واشنطن توسّع تضييقها على «حزب الله» من الميدان إلى الاقتصاد

الرئيس جوزيف عون أثناء استقباله وفد وزارة الخزانة الأميركية في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون أثناء استقباله وفد وزارة الخزانة الأميركية في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
TT

واشنطن توسّع تضييقها على «حزب الله» من الميدان إلى الاقتصاد

الرئيس جوزيف عون أثناء استقباله وفد وزارة الخزانة الأميركية في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون أثناء استقباله وفد وزارة الخزانة الأميركية في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

يتقدّم المسار الأميركي في لبنان وسوريا على خطَّيْن متوازيَيْن: ضغط ميداني و لوجستي جنوباً لتقليص مساحة انتشار «حزب الله»، وخنق مالي تنفيذي يستهدف شبكة تمويله المدنية، بينما يشكّل الانفتاح الأمني على دمشق ذراعاً جديدة في استراتيجية تطويق الحزب عبر قطع شريان الإمداد.

في بيروت، شكّلت زيارة وفد وزارة الخزانة الأميركية مؤشراً على مرحلة أكثر صرامة من الملاحقة المالية. فالوفد، الذي ضمّ مسؤولين من وزارة الخزانة إلى جانب شخصيات من البيت الأبيض متخصّصة في مكافحة الإرهاب، نقل إلى المسؤولين اللبنانيين رسائل واضحة: «لم يعد الملف يقتصر على السلاح، بل على بنية الاقتصاد الموازي التي تغذّي (حزب الله)». وطالب الوفد بإغلاق المؤسسات المالية التابعة للحزب، وفي مقدمتها «القرض الحسن»، وتشديد الرقابة على مكاتب الصيرفة، والتحويلات النقدية التي تمرّ عبرها الأموال الإيرانية، وتفعيل آليات الامتثال المصرفي قبل انتخابات 2026.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال محادثاته مع وفد «الخزانة» الأميركية (رئاسة الحكومة)

وبحسب مصادر اقتصادية، فإنّ الولايات المتحدة تعتبر أنّ «الاقتصاد النقدي» في لبنان بات رافعة غير مباشرة للحزب، وأنّ تحويلاته المالية من طهران تجاوزت المليار دولار منذ مطلع العام. كما لوّحت الخزانة بمهلة قصيرة لاتخاذ خطوات إصلاحية تحت طائلة تشديد العقوبات على أفراد ومؤسسات لبنانية متهمة بتسهيل التمويل.

من المواجهة العسكرية إلى الخنق المالي

في السياق، قال النائب اللبناني مارك ضو في تصريحٍ لـ«الشرق الأوسط» إنّ «المسار الأميركي تجاه (حزب الله) يشهد تحوّلاً واضحاً من المواجهة العسكرية إلى الخنق المالي واللوجستي»، مشيراً إلى أنّ «الوفد الأميركي الأخير الذي زار بيروت، والذي ضمّ مسؤولين من وزارة الخزانة إلى جانب شخصيات من البيت الأبيض متخصصة في مكافحة الإرهاب، يحمل دلالاتٍ تتجاوز الطابع المالي البحت».

وأوضح ضو أنّ «الزيارة تأتي في سياق توسيع الضغط على شبكة التمويل التي يعتمد عليها الحزب داخلياً، ولا سيما بعد تراجع نشاطه العسكري في الأشهر الأخيرة»، لافتاً إلى أنّ «الولايات المتحدة تعتبر أنّ خطّ الإمداد المالي أصبح الممرّ الأساسي لإعادة ترميم القدرات العسكرية للحزب، لذلك يجري تشديد المراقبة عليه».

تراجع القدرة التشغيلية

وأضاف أنّ «التحرك الأميركي لا يقتصر على لبنان، بل يمتدّ إلى سوريا، حيث بدأنا نلمس انفتاحاً أمنياً وسياسياً على دمشق يهدف إلى إعادة ضبط الحدود، ومنع استخدامها كمعبرٍ لوجستي للحزب»، موضحاً أن واشنطن «ترى من خلالها أنّ التعاون مع دمشق في ملف الحدود يخدم هدفها الأساسي المتمثّل في محاصرة (حزب الله) وإيران باعتبارهما خصمين مباشرين في الإقليم».

وأشار ضو إلى أنّ «هناك توجهاً واضحاً نحو ملاحقة مؤسسات الحزب المدنية، مثل جمعية (القرض الحسن)، وبعض المؤسسات الاجتماعية والتربوية المرتبطة به»، مؤكداً أنّ «التركيز على جمعية (القرض الحسن) تحديداً يعود إلى دورها في تأمين السيولة للحزب من خلال تسييل الذهب والكفالات، بعدما جرى تضييق الخناق على تعاملاته المصرفية التقليدية».

وأضاف أنّ «بعض هذه المؤسسات بات يعاني فعلاً من تراجع القدرة التشغيلية؛ فحتى المدارس التابعة للحزب تواجه صعوبات في تحصيل الرسوم ودفع رواتب الأساتذة، ما يعكس حجم الضغط المتنامي على البنية الاقتصادية الموازية التي بناها الحزب خلال العقود الماضية».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلاماً له وصوراً لأمينه العام الأسبق حسن نصر الله في الذكرى السنوية الأولى لاغتياله (أ.ف.ب)

ورأى ضو أنّ «المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً إضافياً على هذا المستوى، إذ يجري العمل على تجفيف منابع التمويل عبر السوق السوداء، ومنع التحويلات النقدية غير الشرعية، بالتوازي مع برنامج صندوق النقد الدولي الذي يسعى إلى تنظيم الدورة المالية في لبنان»، مشيراً إلى أنّ «هذا الضغط متعدد الأوجه سيؤدي تدريجياً إلى تغيير في المشهد السياسي اللبناني، لأنّ السلاح والمال في نظر واشنطن وجهان لأزمة واحدة».

عدم ترك الجنوب للحزب

من جانب آخر، أكدت مصادر مطلعة على لقاءات المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس خلال زيارتها الأخيرة لبيروت أنّ «المسؤولة الأميركية تحدثت بجدّية عن ضرورة عدم ترك الساحة الجنوبية لمؤسسات (حزب الله) التنموية والاجتماعية». وأوضحت المصادر أنّ «الطرف الأميركي شدد على أنّ الحضور المدني للحزب لا يقلّ خطورة عن وجوده العسكري، لأنّ هذه المؤسسات تشكل بيئة حاضنة دائمة، وتمويلاً موازياً لبنيته التنظيمية».

حزب سياسي أم مزيد من التضييق

بدوره، يتحدث الكاتب والمحلل السياسي مروان الأمين عبر «الشرق الأوسط» عن «مجموعات في سوريا تتعاون اليوم مع (حزب الله) والإيرانيين في تهريب السلاح، ليس بدافع عقائدي أو سياسي بل إنه طمع في المال، إذ يقوم الحزب بشراء خدمات هذه المجموعات لنقل السلاح والمخازن من سوريا إلى لبنان».

وأضاف الأمين أنّ «دخول سوريا رسمياً في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، مع ما يرافقه من دعوات دولية واضحة لبسط سلطة الدولة السورية على كامل الأراضي، من المفترض أن يساهم في منع هذا النوع من التهريب إلى لبنان، وبالتالي إلى الحزب»، لافتاً إلى أنّ «الزيارة الأميركية الأخيرة إلى بيروت لم تكن تشاورية فحسب، بل بحثت أيضاً في استمرار (حزب الله) في تهريب الأموال عبر المرافئ والمعابر، مع تأكيد على أهمية تشديد الرقابة في هذا الإطار».

من هنا شدد على أنّ «الضغط على (حزب الله) لم يعد سياسياً أو عسكرياً فقط، بل بات مالياً مباشراً يستهدف بنية الحزب التمويلية، وشبكاته المنتشرة حول العالم».

واعتبر الأمين أنّ «المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار الاقتصادي، والمشاريع العابرة للحدود، ولن يُسمح باستمرار نماذج كـ(حزب الله) أو (حماس) تهدد هذه المشاريع»، مضيفاً أنّ «تجفيف منابع تمويل الحزب سيؤدي تدريجياً إلى تراجع مؤسساته الاجتماعية والتربوية، ما يضعه أمام خيارين: إما أن يتحول إلى حزب يعمل تحت سقف القانون، أو أن يبقى تنظيماً ملاحقاً دولياً».


مقالات ذات صلة

تحذير البقاع الغربي: تحوُّل نوعي بمسار العمليات الإسرائيلية في لبنان

تحليل إخباري شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)

تحذير البقاع الغربي: تحوُّل نوعي بمسار العمليات الإسرائيلية في لبنان

يشير التوسع الإسرائيلي نحو البقاع الغربي إلى تحوُّل نوعي في مسار العمليات، يتجاوز الإطار الحدودي التقليدي باتجاه عمق جغرافي أكثر حساسية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

استهدفت غارة إسرائيلية، الثلاثاء، مبنى محاذياً للطريق الرئيسية المؤدية إلى مطار بيروت الدولي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)

الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

على وقع التصعيد الإسرائيلي المتسارع في جنوب لبنان اتخذ الجيش اللبناني قراراً بـ«إعادة التموضع» وانسحابه من قرى ذات غالبية مسيحية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يحملون نعش جندي قتل في المواجهات مع «حزب الله» بجنوب لبنان (رويترز)

من الصواريخ إلى المسيّرات... «حزب الله» يصنّع أسلحته محلياً

كشفت الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» امتلاك الأخير ترسانة عسكرية كبيرة رغم الحرب المتواصلة عليه منذ سبتمبر (أيلول) 2023.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت... وكاتس يتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

قال وزير الدفاع الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، إن إسرائيل ستقيم منطقة عازلة داخل جنوب لبنان، وستحتفظ بسيطرة على كامل المنطقة حتى نهر الليطاني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تحذير البقاع الغربي: تحوُّل نوعي بمسار العمليات الإسرائيلية في لبنان

شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

تحذير البقاع الغربي: تحوُّل نوعي بمسار العمليات الإسرائيلية في لبنان

شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)

يشير التوسع الإسرائيلي نحو البقاع الغربي إلى تحوُّل نوعي في مسار العمليات، يتجاوز الإطار الحدودي التقليدي باتجاه عمق جغرافي أكثر حساسية، في موازاة ضغط ميداني متزامن على جبهات عدة، بما يعكس محاولة لإعادة تشكيل خريطة الاشتباك جنوباً وشرقاً.

فقد شهد البقاع ليل الاثنين– الثلاثاء، سلسلة غارات جوية مكثفة ترافقت مع قطع طرقات رئيسية بين سحمر ويحمر، ويحمر ولبايا، وقليا– الدلافة، وقليا– الأحمدية، إضافة إلى الطريق بين الأحمدية وإبل السقي (برغز)، ما أدى إلى شلل واسع في حركة التنقل ضمن محاور حيوية.

وجاء ذلك عقب إنذار عاجل وجَّهه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إلى سكان بلدات: زلايا، ولبايا، ويحمر، وسحمر، وقليا، ودلافي، دعاهم فيه إلى الإخلاء الفوري والتوجُّه شمالاً نحو القرعون.

مدفعية إسرائيلية منتشرة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية تقوم بقصف أهداف في لبنان

وكشف مصدر مطَّلع على الواقع الميداني لـ«الشرق الأوسط» أن التركيز الإسرائيلي منذ اندلاع المواجهة الأخيرة ينصبُّ على بلدات جنوب البقاع الغربي المتاخمة للأقضية الجنوبية، نظراً لأهميتها الاستراتيجية؛ إذ تشكِّل امتداداً جغرافياً لمجرى نهر الليطاني، وتشرف على محاور حيوية تمتد نحو جزين وحاصبيا، وهي مناطق كانت ضمن نطاق الاحتلال الإسرائيلي قبل عام 2000.

المرتفعات الحاكمة: مفتاح الفصل بين الجنوب والبقاع

في قراءة ميدانية واستراتيجية، يضع العميد المتقاعد بسام ياسين هذا التصعيد ضمن سياق السعي إلى السيطرة على المرتفعات الحاكمة التي تكتسب أهميتها من قدرتها على فصل البقاع الغربي عن الجنوب اللبناني، بوصفها امتداداً جغرافياً لمنطقة الخيام، وتشرف على خطوط التواصل الحيوية بين المنطقتين. ويؤكد ياسين لـ«الشرق الأوسط» أن السيطرة على هذه التلال: «تمنح إسرائيل تفوقاً ميدانياً يعيد رسم خريطة انتشارها إلى ما كانت عليه قبل عام 2000، أي قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان»، معتبراً أن «ما يجري اليوم يعكس محاولة لإحياء نموذج الاحتلال السابق القائم على التمركز في الشريط الحدودي والمرتفعات».

من «خط الجبال» إلى شريط بعمق 10 كيلومترات

ويستعيد ياسين تجربة عام 1982، حين وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت قبل أن تنسحب تدريجياً عام 1985 وتتمركز فيما عُرف بـ«خط الجبال»، وهو تموضع «وفَّر لها الحماية والتواصل بين مواقعها». ويرى أن «هذا النموذج يُعاد طرحه اليوم عبر السعي إلى تثبيت شريط بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مستفيدة من البنية العسكرية السابقة التي لا تزال آثارها قائمة، ما يسهل إعادة تأهيلها وتحويلها إلى مواقع». ويشير إلى أن البقاع الغربي «يشكل امتداداً طبيعياً للقطاع الشرقي في الجنوب، وهو ممر استراتيجي يربط بين الجبهتين، ما يفسر التركيز الإسرائيلي المتزايد على هذه المنطقة».

بنت جبيل والخيام: عقدة الحسم الأولى

وعلى مستوى السيناريوهات الميدانية، يرجِّح ياسين «أن تكون بنت جبيل محور المعركة الأساسية في المرحلة الأولى، نظراً لموقعها الحيوي ودورها كمركز ثقل في القطاع الأوسط»؛ مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية تحاول تطويق المدينة من عدة اتجاهات، تمهيداً للسيطرة عليها، من دون الدخول حتى الآن في مواجهة حاسمة داخلها.

ويضيف: «في حال حُسمت معركتا الخيام وبنت جبيل، فإن التوجه المرجح سيكون نحو التوسع باتجاه البقاع الغربي، ضمن خطة تقوم على العمل على محورين متوازيين، بهدف تثبيت واقع ميداني جديد يعيد وصل مناطق الانتشار ضمن رؤية استراتيجية أشمل»، مشيراً إلى أن «المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تصعيد تدريجي قد يفضي إلى معارك أوسع».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

تصعيد ناري واسع من الجنوب إلى الضاحية

ميدانياً، وسَّعت إسرائيل رقعة استهدافاتها، فشنَّ الطيران الحربي منذ الصباح غارات على المنصوري، والطيبة، وتولين، وقبريخا، ومجدل سلم، وزوطر، والحنية، ومجدل زون، والقليلة جنوب صور، إضافة إلى المنطقة الواقعة بين الشهابية وكفردونين.

وتزامن ذلك مع قصف مدفعي متقطع طال وادي صربين وأطراف بيت ليف والمنصوري، بينما سُجلت رشقات نارية في محيط القوزح. كما أُفيد بحالات اختناق في صفوف الدفاع المدني و«الصليب الأحمر» إثر تسرُّب الكلور بعد استهداف محطة مياه في مرجعيون. وأغار الطيران المسيَّر الإسرائيلي على سيارة «رابيد» في منطقة الواسطة القاسمية، ما أدى إلى سقوط قتيلين.

وفجراً، استهدفت الغارات بلدة كفرا، وعبا؛ حيث قُتل الشاب شادي حسن معلم بعد استهداف منزله، إضافة إلى بلدة الدوير (حي الروس)؛ حيث دُمِّر منزل، إلى جانب غارات على منطقة السموقة بين جبشيت وعبا، وحي المشاع في دير الزهراني.

عائلة لبنانية نازحة تقيم بخيمة في بيروت (رويترز)

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، نُفِّذت غارة على بئر العبد بعد إنذار مسبق، كما وجَّه أفيخاي أدرعي إنذاراً عاجلاً إضافياً إلى سكان حي الغبيري، طالب فيه بإخلاء مبنى محدد والمباني المجاورة له لمسافة لا تقل عن 300 متر، بذريعة وجود منشأة تابعة لـ«حزب الله». ويُشار إلى أن المبنى المهدد لا يقع في عمق الضاحية الجنوبية ضمن المناطق التي استهدفت سابقاً؛ بل على أطرافها القريبة من منطقة بئر حسن، في نطاق جغرافي يقترب من الموقع الذي استُهدفت فيه شقة يوم الاثنين، ما يعكس توسيعاً تدريجياً لدائرة الاستهداف نحو تخوم الضاحية.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف دبابة على طريق القنطرة– الطيبة، وحاجز عسكري في مستوطنة «مسكاف عام»، ومنظومة دفاع جوي في «معالوت ترشيحا».

خسائر إسرائيلية في المواجهات البرية

وفي تطور ميداني لافت، اعترفت إسرائيل بمقتل 4 عسكريين، بينهم ضابط من لواء «ناحال»، وإصابة 3 آخرين خلال معارك في جنوب لبنان. وأفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن الجنود قُتلوا في اشتباكات مع مقاتلي «حزب الله»، بينما نقلت القناة «12» أن الاشتباكات جرت من مسافة قريبة.


غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

استهدفت غارة، الثلاثاء، مبنى محاذياً للطريق الرئيسية المؤدية إلى مطار بيروت الدولي، كما أظهر بثّ مباشر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد إنذار الجيش الإسرائيلي سكان المنطقة المحيطة به بالإخلاء لوجودهم قرب «منشأة تابعة لـ(حزب الله)».

وتصاعدت سحابة دخان ضخمة من المبنى الواقع على تخوم ضاحية بيروت الجنوبية على أثر الغارة، بينما أظهر مقطع فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، صاروخاً يصيب الطوابق العلوية من المبنى وتناثر حجارة على طريق المطار التي قطعتها الأجهزة الأمنية بعد الإنذار الإسرائيلي.

وهذه الغارة الثانية، الثلاثاء، على ضاحية بيروت الجنوبية، التي نزح العدد الأكبر من سكانها منذ بدء الحرب، على وقْع الغارات والإنذارات الإسرائيلية.


الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
TT

الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)

على وقع التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، ومع تسجيل تقدّم ميداني متسارع في بعض المحاور الحدودية، اتخذ الجيش اللبناني قراراً بـ«إعادة التموضع» وانسحابه من عدد من القرى ذات الغالبية المسيحية في أقصى الجنوب، وتحديداً رميش ودبل وعين إبل، في خطوة يراد منها تجنب الاحتكاك المباشر مع الجيش الإسرائيلي، أو بقاء قواته في الخطوط الخلفية للإسرائيليين.

وفيما تندرج هذه الخطوة في إطار حسابات «أمنية سياسية» مرتبطة بالجيش اللبناني في غياب أي قرار بالتصادم مع الجيش الإسرائيلي، قوبلت برفض من الأهالي الذين تمسكوا بالبقاء في أرضهم، وعدوا أن غياب القوى الأمنية يهدّد وجودهم في هذه المنطقة الحدودية الحساسة. وتقع القرى الثلاث في أقصى جنوب لبنان ضمن بنت جبيل ومرجعيون، بمحاذاة الخط الأزرق الحدودي جنوب نهر الليطاني، أي ضمن نطاق العمليات العسكرية.

رميش: «نريد الدولة... ولن نغادر»

ورفع الأهالي صوتهم رافضين المغادرة، وتجمعوا في ساحات القرى، مطالبين الجيش اللبناني والقوى الأمنية بالبقاء في مراكزهم، وهو ما عبّر عنه كاهن رميش الأب نجيب العميل قائلاً: «نريد البقاء تحت جناح الدولة... هناك مراكز للقوى الأمنية من الجيش وقوى الأمن الداخلي في البلدة واليوم طُلب منهم الإخلاء والتوجه نحو بيروت... هذا نرفضه لأننا سنبقى في كنف الدولة».

وأكد: «حتى لو نُفّذ الانسحاب نحن لن نغادر، سنبقى في مناطقنا، ويجب أن تبقى مراكز الجيش... وجود القوى الأمنية يعطينا حماية... نحن مستعدون أن نتحمّل وأن نبقى في أرضنا».

واستعاد محطات تاريخية قائلاً: «في عام 1976 تركنا هنا وبقينا 25 عاماً رافضين تطويعنا (في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي)، واتهمونا بأننا عملاء ونحن لسنا كذلك... نحن لبنانيون ونريد المحافظة على لبنان... وفي عام 2000 بعد التحرير رجعنا لكنف الدولة التي نطالب بها دائماً».

مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

عين إبل: الجيش صمام الأمان الأخير

وفي عين إبل أيضاً، حصل تحرّك مماثل، حيث رفض الأهالي مغادرة الجيش مركزه في البلدة، مؤكدين التمسّك بالأرض ورفض أي فراغ أمني.

وفيما قال رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش: «نتفهم أسباب الجيش بالإخلاء لكن قرارنا هو البقاء في البلدة»، وصدر عن أهالي البلدة بيان قالوا فيه: «في ظلّ التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها منطقتنا، نُفاجأ بطلب انسحاب القوى الأمنية اللبنانية من أرضنا، في وقتٍ نحن بأمسّ الحاجة إلى حضور الدولة ومؤسساتها لحماية المدنيين الأبرياء. إنّنا، أهالي عين إبل، نعلن بوضوح لا لبس فيه: نرفض رفضاً قاطعاً أي انسحاب للقوى الأمنية من بلدتنا، ونعد أن ترك المواطنين دون حماية هو أمر غير مقبول، ويشكّل خطراً مباشراً على حياتهم وأرزاقهم ووجودهم في أرضهم».

سكان عين إبل بجنوب لبنان يرحبون بالبطريرك الراعي في زيارة سابقة له إلى المنطقة (البطريركية المارونية)

وأضاف البيان: «لقد كان للجيش اللبناني والقوى الأمنية دور أساسي وحيوي في هذه المرحلة، حيث واكبوا قوافل المؤن والمحروقات، وأسهموا في تأمين وصولها إلى البلدة، كما عملوا على مواكبة الأهالي في تنقّلهم، سواء عند خروجهم من البلدة أو عودتهم إلى منازلهم في الأطراف، ما شكّل عامل أمان في ظل الظروف الراهنة»، مؤكداً أنّ «هذا الدور لا يمكن الاستغناء عنه، بل يجب تعزيزه، لأنّ أي انسحاب اليوم يعني تعريض هذه الجهود للخطر وترك الأهالي في مواجهة واقع أمني بالغ الحساسية دون أي حماية».

وشدّد البيان على أنّ «الجيش اللبناني والقوى الأمنية صمّام الأمان الأخير لأهلنا، ووجودهم إلى جانبنا هو عنصر ثبات وصمود، وغيابهم يفتح الباب أمام المجهول ويزيد منسوب الخطر على المدنيين».

وطالب الأهالي بالتراجع الفوري عن القرار، وتعزيز حضور الدولة بدل تقليصه، مؤكدين أن «تمسّكنا بالدولة اللبنانية هو خيار نهائي لا رجعة عنه، وأنّ صمودنا في أرضنا مرتبط بوجودها إلى جانبنا، لا بانسحابها من بيننا».

ويأتي انسحاب الجيش من هذه القرى مع التقدم الإسرائيلي المتواصل في جنوب الليطاني واستهداف الجيش اللبناني الذي كان أكثر من مرة عُرضة لنيران إسرائيلية في رسالة واضحة له لإبعاد العسكريين، وآخرها كان «تعرّض حاجز للجيش في بلدة العامرية على طريق القليلة - صور لاعتداء إسرائيلي، ما أدى إلى استشهاد أحد العسكريين وإصابة آخرين بجروح»، حسبما أعلنت قيادة الجيش.