حياة وردية في «السوشيال ميديا» لا تعكس الواقع المأساوي بقطاع غزة

غزيون يتهمون «حماس» بالتقاعس عن ضبط الأوضاع الحياتية

نازحون فلسطينيون يحاولون الحصول على وجبة طعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (إ.ب.أ)
نازحون فلسطينيون يحاولون الحصول على وجبة طعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (إ.ب.أ)
TT

حياة وردية في «السوشيال ميديا» لا تعكس الواقع المأساوي بقطاع غزة

نازحون فلسطينيون يحاولون الحصول على وجبة طعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (إ.ب.أ)
نازحون فلسطينيون يحاولون الحصول على وجبة طعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (إ.ب.أ)

مَن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي وما يوثقه بعض سكان قطاع غزة من ناشطين أو مؤثرين وأصحاب محال وغيرهم، يعتقد للوهلة الأولى أن القطاع لم يمر بحرب مدمرة استمرت عامين، وما زالت آثارها مستمرة على مختلف الصعد، وتتفاقم من يوم إلى آخر بفعل الواقع الصعب الذي ما زال يفرض نفسه على حياة السكان.

تلك الصور الوردية لبعض المحال التي أعيد افتتاحها بعد أن تم إصلاح الضرر الجزئي فيها، والتي نشرها نشطاء ومؤثرون عبر صفحاتهم في شبكات التواصل الاجتماعي، استغلتها بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تناولت بعض تقاريرها الوضع وكأن غزة تحولت إلى جنة، في حين ما زال الدمار على حاله، وجثث الضحايا تحت أنقاضه تعد بالآلاف، ولا يزال أكثر من مليون ونصف المليون يعيشون في خيام ومراكز إيواء بلا أماكن تحميهم من شتاء مرتقب، أو ارتفاع درجات الحرارة في هذه الأيام، إلى جانب استمرار الخروق وقتل أكثر من 200 فلسطيني في غضون أسبوعين أو أكثر قليلاً.

فتى فلسطيني يدفع «عربة» عليها أوعية قام بتعبئتها بالماء في مخيم للنازحين بدير البلح في وسط قطاع غزة السبت (أ.ب)

لا حسيب ولا رقيب

تقول الشابة مريم حمدان (31 عاماً)، من سكان حي النصر بمدينة غزة، إنها منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من الشهر الماضي، كانت تسمع عن دخول البضائع إلى القطاع، لكنها منذ ذلك الوقت وحتى الآن لم ترَ أن هناك تغيراً كبيراً على واقع الحال.

ولم تخفِ حمدان أنها تتفاجأ مما يُنشر عبر منصات «السوشيال ميديا» من مقاطع فيديو وغيرها، تصور الحياة وكأنها «رغيدة» داخل القطاع، مؤكدةً أن ما يدخل من بضائع لا يزال سعره باهظ الثمن، وأصحاب المحال الذين ينشرون الدعايات عبر صفحاتهم، وصفحات المؤثرين وغيرهم، يبيعون ما يصنعون من منتجات بأسعار خيالية بحاجة لراتب شخص يعيش في أوروبا، وفق وصفها.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نأمل عودة الأسعار إلى حد قريب من طبيعتها قبل الحرب، أو على الأقل مثل الهدنة الأولى في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن التجار يشاركون في الحرب ضدنا بطريقتهم من خلال استنزاف جيوبنا، بتحديد أسعار باهظة الثمن».

موظفون بلا حيلة

الموظف في السلطة الفلسطينية نعمان الشنطي (53 عاماً)، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه منذ وقف إطلاق النار لم يستطع شراء أي مجمدات سواء دواجن أو لحوم لعائلته المكونة من 9 أفراد، وكانوا جميعهم يمنّون النفس بتناولها، إلا أن أسعارها الباهظة الثمن حرمتهم منها.

فتاتان فلسطينيتان تجلسان أمام الخيمة التي تسكنها عائلتهما في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

وفعلياً، لم تتمكن غالبية سكان قطاع غزة من شراء أي من المجمدات التي دخلت للقطاع؛ إذ وصل سعر الكيلوغرام الواحد بحد أدنى إلى 75 شيقلاً (أكثر من 23 دولاراً)، ووصل في بعض الأحيان إلى 120 شيقلاً (أكثر من 36 دولاراً)، في حين كان قبل الحرب يتراوح ما بين 6 و8 شواقل (من دولار إلى دولارين).

يقول الشنطي ساخطاً: «احنا مش عارفين من وين نتلقاها، حياتنا صعبة وكارثية، وفيه ناس بتيجي بتعرض صور وفيديوهات وكأنه احنا في الجنة مش في غزة المدمرة والبائسة اللي فيها غالبية الموظفين الحكوميين مش قادرين يطعموا أولادهم».

«حماس» في الواجهة

وبينما تلتزم الجهات الحكومية التابعة لـ«حماس» الصمت تجاه ما يجري، فإنه يلاحظ انتشار طواقمها في الأسواق لمحاولة ضبط الأوضاع، في حين يتهمها نشطاء بأنها لا تتحرك بشكل كافٍ أو جاد إزاء المشاكل الاقتصادية التي يواجهها السكان، واتهمها البعض بأنها جزء من الأزمات الحالية بفعل الفساد وغياب الدور الرقابي والحكومي الجاد.

وعادت من جديد للواجهة، خاصةً في الأيام القليلة الماضية، محاولات سرقة المساعدات التي تدخل عبر بعض معابر القطاع؛ إذ تمت سرقة كميات من الدقيق والخيام والشوادر التي دخلت بكميات محدودة في الأيام الثلاثة الأخيرة عبر محور «فيلادلفيا»، مروراً بشارع «الرشيد» الساحلي.

يقول ناشط بارز في قطاع غزة، فضّل عدم ذكر هويته لأسباب تخص حياته في ظل الظروف الأمنية، إن «الاحتلال وأعوانه خلال الحرب لم ينفكوا عن ابتزاز المواطنين من خلال سرقة المساعدات وعرضها في السوق السوداء بأسعار باهظة، والآن بعد توقف الحرب لا نرى أي حراك جدي يمكن أن يوقف استمرار ابتزاز المواطنين في قوتهم اليومي بعد أن بدأ إدخال البضائع بشكل أفضل مما كان عليه قبل، وحتى أصبحنا نرى الدواجن، وهناك كميات من الغاز وغيرها من الاحتياجات اللازمة لكل مواطن، لكننا لا نرى عدلاً في بيعها أو توزيعها».

فتى فلسطيني يجر «عربة» بمخيم للنازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة السبت (أ.ب)

يضيف الناشط لـ«الشرق الأوسط»: «كل ما تمناه المواطن بعد كل هذا العناء كان مجرد وهم، وكان يعتقد الجميع أنه بعد توقف الحرب سيكون دور لحكومة (حماس) بغزة، لفرض النظام وضبط الأسعار ومنع الاستغلال والابتزاز، لكن النتائج كما هي (صفر كبير) وكأننا ما زلنا في خضم الحرب».

وكثيراً ما كانت تقول «حماس» إن عناصرها العاملين في المجال الحكومي ملاحقون من قبل إسرائيل، ويتعرضون للاغتيالات، وهو ما كانت تؤكده باستمرار مصادر ميدانية، إلا أن السكان والنشطاء يرون أن هذا المبرر لم يعد له قيمة حقيقية بعد انتهاء الحرب.

وخلال نقاش جرى في أحد غروبات «واتساب» الخاص بمجموعة من الصحافيين، تساءل أحد المراسلين لقناة فلسطينية محلية قائلاً: «إذا كان من يحكم غزة يتحجج بالقصف والحرب لتبرير تقصيره، فأين دوره اليوم في التخفيف عن المواطن وحمايته من هذا الاستغلال الحقير؟ المواطن الذي صمد وضحى في قرار لم يكن من اختياره، ومع ذلك صبر وتحمل، يُكافأ اليوم بالاستغلال وسياسة تبييض الجيوب لمصالح مَن؟ ولماذا لم يتم ضبط الأمور، خصوصاً من الجهة التي تجبي الضرائب من مواطن شرب الموت والدم؟».

في حين قال صحافي آخر: «الجميع يبرر بأن المشكلة في وزارة الاقتصاد... أي اقتصاد هذا الذي يجبي ولا يراعي المواطنين المكلومين؟ أقل وصفٍ لمثل هذا التصرف هو أنه خيانة لتضحيات الناس وصمودهم ودعمهم، ولو كان العكس لكنا رأينا شيئاً مختلفاً تماماً».

وباتت الاتهامات تزداد نحو حركة «حماس» بأنها عادت لفرض ضرائب على التجار، وقال التاجر جمال عبد ربه لـ«الشرق الأوسط» إنه يشتري المجمدات من كبار تجار القطاع بأسعار باهظة، ويضطر لبيعها بسعر أعلى قليلاً حتى يستطيع جني الأرباح البسيطة بالنسبة له، مبيناً أن كبار التجار على مستوى قطاع غزة أبلغوه أن وزارة الاقتصاد التابعة لحكومة غزة التي تديرها «حماس» تفرض عليهم ضرائب، ولذلك تباع المجمدات بأسعار باهظة.

وأوضح عبد ربه أن هناك مشكلة أيضاً تتعلق بزيادة الطلب على الدواجن من قبل المطاعم ومحال «الشاورما» تحديداً؛ ما يزيد من سعرها، وتباع بأثمان باهظة للسكان.

وما زالت حكومة غزة التي تديرها «حماس» تلتزم الصمت تجاه تلك الاتهامات، في حين قالت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» إنها بصدد اتخاذ خطوات جادة قد تبدأ تنفيذها الأحد من خلال إغلاق المطاعم ومحال «الشاورما»، حتى يكتفي السوق بالمجمدات التي تدخل، وبذلك ينخفض السعر لأكبر قدر ممكن، ليستطيع السكان شراءها، إلى جانب نشر قوات لحماية المساعدات على طول طريق مسار دخولها.

كما وُجهت اتهامات لهيئة البترول التابعة لحكومة «حماس» بالتلاعب بملف توزيع كميات الغاز، والتي ادعى بعض النشطاء أنه تم تسريب كميات منها لأصحاب المطاعم والمحال، بعد تشغيلها لبيع «الشاورما» وغيرها. في حين علق مصدر مطلع على الأمر لـ«الشرق الأوسط»، بأن هناك بعض أصحاب المحطات حصلوا على حصة مقابل عملية النقل، وقاموا ببيعها في السوق السوداء لأصحاب تلك المطاعم.

يقول المواطن رامي شحادة، معلقاً على هذه الأزمات: «كنا نراهن على وقف الحرب، وتبين لنا أنها أُوقفت لعودة الجباية من قبل حكومة (حماس)... كنا عايشين في وهم عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه، لكن تبين أن صمودنا كان عتبة لبقاء الضرائب، وأن نكون رهائن للمستغلين».


مقالات ذات صلة

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية- رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: خالد مشعل تواصل مع فصائل غزة لبحث مصير السلاح

تواصل حركة «حماس» إجراء مشاورات داخلية، ومع الفصائل الفلسطينية، بشأن مصير السلاح في قطاع غزة الذي تنص خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نزعه بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يقف بجوار مركبات عسكرية بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة 1 مايو 2024 (رويترز)

إسرائيل تعلن اغتيال قائد لواء شمال غزة في منظومة «حماس» البحرية

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه وجهاز الشاباك قضيا، يوم الاثنين، على قائد لواء شمال قطاع غزة في المنظومة البحرية التابعة لحركة «حماس» يونس محمد حسين عليان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي طائرة تحلق وسط تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على بيروت في 17 مارس 2026 (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة: التهديدات الإسرائيلية للبنان بمصير يشبه غزة «غير مقبولة»

عدّت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الثلاثاء، تصريحات وزير إسرائيلي من اليمين المتطرف «غير مقبولة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية، وأخرى مخابراتية بلباس مدني تتبع كافة القوى الأمنية للإمساك بالوضع الأمني وقطع الطريق على من يحاول الإخلال به، والإساءة لاستيعاب واحتضان أهالي بيروت للنازحين، وللحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي، على أن تتلازم مع تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيفهم لتفويت الفرصة على إسرائيل في رهانها على إحداث فتنة مذهبية مع تدفّق مزيد من موجات النزوح.

خيام للنازحين الهاربين من الجنوب والضاحية الجنوبية في وسط بيروت (رويترز)

فبيروت الإدارية اليوم غير ما كانت عليه قبل استقدام التعزيزات للإمساك بالوضع مع بدء الجيش بمؤازرة القوى الأمنية بتطبيق خطة متكاملة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري رفيع أن التحضير للخطة الأمنية التي بوشر بتنفيذها بدأ على مراحل بترؤس رئيس الجمهورية العماد عون الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الأعلى، وأتبعه بلقاء القيادات العسكرية والأمنية، تُوّج بوضع اللمسات الأخيرة عليها، وحُددت ساعة الصفر لتنفيذها، على أن تشمل بيروت الإدارية باعتبارها الحاضنة للعدد الأكبر من موجات النزوح، وتتبعها تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيف النازحين لطمأنتهم وتبديد ما لدى مضيفيهم من هواجس ومخاوف من التجاوزات التي تحصل، وعلى رأسها وجود أفراد يتجولون بأسلحتهم بين المراكز المخصصة لإيوائهم.

وكشف المصدر أن الاجتماعات التي عقدها عون تباعاً مع رئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي، والحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، جاءت في سياق التحضير للمناخ السياسي المواتي لوضع تنفيذ الخطة الأمنية على نار حامية، وقال إن استقبال برّي لوزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار هو للتأكيد على أن اللعب بالأمن خط أحمر ولا يمكن السماح لأي كان بتهديده، وأن الخطة تحظى بتأييد برّي لتدارك حصول احتكاكات أو إشكالات بين النازحين ومضيفيهم، مبدياً ارتياحه لاحتضانهم واستيعابهم وللحملات التضامنية بالتعاون مع القوى السياسية في العاصمة والأماكن الأخرى لتأمين احتياجاتهم الضرورية.

وأكد أن برّي لم يتردد في طلب التشدُّد لضمان تنفيذ الإجراءات والتدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع أي تفلُّت أمني يفتح الباب أمام إغراق العاصمة في فتن مذهبية متنقلة، ووجوب التدخل فوراً لوأدها بملاحقة المخلين بالأمن ومحاسبتهم أمام القضاء المختص، ما يشكل شبكة أمان لقطع الطريق على إسرائيل التي تراهن على أن تدفق موجات النازحين إلى بيروت الإدارية سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى قنابل موقوتة سرعان ما تنفجر ويصعب السيطرة عليها، وتؤدي إلى إقحامها في نزاعات مذهبية. وقال إن التقارير التي ترد يومياً إلى عون من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية تشير إلى أن 80 في المائة من الإشكالات تحصل بين النازحين أنفسهم، في حين أن 20 في المائة منها يعود إلى إشكالات فردية بين النازحين والمضيفين تتطلب معالجتها فوراً للسيطرة عليها لعدم تعكير علاقتهم بمضيفيهم.

لا يزال مئات النازحين ينامون في خيام بوسط بيروت رافضين الانتقال إلى مراكز للنزوح في الشمال أو جبل لبنان (رويترز)

ولفت المصدر إلى أن التنسيق قائم بين القيادات الأمنية والمعنيين بملف النزوح في حركة «أمل» و«حزب الله» بغية التعاون لتفادي التجاوزات التي تحصل من دون مبرر لها، ومعظمها يتعلق بمرور سيارات حزبية في شوارع العاصمة يصر أصحابها على بث الأناشيد والخطب، ومعظمها للأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل، وهذا يستدعي تدخلهم لوضع حد لهذه التصرفات التي ترتد سلباً على تضامن البيارتة مع النازحين. وأكد أن مسؤولين في «حزب الله» ممن يهتمون بالنازحين يشكون باستمرار، في اتصالاتهم بالقيادات العسكرية والأمنية ووزراء، من وجود حملات تحريض على النازحين، وتحديداً ضد الجماعات المنتمية للحزب، ما يرفع من منسوب الاحتقان، وهم يغمزون من قناة حزب معين، في إشارة إلى «القوات اللبنانية»، بذريعة أنه يضيّق الحصار عليهم ويمنعهم من الإقامة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وقيل لمسؤولي الحزب، كما علمت «الشرق الأوسط»، إنه لا مشكلة تعوق معالجة ما يشكو منه بعض النازحين شرط أن يتجاوب الحزب مع رغبتهم في منع تنقل بعضهم، وإن كانوا قلة، بسلاح لا مبرر له ولا يخدم التضامن مع النازحين. فالشكوى في هذا الخصوص لا تقتصر على حزب معين، وإنما تكاد تكون شائعة لدى أهالي بيروت.

كما طالبوهم بضبط أداء مسؤوليه ومنعهم من استخدام المواقف والخطب النارية من العيار الثقيل التي تولد حالات من الحذر والريبة، وتذكّر أهالي العاصمة باجتياحه مدينتهم في مايو (أيار) 2008 احتجاجاً على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك بتفكيك شبكة الاتصال الخاصة التابعة للحزب. فالضرورة تقضي، بحسب المصدر، بالحفاظ على التعايش في العاصمة والمناطق التي تستضيف النازحين بدلاً من اتباع بعض المجموعات سلوكاً لا يخلو من الاستفزاز.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن نواباً سألوا زملاءهم في كتلة «الوفاء للمقاومة» عن الجدوى من تهديد أمين عام الحزب نعيم قاسم اللبنانيين بالحرب الأهلية، وملاقاته من قبل نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بإطلاق تهديدات ببتر اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة، وانضمام مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق في الحزب وفيق صفا لاحقاً إليهما بتهديده بالنزول إلى الشارع ما لم تتراجع الحكومة عن قرارها الأخير المتعلق بالجناح العسكري للحزب؟

وتوقف هؤلاء النواب المنتمون إلى كتل متعددة أمام اضطرار برّي للتدخل في حينها لدى الحزب لمنع توجّه محازبيه بمسيرات سيّارة إلى بيروت بذريعة الاحتجاج على ما يسمونه بـ«الخطيئة» التي ارتكبتها الحكومة بدعوة الحزب لتسليم سلاحه تطبيقاً لحصريته بيد الدولة، مبدين ارتياحهم لرد فعله أمام زواره على تهديد صفا الذي لا مبرر له وكان في غنى عنه، ما يضع قاسم أمام مسؤوليته حيال برّي، الذي يسعى جاهداً لتنقية الأجواء من الشوائب التي تعتريها والتي تعود إلى تجاوزات لا جدوى منها سوى أنها ترفع منسوب الاحتقان الذي وحدها إسرائيل هي المستفيدة منه بزرع الشقاق بين اللبنانيين، وتهديد وحدتهم التي هي بمنزلة سلاح معنوي في تصديهم للأخطار التي تهدد بلدهم. ويبقى على الحزب أن يستجيب للإجراءات والتدابير التي وحدها توفر شبكة الأمان للنازحين ومضيفيهم في آن واحد، وهذا يتطلب منه بالدرجة الأولى التصدي لحالات الانفلاش التي تُقلق مضيفيهم.


الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
TT

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

مع تصاعد الضربات الأميركية التي طالت مواقع عسكرية في العراق خلال الأيام الأخيرة، عادت الحبّانية إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاستهداف طال وحدات من الجيش العراقي، في موقع مشترك دون تسجيل خسائر في صفوف «الحشد الشعبي»، رغم أن القاعدة تُستخدم غالباً موقع انتشار مشتركاً.

وحسب بيان وزارة الدفاع العراقية، فإن الضحايا الذين سقطوا في القصف هم من منتسبي الجيش، في تطور لافت يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك، في واحدة من أكثر المناطق حساسية غرب البلاد.

جنود عراقيون يتفقدون موقعاً مُدمَّراً في قاعدة الحبّانية استُهدف بغارة جوية 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الصحراء والدولة

تقع الحبّانية على مسافة نحو 85 كيلومتراً من بغداد، وعلى مسافة قريبة من الفلوجة، وتجمع بين بيئة صحراوية من الغرب ومراكز حضرية من الشرق. وتُعد بحيرتها، التي تمتد على مئات الكيلومترات المربعة، واحدة من أبرز المسطحات المائية في غرب العراق؛ ما منحها أهمية زراعية وسياحية على حد سواء.

لكن أهمية الحبّانية لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، بل تتجاوزها إلى دورها التاريخي في تشكل الدولة العراقية الحديثة.

صورة متداولة... منظر عام لبحيرة الحبّانية

سيادة عراقية

تعود جذور الحبّانية الحديثة إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين أنشأت بريطانيا قاعدة RAF Habbaniya، لتكون إحدى أهم ركائز نفوذها العسكري في البلاد. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً؛ إذ وفر المسطح المائي والفضاء المفتوح بيئة مثالية للتدريب والعمليات الجوية.

وبرز دور القاعدة بشكل حاسم خلال حرب 1941 في العراق، حين تحولت مركزاً للمواجهة بين القوات البريطانية والجيش العراقي، في واحدة من أولى اللحظات التي تداخل فيها العامل العسكري مع الصراع السياسي في العراق الحديث.

وجعل هذا الإرث الحبّانية، في وعي الضباط العراقيين لاحقاً، رمزاً للنفوذ الأجنبي، وهو ما انعكس على المزاج العسكري الذي مهّد لثورة ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام مرحلة الانقلابات.

أرشيفية تعود لعام 1956 لمطار الحبّانية العسكري

ظل الانقلابات

خلال عقدي الخمسينات والستينات، لم تكن الحبّانية مركزاً مباشراً للانقلابات، لكنها بقيت جزءاً من البنية العسكرية التي تقوم عليها موازين القوة. فالقواعد الجوية، ومنها الحبّانية، كانت عنصراً حاسماً في أي تحرك عسكري، سواء لضمان السيطرة على الأجواء أو لتأمين خطوط الإمداد.

ومع انسحاب البريطانيين أواخر الخمسينات، تحولت القاعدة إلى منشأة عراقية خالصة، لتدخل ضمن شبكة مواقع عسكرية لعبت أدواراً غير مباشرة في الصراعات السياسية المتلاحقة.

صورة التقطها جندي أميركي عام 2009 لمدخل مقبرة الجنود البريطانيين في الحبّانية (إنستغرام)

عمق الحرب

خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اكتسبت الحبّانية وظيفة مختلفة؛ إذ تحولت قاعدةً خلفية بعيدة نسبياً عن جبهات القتال المباشرة. واستُخدمت في التدريب وإعادة تنظيم الوحدات، فضلاً عن كونها جزءاً من العمق اللوجيستي للقوة الجوية العراقية.

هذا الموقع «الآمن نسبياً» جعلها منطقة استقرار عسكري، مقارنة بالقواعد القريبة من الحدود الشرقية التي تعرضت لهجمات متكررة.

إلى جانب دورها العسكري، عُرفت الحبّانية بصفتها وجهةً سياحية بارزة منذ السبعينات، مع تطوير منتجعها المطل على البحيرة، الذي افتُتح أواخر عهد الملكية وتوسع لاحقاً في السبعينات والثمانينات.

في تلك الفترة، كان المنتجع يعدّ من أبرز المصايف في العراق، ووجهةً للأزواج الجدد، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً بفعل الحروب والعقوبات ثم الفوضى الأمنية بعد 2003.

وتعرضت منشآته لدمار واسع خلال سنوات العنف، خصوصاً بعد سيطرة جماعات إرهابية على أجزاء منه بين 2006 و2007، قبل أن تستعيده القوات العراقية لاحقاً، دون أن يستعيد بريقه السابق.

صورة من أرشيف العريف تايلر ب. بارستو لجندية من المارينز الأميركي داخل المقبرة البريطانية في الحبّانية صيف 2009 (إنستغرام)

جفاف

بيئياً، تعكس بحيرة الحبّانية تقلبات حادة. فهي تعتمد بشكل كبير على الأمطار والإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات؛ ما يجعلها عرضة للجفاف في سنوات الشح.

وخرجت البحيرة عن الخدمة جزئياً خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض مناسيب المياه؛ ما أدى إلى اختلالات بيئية دفعت حيوانات برية، بينها الخنازير، إلى الاقتراب من المناطق السكنية.

لكن الموسم المطري الأخير أسهم، وفق وزارة الموارد المائية، في إنعاش البحيرة جزئياً، بعد توجيه إيرادات مائية عبر ناظمي الورار والذبان، في محاولة لإعادة التوازن البيئي وتعزيز الخزين المائي.

وتعود الحبّانية إلى دائرة الضوء، لكن ليس بصفتها منتجعاً ولا قاعدة تدريب، بل بصفتها ساحةً ضمن صراع إقليمي معقد. وبينما تتغير طبيعة الأدوار، تبقى القاعدة ثابتة في موقعها: نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.

فمن قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق نفسه، بلد تتقاطع فيه الحروب مع الذاكرة، والطبيعة مع السياسة.


العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
TT

العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)

بحث رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الخميس، مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تطورات الأحداث في المنطقة.

وذكرت الحكومة العراقية، في بيان صحافي، الخميس، أن السوداني والملك عبد الله أكدا، خلال اتصال هاتفي، أهمية السعي الحثيث لوقف الحرب، وتعزيز التنسيق المشترك بين جميع الدول المعنية من أجل الحد من تداعياتها على الوضع الإقليمي والدولي.

كما حذّر الجانبان من الآثار المترتبة على الحرب التي انعكست على الجانب الاقتصادي وتأكيد بذل الجهود المطلوبة التي تضمن حرية الملاحة وفقاً للقوانين الدولية.