واشنطن توسّع تضييقها على «حزب الله» من الميدان إلى الاقتصاد

الرئيس جوزيف عون أثناء استقباله وفد وزارة الخزانة الأميركية في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون أثناء استقباله وفد وزارة الخزانة الأميركية في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
TT

واشنطن توسّع تضييقها على «حزب الله» من الميدان إلى الاقتصاد

الرئيس جوزيف عون أثناء استقباله وفد وزارة الخزانة الأميركية في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون أثناء استقباله وفد وزارة الخزانة الأميركية في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

يتقدّم المسار الأميركي في لبنان وسوريا على خطَّيْن متوازيَيْن: ضغط ميداني و لوجستي جنوباً لتقليص مساحة انتشار «حزب الله»، وخنق مالي تنفيذي يستهدف شبكة تمويله المدنية، بينما يشكّل الانفتاح الأمني على دمشق ذراعاً جديدة في استراتيجية تطويق الحزب عبر قطع شريان الإمداد.

في بيروت، شكّلت زيارة وفد وزارة الخزانة الأميركية مؤشراً على مرحلة أكثر صرامة من الملاحقة المالية. فالوفد، الذي ضمّ مسؤولين من وزارة الخزانة إلى جانب شخصيات من البيت الأبيض متخصّصة في مكافحة الإرهاب، نقل إلى المسؤولين اللبنانيين رسائل واضحة: «لم يعد الملف يقتصر على السلاح، بل على بنية الاقتصاد الموازي التي تغذّي (حزب الله)». وطالب الوفد بإغلاق المؤسسات المالية التابعة للحزب، وفي مقدمتها «القرض الحسن»، وتشديد الرقابة على مكاتب الصيرفة، والتحويلات النقدية التي تمرّ عبرها الأموال الإيرانية، وتفعيل آليات الامتثال المصرفي قبل انتخابات 2026.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال محادثاته مع وفد «الخزانة» الأميركية (رئاسة الحكومة)

وبحسب مصادر اقتصادية، فإنّ الولايات المتحدة تعتبر أنّ «الاقتصاد النقدي» في لبنان بات رافعة غير مباشرة للحزب، وأنّ تحويلاته المالية من طهران تجاوزت المليار دولار منذ مطلع العام. كما لوّحت الخزانة بمهلة قصيرة لاتخاذ خطوات إصلاحية تحت طائلة تشديد العقوبات على أفراد ومؤسسات لبنانية متهمة بتسهيل التمويل.

من المواجهة العسكرية إلى الخنق المالي

في السياق، قال النائب اللبناني مارك ضو في تصريحٍ لـ«الشرق الأوسط» إنّ «المسار الأميركي تجاه (حزب الله) يشهد تحوّلاً واضحاً من المواجهة العسكرية إلى الخنق المالي واللوجستي»، مشيراً إلى أنّ «الوفد الأميركي الأخير الذي زار بيروت، والذي ضمّ مسؤولين من وزارة الخزانة إلى جانب شخصيات من البيت الأبيض متخصصة في مكافحة الإرهاب، يحمل دلالاتٍ تتجاوز الطابع المالي البحت».

وأوضح ضو أنّ «الزيارة تأتي في سياق توسيع الضغط على شبكة التمويل التي يعتمد عليها الحزب داخلياً، ولا سيما بعد تراجع نشاطه العسكري في الأشهر الأخيرة»، لافتاً إلى أنّ «الولايات المتحدة تعتبر أنّ خطّ الإمداد المالي أصبح الممرّ الأساسي لإعادة ترميم القدرات العسكرية للحزب، لذلك يجري تشديد المراقبة عليه».

تراجع القدرة التشغيلية

وأضاف أنّ «التحرك الأميركي لا يقتصر على لبنان، بل يمتدّ إلى سوريا، حيث بدأنا نلمس انفتاحاً أمنياً وسياسياً على دمشق يهدف إلى إعادة ضبط الحدود، ومنع استخدامها كمعبرٍ لوجستي للحزب»، موضحاً أن واشنطن «ترى من خلالها أنّ التعاون مع دمشق في ملف الحدود يخدم هدفها الأساسي المتمثّل في محاصرة (حزب الله) وإيران باعتبارهما خصمين مباشرين في الإقليم».

وأشار ضو إلى أنّ «هناك توجهاً واضحاً نحو ملاحقة مؤسسات الحزب المدنية، مثل جمعية (القرض الحسن)، وبعض المؤسسات الاجتماعية والتربوية المرتبطة به»، مؤكداً أنّ «التركيز على جمعية (القرض الحسن) تحديداً يعود إلى دورها في تأمين السيولة للحزب من خلال تسييل الذهب والكفالات، بعدما جرى تضييق الخناق على تعاملاته المصرفية التقليدية».

وأضاف أنّ «بعض هذه المؤسسات بات يعاني فعلاً من تراجع القدرة التشغيلية؛ فحتى المدارس التابعة للحزب تواجه صعوبات في تحصيل الرسوم ودفع رواتب الأساتذة، ما يعكس حجم الضغط المتنامي على البنية الاقتصادية الموازية التي بناها الحزب خلال العقود الماضية».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلاماً له وصوراً لأمينه العام الأسبق حسن نصر الله في الذكرى السنوية الأولى لاغتياله (أ.ف.ب)

ورأى ضو أنّ «المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً إضافياً على هذا المستوى، إذ يجري العمل على تجفيف منابع التمويل عبر السوق السوداء، ومنع التحويلات النقدية غير الشرعية، بالتوازي مع برنامج صندوق النقد الدولي الذي يسعى إلى تنظيم الدورة المالية في لبنان»، مشيراً إلى أنّ «هذا الضغط متعدد الأوجه سيؤدي تدريجياً إلى تغيير في المشهد السياسي اللبناني، لأنّ السلاح والمال في نظر واشنطن وجهان لأزمة واحدة».

عدم ترك الجنوب للحزب

من جانب آخر، أكدت مصادر مطلعة على لقاءات المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس خلال زيارتها الأخيرة لبيروت أنّ «المسؤولة الأميركية تحدثت بجدّية عن ضرورة عدم ترك الساحة الجنوبية لمؤسسات (حزب الله) التنموية والاجتماعية». وأوضحت المصادر أنّ «الطرف الأميركي شدد على أنّ الحضور المدني للحزب لا يقلّ خطورة عن وجوده العسكري، لأنّ هذه المؤسسات تشكل بيئة حاضنة دائمة، وتمويلاً موازياً لبنيته التنظيمية».

حزب سياسي أم مزيد من التضييق

بدوره، يتحدث الكاتب والمحلل السياسي مروان الأمين عبر «الشرق الأوسط» عن «مجموعات في سوريا تتعاون اليوم مع (حزب الله) والإيرانيين في تهريب السلاح، ليس بدافع عقائدي أو سياسي بل إنه طمع في المال، إذ يقوم الحزب بشراء خدمات هذه المجموعات لنقل السلاح والمخازن من سوريا إلى لبنان».

وأضاف الأمين أنّ «دخول سوريا رسمياً في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، مع ما يرافقه من دعوات دولية واضحة لبسط سلطة الدولة السورية على كامل الأراضي، من المفترض أن يساهم في منع هذا النوع من التهريب إلى لبنان، وبالتالي إلى الحزب»، لافتاً إلى أنّ «الزيارة الأميركية الأخيرة إلى بيروت لم تكن تشاورية فحسب، بل بحثت أيضاً في استمرار (حزب الله) في تهريب الأموال عبر المرافئ والمعابر، مع تأكيد على أهمية تشديد الرقابة في هذا الإطار».

من هنا شدد على أنّ «الضغط على (حزب الله) لم يعد سياسياً أو عسكرياً فقط، بل بات مالياً مباشراً يستهدف بنية الحزب التمويلية، وشبكاته المنتشرة حول العالم».

واعتبر الأمين أنّ «المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار الاقتصادي، والمشاريع العابرة للحدود، ولن يُسمح باستمرار نماذج كـ(حزب الله) أو (حماس) تهدد هذه المشاريع»، مضيفاً أنّ «تجفيف منابع تمويل الحزب سيؤدي تدريجياً إلى تراجع مؤسساته الاجتماعية والتربوية، ما يضعه أمام خيارين: إما أن يتحول إلى حزب يعمل تحت سقف القانون، أو أن يبقى تنظيماً ملاحقاً دولياً».


مقالات ذات صلة

عون: هدف المفاوضات مع إسرائيل تجنيب لبنان ويلات الحرب وحماية سيادته واستقراره

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس بعد اجتماعهما في أثينا 31 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

عون: هدف المفاوضات مع إسرائيل تجنيب لبنان ويلات الحرب وحماية سيادته واستقراره

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الأربعاء)، أن الأهداف الرئيسية للمفاوضات مع إسرائيل هي تجنيب لبنان ويلات الحرب وحماية سيادته واستقراره.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أفراد من الجيش اللبناني خلال مهمة في بلدة الكحالة بجبل لبنان 10 أغسطس 2023 (رويترز)

الجيش اللبناني يدعو إلى عدم الانجرار وراء مزاعم منسوبة لوسائل إعلام إسرائيلية

نفت قيادة الجيش اللبناني، الأربعاء، مزاعم منسوبة إلى وسائل إعلام إسرائيلية تتناول مواقف متعلقة بالجيش ومهماته في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دوريات الجيش السوري على طول الحدود السورية اللبنانية بريف القصير في أبريل 2026 وتمشيط الأنفاق التي يستخدمها «حزب الله» (أ.ف.ب)

لبنان يفكك شبكة أمنية خطيرة تابعة لـ«حزب الله» وفلول الأسد

أحبطت السلطات اللبنانية مخططاً أمنياً يستهدف الأمن في لبنان وسوريا، على أثر تفكيك شبكة أمنية خطيرة تنشط بين البلدين وتتبع «حزب الله» وفلول النظام السوري السابق

يوسف دياب (بيروت )
المشرق العربي دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في زوطر الشرقية جنوب لبنان 23 أغسطس 2026 (أ.ب)

تفجيرات وقصف إسرائيلي يستهدف عدداً من قرى جنوب لبنان

قصفت المدفعية الإسرائيلية، مساء الثلاثاء، بلدة صربين في جنوب لبنان. كما قصفت محيط بلدة حولا الجنوبية. ونفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات استهدفت قرى جنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس عون مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال زيارته روما الشهر الماضي (الرئاسة اللبنانية)

إيطاليا لا تحبّذ رئاسة «آلية التحقق» في جنوب لبنان

يترقّب لبنان مع بدء شهر سبتمبر (أيلول) الحالي اللحظة التي تحيطه بها الولايات المتحدة الأميركية علماً بموعد انعقاد الجولة الـ8 من «مفاوضات روما - 3»...

محمد شقير (بيروت)

«حراك تشرين»... الأكبر في التاريخ العراقي الحديث

عادل عبد المهدي خلال جنازة سليماني في بغداد يوم 4 يناير 2020 (أرشيفية - رويترز)
عادل عبد المهدي خلال جنازة سليماني في بغداد يوم 4 يناير 2020 (أرشيفية - رويترز)
TT

«حراك تشرين»... الأكبر في التاريخ العراقي الحديث

عادل عبد المهدي خلال جنازة سليماني في بغداد يوم 4 يناير 2020 (أرشيفية - رويترز)
عادل عبد المهدي خلال جنازة سليماني في بغداد يوم 4 يناير 2020 (أرشيفية - رويترز)

انطلق «حراك تشرين» الاحتجاجي، أو ما بات يعرف بـ«ثورة تشرين»، في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وكان أكبر حركة احتجاجية شعبية شهدها العراق بعد عام 2003، وفي تاريخه الحديث.

وتركز الحراك؛ الذي استمر نحو عامين، في العاصمة بغداد ومعظم محافظات الجنوب ذات الغالبية الشيعية، وكانت عبارة: «نريد وطناً» الشعار الأبرز الذي رفعه المحتجون.

وكانت الدوافع الأساسية للاحتجاج؛ الفساد المستشري، وتراجع الخدمات، وانهيار البنى التحية، وضعف الخدمات، إلى جانب «رفض التدخلات الأجنبية السافرة»، لا سيما الإيرانية منها، حيث ظهر الهتاف الأبرز بصيغة: «إيران برة برة... بغداد تبقى حرة».

ومع استمرار الاحتجاجات وتصاعدها اعتمدت القوات الحكومية والفصائل المسلحة أسلوباً عنيفاً ضد المحتجين؛ أدى إلى سقوط من لا يقلون عن 600 قتيل وأكثر من 20 ألف جريح؛ كانت إصابات بعضهم خطرة جداً.

في المقابل، ومع تصاعد عمليات القمع، عمد المحتجون إلى حرق كثير من مقار الأحزاب و«الحشد الشعبي»، خصوصاً في محافظة ذي قار الجنوبية، كما عمدوا إلى حرق القنصليات الإيرانية في كربلاء والبصرة أكثر من مرة.

وتحت ضغط الاحتجاجات، قدّم رئيس الوزراء الأسبق، عادل عبد المهدي، استقالته من منصب رئاسة الوزراء في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، ثم تراجعت الاحتجاجات بعد ذلك مع وصول مصطفى الكاظمي إلى رئاسة الوزراء في أبريل (نيسان) 2020، وانتشار جائحة «كورنا».


الكابينة الوزارية للزيدي: بين «الفيتو الأميركي» وخلافات «الإطار»

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
TT

الكابينة الوزارية للزيدي: بين «الفيتو الأميركي» وخلافات «الإطار»

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

مع أن الحكومة العراقية الحالية برئاسة علي الزيدي أنهت المائة يوم الأولى من عمرها الذي يمتد لنحو أربع سنوات، فإن عدم اكتمالها حتى الآن (ناقصة 9 حقائب وزارية بينها الدفاع، والداخلية) بدأ يثير العديد من الأسئلة والتكهنات بين القوى السياسية، لا سيما داخل الدائرة الضيقة للحكم، ممثلة في قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي الذي يتحكم بالمشهد السياسي، كونه يملك الأغلبية في البرلمان والحكومة معاً.

وبينما أعلن «الإطار التنسيقي» في آخر اجتماع له الاثنين الماضي أن اكتمال الكابينة الحكومية «لن يتعدى الأسبوع المقبل»، أكد مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «العديد من القوى السياسية التي لديها حقائب شاغرة حتى الآن، وبالذات الكرد، والسنة، قدمت بالفعل أسماء عدّة لمرشحيها للوزارات التي هي من حصتها، طبقاً لطلب رئيس الوزراء تقديم أكثر من مرشح لكي يتاح له الاختيار»، وإن «الإطار التنسيقي» طبقاً للمصدر المطلع ذاته «لم يحسم خياراته بشأن مرشحيه للحقائب الشاغرة العائدة إليه، وفي المقدمة منها وزارة الداخلية، فضلاً عن العقدة الأهم المتعلقة بمناصب نواب رئيس الجمهورية، والوزراء».

اجتماع لـ«الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

وكان البيان الذي أصدره «التنسيقي» خلال اجتماعه مساء الاثنين الماضي بمشاركة الزيدي أفاد بأن «النقاشات المتعلقة باستكمال التشكيلة الحكومية ستُستكمل خلال الأسبوع الحالي، تمهيداً لإرسالها إلى مجلس النواب الأسبوع المقبل للتصويت عليها». وأوضح أن «الإطار التنسيقي بحث أيضاً الوضع المالي والاقتصادي للبلاد، في ظل تداعيات الحرب بالمنطقة، وتعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز».

وقال المصدر المطلع، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القوى السنية قدّمت أسماء مرشحيها للمناصب الوزارية، بما في ذلك منصب وزير الدفاع، بعد توافق القوى السنية على الأسماء المرشحة، ومن بينها وزير دفاع سابق، كما أن الكرد -وبالأخص (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، قدموا أسماء مرشحيهم للوزارات المتبقية لهم، وبخاصة وزارة الإعمار والإسكان والهجرة والمهجرين، إلاّ أنه لم يتم بعد حسم مرشحي وزارات الداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي، والعمل، والشؤون الاجتماعية، والثقافة، والرياضة والشباب» التي تدار بالوكالة حتى الآن.

وأشار المصدر إلى أنه «تظهر بين الحين والآخر أخبار تفيد بإمكانية أن يقدم بعض الوزراء الحاليين استقالاتهم من مناصبهم، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى إسقاط الحكومة، والذهاب إلى انتخابات مبكرة».

زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (أرشيفية-رويترز)

رسالة الصدر المشفرة

وفي موازاة ما يبدو تهديدات غير مباشرة تطول الزيدي من القوى السياسية المؤثرة -وفي مقدمتها «الإطار التنسيقي» الذي يعاني انشقاقاً واضحاً على صعيد ملف السلاح، بالإضافة إلى تشكيل الحكومة- التقى زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر نوابه المنسحبين من البرلمان وعددهم 73 نائباً في مقر إقامته في الحنابة بمدينة النجف الأسبوع الماضي... واللقاء بدا كرسالة مشفرة إلى قوى «الإطار التنسيقي»، ومنافسيه الرئيسين، أن عودته «باتت وشيكة» عند إجراء أي انتخابات مبكرة، الأمر الذي يعني حصوله على أغلبية برلمانية واضحة هذه المرة في ظل تفكك قوى «الإطار»، مما يتيح له مع حلفاء يختارهم تشكيل الحكومة ثانية، برئاسة الزيدي.

رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)

الزيدي من جهته يريد استكمال أكبر ثلاثة ملفات طرحها عند بداية تشكيل حكومته، وهي الأكثر سخونة :أولاً: حصر السلاح بيد الدولة، ثانياً: محاربة الفساد المالي، ثالثا: الإصلاح الاقتصادي، ويريد في موازاة ذلك استكمال تشكيل حكومته التي تواجه الآن، بالإضافة إلى الخلافات على بعض الحقائب الوزارية، ملفاً لا يقل تعقيداً هو ملف نواب رئيس الجمهورية، والوزراء. وفي الوقت الذي لا يبدو أن هناك مشكلة بالنسبة إلى نائبي رئيس الجمهورية، وهما سني، وشيعي، فإن العقدة تكمن في منصب نواب رئيس الوزراء الثلاثة، حيث توجد خلافات صامتة داخل قوى «الإطار التنسيقي» بشأن المرشح الشيعي ليث الخزعلي شقيق زعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي.

ولا يراد لهذه الخلافات أن تظهر إلى العلن، مستفيدة من الموقف الأميركي المتمثل في رفض تسليم هذا المنصب لواحد من قادة الفصائل المسلحة، مع أن «عصائب أهل الحق» كانت من بين أولى الفصائل التي سلمت أسلحتها ومقراتها إلى الحكومة الحالية.


دروز الجولان ينددون بتصريحات الهجري ويطالبون جبل العرب بوضع حدّ لها

جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس يوليو 2025 (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

دروز الجولان ينددون بتصريحات الهجري ويطالبون جبل العرب بوضع حدّ لها

جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس يوليو 2025 (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس يوليو 2025 (أ.ف.ب)

قوبلت التصريحات الأخيرة لشيخ العقل في السويداء، حكمت الهجري، بالرفض من قبل نخب سورية من دروز الجولان المحتل، الذين عدوها «تطاولاً على جوهر العقيدة التوحيدية»، بقوله إن الدروز «مشتركون العقيدة مع دولة إسرائيل»، وإنهم «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، مؤكدين أن كلامه «لا يستند على أي حيثية تاريخية، أو أخلاقية، أو وطنية»، مطالبين بصدور موقف مِن أعلى مرجعيات الدروز.

بعد حرب يونيو (حزيران) 1967 التي احتلت على أثرها إسرائيل هضبة الجولان السورية، بقي سكان بلدات (مجدل شمس، ومسعدة، وبقعاثا، وعين قنيا) السوريين فيها، وهم من أتباع الطائفة الدرزية، ويبلغ عددهم 23 ألف نسمة.

بيان رجال الدين الموحدين الدروز في الجولان السوري المحتل

وأصدرت الهيئة الدينية في تلك القرى الواقعة شمال الهضبة، الاثنين الماضي، بياناً استنكرت فيه تصريحات الهجري التي أطلقها في مقطع مصور نهاية الأسبوع الماضي. وأدان ثلاثة من نخب مجدل شمس في حديث لـ«الشرق الأوسط» تصريحات الشيخ الهجري، وعبروا عن مخاوفهم حيال مصير السويداء، وقلقهم على سوريا الموحدة.

الكاتب والصحافي السوري حسان شمس وهو من سكان الجولان المحتل (الشرق الأوسط)

الكاتب والصحافي حسان شمس، وهو من سكان «مجدل شمس»، يؤكد أن تصريحات الهجري ومشروعه الانفصالي «مرفوضين جملة وتفصيلاً»، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن كل المواقف التي اتخذها «لا تستند على أي حيثية تاريخية، ولا أخلاقية، ولا منطقية، ولا وطنية».

ويصف شمس مشروع الهجري بأنه «مشروع دمار لسوريا بشكل عام، ولتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا كدروز»، مشدداً على أنه «لا يحق له المقامرة بمستقبل طائفة جذورها الوطنية ضاربة في عمق التاريخ».

وبرأيه، فإن الهجري بتصريحاته الأخيرة التي لاقت استنكاراً محلياً وإقليمياً «تجاوز المسموح له بكثير، وتطاول حتى على جوهر العقيدة التوحيدية الدرزية، فما قاله بأن الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل هو تلفيقات، وهذيان... وعلامة إفلاس، وصرخة استغاثة لا تدل على أن هناك من الإسرائيليين من وعده بأي شيء».

للتذكير، أنه بعد أحداث السويداء في يوليو (تموز) 2025 التي ذهب ضحيتها مئات المسلحين من الفصائل الدرزية المحلية وعناصر الجيش والأمن، والمدنيين، سيطر الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له على أجزاء واسعة من المحافظة، وطالب بحق تقرير المصير لأهالي السويداء، وأعلن سعيه إلى إقامة ما يسميها «دولة باشان» في السويداء بدعم من إسرائيل.

شمس يوضح أن الهجري بنى مشروعه على «تخاريف»، وبالتالي «غير مسموح له بأن يدفّع الطائفة ثمن مواقفه»، مشيراً إلى أنه بغض النظر عن الأحداث التي جرت في السويداء -وهي مستنكرة، ومدانة، ويجب أن يحاسب كل إنسان شارك في هذه «المجازر»- فليس مسموحاً للهجري وغيره أن يحرّف ويشوه تاريخ منطقة، ويقامر بحاضرها، ومستقبلها.

ويذهب شمس أبعد من ذلك، مطالباً بإصدار موقف مِن أعلى مرجعيات الدروز الروحية والزمنية في كل مكان تتبرأ مِنه.

وأقصى ما يمكن أن يحصل عليه الهجري، حسب شمس، هو اتفاق عمّان الثلاثي الذي أعلن عنه في سبتمبر (أيلول) 2025، وهو رفضه في حينها، «ولكنه حالياً سيقبله مرغماً»، معرباً عن عدم ثقته في أن يكون جزءاً من مرحلة قادمة «لأنه غير مؤتمن»، بحسب تعبيره، معتبراً أن أكثر ما تحتاج إليه السويداء «انتفاضة كرامة على مَن أهدر كرامتها، وطي هذه الصفحة السوداء مِن تاريخها، ومحو لطخة العار التي جسدتها فترة تسيُّد الهجري».

أفراد من الدروز يقفون بالقرب من السياج الحدودي في قرية مجدل شمس بمرتفعات الجولان التي ضمّتها إسرائيل (أ.ف.ب)

د. نزار أيوب -باحث متخصص في القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وقضايا العدالة الانتقالية، وهو من مجدل شمس أيضاً- يرى أن الهجري بتصريحاته تمادى في حشر نفسه في الزاوية، مختطفاً سكان محافظة كاملة من محافظات سوريا، ومعتمداً في ذلك على قمع كل من يبدي معارضة لنهجه المتمثل في إنكار تاريخ السويداء، ودورها الوطني.

ويبيّن أيوب لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات الهجري التي تتملق إسرائيل، وتستجدي حكومتها ليس لها سند في الواقع، ولا في القانون، ولن تكون السويداء ولا درعا ولا الجولان المحتل جزءاً من إسرائيل تحت أي ظرف، لأنها قوة احتلال».

ويلفت إلى أن إسرائيل توظف خطاب الهجري في سياق محادثاتها مع السلطة الانتقالية في دمشق للضغط عليها من أجل الوصول إلى تفاهمات أمنية في جنوب سوريا، ولتحصل على أفضل نتائج ممكنة، لكنها ستتخلى عن الهجري عندما تقتضي مصلحتها ذلك.

يعيد أيوب إلى الأذهان أن سياسة إسرائيل تجاه الدروز العرب -وبينهم دروز الجولان المحتل- تقوم على الاستغلال، إذ تنتهج منذ إقامتها سياسة فرق تسد في تعاملها مع العرب الفلسطينيين، وسكان دول المحيط العربي، ومن ضمنهم الموحدون الدروز.

ويصف أيوب «دولة باشان» التي رفع الهجري رايتها بأنها «وهم مطلق، فالمجتمع الدولي والمحيط العربي مع الإبقاء على وحدة سوريا، وضد تقسيمها إلى كيانات».

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) على دوار العنقود في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات بريف السويداء

منذ سيطرة الهجري على المناطق الواقعة تحت نفوذه في السويداء لم يحقق أياً من الوعود التي أطلقها للأهالي، ويزداد سوء الأوضاع فيها بشكل يومي على كافة الصعد، وسط تساؤلات: إلى أين يسير الهجري بالسويداء.

أيوب يرى أن الهجري لا يستطيع الذهاب بالسويداء إلى أي مكان، حيث هنالك توافق وطني بين الوطنيين السوريين، ومن ضمنهم سكان السويداء، على وحدة سوريا، وسلامتها الإقليمية، وسيادتها على كامل أراضيها، ومن ضمنها الجولان المحتل، موضحاً أن إسرائيل لن تقبل بضم أي من سكان محافظات جنوب سوريا تحت أي ظرف، فعقيدتها تقوم على التوسع الاستيطاني الاحتلالي، والسيطرة على أراضي الغير بعد تهجير سكانها الأصليين.

وفي أحسن الأحوال، وفي حال بقيت إسرائيل تسيطر على مناطق في جنوب سوريا، فإنها ستقيم جيشاً من المرتزقة يساعدها على حماية الجبهة الشمالية، حسب أيوب الذي يوضح أنه في حالة سوريا، هنالك اعتراف دولي واسع بالسلطة الانتقالية السورية، وتوافق دولي واضح حول وحدة سوريا، وسيادتها على أراضيها، وتصريحات الهجري هي بمثابة حلم غير قابل للتحقيق تحت أي ظرف كان.

ظاهرة شاذة يجب وضع حد لها

الكاتب والباحث السوري د. ثائر كنج أبو صالح -من أهالي مجدل شمس- يذهب إلى ما ذهب إليه شمس، وأيوب، برفض تصريحات الهجري، ومشروعه.

ويعتبر أبو صالح لـ«الشرق الأوسط» أن تصريحات الهجري الأخيرة «تنم عن جهل فاضح بالتاريخ، والعقيدة، ويبدو أنه وبحكم اغترابه لسنوات طويلة يجهل تاريخ وعقيدة الدروز، ويظنها صفقة من صفقاته يستطيع أن يشكلها كما شاء لتخدم أغراضه، ومصالحه، ولذلك نحن ندين ونستنكر كلامه، ونعتبره ظاهرة شاذة يجب على أهل جبل العرب وضع حد لها بأسرع وقت».

مؤتمر بمبادرة «الحركة الوطنيّة في الجولان المحتلّ والحركة التقدّمية للتواصل» في بيت جن بالجليل الأعلى (مواقع عربية في إسرائيل)

ويوضح: «نعيش تحت الاحتلال منذ ما يقرب من الستين عاماً، ونعرف إسرائيل، وسياساتها، وما تضمره، وتخطط له، فهي تسعى لاستعمال الورقة الدرزية في سوريا للإبقاء على البلاد ضعيفة، وغير قادرة على النهوض...»، معرباً عن اعتقاده بأن الهجري «فقد البوصلة، ولا يعرف إلى أين يأخذ أهل السويداء تحت تهديد السلاح، وأصبح غير قادر على التراجع».

كما أعرب أبو صالح عن اعتقاده بأن السلطة في دمشق «تتحمل المسؤولية الأولى إلى ما آلت إليه الأحوال في السويداء، وهي التي يجب أن تجترح الحلول للخروج من الأزمة».