فوز السوداني بانتخابات العراق «غير ضامن»... والحلبوسي «عاد من بعيد»

واشنطن «ملتزمة بالحد من السلاح»... و«التنسيقي» يتحرك نحو «الكتلة الأكبر»

جمهور الأحزاب المتنافسة تفاعل مع النتائج الأولية للانتخابات في شوارع بغداد (أ.ب)
جمهور الأحزاب المتنافسة تفاعل مع النتائج الأولية للانتخابات في شوارع بغداد (أ.ب)
TT

فوز السوداني بانتخابات العراق «غير ضامن»... والحلبوسي «عاد من بعيد»

جمهور الأحزاب المتنافسة تفاعل مع النتائج الأولية للانتخابات في شوارع بغداد (أ.ب)
جمهور الأحزاب المتنافسة تفاعل مع النتائج الأولية للانتخابات في شوارع بغداد (أ.ب)

أظهرت النتائج غير النهائية للانتخابات البرلمانية في العراق أن ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، تصدر السباق، لكنه فوز قد يتحول إلى خسارة مع مواجهة معركة سياسية معقدة لتجديد ولايته، وسط تحركات داخل تحالف «الإطار التنسيقي» لتشكيل «الكتلة الأكبر»، وتباين المواقف حول شكل الحكومة المقبلة وهوية رئيسها.

نتائج أولية

وفقاً لبيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فقد حصد ائتلاف السوداني نحو 1.3 مليون صوت في 12 محافظة من أصل 18، ليحصل على نحو 46 مقعداً، متقدماً على تحالف «تقدم» بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، وائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي.

وتصدر السوداني نتائج ثماني محافظات رئيسية بينها بغداد، والنجف، وكربلاء، وذي قار، وميسان، وبابل. كما شكل فوز الحلبوسي في الأنبار وصلاح الدين وديالى، فضلاً عن مقاعد في مدن جنوب العراق، علامة فارقة على عودة سياسيٍّ سنيٍّ من بعيد، كان قد أُقيل من منصبه عام 2023 رئيساً للبرلمان.

وأعلن السوداني، مساء الأربعاء، أن تحالفه «منفتح على الجميع دون استثناء لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة».

وقال في خطاب متلفز بعد إعلان النتائج الأولية: «سنعمل على تحقيق إرادة ومصلحة كل الشعب، ومنهم المقاطعون، لأن العراق للجميع»، في إشارة إلى التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر.

من جهته، أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق مارك سافايا، بـ«نجاح» الانتخابات، قائلاً: «أهنئ الشعب العراقي على نجاح انتخاباته البرلمانية... الشعب العراقي أثبت مرة ثانية التزامه بالحرية وسيادة القانون وبناء مؤسسات دولة قوية». وأكد أن الولايات المتحدة «تبقى ملتزمة بشكل قوي بدعم العراق وسيادته وجهوده في الإصلاح بالحد من التدخلات والمجاميع المسلحة».

فوز السوداني بنحو 46 مقعداً قد لا يكفيه لتشكيل تحالف «الكتلة الأكبر»... (أ.ف.ب)

صدارة بلا ضمان

رغم تصدره النتائج، يرى محللون أن السوداني لا يملك ضمانات كافية للبقاء في رئاسة الحكومة. وقال غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في جامعة الكوفة، لـ«الشرق الأوسط» إن «التكهن بالسيناريوهات المقبلة يبدو صعباً حتى الآن، لكن مع ذلك يمكن القول إن السوداني لا يزال هو الأكثر ترجيحاً لو تمكن من إقناع بعض أطراف الإطار التنسيقي، لأنه ليس عليه فيتو دولي بعكس منافسين آخرين قد يكونون مقبولين من الخارج لكن عليهم اعتراضات كبيرة من بعض قوى الداخل».

وأضاف الدعمي أن «هناك منافسين آخرين محتملين للمنصب من بينهم رئيسا الوزراء السابقان حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي، ولا يُستبعد أن يُطرَح أحد قادة الأجهزة الأمنية أيضاً كخيار لتولي رئاسة الحكومة، خصوصاً أن المتغيرات الإقليمية والدولية يمكن أن تكون حاكمة في هذا السياق».

ورغم أن هوية رئيس الحكومة شأن داخلي توافقي، فإن اللاعبين الأساسيين يراعون توازنات داخلية تتعلق بموقف المرجعية الدينية في النجف، وإجماع عواصم مؤثرة في المسرح العراقي أبرزها واشنطن وطهران.

«التنسيقي» يتحرك لـ«الكتلة الأكبر»

في المقابل، دعا مجلس القضاء الأعلى في العراق، الخميس، الأحزاب السياسية الفائزة في نتائج الانتخابات التشريعية إلى سرعة إجراء الحوارات والتفاهمات من أجل سرعة تشكيل السلطتين التشريعية (مجلس النواب) والتنفيذية (الحكومة) الجديدة ضمن السقوف الزمنية الدستورية.

من جهتها، بدأت قوى «الإطار التنسيقي» الذي يضم أبرز القوى الشيعية في البلاد، تحركات لتشكيل «الكتلة النيابية الأكبر» بعد المصادقة على نتائج الانتخابات، في مسعى لاحتواء نفوذ السوداني داخل البرلمان وربما الدفع باتجاه اختيار بديل له.

وقال مختار الموسوي، القيادي في منظمة «بدر»، وهي من مكونات الإطار، في تصريح صحافي، إن «قوى (التنسيقي) ستعلن تشكيلها (الكتلة النيابية الأكبر) بعد المصادقة على النتائج الرسمية للانتخابات»، مضيفاً أن «قوائم التحالف حصلت على أصوات ومقاعد تُمكِّنها من المضيّ بـ(الكتلة الأكبر)، التي يقع على عاتقها دستورياً تسمية رئيس الحكومة الجديدة، وليس بالضرورة أن تكون هذه الكتلة مع ائتلاف الإعمار والتنمية».

وحسب مصادر سياسية مطلعة، عقدت قوى الإطار اجتماعاً مغلقاً بعد إعلان النتائج مساء الأربعاء، في بغداد، لمناقشة توزيع المناصب وتحديد هوية المرشح لرئاسة الحكومة المقبلة. ووفقاً للمصادر، فإن المجتمعين ناقشوا أيضاً ملف العلاقة مع التيار الصدري المقاطع للانتخابات، وإمكانية إشراكه في التسوية السياسية لتجنب أي توتر في الشارع.

مؤيدون لرئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني يحتفلون وسط بغداد (د.ب.أ)

خريطة متشابكة

تُظهر نتائج الاقتراع توازنات دقيقة داخل البيت الشيعي، إذ حصل ائتلاف دولة القانون على نحو 28 مقعداً، وكتلة «صادقون» التابعة لـ«عصائب أهل الحق» على 27 مقعداً، فيما نالت «منظمة بدر» بزعامة هادي العامري، وتيار «قوى الدولة» بزعامة عمار الحكيم، 18 مقعداً، لكل منهما.

وتعزز هذه النتائج من موقع «الإطار التنسيقي» كمحور أساسي لتشكيل الحكومة المقبلة، لكنها في الوقت ذاته تزيد من صعوبة التوافق الداخلي بسبب تضارب الطموحات بين مكوناته.

ويرى صلاح العرباوي، رئيس حركة «وعي» الوطنية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الانتخابات لم تأتِ بأي جديد، حيث كان التنافس محصوراً داخل قوى الإطار التنسيقي»، مشيراً إلى أن «الملمح الأبرز فيها هو الغياب شبه التام للقوى المدنية والليبرالية والحركات المنبثقة من (احتجاجات تشرين)».

ويضيف العرباوي أن «قوى الإطار التنسيقي ستجتمع فيما بينها لتشكيل الكتلة الأكثر عدداً كما جرت العادة في كل انتخابات، وقد نشهد خلال شهر مارس (آذار) المقبل تشكيل الحكومة الجديدة، وربما لا يكون السوداني رئيسها».

ويرى أن «الأهم من ذلك هو ترتيب عودة آمنة للتيار الصدري، وذلك لن يتحقق إلا من خلال انتخابات مبكرة، لأن التيار لن يستمر طويلاً خارج أروقة السلطة».

أنصار تحالف سياسي في بغداد يحتفلون في ساحة التحرير عقب إعلان النتائج الأولية للانتخابات في بغداد (د.ب.أ)

صعود سنّي وتوازن كردي

على الصعيد السني، حقق تحالف «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي، المرتبة الثانية على المستوى الوطني، مما يمنحه ثقلاً تفاوضياً مهماً في تشكيل التحالفات المقبلة.

ويرى مراقبون أن تصدر الحلبوسي يعكس حاجة الشارع السني إلى «قيادة قوية قادرة على انتزاع حقوقه وتحقيق التوازن المفقود داخل النظام السياسي»، رغم الانتقادات التي تطول أداءه خلال السنوات الماضية.

أما في المشهد الكردي، فقد حافظ «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، على صدارته في معظم مدن إقليم كردستان، لا سيما أربيل ودهوك ونينوى، في حين تراجع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في معقله بالسليمانية، مقابل صعود محدود للاتحاد الإسلامي الكردستاني وبعض الأحزاب الناشئة.

ويقول مراقبون إن هذا التوزيع قد يدفع الحزبين الكرديين الكبيرين إلى تفاهمات جديدة مع بغداد حول الملفات العالقة، وفي مقدمتها حصة الإقليم من الموازنة ومسألة النفط والغاز.

توازنات دقيقة

يعتقد محللون أن عملية تشكيل الحكومة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في ظاهر النتائج، إذ يتطلب الأمر توافقات واسعة لا تقتصر على الطيف الشيعي بل تمتد إلى الشركاء السنة والأكراد. ويقول المحلل حسن العبودي إن «السوداني خرج فائزاً في صناديق الاقتراع، لكنه قد يواجه صعوبات في التفاوض مع حلفائه وخصومه على حد سواء»، مضيفاً أن «المعضلة لا تتعلق فقط بعدد المقاعد، بل بمدى قدرة القوى الشيعية على الاتفاق على برنامج حكومي واضح وتوزيع المناصب بعيداً عن المحاصصة».

ويشير العبودي إلى أن «مقاطعة التيار الصدري لم تكن مؤثرة كما توقع البعض، إذ توجهت أصوات ناخبي الجنوب إلى قوى الإطار التقليدية مثل المالكي والخزعلي، مما منحها زخماً أكبر ورسخ نفوذها في المدن الشيعية الكبرى».

أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني يحتفلون في شوارع دهوك شمال العراق عقب إعلان النتائج الأولية للانتخابات (د.ب.أ)

خيارات مفتوحة

يعتقد مراقبون أن السوداني لا يزال المرشح الأوفر حظاً لتولي رئاسة الحكومة المقبلة، لكنه سيحتاج إلى توافقات دقيقة داخل «الإطار التنسيقي» ومع القوى الأخرى، خصوصاً في ظل رغبة بعض الأطراف في إحداث تغيير في الوجوه السياسية. وفي حال تعذّر التوافق، قد تُطرح أسماء بديلة مثل العبادي أو الكاظمي أو حتى شخصية أمنية مقبولة داخلياً وخارجياً، حسبما رجح الدكتور غالب الدعمي.

من جهة أخرى، تشير تسريبات سياسية إلى أن القوى الفائزة تدرس صيغة «حكومة توافق وطني» تضم أطرافاً من مختلف المكونات، لتفادي إعادة سيناريو الانسداد السياسي الذي شهدته البلاد بعد انتخابات عام 2021.

ومع انتظار المصادقة النهائية على النتائج، تبدو ملامح المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة القوى السياسية على تجاوز منطق المحاصصة نحو تفاهمات تضمن الاستقرار.

ويرى صلاح العرباوي أن «الانتخابات الأخيرة كرّست واقع الانقسام لكنها قد تفتح نافذة لحوار جديد، خصوصاً إذا تم ترتيب عودة التيار الصدري إلى العملية السياسية عبر انتخابات مبكرة».


مقالات ذات صلة

آخر جنود التحالف الدولي في طريقهم لمغادرة العراق

المشرق العربي عراقي يمر أمام لوحة إعلانية تحمل العَلم العراقي في ساحة التحرير بوسط بغداد 22 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

آخر جنود التحالف الدولي في طريقهم لمغادرة العراق

تواصل السلطات العراقية استعداداتها الأخيرة وصولاً إلى ما وصفته بـ«يوم السيادة» الذي سيشهد خروج آخر جندي من قوات التحالف الدولي.

فاضل النشمي (بغداد)
رياضة عربية سليمان بن علي البوسعيدي رئيس الاتحاد العُماني لكرة القدم (الاتحاد العُماني)

رئيس الاتحاد العُماني لـ«الشرق الأوسط»: استضافة كأس الخليج ستأتي في وقتها… وندعم ملف العراق

أكد سليمان بن علي البوسعيدي، رئيس الاتحاد العُماني لكرة القدم، أن استضافة سلطنة عُمان لبطولة كأس الخليج ستأتي في الوقت المناسب، مشيراً إلى دعم بلاده ملف العراق.

علي العمري (جدة )
المشرق العربي مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)

كردستان العراق: تصاعد المخاوف من الانسحاب الوشيك لـ«التحالف الدولي»

في حين تستعد الحكومة الاتحادية في بغداد للاحتفال الأربعاء المقبل بـ«يوم السيادة» تبدي غالبية الزعامات الكردية مخاوف شديدة من الانسحاب المرتقب لـ«التحالف الدولي»

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)

وقف الطيران الإيراني يثير جدلاً داخل التحالف الحاكم في العراق

الإجراءات العقابية الأميركية لن تقتصر فقط على شركات الطيران الإيرانية المشمولة بها، وإنما قد تطول أي جهة أو مطار يقدم خدمات أو يسهّل تشغيل رحلات تلك الشركات.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي استعرض لقوات «البيشمركة» (إعلام كردي) p-circle

أربيل تبحث عن بدائل لمساعدات أوقفها «التحالف الدولي»

أعلنت وزارة «البيشمركة» في كردستان العراق، السبت، وقف التحالف الدولي المساعدات المالية التي سبق أن خصصها لقوات «حرس الإقليم».

فاضل النشمي (بغداد)

هولندا تستدعي سفير إسرائيل على خلفية طرد دبلوماسيين من رام الله

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
TT

هولندا تستدعي سفير إسرائيل على خلفية طرد دبلوماسيين من رام الله

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)

أعلنت هولندا، اليوم (الاثنين)، أنها استدعت سفير إسرائيل لديها، احتجاجاً على قرار إسرائيل سحب الصفة الدبلوماسية من دبلوماسيين هولنديين لدى السلطة الفلسطينية في رام الله.

وقالت إسرائيل، أمس (الأحد)، إنها اتخذت هذه الخطوة رداً على العقوبات الهولندية التي تستهدف المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

وكانت هولندا عبّرت في وقت سابق عن أسفها إزاء الخطوة الإسرائيلية، التي وصفتها بأنها «غير ضرورية».


كالاس في دمشق الثلاثاء... ترسيخ التطبيع السياسي بين «الأوروبي» وسوريا

الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)
TT

كالاس في دمشق الثلاثاء... ترسيخ التطبيع السياسي بين «الأوروبي» وسوريا

الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)

تشهد العلاقات الأوروبية السورية منذ مطلع هذا العام وتيرة متسارعة نحو التطبيع الدبلوماسي الكامل، والرهان على ترسيخ عملية الانتقال السياسي في سوريا بوصفها حلقة أساسية ضمن المنظومة الإقليمية.

وتأتي زيارة مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس إلى دمشق، الثلاثاء، لتؤكد هذا التوجه الذي يحظى بدعم واسع من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي أوفدت وزراء خارجيتها إلى العاصمة السورية، حيث كثّفت جهودها في الفترة الأخيرة لتعزيز حضورها، ومساندة النظام الجديد في مسيرة إعادة الإعمار، وترسيخ الاستقرار الأمني والاجتماعي.

كانت كالاس قد التقت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أواسط الأسبوع الماضي، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، قد صرّحت بعد اجتماعها بالرئيس السوري أحمد الشرع: «سيبقى الاتحاد الأوروبي شريكاً موثوقاً به لسوريا، يدعمها نحو الانتقال السلمي والمستقر والجامع، ومن غير تدخلات أجنبية مضرّة».

وشاركت في اجتماع كالاس والشيباني المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويتسا، ومفوضة المساعدات الإنسانية وإدارة الأزمات حاجة لحبيب.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الأجهزة الأمنية الأوروبية تجري اتصالات استخباراتية واسعة منذ أشهر بهدف تعزيز وجودها في العاصمة السورية، وتأمين الحماية لبعثتها وأنشطتها المتزايدة في سوريا.

وتشكّل زيارة المسؤولة الأوروبية إلى دمشق تتويجاً للجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي منذ سقوط النظام السوري السابق، أواخر عام 2024، بهدف توسيع دائرة الحوار والتعاون مع النظام الجديد، وبعد أن قررت بروكسل إعادة بعثتها الدائمة إلى دمشق في خريف العام الفائت، ثم انتدبت سفيراً جديداً لها لدى سوريا، قدّم أوراق اعتماده إلى الرئيس الشرع، مطالع الشهر الفائت.

وزير الداخلية أنس خطاب مستقبلاً رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا ميخائيل أونماخت في زيارة رسمية للتنسيق الإقليمي (سانا)

وكانت بعض العواصم الأوروبية الوازنة قد ربطت تعزيز العلاقات مع دمشق بمسار الانتقال السياسي والاستقرار، واحترام حقوق الأقليات، لكن منذ أواسط العام الفائت تكثفت الاتصالات السياسية بين الطرفين، وقرر الاتحاد الأوروبي إنهاء تعليق اتفاقية الشراكة مع سوريا، ورفع جميع العقوبات الاقتصادية، باستثناء تلك المرتبطة باعتبارات أمنية، والموجهة ضد شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام المخلوع.

ويصف المسؤولون الأوروبيون هذا التحول في طبيعة العلاقة، بأنه انتقال من إدارة الأزمة، وتقديم المساعدات الإنسانية، إلى دعم التعافي الاقتصادية، وإعادة الإعمار، ودمج سوريا مجدداً في النظام الاقتصادي الإقليمي والعالمي.

وكان هذا التحول قد تبدّى بوضوح، مطلع العام الحالي، خلال زيارة رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى سوريا ولقائهما الطويل مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

وكانت فون در لاين قد وصفت تلك الزيارة بأنها «تفتح فصلاً جديداً» في العلاقات بين الطرفين يقوم على 3 محاور رئيسية: الشراكة السياسية الكاملة دعماً للانتقال السلمي، وترسيخ الاستقرار، وتوسيع دائرة التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي وفرص الاستثمار، وحزمة دعم مالي لتغطية الاحتياجات الإنسانية والتعافي، وإعادة بناء المؤسسات.

لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس وذلك على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)

يقول مصدر أوروبي موثوق به تحدثت إليه «الشرق الأوسط» إن مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية حرصت على الإسراع في هذه الزيارة بعد إزالة جميع العقبات الدبلوماسية والأمنية والسياسية التي كانت تعترض العلاقات الأوروبية السورية، وعلى وضعها في أعلى المستويات التمثيلية الممكنة، في محاولة لتطويق واحتواء الجهود التي تبذلها رئيسة المفوضية، مدعومة من بعض العواصم الكبرى مثل برلين وباريس، للدخول على خط السياسة الخارجية الذي تنصّ المعاهدة التأسيسية للاتحاد على حصره بجهاز العلاقات الخارجية تحت إشراف رئيسته.

وتندرج هذه الجهود ضمن الاستياء الذي يسود هذه العواصم من مواقف كالّاس المتشددة إزاء الحرب في أوكرانيا، وعرقلتها مساعي التقارب مع موسكو، وفتح قنوات الحوار معها. ويضيف هذا المصدر أن زيارة كالّاس إلى دمشق تشكّل ترسيخاً للتطبيع السياسي الكامل بين الاتحاد وسوريا، لكن المفتاح الفعلي لتوظيف هذا التطبيع اقتصادياً وتجارياً، يبقى بيد المفوضية.


رئيس الحكومة اللبنانية يلتقي روبيو في واشنطن ويدعو لتفعيل الإطار الثلاثي

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية يلتقي روبيو في واشنطن ويدعو لتفعيل الإطار الثلاثي

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)

وصف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لقاءه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، الاثنين، بأنه كان «تمام»، في أول تعليق مقتضب له بعد الاجتماع الذي يحظى باهتمام لبناني في ظل الملفات العالقة بين بيروت وواشنطن، وفي مقدمها التطورات في الجنوب، ومصير المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية.

وقال سلام، بعد انتهاء اللقاء، رداً على سؤال عن أجوائه، إن «اللقاء كان (تمام)»، من دون الإعلان فوراً عن تفاصيل إضافية بشأن مضمون المحادثات أو النتائج التي أفضت إليها.

تفعيل الإطار الثلاثي

التقى سلام روبيو في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، ومستشار وزارة الخارجية الأميركية دان هولر، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية ندى حمادة معوض، والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، بحسب بيان رئاسة الحكومة، مشيرة إلى أنه جرى خلال اللقاء البحث في التطورات في لبنان والمنطقة، ومسار استعادة لبنان سيادته كاملة.

وشدد الرئيس سلام على أن لبنان يتطلع إلى شراكة متجددة مع الولايات المتحدة تواكب مشروع إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها الشرعية، مؤكداً «على ضرورة الانتقال إلى مرحلة تفعيل الإطار الثلاثي وترجمة مبدأَي التبادلية والمرحلية إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة على الأرض، بما يؤدي إلى استعادة لبنان كامل سيادته، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها».

كما لفت سلام، إلى «أهمية وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات الواردة في الإطار، بما يضمن تقدّم مساري الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، إلى جانب إنشاء آلية تحقق موثوقة لمتابعة التنفيذ والتأكد من الالتزام بالتعهدات، بما يحول دون استخدام عدم التنفيذ ذريعة لتعطيل المسار».

وأكد سلام أن الإطار الثلاثي لا يقتصر على الترتيبات الأمنية، بل يشمل أيضاً دعم جهود الحكومة في الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، وإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وتثبيتهم في مناطقهم، مشيراً في هذا السياق إلى أهمية حشد الدعم الأميركي والدولي لمسار العودة والتعافي، ولا سيما في المناطق المتضررة من الحرب.

كما شدد على أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بما يمكّنه من الاضطلاع بمسؤولياته وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

من جهته، أكد الوزير روبيو التزام الولايات المتحدة بدعم لبنان ومؤسساته الشرعية، ومواصلة دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، كما أكد أهمية المضي في تنفيذ الإطار الثلاثي بما يحقق الاستقرار والأمن.

محطة واشنطن

ويشكّل اللقاء إحدى أبرز محطات زيارة سلام إلى الولايات المتحدة، التي بدأها في نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل انتقاله إلى واشنطن. وسبق الاجتماع اهتمام لبناني باستكشاف الموقف الأميركي من عدد من الملفات، ولا سيما مستقبل المفاوضات مع إسرائيل، والوضع الأمني في الجنوب، والترتيبات التي يمكن أن تلي انتهاء العمليات الحالية لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، فضلاً عن دعم الجيش اللبناني.

وكانت الجولة المقررة في سبتمبر (أيلول) قد أُرجئت، ونقلت وكالة «رويترز» في 11 سبتمبر عن تقرير استند إلى مسؤول أميركي أن المحادثات ستُنقل إلى أكتوبر (تشرين الأول)، بسبب تداخل مواعيد الأعياد اليهودية واجتماعات باريس والتحضيرات للجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن الموعد المحدد للجولة الجديدة بقي موضع أخذ ورد لاحقاً.

صورة تجمع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)

الجنوب و«اليونيفيل»

ويأتي لقاء سلام وروبيو فيما يستمر ملف الجنوب في صدارة الاتصالات اللبنانية - الأميركية. وكان سلام قد بحث مطلع سبتمبر مع السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى الوضع في الجنوب والمسار التفاوضي والدعم الأميركي للجيش، مؤكداً، وفق رئاسة الحكومة، أن الهدف اللبناني في المفاوضات هو انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

كما يبرز مستقبل «اليونيفيل» ضمن الملفات المطروحة دولياً. وينص قرار مجلس الأمن 2790، الصادر عام 2025، على استمرار ولاية القوة حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على أن تتوقف عملياتها في ذلك التاريخ وتبدأ بعدها عملية انسحاب منظمة وآمنة خلال عام، وليس انسحاباً كاملاً وفورياً مع نهاية 2026.

وفي موازاة ذلك، تدفع بيروت وباريس باتجاه استمرار حضور دولي في الجنوب بعد نهاية المهمة بصيغتها الحالية، فيما يدور البحث في خيارات لدعم الجيش اللبناني ومؤازرته في المرحلة اللاحقة. وأفادت «فاينانشال تايمز» في سبتمبر بأن لبنان وفرنسا يدفعان باتجاه تمديد مهمة القوة، في ظل نقاش دولي حول شكل الوجود الذي يمكن أن يخلفها.

وكانت الأمم المتحدة قد بدأت بدورها درس خيارات لما بعد «اليونيفيل»، استجابة لطلب مجلس الأمن إعداد تصورات بشأن حضور أممي محتمل في لبنان بعد انتهاء عمليات القوة الحالية.