التنسيقي» كمحور أساسي لتشكيل الحكومة المقبلة، لكنها في الوقت ذاته تزيد من صعوبة التوافق الداخلي بسبب تضارب الطموحات بين مكوناته.

ويرى صلاح العرباوي، رئيس حركة «وعي» الوطنية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الانتخابات لم تأتِ بأي جديد، حيث كان التنافس محصوراً داخل قوى الإطار التنسيقي»، مشيراً إلى أن «الملمح الأبرز فيها هو الغياب شبه التام للقوى المدنية والليبرالية والحركات المنبثقة من (احتجاجات تشرين)».

ويضيف العرباوي أن «قوى الإطار التنسيقي ستجتمع فيما بينها لتشكيل الكتلة الأكثر عدداً كما جرت العادة في كل انتخابات، وقد نشهد خلال شهر مارس (آذار) المقبل تشكيل الحكومة الجديدة، وربما لا يكون السوداني رئيسها».

ويرى أن «الأهم من ذلك هو ترتيب عودة آمنة للتيار الصدري، وذلك لن يتحقق إلا من خلال انتخابات مبكرة، لأن التيار لن يستمر طويلاً خارج أروقة السلطة».

أنصار تحالف سياسي في بغداد يحتفلون في ساحة التحرير عقب إعلان النتائج الأولية للانتخابات في بغداد (د.ب.أ)

صعود سنّي وتوازن كردي

على الصعيد السني، حقق تحالف «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي، المرتبة الثانية على المستوى الوطني، مما يمنحه ثقلاً تفاوضياً مهماً في تشكيل التحالفات المقبلة.

ويرى مراقبون أن تصدر الحلبوسي يعكس حاجة الشارع السني إلى «قيادة قوية قادرة على انتزاع حقوقه وتحقيق التوازن المفقود داخل النظام السياسي»، رغم الانتقادات التي تطول أداءه خلال السنوات الماضية.

أما في المشهد الكردي، فقد حافظ «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، على صدارته في معظم مدن إقليم كردستان، لا سيما أربيل ودهوك ونينوى، في حين تراجع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في معقله بالسليمانية، مقابل صعود محدود للاتحاد الإسلامي الكردستاني وبعض الأحزاب الناشئة.

ويقول مراقبون إن هذا التوزيع قد يدفع الحزبين الكرديين الكبيرين إلى تفاهمات جديدة مع بغداد حول الملفات العالقة، وفي مقدمتها حصة الإقليم من الموازنة ومسألة النفط والغاز.

توازنات دقيقة

يعتقد محللون أن عملية تشكيل الحكومة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في ظاهر النتائج، إذ يتطلب الأمر توافقات واسعة لا تقتصر على الطيف الشيعي بل تمتد إلى الشركاء السنة والأكراد. ويقول المحلل حسن العبودي إن «السوداني خرج فائزاً في صناديق الاقتراع، لكنه قد يواجه صعوبات في التفاوض مع حلفائه وخصومه على حد سواء»، مضيفاً أن «المعضلة لا تتعلق فقط بعدد المقاعد، بل بمدى قدرة القوى الشيعية على الاتفاق على برنامج حكومي واضح وتوزيع المناصب بعيداً عن المحاصصة».

ويشير العبودي إلى أن «مقاطعة التيار الصدري لم تكن مؤثرة كما توقع البعض، إذ توجهت أصوات ناخبي الجنوب إلى قوى الإطار التقليدية مثل المالكي والخزعلي، مما منحها زخماً أكبر ورسخ نفوذها في المدن الشيعية الكبرى».

أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني يحتفلون في شوارع دهوك شمال العراق عقب إعلان النتائج الأولية للانتخابات (د.ب.أ)

خيارات مفتوحة

يعتقد مراقبون أن السوداني لا يزال المرشح الأوفر حظاً لتولي رئاسة الحكومة المقبلة، لكنه سيحتاج إلى توافقات دقيقة داخل «الإطار التنسيقي» ومع القوى الأخرى، خصوصاً في ظل رغبة بعض الأطراف في إحداث تغيير في الوجوه السياسية. وفي حال تعذّر التوافق، قد تُطرح أسماء بديلة مثل العبادي أو الكاظمي أو حتى شخصية أمنية مقبولة داخلياً وخارجياً، حسبما رجح الدكتور غالب الدعمي.

من جهة أخرى، تشير تسريبات سياسية إلى أن القوى الفائزة تدرس صيغة «حكومة توافق وطني» تضم أطرافاً من مختلف المكونات، لتفادي إعادة سيناريو الانسداد السياسي الذي شهدته البلاد بعد انتخابات عام 2021.

ومع انتظار المصادقة النهائية على النتائج، تبدو ملامح المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة القوى السياسية على تجاوز منطق المحاصصة نحو تفاهمات تضمن الاستقرار.

ويرى صلاح العرباوي أن «الانتخابات الأخيرة كرّست واقع الانقسام لكنها قد تفتح نافذة لحوار جديد، خصوصاً إذا تم ترتيب عودة التيار الصدري إلى العملية السياسية عبر انتخابات مبكرة».


مقالات ذات صلة

الصدر يمهل جناحه العسكري أسبوعاً للاندماج في الحكومة

المشرق العربي دراجة نارية تمر أمام لافتة لمقتدى الصدر نُصبت على أحد شوارع بغداد 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يمهل جناحه العسكري أسبوعاً للاندماج في الحكومة

حدد زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، مهلة أسبوع لإكمال انفكاك جناحه العسكري وإلحاقه بالمؤسسات الحكومية.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية (الاتحاد العراقي لكرة القدم)

إلغاء كأس العراق يثير جدلاً واسعاً في الشارع الكروي

أشعل قرار الاتحاد العراقي لكرة القدم بإلغاء ما تبقى من منافسات بطولة كأس العراق للموسم الحالي حالة واسعة من الجدل داخل الوسط الكروي العراقي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي العسكري الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

الصدر يدمج جناحه العسكري في الدولة العراقية

أعلن زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، أمس (الأربعاء)، دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في الدولة، داعياً فصائل «الحشد الشعبي» إلى تسليم سلاحها.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي العسكري الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

الصدر يعلن إلحاق جناحه العسكري بالحكومة العراقية

قال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الأربعاء، إنه قرر فك ارتباط جناحه العسكري «سرايا السلام» بالتيار وإلحاق عناصرها بالدولة.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد موظف يقوم بتعبئة الوقود في إحدى المحطات (رويترز)

العراق: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في بغداد

أعلنت شركة المنتجات النفطية العراقية، الأربعاء، أن محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في بغداد والمحافظات.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

براك: اكتشاف الأسلحة الكيميائية من حقبة الأسد محطة مهمة لسوريا

براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
TT

براك: اكتشاف الأسلحة الكيميائية من حقبة الأسد محطة مهمة لسوريا

براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

رأى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، الخميس، أن اكتشاف وتأمين الأسلحة الكيميائية غير المعلنة من حقبة الأسد يعدّ محطة مهمة لسوريا الجديدة وللأمن الدولي.

وقال براك في منشور له عبر منصة «إكس»: «بفضل العمل الشجاع الذي قامت به السلطات السورية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وبدعم من رئيس الولايات المتحدة الأميركية والشركاء الدوليين، تحقق تنفيذ اتخاذ خطوة أخرى نحو القضاء نهائياً على الإرث الوحشي للأسلحة الكيميائية في سوريا».

وأضاف براك: «إن سوريا الأكثر أماناً، وذات السيادة، والخاضعة للمساءلة، يصبّ في مصلحة الشعب السوري والعالم بأسره».

وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، قد أكد، في وقت سابق، سوريا حققت تقدماً جديداً في ملف إزالة مخلفات الأسلحة الكيميائية لحقبة النظام البائد.

من جهته، أوضح الشيباني في منشور عبر منصة «إكس» أن الفرق الوطنية المختصة نجحت في العثور على ذخائر ومواد تدخل في التصنيع، ومعدات مزج وتخزين، والتي جرى تأمينها ونقلها إلى مرافق متخصصة تمهيداً لتدميرها.

خبير أسلحة كيماوية تابع للأمم المتحدة يحمل عينات من أحد مواقع الهجوم بالأسلحة الكيماوية في حي عين ترما بدمشق (أرشيفية - رويترز)

وأشار إلى أن التقدم جاء نتيجة أشهر طويلة من العمل الوطني والاستخباراتي والفني، شملت جمع المعلومات وتحليلها والوصول إلى مواقع عالية الخطورة، بالإضافة إلى تسهيل زيارات فرق التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) إلى عشرات من هذه المواقع، وإحراز تقدم في ملاحقة المتورطين في البرنامج الكيميائي السابق.

وكان مسؤول سوري أكد، في لاهاي قبل أيام، العثور على بقايا لبرنامج الأسلحة الكيماوية السري الذي كان ‌يُديره ‌الرئيس ‌السابق بشار الأسد، ​بما في ذلك مواد خام وذخائر مماثلة لتلك التي استخدمت في شن هجمات غاز مميتة خلال ‌الحرب ‌الأهلية ​الطويلة ‌التي شهدتها البلاد.

ونقلت وكالة «رويترز» عن المندوب الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ‌في لاهاي، محمد كتوب، أن السلطات اعتقلت 18 شخصاً للاشتباه بتورطهم في برنامج الأسد للأسلحة الكيماوية، بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وتقنيون ​كبار في النظام السابق.

وقال المصدر نفسه إنه تم العثور أيضاً على «مكونات غاز السارين المستخدم من قبل قوات الأسد»، مضيفاً أنه جرى انتشال أكثر من 70 صاروخاً وقنبلة كانت تُستخدم للأسلحة الكيماوية.


القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
TT

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد داخل إحدى المزارع بريف المحافظة، في عملية أمنية نفذت بناء على متابعة ميدانية دقيقة، ويعد الموقوف من أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المجرمين في المحافظة خلال فترة النظام البائد والمتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني.

يعرف البوحمد، واسمه الحقيقي تركي مخلف المرعي، بكونه أحد قيادات ميليشيا قوات مقاتلي العشائر التي ارتبطت بشعبة الاستخبارات العسكرية، حيث برز اسمه خلال السنوات الأولى من الثورة في سوريا.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

عرفت مجموعته باسم بـ«مغاوير الصحراء» التابعة لميليشيا الدفاع الوطني السابقة. وقد ارتبط اسمه بعمليات نهب وسلب وتعذيب طالت معظم سكان المناطق التي دخلتها تلك الميليشيا، فضلاً عن مساهمته في اعتقال عدد كبير من مؤيدي الثورة السورية. ونشرت مواقع سورية فيديو لـ«قصر» يملكه المدعو تركي مخلف المرعي بين قريتي البوحمد وغانم - العلي في ريف الرقة الشرقي.

يُعتبر البوحمد مسؤولاً عن ارتكاب العديد من الجرائم بحق أبناء المنطقة الشرقية منذ عام 2017، بما في ذلك جرائم الحرب، والتهجير القسري، كما يُعدّ من أبرز المسؤولين عن تجنيد الشباب في المنطقة للانضمام إلى صفوف الميليشيات الإيرانية.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق مع رموز نظام الأسد ويبدو فيها اثنتان منهما مع العميد سهيل الحسن بنظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وكان موقع «الذاكرة السورية» قد وثّق أنه عمل لصالح الأجهزة الأمنية في بدايات الثورة السورية، وساهم باعتقال المتظاهرين والمتعاطفين مع الجيش الحر. وفي منتصف عام 2014 شكّل مع «عمر العلاوي» الأمين العام لـ«حركة الاشتراكيين العرب» ميليشيا مسلحة تدعى «قوات مقاتلي العشائر» للقتال إلى جانب قوات الأسد في الرقة ودير الزور، وتتبع الميليشيا لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتخضع لتدريب من روسيا و«حزب الله»، وربطته علاقة متينة مع سهيل الحسن وروسيا التي منحت الأخير 15 وساماً، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية في العلوم العسكرية.

يُعد البوحمد أحد أبرز قادة الميليشيات التي قـاتلت إلى جانب النظـام السوري السابق في ريف الرقة الجنوبي الشرقي كما شارك في المعارك التي شهدها ريف دمشق وسط اتهـامات بارتكـاب انتـهاكات وجـرائم حـرب بحق المدنيين.

ارتبط اسمه خلال سنوات سيطرة ميليشياته على مناطق ريف الرقة بسلسلة من الانتهاكات بحق المدنيين، شملت وفق مصادر محلية عمليات نهب وابتزاز، إضافة إلى فرض قيود على عودة السكان إلى قراهم، حيث جرى اشتراط انخراط مقاتلين من بعض العائلات للسماح لهم بالعودة، إلى جانب منع عائلات أخرى لأسباب تتعلق بالانتماء أو المواقف السياسية.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

في عام 2017، أعلن البوحمد نفسه شيخ عشائر «البوشعبان» خلال فعالية أقامتها مجموعته، وهو ما أثار حالة من الجدل والاستياء داخل أوساط اجتماعية وعشائرية، في ظل رفض بعض أبناء العشيرة لهذا التوصيف والانقسام حوله.

تركي البوحمد الذي يُلقب شعبياً بـ«كركاعة»، هو من قرية البوحمد شرق الرقة ونسب نفسه إليها في اسمه. وبعد تشكيله ميليشيا مقاتلي العشائر بدأ بعمليات نهب وسرقة وخطـف وابتــزاز بحق مدنيين في المناطق التي دخلها عناصره. وبحسب مصادر محلية، فإن تركي له علاقة بعمليات استهداف رُعاة الأغنام في البادية السورية وسرقة مواشيهم، وتعفيش منازل المدنيين في قرى حطلة وخشام ومراط خلال سيطرة النظام البائد على هذه القرى.

وكان موقع «الرقة تذبح بصمت» قد نشر في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن قوى الأمن الداخلي في معدان ألقت القبض على عناصر خلية مسلحة مرتبطة بالمدعو «تركي البوحمد» العامل تحت جناح ميليشيا#قسد وذلك في بلدة معدان شرق الرقة.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق البوحمد مع رموز نظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وبعد اعتقال البوحمد اليوم تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي مع الخبر ودعم معظمها القبض على أحد رجالات الأسد من مجرمي الحرب، وأشارت إلى أن بعض المتنفذين يتواصلون مع السلطات السورية للإفراج عنه.

إلا أن حساب «إعلاميون بلا حدود - الرقة»، نشر أنه بعد الأنباء المتداولة عن خروج المدعو «تركي البوحمد» المعروف بلقب «كركاعة»، والمتهم بالتورط بعدة انتهاكات وتجاوزات بحق المدنيين في مدينة الرقة وريفها الشرقي، إضافة لورود اسمه ضمن شهادات وملفات متداولة تتعلق بقضايا تعذيب وانتهاكات بحق عدد من أبناء المنطقة؛ أطلق عدد من الأهالي مناشدات للجهات المعنية بضرورة تحويله إلى القضاء وفتح كامل الملفات المرتبطة به ومحاسبة جميع المتورطين وفق القانون، مؤكدين أن الجهات الأمنية تتحمل كامل المسؤولية أمام الأهالي والرأي العام في حال تم الإفراج عنه أو إغلاق ملفه دون محاسبة قانونية واضحة وعادلة.


التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
TT

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

على الرغم من التصريحات التي توحي بأن التصعيد الحربي الإسرائيلي على لبنان جاء لـ«سحق (حزب الله)»، كما قال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ولأجل «تدمير ما تبقى من قدرات للحزب»، كما يقول الجيش، ومن أجل تحطيم القوة المتنامية لحركة «حماس» في قطاع غزة، يبدو أن الأمر الحاسم فعلاً هو الحسابات الداخلية التي يجريها القادة السياسيون والعسكريون في تل أبيب.

فالحكومة تتعرض لانتقادات لاذعة، ليس فقط من أحزاب المعارضة، بل من الجمهور الواسع والصحافة وحتى من بعض الشخصيات اليمينية، لأن الجميع يجد أن أهداف الحرب لم تتحقق. وكل الوعود الرسمية العلنية، بتصفية المشروع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام في طهران، والقضاء على الأذرع العسكرية الإقليمية، وتفكيك «حزب الله» من سلاحه وإلحاق ضربة قاضية بـ«حماس»، تبخرت. صحيح أن هذه القوة تلقت ضربات قاسية جداً، ولم تستطع حماية كبار قادتها من الاختراق الأمني الإسرائيلي والاغتيالات، إلا أن إيران تحافظ على نحو نصف ترسانتها، وتواصل تهديداتها، و«حزب الله» يجعل حياة سكان الشمال الإسرائيلي كابوساً، ويقوّض قدرات الحكومة اللبنانية على إدارة مفاوضات واشنطن من موقع قوة، و«حماس» تفرض سيطرتها بالقوة في قطاع غزة.

بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير خلال جلسة للكنيسيت في 23 مايو 2026 (أ. ب)

ويسخر الإسرائيليون من تصريحات نتنياهو، التي يعلن فيها مرتين في اليوم أنه والرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صديقان، وعلى تنسيق تام في المواقف، بينما يقول ترمب إن «نتنياهو ولد جيد يفعل كل ما أطلبه منه». ويسخرون أيضاً من ترمب الذي «لم يفِ بوعوده حول أهداف الحرب».

ويتعرض الجيش الإسرائيلي لهزة في هيبته؛ فالحكومة نفسها تتهمه بالعجز عن توفير الأمن، وتتهمه بالإهمال. وقد ظهر نتنياهو بنفسه يدعي بأنه عندما ظهرت الطائرات المسيّرة بالألياف البصرية في حرب أوكرانيا، تنبه إلى خطورتها، وحذر جيشه، وطلب الاستعداد لمواجهتها. وسكان الشمال الإسرائيلي، الذين يضطرون إلى الركض إلى الملاجئ أكثر من 20 مرة في اليوم الواحد، يتهمون الجيش بالفشل في حمايتهم، ويطالبونه باستغلال كل قدراته للقضاء على «حزب الله» حتى لو كان الأمر يتطلب احتلال لبنان كله.

وسكان الجنوب يروون أنهم كلما رأوا كيف تتصرف «حماس» يستعيدون ذكريات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

لذلك، انطلق نتنياهو إلى التصعيد، لأن الانتقادات ضده تتغلغل في نفوس الجمهور الواسع، وهو في عزّ معركته الانتخابية. ومع أن منافسيه من المعارضة يعانون من الشرذمة والضعف ولا يطرحون بديلاً مقنعاً لسياسته، فإنه يخشى من هزيمة. وهو يحتاج إلى لهيب الحرب للتغطية على فشله، وربما يستغل الحرب لتأجيل الانتخابات «بسبب حالة الطوارئ الحربية».

فلسطينيون يعاينون الدمار قرب مبنى استهدفته غارة إسرائيلية مدينة غزة الخميس (رويترز)

والجيش، الذي لا يطيق اعتباره ضعيفاً أمام الجمهور وأمام أهالي جنوده وضباطه، ويحاول الظهور كأقوى جيش في الشرق الأوسط، ويدير حملات حربية شرسة لا ترحم طفلاً أو امرأة في لبنان أو غزة، يوسع نطاق احتلاله ويدمر العمارات والبنى التحتية أكثر، ويشرد مئات الألوف، ويعيث فساداً ونهباً للبيوت التي يجتاحها، ويفرض معادلة مريعة: «مقابل كل إسرائيلي يقتله (حزب الله) نقتل 30 لبنانياً»، و«مقابل كل جدار تدمره مسيرات (حزب الله) في البلدات الإسرائيلية ندمر عشرات العمارات في لبنان»، ويطلق موجة جديدة من عمليات الاغتيال في قطاع غزة، وفي لبنان (حاولوا اغتيال نعيم قاسم مرتين على الأقل). وجنباً إلى جنب مع ذلك، رد بحملة يلقي فيها باللائمة على الحكومة.

في البداية، قال إنه حقق إنجازات عسكرية هائلة، لكن الحكومة لم تنجح في استثمارها سياسياً. ثم قال إن سحق «حزب الله» هو شعار شعبوي، وإن نزع سلاح «حزب الله» يحتاج إلى قرار سياسي باحتلال لبنان كله، وحتى في هذه الحالة لا نضمن القضاء على كل بندقية.

والأمر نفسه في قطاع غزة. لكنه راح لاحقاً يتهم الحكومة بأنها تقيد يديه، ولا تصدر القرارات السياسية المناسبة.

وقد اضطر نتنياهو إلى إلقاء المسؤولية على ترمب، قائلاً إنه لا يريد أن يقصف بيروت، أو أن يتخذ قرارات حربية واسعة تخرب على ترمب في مفاوضاته مع إيران، «وهو أكبر صديق لإسرائيل في التاريخ الأميركي».

دمار بمبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان الخميس (أ. ب)

من هنا، فإن الصراعات الداخلية في إسرائيل، الغارقة في المصالح الشخصية والحزبية لنتنياهو وحكومته من جهة، والمصالح الذاتية التي تتعلق بالهيبة للجيش، من جهة ثانية، هي التي تحكم التصرفات وتملي التصعيد. وفي ممارسات «حزب الله» و«حماس» ما يجدون فيه دائماً حجة يتذرعون بها، ويقنعون الرئيس ترمب بدعمهم في «معالجتها» بمزيد من التصعيد. وعلى الطريق، يجربون مزيداً من الأسلحة الفتاكة لتصبح قابلة للبيع بأسعار تفضيلية خدمةً لشركات الأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي تُعتبر أكبر الرابحين من هذه الحرب.